الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٣١
الحديث رقم ٦٢٣١ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تسليم القليل على الكثير.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي
٦٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السَّلَامَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ الَّذِي يُهْدَى لَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُهْدِيَ أَحْسَنَ مِنْهَا فَعَلَ وَإِلَّا رَدَّهَا بِعَيْنِهَا.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّدِّ رَدُّ الْمِثْلِ لَا رَدُّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ سَائِغٌ كَثِيرٌ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحِيَّةِ فِي الْآيَةِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَالرَّدُّ عَلَى الْمُشَمِّتِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ حُكْمُ التَّشْمِيتِ وَالرَّدِّ مَأْخُوذٌ مِنْ حُكْمِ السَّلَامِ وَالرَّدِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ مَالِكٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ لَمْ يُجْزِئْ فِي جَوَابِهِ إِلَّا السَّلَامُ، وَلَا يُجْزِئُ فِي جَوَابِهِ صُبِّحْتَ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالسَّعَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى فِي التَّحِيَّةِ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ هَلْ يَجِبُ جَوَابُهُ أَمْ لَا؟ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ وُجُوبُ الرَّدِّ أَنْ يَسْمَعَ الْمُبْتَدِئُ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَكْفِي الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ، بَلْ وَرَدَ الزَّجْرُ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ، وَتَسْلِيمُ النَّصَارَى بِالْأَكُفِّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ قُلْتُ: وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفِّ وَالْإِشَارَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ؛ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهَا بِلَفْظِ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، انْتَهَى.
وَالنَّهْيُ عَنِ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى اللَّفْظِ حِسًّا وَشَرْعًا، وَإِلَّا فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِمَنْ يَكُونُ فِي شُغْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّلَفُّظِ بِجَوَابِ السَّلَامِ كَالْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ وَالْأَخْرَسِ، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَصَمِّ وَلَوْ أَتَى بِالسَّلَامِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ، ثَالِثُهَا يَجِبُ لِمَنْ يُحْسِنُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحِيَّةَ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِهِ الْعُدُولَ عَنِ السَّلَامِ إِلَى مَا هُوَ أَظْهَرُ فِي التَّعْظِيمِ مِنْ أَجْلِ أَكَابِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ أَخَّرَ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ فَرَدَّ لَمْ يُعَدَّ جَوَابًا، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجَمَاعَةٌ، وَكَأَنَّ مَحِلَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَيَجِبُ رَدُّ جَوَابِ السَّلَامِ فِي الْكِتَابِ وَمَعَ الرَّسُولِ، وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ عَلَى بَالِغٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَأَجَابَ أَجْزَأَ عَنْهُمْ فِي وَجْهٍ.
٤ - بَاب تَسْلِيمِ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ
٦٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ.
[الحديث ٦٢٣١ - أطرافه في ٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ تَسْلِيمِ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ) هُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَالِاثْنَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (يُسَلِّمُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لِيُسَلِّمُ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيمَا بَعْدَهُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ مَجْلِسًا فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ قَلِيلًا يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ فَسَلَّمَ كَفَاهُ، فَإِنْ زَادَ فَخَصَّصَ بَعْضَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أي: متولِّيك وكفيلٌ بك، أو معناهُ: الانقيادُ، لكن قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وليس يخلو بعضُ هذا من ضعفٍ؛ لأنَّه لا يتعدَّى السَّلام لبعضِ هذه المعاني بعلى. انتهى.
قال ابنُ فَرحون: ويحتملُ أن يكون «السَّلام عليك» مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: السَّلام عليك موجودٌ، ويتعلَّق حرف الجرِّ بـ «السَّلام» لأنَّه فيه معنى الفعل (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور (فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) اعتراضٌ بين قوله: الصَّالحين، وبين قوله: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرْ) المصلِّي (بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ) من الدُّعاء (مَا شَاءَ).
والحديثُ سبق في «باب التَّشهُّد» من «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(٤) (بابُ تَسْلِيمِ القَلِيلِ) من النَّاس (عَلَى الكَثِيرِ) منهم الشَّامل للواحد بالنِّسبة إلى الاثنين فأكثر، والاثنين بالنِّسبة إلى الثَّلاثة فأكثر.
