«رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٠٧

الحديث رقم ٦٢٠٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كنية المشرك.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه…

«رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَسَارَا حَتَّى

⦗٤٦⦘

مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ بَدْرًا فَقَتَلَ اللهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايِعُوا رَسُولَ اللهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا.»

سند حديث: ٦٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٦٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه…

ركب النبي صلى الله عليه وسلم على حمار به كساء غليظ منسوب إلى بلد فدك، وأركَب أسامة بن زيد خلفه، ليزور سعد بن عبادة في منازل قومه بني الحارث بن الخزرج وكان مريضًا، وكان ذلك قبل غزوة بدر، فمر بمجلس فيه عبدالله بن أبي ابن سلول قبل أن يظهر الإسلام، وهو حينئذٍ كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وكان بالمجلس أنواع من المسلمين والمشركين الذين يعبدون الأوثان واليهود، وكان في المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فغطى المجلس غبار دابة النبي صلى الله عليه وسلم، فغطى عبد الله بن أبي أنفه بملابسه وقال: لا تثيروا الغبار علينا، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ناويًا المسلمين، أو أن هذا التسليم كان قبل النهي عن بدء الكفار بالسلام، ثم وقف فنزل عن الدابة، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الشخص، إنه لا شيء أحسن مما تقول، فإن كان ما تقوله حق فلا تزعجنا به في مجالسنا، ارجع إلى منزلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فأخبرنا به في مجالسنا فإننا نحب ذلك، فتشاجر المسلمون والمشركون واليهود الموجودون في ذلك المجلس حتى قاربوا أن يثور بعضهم على بعض فيقتتلوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُسكِّنهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فمشى حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد، هل سمعت ما قال أبو حباب؟ يقصد عبدالله بن أبي، قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف عنه واصفح عنه، فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق والوحي الذي أنزل عليك، ولقد اتفق أهل المدينة على أن يتوِّجوه بتاج الملك ويُعمِّمونه بعمامة الملوك، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله حسدك بذلك الحق الذي أعطاك الله، والذي اجتمع عليهأهل المدينة وائتلفوا، فذلك الحق الذي أتيت به فعل به ما رأيت من فعله وقوله القبيح، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] الآية، وقال الله: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل العفو كما أمره الله به، حتى أذن الله له فيهم بالقتال فترك العفو عنهم بالنسبة للقتال وإلا فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمن والفداء وغير ذلك، فلما غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فقتل الله به سادات كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد ظهر وجهه، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا ظاهرًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز العيادة راكبًا.
  • ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع، حيث كان يردف خلفه.
  • جواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب إذا كانت الدابة تطيق ذلك.
  • مشروعية عيادة المريض، وعيادة الكبير بعض أتباعه في داره.
  • ركوب الحمار ليس بنقص في حق العظماء.
  • جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار، وينبغي أن ينوي المسلمين.
  • الاستراحة ببث الشكوى للصاحب، ولمن يتسلى بحديثه، وينتفع برأيه.
  • جواز ذكر الكافر بكنيته.
  • ما كان يلقاه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من المنافقين من الأذى، ولكنهم يعفون عنهم ويصفحون، عملًا بأمر الله عز وجل لهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَاضِي الْقُضَاةِ وَإِنْ كَانَ اشْتُهِرَ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى كَبِيرِ الْقُضَاةِ، وَقَدْ سَلِمَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْمُ كَبِيرِ الْقُضَاةِ عِنْدَهُمْ قَاضِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَدَبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ; لِأَنَّ الزَّجْرَ عَنْ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَالْوَعِيدَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَرَادَ مَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ أَنَّهُ مَلِكٌ عَلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ أَمْ عَلَى بَعْضِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُحِقًّا فِي ذَلِكَ أَمْ مُبْطِلًا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَكَانَ فِيهِ صَادِقًا وَمَنْ قَصَدَهُ وَكَانَ فِيهِ كَاذِبًا.

قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، وَهِيَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (رِوَايَةٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ: يَبْلُغُ بِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلُهُ، وَكِلَاهُمَا كِنَايَةٌ عَنِ الرَّفْعِ بِمَعْنَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ.

