الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٢٦
الحديث رقم ٦٢٢٦ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ
بَابُ بَدْوِ السَّلَامِ
٦٢٢٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السَّفِينَةِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ اشْتَرَى الْجَنَّةَ مِنَ اللَّهِ بِدِرْهَمٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ مَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِالْحَمْدِ لِيَحْمَدَ فَيُشَمِّتُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ، قَالَ: وَأَخْطَأَ فِيمَا زَعَمَ، بَلِ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ. قُلْتُ: احْتَجَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِقَوْلِهِ بِأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا، قَالَ: فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ جَمَعَ جَهَالَتَيْنِ؛ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَإِيقَاعُهُ التَّشْمِيتَ قَبْلَ وُجُودِ الْحَمْدِ مِنَ الْعَاطِسِ.
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ - وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ - أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَحْمَدْ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَقُولُ مَنْ عَطَسَ؟ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَذْكُرِ الَّذِي عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ احْتِمَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، فَلَعَلَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، لَكنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ عَلَى تَرْكِ الْحَمْدِ بِتَرْكِ تَشْمِيتِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ الْحُكْمَ وَأَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ الْحَمْدَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ. وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَفَعَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ؛ شَمَّتَ مَنْ حَمِدَ وَلَمْ يُشَمِّتْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ، كَمَا سَاقَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ.
١٢٨ - بَاب إِذَا تَثَاءَبَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
٦٢٢٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَثَاوبَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: تَثَاءَبَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْوَاوِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَحْبُوبِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِالْوَاوِ، وَفِي رِوَايَةِ السِّنْجِيِّ بِالْهَمْزِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ بِالْهَمْزِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَبِالْوَاوِ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْهَمْزِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَوْهَرِيُّ كَوْنَهُ بِالْوَاوِ، وَقَالَ: تَقُولُ تَثَاءَبْتُ عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلْتُ وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْتُ، قَالَ: وَالتَّثَاؤُبُ أَيْضًا مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يَقْلِبُونَ الْهَمْزَةَ الْمَضْمُومَةَ وَاوًا، وَالِاسْمُ الثُّؤَبَاءُ بِضَمٍّ ثُمَّ هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ الْخُيَلَاءِ، وَجَزَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِأَنَّ الَّذِي بِغَيْرِ وَاوٍ بِوَزْنِ تَيَمَّمْتُ، فَقَالَ ثَابِتٌ: لَا يُقَالُ تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا، بَلْ يُقَالُ تَثَأَّبَ بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَصْلُهُ مِنْ ثَئِبَ فَهُوَ مَثْئُوبٌ إِذَا اسْتَرْخَى وَكَسِلَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَبِالْهَمْزِ وَالْمَدِّ أَشْهَرُ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عُمُومُ الْأَمْرِ بِالرَّدِّ يَتَنَاوَلُ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فَيُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) قَالَ
ابْنُ بَطَّالٍ: إِضَافَةُ التَّثَاؤُبِ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَعْنَى إِضَافَةِ الرِّضَا وَالْإِرَادَةِ؛ أَيْ أنَّ الشَّيْطَانُ يُحِبُّ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانَ مُتَثَائِبًا لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَتَغَيَّرُ فِيهَا صُورَتُهُ فَيَضْحَكُ مِنْهُ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الشَّيْطَانَ فَعَلَ التَّثَاؤُبَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ نَسَبَهُ الشَّرْعُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ وَاسِطَتُهُ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنٍ نَسَبَهُ الشَّرْعُ إِلَى الْمَلَكِ لِأَنَّهُ وَاسِطَتُهُ، قَالَ: وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ التَّكَاسُلُ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَانِ، وَالْعُطَاسُ مِنْ تَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ النَّشَاطُ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أُضِيفَ التَّثَاؤبُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَاتِ إِذْ يَكُونُ عَنْ ثِقَلِ الْبَدَنِ وَاسْتِرْخَائِهِ وَامْتِلَائِهِ، وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَسُّعُ فِي الْمَأْكَلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ)؛ أَيْ يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ رَدِّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ يَمْلِكُ دَفْعَهُ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ لَا يُرَدُّ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: مَعْنَى إِذَا تَثَاءَبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَثَاءَبَ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاضِي فِيهِ بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ: فَإِن قَالَ: آهْ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ هَكَذَا قَيَّدَهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَلَا يَعْوِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ فِيهَا إِطْلَاقُ التَّثَاؤُبِ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَقْيِيدُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلِلشَّيْطَانِ غَرَضٌ قَوِيٌّ فِي التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَرَاهَتُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَمْرِ لَا فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُ كَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا كَوْنُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَنْبَغِي كَظْمُ التَّثَاؤُبِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا أَوْلَى الْأَحْوَالِ بِدَفْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ اعْتِدَالِ الْهَيْئَةِ وَاعْوِجَاجِ الْخِلْقَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فِي ابْنِ مَاجَهْ: وَلَا يَعْوِي، فَإِنَّهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، شَبَّهَ التَّثَاؤُبَ الَّذِي يُسْتَرْسَلُ مَعَهُ بِعُوَاءِ الْكَلْبِ تَنْفِيرًا عَنْهُ وَاسْتِقْبَاحًا لَهُ فَإِنَّ الْكَلْبَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَفْتَحُ فَاهُ وَيَعْوِي، وَالْمُتَثَائِبُ إِذَا أَفْرَطَ فِي التَّثَاؤُبِ شَابَهَهُ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي كَوْنِهِ يَضْحَكُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ مَلْعَبَةً لَهُ بِتَشْوِيهِ خَلْقِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّخُولُ حَقِيقَةً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَا دَامَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمُتَثَائِبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرُ ذَاكِرٍ فَيَتَمَكَّنُ الشَّيْطَانُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ حَقِيقَةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الدُّخُولَ وَأَرَادَ التَّمَكُّنَ مِنْهُ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فَيَتَنَاوَلُ مَا إِذَا انْفَتَحَ بِالتَّثَاؤُبِ فَيُغَطَّى بِالْكَفِّ وَنَحْوِهِ وَمَا إِذَا كَانَ مُنْطَبِقًا حِفْظًا لَهُ عَنِ الِانْفِتَاحِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِي مَعْنَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ وَضْعُ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُحَصِّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ إِذَا لَمْ يَرْتَدَّ التَّثَاؤُبُ بِدُونِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَغَيْرِهِ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ وَضْعِ الْمُصَلِّي يَدَهُ عَلَى فَمِهِ. وَمِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُتَثَائِبُ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ نَظْمُ قِرَاءَتِهِ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ وَالتَّابِعِينَ
الْمَشْهُورِينَ، وَمَنَ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ مُرْسَلِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: مَا تَثَاءَبَ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ، وَأَخْرَجَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: مَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُّ وَمَسْلَمَةُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ صَدُوقٌ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ التَّثَاؤُبَ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَقَعَ فِي الشِّفَاءِ لِابْنِ سَبْعٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَتَمَطَّى، لِأَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَدَبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَسِتَّةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ. الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَتَا حَدِيثٍ وَحَدِيثٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَحَدِيثِ: الرَّحِمُ شُجْنَةٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا، وَحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ، وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَا كَافِرُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَغْضَبْ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ابْنِ صَيَّادٍ، وَحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ فِي اسْمِ الْحَزْنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ أَثَرًا بَعْضُهَا مَوْصُولٌ وَبَعْضُهَا مُعَلَّقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لطيفة:
أخرج ابن عبد البرِّ بسندٍ جيِّدٍ عن أبي داود صاحب «السُّنن» أنَّه كان في سفينةٍ، فسمع عاطسًا على الشَّطِّ حَمِد، فاكترى قاربًا بدرهم حتَّى جاءَ إلى العاطس فشمَّته ثمَّ رجعَ، فسُئل عن ذلك فقال: لعلَّه يكون مجاب الدَّعوة، فلمَّا رقدوا سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السَّفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنَّة من الله بدرهمٍ، ذكره في «الفتح».