٦٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاور بمكَّة، وسقط «أبو الحسن» لأبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشدّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ) بلفظ الخبر، ومعناه الأمرُ، كما (١) عند أحمد من طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ: «لِيُسَلِّم» بلامِ الأمر (عَلَى الكَبِيرِ) ندبًا للتَّوقير والتَّعظيم (وَ) يسلِّم (المَارُّ عَلَى القَاعِدِ) بكلِّ حالٍ سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، قاله النَّوويُّ (وَ) يسلِّم (القَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) وهو من باب التَّواضع؛ لأنَّ حقَّ الكثير أعظم.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
السَّلَامَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ الَّذِي يُهْدَى لَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُهْدِيَ أَحْسَنَ مِنْهَا فَعَلَ وَإِلَّا رَدَّهَا بِعَيْنِهَا.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّدِّ رَدُّ الْمِثْلِ لَا رَدُّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ سَائِغٌ كَثِيرٌ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحِيَّةِ فِي الْآيَةِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَالرَّدُّ عَلَى الْمُشَمِّتِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ حُكْمُ التَّشْمِيتِ وَالرَّدِّ مَأْخُوذٌ مِنْ حُكْمِ السَّلَامِ وَالرَّدِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ مَالِكٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ لَمْ يُجْزِئْ فِي جَوَابِهِ إِلَّا السَّلَامُ، وَلَا يُجْزِئُ فِي جَوَابِهِ صُبِّحْتَ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالسَّعَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى فِي التَّحِيَّةِ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ هَلْ يَجِبُ جَوَابُهُ أَمْ لَا؟ وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ وُجُوبُ الرَّدِّ أَنْ يَسْمَعَ الْمُبْتَدِئُ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَكْفِي الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ، بَلْ وَرَدَ الزَّجْرُ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ: لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ، وَتَسْلِيمُ النَّصَارَى بِالْأَكُفِّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ قُلْتُ: وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفِّ وَالْإِشَارَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ؛ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهَا بِلَفْظِ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، انْتَهَى.
وَالنَّهْيُ عَنِ السَّلَامِ بِالْإِشَارَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ قَدَرَ عَلَى اللَّفْظِ حِسًّا وَشَرْعًا، وَإِلَّا فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِمَنْ يَكُونُ فِي شُغْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّلَفُّظِ بِجَوَابِ السَّلَامِ كَالْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ وَالْأَخْرَسِ، وَكَذَا السَّلَامُ عَلَى الْأَصَمِّ وَلَوْ أَتَى بِالسَّلَامِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ، ثَالِثُهَا يَجِبُ لِمَنْ يُحْسِنُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّحِيَّةَ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِهِ الْعُدُولَ عَنِ السَّلَامِ إِلَى مَا هُوَ أَظْهَرُ فِي التَّعْظِيمِ مِنْ أَجْلِ أَكَابِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ أَخَّرَ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ فَرَدَّ لَمْ يُعَدَّ جَوَابًا، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجَمَاعَةٌ، وَكَأَنَّ مَحِلَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَيَجِبُ رَدُّ جَوَابِ السَّلَامِ فِي الْكِتَابِ وَمَعَ الرَّسُولِ، وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ عَلَى بَالِغٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَأَجَابَ أَجْزَأَ عَنْهُمْ فِي وَجْهٍ.
٤ - بَاب تَسْلِيمِ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ
٦٢٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ.
[الحديث ٦٢٣١ - أطرافه في ٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ تَسْلِيمِ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ) هُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَالِاثْنَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (يُسَلِّمُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: لِيُسَلِّمُ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيمَا بَعْدَهُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ مَجْلِسًا فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ قَلِيلًا يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ فَسَلَّمَ كَفَاهُ، فَإِنْ زَادَ فَخَصَّصَ بَعْضَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أي: متولِّيك وكفيلٌ بك، أو معناهُ: الانقيادُ، لكن قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وليس يخلو بعضُ هذا من ضعفٍ؛ لأنَّه لا يتعدَّى السَّلام لبعضِ هذه المعاني بعلى. انتهى.
قال ابنُ فَرحون: ويحتملُ أن يكون «السَّلام عليك» مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: السَّلام عليك موجودٌ، ويتعلَّق حرف الجرِّ بـ «السَّلام» لأنَّه فيه معنى الفعل (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور (فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) اعتراضٌ بين قوله: الصَّالحين، وبين قوله: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرْ) المصلِّي (بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ) من الدُّعاء (مَا شَاءَ).
والحديثُ سبق في «باب التَّشهُّد» من «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(٤) (بابُ تَسْلِيمِ القَلِيلِ) من النَّاس (عَلَى الكَثِيرِ) منهم الشَّامل للواحد بالنِّسبة إلى الاثنين فأكثر، والاثنين بالنِّسبة إلى الثَّلاثة فأكثر.
٦٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاور بمكَّة، وسقط «أبو الحسن» لأبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشدّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ) بلفظ الخبر، ومعناه الأمرُ، كما (١) عند أحمد من طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ: «لِيُسَلِّم» بلامِ الأمر (عَلَى الكَبِيرِ) ندبًا للتَّوقير والتَّعظيم (وَ) يسلِّم (المَارُّ عَلَى القَاعِدِ) بكلِّ حالٍ سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، قاله النَّوويُّ (وَ) يسلِّم (القَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) وهو من باب التَّواضع؛ لأنَّ حقَّ الكثير أعظم.