١١٥ - بَاب كُنْيَةِ الْمُشْرِكِ، وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ

٦٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ. وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا، حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنوا.

ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيدِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. قال البخاريُّ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثنا» بواو العطف على السَّند السَّابق (إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميدِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبدِ الله بنِ أبي عتيقٍ، واسمه محمَّدُ ابن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ) كساءٌ (فَدَكِيَّةٌ) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف والتحتية المشددة، نسبة لقريةٍ قرب المدينةِ تسمَّى فَدَك، ولأبي ذرٍّ: «على قطيفةٍ فَدَكيَّة» (وَأُسَامَةُ) بن زيدٍ (وَرَاءَهُ) حالَ كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي) منازلِ (بَنِي حَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بغير ألف ولام في حارث (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا) أي: النَّبيُّ وأسامة (حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية منونة (ابْنُ سَلُولَ) برفع «ابن» صفة لعبد الله؛ لأنَّ سَلول أمُّ عبد الله، وهي بفتح السين المهملة (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم التحتية وسكون السين المهملة، أي: قبل أن يظهرَ إسلامهُ ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بالخاء المعجمة الساكنة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلثة، وجر «عبدة» بدلًا ممَّا قبله (وَاليَهُودِ) عطفٌ على «عبدة»، أو على «المشركين» (وَفِي المُسْلِمِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «وفي المجلس» بدل: «وفي المسلمين»، (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة، الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين المهملة والجيمين بينهما ألف مخففًا، أي: غُبارها (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة والميم المشددة بعدها راء، غَطَّى

(ابْنُ أُبَيٍّ) عبد الله (أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحدة بعد المعجمة، أي: لا تُثيروا علينا الغُبار (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة والسين المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة، أفعل تفضيل اسمُ «لا» وخبرها شيء المقدر (١) (إِنْ كَانَ حَقًّا) ويجوزُ أن تكون «إن كان حقًّا» شرطًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا أُحْسِن» بضم الهمزة وكسر السين «ما تقول» بإسقاطِ الميم الأولى (فَلَا تُؤْذِنَا) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة، وعلى القولِ بأنَّ «إن كان حقًّا» شرط فجزاؤهُ فلا تؤذنا (بِهِ) بقولك (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمعِ (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) : (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا) بهمزة وصلٍ وفتح الشين المعجمة، زاد أبو ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «به» أي: بقولكَ (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمع (فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) بالتَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة ثمَّ المثلَّثة المفتوحات، أي: قاربوا أن يثبَ بعضُهم على بعض فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء مشددة مكسورة، وفي «اليونينيَّة»: بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة (٢)، يسكِّنهم (٣) (حَتَّى سَكَتُوا) بالفوقية من السُّكوت، وللحَمُّويي والمُستملي: «سكنوا» بالنون بدل الفوقية (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) يعودهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَيْ سَعْدُ) وفي «تفسيرِ آل عمران»: يا سعدُ [خ¦٤٥٦٦] (أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى المخفَّفة (يُرِيدُ) (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ عبد الله لم يكن يُظهر الإسلام، فذكره النَّبيُّ بكنيتهِ في غيبتهِ (قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا» (رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) أي مفدَّى بأبي (اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ

الكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة والزاي (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة، البلدة وهي المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «البُحَيرة» بضم الموحدة، مصغَّرًا (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج الملكِ (وَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعصابةِ الملك» (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء (١)، غصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الَّذي أعطاك (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من (٢) فعله وقولهِ القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ، وَأَصْحَابُهُ) (يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٦]) يعني اليهودَ والنَّصارى (الآيَةَ، وَقَالَ) تعالى: (﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩]) الآية (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَأَوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ) والتَّأويل تفسيرُ ما يؤول إليه الشَّيء (حَتَّى أَذِنَ) تعالى (لَهُ) (فِيهِمْ) بالقتالِ، فترك العفوَ عنهم بالنِّسبة للقتالِ (فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ) جمع صنديد، وهو السَّيِّد الشُّجاع (فَقَفَلَ) بالفاء (٣) أي: رجعَ (رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) من بدرٍ (مَنْصُورِينَ) على الكفَّار (غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى) بضم الهمزة (مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ. قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) برفع ابن (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) لمَّا رأوا نصرَ المسلمين (٤) ومَغْنمهم (هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ) أي: ظهرَ وجهُه (فَبَايِعُوا) بكسر التحتيَّة (رَسُولَ اللهِ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «وأسلِموا» بالواو وكسر اللَّام.

والحديث مرَّ في «تفسير سورةِ آل عمران» [خ¦٤٥٦٦].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَيجمع عِنْدهم بِالْألف وَالنُّون فِي بنى آدم، وشاه مُفْرد وَمَعْنَاهُ الْملك، وَلَكِن من قَاعِدَة الْعَجم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وَتَقْدِيم الصّفة على الْمَوْصُوف، وشاهان بِسُكُون النُّون لَا بِكَسْرِهَا.

١١٥ - (بابُ كُنْيَة المُشْرِكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: هَل يجوز كنية الْمُشرك ابْتِدَاء، وَإِذا كَانَت لَهُ كنية هَل يجوز خطابه بهَا؟ وَهل يجوز ذكره بهَا إِذا كَانَ غَائِبا؟ .

وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: إلَاّ أنْ يُرِيدَ ابنُ أبي طالِبٍ

هَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَثَبت للباقين. قَوْله: (مسور) كَذَا هُوَ مُجَرّد عَن الْألف وَاللَّام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم: الْمسور، وَهُوَ الْأَشْهر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن مخرمَة الزُّهْرِيّ وَقد تعدد ذكره، وَوصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق بِتَمَامِهِ فِي: بَاب ذب الرجل عَن ابْنَته، فِي أَوَاخِر كتاب النِّكَاح: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة اسْتَأْذنُوا فِي أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب، فَلَا آذن ثمَّ لَا آذن إلَاّ أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي وينكح ابنتهم ... الحَدِيث.

٦٢٠٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وحدّثنا إسماعيلُ قَالَ: حدّثني أخي عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ عَنْ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهُمَا أخبرهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكِبَ عَلَى حِمار عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكيَّةٌ وأُسامَةُ وراءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ فِي بَني الحارِبِ بن الخَزْرَجِ قَبْلَ وَقَعةِ بَدْرٍ، فَسارا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ الله بنُ أبيّ بنُ سَلُولَ، وذالِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ الله بنُ أبيّ، فَإِذا فِي المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وَفِي المُسْلِمِينَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابنُ أُبَيّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى الله وقَرَأَ عَلَيْهِمْ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بنُ أُبيّ ابنُ سَلُولَ: أيُّها المَرْءُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إنْ كَانَ حَقًّا، فَلا تُؤْذِنا بِهِ فِي مَجالِسِنا، فَمَنْ جاءَكَ فًّقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ: بَلاى يَا رَسُول الله فاغْشَنا بِهِ فِي مَجالِسِنا فإنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى كادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دابَّتَهُ فَسارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيْ سَعْدُ {ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُبابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ الله بنَ أبَيّ قَالَ: كَذا وكَذا، فَقَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: أَي: رسولَ الله} بِأبي أنْتَ، اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوَالذي أنْزَل عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ الله بالحَقِّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ، ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويُعَصِّبُوهُ بالعصابَةِ فَلَمَّا رَدَّ الله ذالِكَ بالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ فَذالِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأيْتَ، فَعَفا عَنْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَمَا

أمَرَهُمُ الله ويَصْبِرُونَ عَلَى الأذاى، قَالَ الله تَعَالَى: { (٣) ولتسمعن من الَّذين. . الْكتاب} (آل عمرَان: ١٨٦) الْآيَة. وَقَالَ: { (٢) ود كثير. . الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٠٩) فَكانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَأوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أمَرَه الله بِهِ حَتَّى أذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلمَّا غَزَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بَدْراً فَقَتَلَ الله بِها مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادَةِ قُرَيْشٍ فَقَفَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ مَنْصُورينَ غانِمينَ مَعَهُمْ أسارَى مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادةِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ: هاذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبايِعُوا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الإسْلامِ فأسْلَمُوا.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبُو حباب) فَإِنَّهُ كنية عبد الله بن أبي وَهُوَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة أَيْضا وَهُوَ إسم الشَّيْطَان وَيَقَع على الْحَيَّة أَيْضا، وَقيل: الْحباب حَيَّة بِعَينهَا، والحباب بِفَتْح الْحَاء الطل الَّذِي يصبح على النَّبَات، وحباب المَاء نفاخاته الَّتِي تطفو عَلَيْهِ.

وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا فِي: بَاب الردف على الْحمار، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان بِطُولِهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء.

فَقَوله: (قطيفة) هِيَ الكساء نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْكَاف وَهِي قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة. قَوْله: من بني الْحَارِث) ويروى: من بني حَارِث، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (ابْن سلول) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة لعبد الله، وسلول إسم أمه. قَوْله: (وَالْيَهُود) عطف على العبدة أَو على الْمُشْركين. قَوْله: (عجاجة الدَّابَّة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْجِيم الأولى وَهِي الْغُبَار. قَوْله: (خمر عبد الله) أَي: غطى. قَوْله: (لَا تغبروا علينا) أَي: لَا تثيروا الْغُبَار. قَوْله: (لَا أحسن) أفعل التَّفْضِيل أَي: لَا أحسن من الْقُرْآن إِن كَانَ حَقًا، وَيجوز أَن يكون إِن كَانَ حَقًا شرطا. وَقَوله: (فَلَا تؤذنا) جَزَاؤُهُ قيل: قَالَه استهزاء. قَوْله: (يتثاورون) أَي: يتواثبون. قَوْله: (أَي سعد) يَعْنِي: يَا سعد. قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدّى بِأبي. قَوْله: (هَذِه البحرة) أَي: الْبَلدة، ويروى: الْبحيرَة بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (وتوجوه) ، أَي: جَعَلُوهُ ملكا وعصبوا رَأسه بعصابة الْملك وَهَذَا كِنَايَة، وَيحْتَمل إِرَادَة الْحَقِيقَة أَيْضا. قَوْله: (شَرق) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء أَي: غص بِهِ، وَبَقِي فِي حلقه لَا يصعد وَلَا ينزل كَأَنَّهُ يَمُوت. قَوْله: (يتَأَوَّل) من التأول والتأويل مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء. قَوْله: (من صَنَادِيد الْكفَّار) جمع الصنديد وَهُوَ السَّيِّد الشجاع. قَوْله: (فقفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: رَجَعَ. قَوْله: (قد توجه) أَي: أقبل على التَّمام وَيُقَال: توجه الشَّيْخ أَي كبر. قَوْله: (وَبَايَعُوا) بِلَفْظ الْأَمر أَولا، والماضي ثَانِيًا.

٦٢٠٨ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ حَدثنَا عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل عَنْ عَبَّاس بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَالَ: يَا رسولَ الله! هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضاحٍ مِنْ نَار لَوْلا أنَا لَكان فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٨٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبَا طَالب) فَإِنَّهُ كنية عبد منَاف وَهُوَ شَقِيق عبد الله وَالِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَعبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب يروي عَن عَم جده الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

والْحَدِيث مضى فِي ذكر أبي طَالب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك عَن عبد الله بن الْحَارِث إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي صفة الْجنَّة وَالنَّار عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ مُخْتَصرا، وَمضى الْكَلَام

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَاضِي الْقُضَاةِ وَإِنْ كَانَ اشْتُهِرَ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى كَبِيرِ الْقُضَاةِ، وَقَدْ سَلِمَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْمُ كَبِيرِ الْقُضَاةِ عِنْدَهُمْ قَاضِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَدَبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ; لِأَنَّ الزَّجْرَ عَنْ مَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَالْوَعِيدَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَرَادَ مَنْ تَسَمَّى بِذَلِكَ أَنَّهُ مَلِكٌ عَلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ أَمْ عَلَى بَعْضِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُحِقًّا فِي ذَلِكَ أَمْ مُبْطِلًا، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَكَانَ فِيهِ صَادِقًا وَمَنْ قَصَدَهُ وَكَانَ فِيهِ كَاذِبًا.

قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، وَهِيَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (رِوَايَةٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ: يَبْلُغُ بِهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلُهُ، وَكِلَاهُمَا كِنَايَةٌ عَنِ الرَّفْعِ بِمَعْنَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ.