(١٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا تَثَاوَبَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تثاءب» بالهمز (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) ليغطِّي فيها ما انفتحَ منه حفظًا له عن الانفتاحِ بسبب ذلك، ويحصل ذلك بنحو الثَّوب أيضًا ممَّا يحصل به الغرضُ.
٦٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ التَّيميُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) بالهمزة مصحَّحًا عليه في الفرع وأصله، وقد أنكر الجوهريُّ كونه بالواو فقال: تقول: تثاءبتُ على تفاعلتُ، ولا تقل: تثاوبتُ. وقال غير واحدٍ: إنَّهما لغتان وبالهمز والمد أشهرُ (فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) أي: حقًّا في حسن الأدب (١) ومكارم الأخلاق (وَأَمَّا التَّثَاوبُ) بالواو (فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ (٢) الشَّيْطَانِ) قال ابنُ العربيِّ: كلُّ فعلٍ مكروهٍ نسبه الشَّرع إلى الشَّيطان (٣)؛ لأنَّه بوساطته (٤)،
وذلك بالامتلاء من الأكلِ النَّاشئ عنه التَّكاسل وهو بواسطةِ الشَّيطان (فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أي: يأخُذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك دفعهُ؛ لأنَّه (١) الَّذي وقع لا يُرد حقيقة، أو المعنى: إذا أراد أن يتثاوب (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز مصحَّحًا عليه في الفرع (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) حقيقةً أو مجازًا عن الرِّضا به، والأصل الأوَّل؛ إذ لا ضرورةَ تدعو إلى العدول عن الحقيقة. وفي مسلم من حديث أبي سعيد: «فإنَّ الشَّيطان يدخل» وهذا يحتمل أن يراد الدُّخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، لكنَّه لا يتمكَّن منه ما دامَ ذاكرًا لله تعالى، والمتثاوبُ في تلك الحالة غير ذاكرٍ، فيتمكَّن الشَّيطان من الدُّخول فيه حقيقة، ويحتملُ أن يكون أطلق (٢) الدُّخول وأراد التَّمكُّن منه؛ لأنَّ من شأن من دخلَ في شيءٍ أن يكون تمكَّن منه.
وفي حديثِ ابن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه -عند ابن ماجه-: «إذا تثاءبَ أحدُكم فليضعْ يدهُ على فِيْهِ ولا يَعوي، فإنَّ الشَّيطان يضحَكُ منه». ويعوي بالعين المهملة، فشبَّه التَّثاؤب الَّذي يُسترسلُ معه بعواءِ الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإنَّ الكلب يرفعُ رأسه ويفتح فاهُ ويعوي، والمتثاوب إذا أفرطَ في التَّثاؤب شابههُ، ومن ثمَّ تظهر النُّكتة في كونهِ يضحكُ منه؛ لأنَّه صيَّره ملعبةً له بتشويهِ خلقتهِ في تلك الحالة، ولم (٣) يتعرَّض لأيِّ اليدين يضعها، وقع في «صحيح أبي عَوانة» أنَّه قال عقب الحديث: ووضعَ سهيلٌ -يعني: راويه عن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٤) - يدهُ اليسرى على فيهِ. وهو محتملٌ لإرادة التَّعليم خوفَ إرادة وضع اليمنى بخصوصها، وفي حديث أبي هريرة من طريقِ العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه «إنَّ التَّثاؤب في الصَّلاة من الشَّيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليكظِمْ ما استطاعَ» فقيَّد بحالة الصَّلاة، فيحتملُ أن
يحملَ المطلق على المقيَّد، وللشَّيطانِ غرضٌ قويٌّ في التَّشويش على المصلِّي في صلاتهِ، ويحتملُ أن تكونَ كراهته في الصَّلاة أشدَّ، ولم يلزمْ من ذلك أن لا يُكره في غيرِ حالة الصَّلاة، ويؤيِّد (١) كراهتَه مطلقًا كونه من الشيطان (٢)، وبذلك صرَّح النَّوويُّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السَّفِينَةِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ اشْتَرَى الْجَنَّةَ مِنَ اللَّهِ بِدِرْهَمٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ مَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِالْحَمْدِ لِيَحْمَدَ فَيُشَمِّتُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ، قَالَ: وَأَخْطَأَ فِيمَا زَعَمَ، بَلِ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ. قُلْتُ: احْتَجَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِقَوْلِهِ بِأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا، قَالَ: فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ جَمَعَ جَهَالَتَيْنِ؛ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَإِيقَاعُهُ التَّشْمِيتَ قَبْلَ وُجُودِ الْحَمْدِ مِنَ الْعَاطِسِ.
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ - وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ - أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَحْمَدْ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَقُولُ مَنْ عَطَسَ؟ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَذْكُرِ الَّذِي عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ احْتِمَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، فَلَعَلَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، لَكنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ عَلَى تَرْكِ الْحَمْدِ بِتَرْكِ تَشْمِيتِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ الْحُكْمَ وَأَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ الْحَمْدَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ. وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَفَعَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ؛ شَمَّتَ مَنْ حَمِدَ وَلَمْ يُشَمِّتْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ، كَمَا سَاقَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ.
١٢٨ - بَاب إِذَا تَثَاءَبَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
٦٢٢٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَثَاوبَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: تَثَاءَبَ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْوَاوِ، قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَحْبُوبِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِالْوَاوِ، وَفِي رِوَايَةِ السِّنْجِيِّ بِالْهَمْزِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ بِالْهَمْزِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ فَبِالْوَاوِ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالْهَمْزِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَوْهَرِيُّ كَوْنَهُ بِالْوَاوِ، وَقَالَ: تَقُولُ تَثَاءَبْتُ عَلَى وَزْنِ تَفَاعَلْتُ وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْتُ، قَالَ: وَالتَّثَاؤُبُ أَيْضًا مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يَقْلِبُونَ الْهَمْزَةَ الْمَضْمُومَةَ وَاوًا، وَالِاسْمُ الثُّؤَبَاءُ بِضَمٍّ ثُمَّ هَمْزٍ عَلَى وَزْنِ الْخُيَلَاءِ، وَجَزَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ، وَثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِأَنَّ الَّذِي بِغَيْرِ وَاوٍ بِوَزْنِ تَيَمَّمْتُ، فَقَالَ ثَابِتٌ: لَا يُقَالُ تَثَاءَبَ بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا، بَلْ يُقَالُ تَثَأَّبَ بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَصْلُهُ مِنْ ثَئِبَ فَهُوَ مَثْئُوبٌ إِذَا اسْتَرْخَى وَكَسِلَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَبِالْهَمْزِ وَالْمَدِّ أَشْهَرُ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عُمُومُ الْأَمْرِ بِالرَّدِّ يَتَنَاوَلُ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فَيُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) قَالَ
ابْنُ بَطَّالٍ: إِضَافَةُ التَّثَاؤُبِ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَعْنَى إِضَافَةِ الرِّضَا وَالْإِرَادَةِ؛ أَيْ أنَّ الشَّيْطَانُ يُحِبُّ أَنْ يَرَى الْإِنْسَانَ مُتَثَائِبًا لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَتَغَيَّرُ فِيهَا صُورَتُهُ فَيَضْحَكُ مِنْهُ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الشَّيْطَانَ فَعَلَ التَّثَاؤُبَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ نَسَبَهُ الشَّرْعُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ وَاسِطَتُهُ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنٍ نَسَبَهُ الشَّرْعُ إِلَى الْمَلَكِ لِأَنَّهُ وَاسِطَتُهُ، قَالَ: وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ التَّكَاسُلُ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَانِ، وَالْعُطَاسُ مِنْ تَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَيَنْشَأُ عَنْهُ النَّشَاطُ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أُضِيفَ التَّثَاؤبُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَاتِ إِذْ يَكُونُ عَنْ ثِقَلِ الْبَدَنِ وَاسْتِرْخَائِهِ وَامْتِلَائِهِ، وَالْمُرَادُ التَّحْذِيرُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَسُّعُ فِي الْمَأْكَلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ)؛ أَيْ يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ رَدِّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ يَمْلِكُ دَفْعَهُ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ لَا يُرَدُّ حَقِيقَةً، وَقِيلَ: مَعْنَى إِذَا تَثَاءَبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَثَاءَبَ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاضِي فِيهِ بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ: فَإِن قَالَ: آهْ، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ هَكَذَا قَيَّدَهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَلَا يَعْوِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ فِيهَا إِطْلَاقُ التَّثَاؤُبِ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَقْيِيدُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلِلشَّيْطَانِ غَرَضٌ قَوِيٌّ فِي التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَرَاهَتُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَمْرِ لَا فِي النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُ كَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا كَوْنُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَنْبَغِي كَظْمُ التَّثَاؤُبِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا أَوْلَى الْأَحْوَالِ بِدَفْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ اعْتِدَالِ الْهَيْئَةِ وَاعْوِجَاجِ الْخِلْقَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فِي ابْنِ مَاجَهْ: وَلَا يَعْوِي، فَإِنَّهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، شَبَّهَ التَّثَاؤُبَ الَّذِي يُسْتَرْسَلُ مَعَهُ بِعُوَاءِ الْكَلْبِ تَنْفِيرًا عَنْهُ وَاسْتِقْبَاحًا لَهُ فَإِنَّ الْكَلْبَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَفْتَحُ فَاهُ وَيَعْوِي، وَالْمُتَثَائِبُ إِذَا أَفْرَطَ فِي التَّثَاؤُبِ شَابَهَهُ. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي كَوْنِهِ يَضْحَكُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ مَلْعَبَةً لَهُ بِتَشْوِيهِ خَلْقِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدُّخُولُ حَقِيقَةً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَا دَامَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمُتَثَائِبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرُ ذَاكِرٍ فَيَتَمَكَّنُ الشَّيْطَانُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ حَقِيقَةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الدُّخُولَ وَأَرَادَ التَّمَكُّنَ مِنْهُ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ فَيَتَنَاوَلُ مَا إِذَا انْفَتَحَ بِالتَّثَاؤُبِ فَيُغَطَّى بِالْكَفِّ وَنَحْوِهِ وَمَا إِذَا كَانَ مُنْطَبِقًا حِفْظًا لَهُ عَنِ الِانْفِتَاحِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِي مَعْنَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ وَضْعُ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُحَصِّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ إِذَا لَمْ يَرْتَدَّ التَّثَاؤُبُ بِدُونِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَغَيْرِهِ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ وَضْعِ الْمُصَلِّي يَدَهُ عَلَى فَمِهِ. وَمِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُتَثَائِبُ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ نَظْمُ قِرَاءَتِهِ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ وَالتَّابِعِينَ
الْمَشْهُورِينَ، وَمَنَ الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ مُرْسَلِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: مَا تَثَاءَبَ النَّبِيُّ ﷺ قَطُّ، وَأَخْرَجَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: مَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُّ وَمَسْلَمَةُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ صَدُوقٌ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ التَّثَاؤُبَ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَقَعَ فِي الشِّفَاءِ لِابْنِ سَبْعٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَتَمَطَّى، لِأَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَدَبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَسِتَّةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ. الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَتَا حَدِيثٍ وَحَدِيثٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَحَدِيثِ: الرَّحِمُ شُجْنَةٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا، وَحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ، وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَا كَافِرُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَغْضَبْ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ابْنِ صَيَّادٍ، وَحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ فِي اسْمِ الْحَزْنِ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ أَثَرًا بَعْضُهَا مَوْصُولٌ وَبَعْضُهَا مُعَلَّقٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لطيفة:
أخرج ابن عبد البرِّ بسندٍ جيِّدٍ عن أبي داود صاحب «السُّنن» أنَّه كان في سفينةٍ، فسمع عاطسًا على الشَّطِّ حَمِد، فاكترى قاربًا بدرهم حتَّى جاءَ إلى العاطس فشمَّته ثمَّ رجعَ، فسُئل عن ذلك فقال: لعلَّه يكون مجاب الدَّعوة، فلمَّا رقدوا سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السَّفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنَّة من الله بدرهمٍ، ذكره في «الفتح».
(١٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا تَثَاوَبَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تثاءب» بالهمز (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) ليغطِّي فيها ما انفتحَ منه حفظًا له عن الانفتاحِ بسبب ذلك، ويحصل ذلك بنحو الثَّوب أيضًا ممَّا يحصل به الغرضُ.
٦٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ التَّيميُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) بالهمزة مصحَّحًا عليه في الفرع وأصله، وقد أنكر الجوهريُّ كونه بالواو فقال: تقول: تثاءبتُ على تفاعلتُ، ولا تقل: تثاوبتُ. وقال غير واحدٍ: إنَّهما لغتان وبالهمز والمد أشهرُ (فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) أي: حقًّا في حسن الأدب (١) ومكارم الأخلاق (وَأَمَّا التَّثَاوبُ) بالواو (فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ (٢) الشَّيْطَانِ) قال ابنُ العربيِّ: كلُّ فعلٍ مكروهٍ نسبه الشَّرع إلى الشَّيطان (٣)؛ لأنَّه بوساطته (٤)،
وذلك بالامتلاء من الأكلِ النَّاشئ عنه التَّكاسل وهو بواسطةِ الشَّيطان (فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أي: يأخُذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك دفعهُ؛ لأنَّه (١) الَّذي وقع لا يُرد حقيقة، أو المعنى: إذا أراد أن يتثاوب (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز مصحَّحًا عليه في الفرع (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) حقيقةً أو مجازًا عن الرِّضا به، والأصل الأوَّل؛ إذ لا ضرورةَ تدعو إلى العدول عن الحقيقة. وفي مسلم من حديث أبي سعيد: «فإنَّ الشَّيطان يدخل» وهذا يحتمل أن يراد الدُّخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، لكنَّه لا يتمكَّن منه ما دامَ ذاكرًا لله تعالى، والمتثاوبُ في تلك الحالة غير ذاكرٍ، فيتمكَّن الشَّيطان من الدُّخول فيه حقيقة، ويحتملُ أن يكون أطلق (٢) الدُّخول وأراد التَّمكُّن منه؛ لأنَّ من شأن من دخلَ في شيءٍ أن يكون تمكَّن منه.
وفي حديثِ ابن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه -عند ابن ماجه-: «إذا تثاءبَ أحدُكم فليضعْ يدهُ على فِيْهِ ولا يَعوي، فإنَّ الشَّيطان يضحَكُ منه». ويعوي بالعين المهملة، فشبَّه التَّثاؤب الَّذي يُسترسلُ معه بعواءِ الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإنَّ الكلب يرفعُ رأسه ويفتح فاهُ ويعوي، والمتثاوب إذا أفرطَ في التَّثاؤب شابههُ، ومن ثمَّ تظهر النُّكتة في كونهِ يضحكُ منه؛ لأنَّه صيَّره ملعبةً له بتشويهِ خلقتهِ في تلك الحالة، ولم (٣) يتعرَّض لأيِّ اليدين يضعها، وقع في «صحيح أبي عَوانة» أنَّه قال عقب الحديث: ووضعَ سهيلٌ -يعني: راويه عن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٤) - يدهُ اليسرى على فيهِ. وهو محتملٌ لإرادة التَّعليم خوفَ إرادة وضع اليمنى بخصوصها، وفي حديث أبي هريرة من طريقِ العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه «إنَّ التَّثاؤب في الصَّلاة من الشَّيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليكظِمْ ما استطاعَ» فقيَّد بحالة الصَّلاة، فيحتملُ أن
يحملَ المطلق على المقيَّد، وللشَّيطانِ غرضٌ قويٌّ في التَّشويش على المصلِّي في صلاتهِ، ويحتملُ أن تكونَ كراهته في الصَّلاة أشدَّ، ولم يلزمْ من ذلك أن لا يُكره في غيرِ حالة الصَّلاة، ويؤيِّد (١) كراهتَه مطلقًا كونه من الشيطان (٢)، وبذلك صرَّح النَّوويُّ.