١١٥ - بَاب كُنْيَةِ الْمُشْرِكِ، وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ

٦٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ. وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا، حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنوا.

ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيدِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. قال البخاريُّ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثنا» بواو العطف على السَّند السَّابق (إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميدِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبدِ الله بنِ أبي عتيقٍ، واسمه محمَّدُ ابن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ) كساءٌ (فَدَكِيَّةٌ) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف والتحتية المشددة، نسبة لقريةٍ قرب المدينةِ تسمَّى فَدَك، ولأبي ذرٍّ: «على قطيفةٍ فَدَكيَّة» (وَأُسَامَةُ) بن زيدٍ (وَرَاءَهُ) حالَ كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي) منازلِ (بَنِي حَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بغير ألف ولام في حارث (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا) أي: النَّبيُّ وأسامة (حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية منونة (ابْنُ سَلُولَ) برفع «ابن» صفة لعبد الله؛ لأنَّ سَلول أمُّ عبد الله، وهي بفتح السين المهملة (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم التحتية وسكون السين المهملة، أي: قبل أن يظهرَ إسلامهُ ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بالخاء المعجمة الساكنة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلثة، وجر «عبدة» بدلًا ممَّا قبله (وَاليَهُودِ) عطفٌ على «عبدة»، أو على «المشركين» (وَفِي المُسْلِمِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «وفي المجلس» بدل: «وفي المسلمين»، (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة، الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين المهملة والجيمين بينهما ألف مخففًا، أي: غُبارها (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة والميم المشددة بعدها راء، غَطَّى

(ابْنُ أُبَيٍّ) عبد الله (أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحدة بعد المعجمة، أي: لا تُثيروا علينا الغُبار (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة والسين المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة، أفعل تفضيل اسمُ «لا» وخبرها شيء المقدر (١) (إِنْ كَانَ حَقًّا) ويجوزُ أن تكون «إن كان حقًّا» شرطًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا أُحْسِن» بضم الهمزة وكسر السين «ما تقول» بإسقاطِ الميم الأولى (فَلَا تُؤْذِنَا) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة، وعلى القولِ بأنَّ «إن كان حقًّا» شرط فجزاؤهُ فلا تؤذنا (بِهِ) بقولك (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمعِ (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) : (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا) بهمزة وصلٍ وفتح الشين المعجمة، زاد أبو ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «به» أي: بقولكَ (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمع (فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) بالتَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة ثمَّ المثلَّثة المفتوحات، أي: قاربوا أن يثبَ بعضُهم على بعض فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء مشددة مكسورة، وفي «اليونينيَّة»: بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة (٢)، يسكِّنهم (٣) (حَتَّى سَكَتُوا) بالفوقية من السُّكوت، وللحَمُّويي والمُستملي: «سكنوا» بالنون بدل الفوقية (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) يعودهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَيْ سَعْدُ) وفي «تفسيرِ آل عمران»: يا سعدُ [خ¦٤٥٦٦] (أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى المخفَّفة (يُرِيدُ) (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ عبد الله لم يكن يُظهر الإسلام، فذكره النَّبيُّ بكنيتهِ في غيبتهِ (قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا» (رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) أي مفدَّى بأبي (اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ

الكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة والزاي (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة، البلدة وهي المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «البُحَيرة» بضم الموحدة، مصغَّرًا (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج الملكِ (وَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعصابةِ الملك» (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء (١)، غصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الَّذي أعطاك (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من (٢) فعله وقولهِ القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ، وَأَصْحَابُهُ) (يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٦]) يعني اليهودَ والنَّصارى (الآيَةَ، وَقَالَ) تعالى: (﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩]) الآية (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَأَوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ) والتَّأويل تفسيرُ ما يؤول إليه الشَّيء (حَتَّى أَذِنَ) تعالى (لَهُ) (فِيهِمْ) بالقتالِ، فترك العفوَ عنهم بالنِّسبة للقتالِ (فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ) جمع صنديد، وهو السَّيِّد الشُّجاع (فَقَفَلَ) بالفاء (٣) أي: رجعَ (رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ) من بدرٍ (مَنْصُورِينَ) على الكفَّار (غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى) بضم الهمزة (مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ. قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) برفع ابن (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) لمَّا رأوا نصرَ المسلمين (٤) ومَغْنمهم (هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ) أي: ظهرَ وجهُه (فَبَايِعُوا) بكسر التحتيَّة (رَسُولَ اللهِ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «وأسلِموا» بالواو وكسر اللَّام.

والحديث مرَّ في «تفسير سورةِ آل عمران» [خ¦٤٥٦٦].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَيجمع عِنْدهم بِالْألف وَالنُّون فِي بنى آدم، وشاه مُفْرد وَمَعْنَاهُ الْملك، وَلَكِن من قَاعِدَة الْعَجم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وَتَقْدِيم الصّفة على الْمَوْصُوف، وشاهان بِسُكُون النُّون لَا بِكَسْرِهَا.

١١٥ - (بابُ كُنْيَة المُشْرِكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: هَل يجوز كنية الْمُشرك ابْتِدَاء، وَإِذا كَانَت لَهُ كنية هَل يجوز خطابه بهَا؟ وَهل يجوز ذكره بهَا إِذا كَانَ غَائِبا؟ .

وَقَالَ مِسْوَرٌ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: إلَاّ أنْ يُرِيدَ ابنُ أبي طالِبٍ

هَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَثَبت للباقين. قَوْله: (مسور) كَذَا هُوَ مُجَرّد عَن الْألف وَاللَّام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم: الْمسور، وَهُوَ الْأَشْهر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن مخرمَة الزُّهْرِيّ وَقد تعدد ذكره، وَوصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق بِتَمَامِهِ فِي: بَاب ذب الرجل عَن ابْنَته، فِي أَوَاخِر كتاب النِّكَاح: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا اللَّيْث عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر: إِن بني هِشَام بن الْمُغيرَة اسْتَأْذنُوا فِي أَن ينكحوا ابنتهم عَليّ بن أبي طَالب، فَلَا آذن ثمَّ لَا آذن إلَاّ أَن يُرِيد ابْن أبي طَالب أَن يُطلق ابْنَتي وينكح ابنتهم ... الحَدِيث.

٦٢٠٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وحدّثنا إسماعيلُ قَالَ: حدّثني أخي عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ عَنْ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهُمَا أخبرهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكِبَ عَلَى حِمار عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكيَّةٌ وأُسامَةُ وراءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ فِي بَني الحارِبِ بن الخَزْرَجِ قَبْلَ وَقَعةِ بَدْرٍ، فَسارا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ الله بنُ أبيّ بنُ سَلُولَ، وذالِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ الله بنُ أبيّ، فَإِذا فِي المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وَفِي المُسْلِمِينَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ ابنُ أُبَيّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعاهُمْ إِلَى الله وقَرَأَ عَلَيْهِمْ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بنُ أُبيّ ابنُ سَلُولَ: أيُّها المَرْءُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إنْ كَانَ حَقًّا، فَلا تُؤْذِنا بِهِ فِي مَجالِسِنا، فَمَنْ جاءَكَ فًّقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ رَواحَةَ: بَلاى يَا رَسُول الله فاغْشَنا بِهِ فِي مَجالِسِنا فإنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى كادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَخْفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دابَّتَهُ فَسارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أيْ سَعْدُ {ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُبابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ الله بنَ أبَيّ قَالَ: كَذا وكَذا، فَقَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: أَي: رسولَ الله} بِأبي أنْتَ، اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوَالذي أنْزَل عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ الله بالحَقِّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ، ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويُعَصِّبُوهُ بالعصابَةِ فَلَمَّا رَدَّ الله ذالِكَ بالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ فَذالِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأيْتَ، فَعَفا عَنْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَمَا

أمَرَهُمُ الله ويَصْبِرُونَ عَلَى الأذاى، قَالَ الله تَعَالَى: { (٣) ولتسمعن من الَّذين. . الْكتاب} (آل عمرَان: ١٨٦) الْآيَة. وَقَالَ: { (٢) ود كثير. . الْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٠٩) فَكانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَأوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أمَرَه الله بِهِ حَتَّى أذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلمَّا غَزَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بَدْراً فَقَتَلَ الله بِها مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادَةِ قُرَيْشٍ فَقَفَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابُهُ مَنْصُورينَ غانِمينَ مَعَهُمْ أسارَى مِنْ صَنادِيدِ الكُفَّارِ وسادةِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابنُ أُبَيّ ابنُ سَلُولَ ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثَانِ: هاذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبايِعُوا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى الإسْلامِ فأسْلَمُوا.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبُو حباب) فَإِنَّهُ كنية عبد الله بن أبي وَهُوَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة أَيْضا وَهُوَ إسم الشَّيْطَان وَيَقَع على الْحَيَّة أَيْضا، وَقيل: الْحباب حَيَّة بِعَينهَا، والحباب بِفَتْح الْحَاء الطل الَّذِي يصبح على النَّبَات، وحباب المَاء نفاخاته الَّتِي تطفو عَلَيْهِ.

وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس عَن أَخِيه عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا فِي: بَاب الردف على الْحمار، وَمضى فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان بِطُولِهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء.

فَقَوله: (قطيفة) هِيَ الكساء نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْكَاف وَهِي قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة. قَوْله: من بني الْحَارِث) ويروى: من بني حَارِث، بِدُونِ الْألف وَاللَّام. قَوْله: (ابْن سلول) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة لعبد الله، وسلول إسم أمه. قَوْله: (وَالْيَهُود) عطف على العبدة أَو على الْمُشْركين. قَوْله: (عجاجة الدَّابَّة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْجِيم الأولى وَهِي الْغُبَار. قَوْله: (خمر عبد الله) أَي: غطى. قَوْله: (لَا تغبروا علينا) أَي: لَا تثيروا الْغُبَار. قَوْله: (لَا أحسن) أفعل التَّفْضِيل أَي: لَا أحسن من الْقُرْآن إِن كَانَ حَقًا، وَيجوز أَن يكون إِن كَانَ حَقًا شرطا. وَقَوله: (فَلَا تؤذنا) جَزَاؤُهُ قيل: قَالَه استهزاء. قَوْله: (يتثاورون) أَي: يتواثبون. قَوْله: (أَي سعد) يَعْنِي: يَا سعد. قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: أَنْت مفدّى بِأبي. قَوْله: (هَذِه البحرة) أَي: الْبَلدة، ويروى: الْبحيرَة بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (وتوجوه) ، أَي: جَعَلُوهُ ملكا وعصبوا رَأسه بعصابة الْملك وَهَذَا كِنَايَة، وَيحْتَمل إِرَادَة الْحَقِيقَة أَيْضا. قَوْله: (شَرق) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء أَي: غص بِهِ، وَبَقِي فِي حلقه لَا يصعد وَلَا ينزل كَأَنَّهُ يَمُوت. قَوْله: (يتَأَوَّل) من التأول والتأويل مَا يؤول إِلَيْهِ الشَّيْء. قَوْله: (من صَنَادِيد الْكفَّار) جمع الصنديد وَهُوَ السَّيِّد الشجاع. قَوْله: (فقفل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: رَجَعَ. قَوْله: (قد توجه) أَي: أقبل على التَّمام وَيُقَال: توجه الشَّيْخ أَي كبر. قَوْله: (وَبَايَعُوا) بِلَفْظ الْأَمر أَولا، والماضي ثَانِيًا.

٦٢٠٨ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ حَدثنَا عَبْدُ المَلِكِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل عَنْ عَبَّاس بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَالَ: يَا رسولَ الله! هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طالِبٍ بِشَيْءٍ؟ فإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضاحٍ مِنْ نَار لَوْلا أنَا لَكان فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٨٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَبَا طَالب) فَإِنَّهُ كنية عبد منَاف وَهُوَ شَقِيق عبد الله وَالِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَعبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب يروي عَن عَم جده الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.

والْحَدِيث مضى فِي ذكر أبي طَالب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك عَن عبد الله بن الْحَارِث إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي صفة الْجنَّة وَالنَّار عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة بِهِ مُخْتَصرا، وَمضى الْكَلَام

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله