الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٤١
الحديث رقم ٦٢٤١ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستئذان من أجل البصر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٢٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَمَّ قِصَّةً إِلَى أُخْرَى. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ عُمَرَ قَامَتْ عِنْدَهُ أَنَفَةٌ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى حُرُمِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يَحْجُبَهُنَّ فَلَمَّا نَزَلَ الْحِجَابُ كَانَ قَصْدُهُ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ أَصْلًا فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ فَأَذِنَ لَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ لِحَاجَتِهِنَّ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: خُصَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَتْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَدْبِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ إِبْرَازُ أَشْخَاصِهِنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا فِيمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَرَازِ، وَقَدْ كُنَّ إِذَا حَدَّثْنَ جَلَسْنَ لِلنَّاسِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَإِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ حُجِبْنَ وَسُتِرْنَ انْتَهَى.
وَفِي دَعْوَى وُجُوبِ حَجْبِ أَشْخَاصِهِنَّ مُطْلَقًا إِلَّا فِي حَاجَةِ الْبَرَازِ نَظَرٌ، فَقَدْ كُنَّ يُسَافِرْنَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَفِيهِ بُرُوزُ أَشْخَاصِهِنَّ، بَلْ وَفِي حَالَةِ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ قِصَّةَ سَوْدَةَ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ فِي بَابِ الْحِجَابِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي لِبَاسِ الْجَلَابِيبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِرْخَاءَ الْجَلَابِيبِ هُوَ السَّتْرُ عَنْ نَظَرِ الْغَيْرِ إِلَيْهِنَّ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحِجَابِ.
١١ - بَاب الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ
٦٢٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ.
٦٢٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ
[الحديث ٦٢٤٢ - طرفاه في ٦٨٨٩، ٦٩٠٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) أَيْ شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ لَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَرَأَى بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ: لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَوْفِ بَيْتٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ؛ أَيْ صَارَ فِي حُكْمِ الدَّاخِلِ، وَلِلْأَوَّلَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ رَفَعَهُ: إِذَا دَخَلَ الْبَصَرُ فَلَا إِذْنَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ مَلَأَ عَيْنَهُ مِنْ قَاعِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَدْ فَسَقَ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَتْ عَادَةُ سُفْيَانَ كَثِيرًا حَذْفَ الصِّيغَةِ فَيَقُولُ: فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، لَا يَقُولُ: حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَلَا عَنْ، وَقَوْلُهُ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا، هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالُوا: عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَا: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي
عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا، أَيْ حَفِظْتُهُ حِفْظًا كَالْمَحْسُوسِ لَا شَكَّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَهْلٍ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ سَهْلًا أَخْبَرَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَوَعَدْتُ بِشَرْحِهِ فِي الدِّيَاتِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرٍ، الْأَوَّلُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُلُّ ثَقْبٍ مُسْتَدِيرٍ فِي أَرْضٍ أَوْ حَائِطٍ، وَأَصْلُهَا مَكَامِنُ الْوَحْشِ، وَالثَّانِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ نَاحِيَةُ الْبَيْتِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حُجْرَةٌ بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ: مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهَا، وَالْمِدْرَى تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقَوْلُهُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ تَفْتَعِلُ، وَلِلْكُشمِيهَنِيِّ تَنْظُرُ وقَوْلُهُ: مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ وَقَعَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ، كَذَا عِنْدَهُ مُبْهَمٌ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ مُسْتَقْبِلَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا عَنْكَ، فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ، ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّهُمُ اكْتَفَوْا بِقَرْعِ الْبَابِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا سُتُورٌ.
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، هَلْ قَالَهُ شَيْخُهُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالْجَمْعِ، وَالْمِشْقَصُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ: نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ. وقَوْلُهُ: يَخْتِلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ يَطْعَنُهُ وَهُوَ غَافِلٌ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَنْ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ أَوْ غَيْرُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ، وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ، فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ وَالْعِلَلِ، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ يَتَعَلَّقُ بِأَشْيَاءَ مَتَى وُجِدَتْ فِي شَيْءٍ وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِئْذَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَعْرَضَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَحْتَاجُ فِي دُخُولِ مَنْزِلِهِ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا الِاسْتِئْذَانُ.
نَعَمْ لَوِ احْتَمَلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَيْهِ شُرِعَ لَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْرَعُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْمَحَارِمِ لِئَلَّا تَكُونَ مُنْكَشِفَةَ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا بَلَغَ بَعْضُ وَلَدِهِ الْحُلُمَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهَا، وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ بِالنُّونِ مُصَغَّرٌ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا رَأَيْتَ مَا تَكْرَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي فَدَخَلَ وَاتَّبَعْتُهُ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنَّهَا فِي حِجْرِي، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ. وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ هَذَا الْحَدِيثَ مِثَالًا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ.
١٢ - بَاب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الخَطَّابِ وَهْوَ فِي المَجْلِسِ، فَقَالَ) لها: (عَرَفْتُكِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عرفناك» (يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا) نصب مفعولًا (١) له، لقوله: عرفتُك (٢) (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، قَالَتْ) عائشةُ: (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ آيَةَ الحِجَابِ) سقط لفظ «آية» لأبي ذرٍّ.
واستُشكِل بأنَّه ثبت (٣) أنَّ قصَّة زينب كانت سببًا لنزولِ آية الحجاب فتعارضا. وأُجيبَ بأنَّ عمر حرَّض على ذلك حتَّى قال لسودة ما قال، فوقعتِ القصَّة المتعلِّقة بزينب فنزلتِ الآية، فكان كلٌّ من الأمرين سببًا لنزولها أو (٤) أنَّ عمر تكرَّر منه هذا القول قبلَ الحجاب وبعده، أو أنَّ بعضَ الرُّواة (٥) ضمَّ قصَّةً إلى أُخرى، وقد سبقَ موافقات عمر ﵁ في «سورةِ الأحزاب» [خ¦٤٧٩٠].
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الاِسْتِئْذَانُ) شرع (مِنْ أَجْلِ البَصَرِ) لأنَّ المستأذِن لو دخل بغير إذنٍ لرأى بعض ما يكره مَن يدخل إليه أن يطَّلع عليه.
٦٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، ليس فيه التَّصريح بأنَّ سفيان سمعه. نعم، أخرجَ الحديث مسلمٌ والتِّرمذيُّ من طُرقٍ عن سفيان، وفيها عن الزُّهريِّ، ورواه الحميديُّ وابن أبي عمر في «مسنديهما» فقالا: حدَّثنا الزُّهريُّ. قال سفيان: (حَفِظْتُهُ) أي: الحديثَ من الزُّهريِّ (كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا) أي: حفظًا ظاهرًا كالمحسوس من غير شكٍّ ولا شبهةٍ فيه (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَمَّ قِصَّةً إِلَى أُخْرَى. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ عُمَرَ قَامَتْ عِنْدَهُ أَنَفَةٌ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى حُرُمِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يَحْجُبَهُنَّ فَلَمَّا نَزَلَ الْحِجَابُ كَانَ قَصْدُهُ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ أَصْلًا فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ فَأَذِنَ لَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ لِحَاجَتِهِنَّ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: خُصَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَتْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَدْبِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ إِبْرَازُ أَشْخَاصِهِنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا فِيمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَرَازِ، وَقَدْ كُنَّ إِذَا حَدَّثْنَ جَلَسْنَ لِلنَّاسِ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَإِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ حُجِبْنَ وَسُتِرْنَ انْتَهَى.
وَفِي دَعْوَى وُجُوبِ حَجْبِ أَشْخَاصِهِنَّ مُطْلَقًا إِلَّا فِي حَاجَةِ الْبَرَازِ نَظَرٌ، فَقَدْ كُنَّ يُسَافِرْنَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَفِيهِ بُرُوزُ أَشْخَاصِهِنَّ، بَلْ وَفِي حَالَةِ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا فِي خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ قِصَّةَ سَوْدَةَ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ فِي بَابِ الْحِجَابِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي لِبَاسِ الْجَلَابِيبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِرْخَاءَ الْجَلَابِيبِ هُوَ السَّتْرُ عَنْ نَظَرِ الْغَيْرِ إِلَيْهِنَّ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحِجَابِ.
١١ - بَاب الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ
٦٢٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ.
٦٢٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ
[الحديث ٦٢٤٢ - طرفاه في ٦٨٨٩، ٦٩٠٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) أَيْ شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ، لِأَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ لَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَرَأَى بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَفَعَهُ: لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَوْفِ بَيْتٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ؛ أَيْ صَارَ فِي حُكْمِ الدَّاخِلِ، وَلِلْأَوَّلَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ رَفَعَهُ: إِذَا دَخَلَ الْبَصَرُ فَلَا إِذْنَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ مَلَأَ عَيْنَهُ مِنْ قَاعِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَدْ فَسَقَ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَتْ عَادَةُ سُفْيَانَ كَثِيرًا حَذْفَ الصِّيغَةِ فَيَقُولُ: فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، لَا يَقُولُ: حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا وَلَا عَنْ، وَقَوْلُهُ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا، هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالُوا: عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَا: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي
عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا، أَيْ حَفِظْتُهُ حِفْظًا كَالْمَحْسُوسِ لَا شَكَّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَهْلٍ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ سَهْلًا أَخْبَرَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَوَعَدْتُ بِشَرْحِهِ فِي الدِّيَاتِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرٍ، الْأَوَّلُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُلُّ ثَقْبٍ مُسْتَدِيرٍ فِي أَرْضٍ أَوْ حَائِطٍ، وَأَصْلُهَا مَكَامِنُ الْوَحْشِ، وَالثَّانِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْرَةٍ وَهِيَ نَاحِيَةُ الْبَيْتِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حُجْرَةٌ بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ: مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِهَا، وَالْمِدْرَى تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقَوْلُهُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُ. كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِوَزْنِ تَفْتَعِلُ، وَلِلْكُشمِيهَنِيِّ تَنْظُرُ وقَوْلُهُ: مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ وَقَعَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ، كَذَا عِنْدَهُ مُبْهَمٌ، وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ مُسْتَقْبِلَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ: هَكَذَا عَنْكَ، فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ، ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّهُمُ اكْتَفَوْا بِقَرْعِ الْبَابِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا سُتُورٌ.
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، هَلْ قَالَهُ شَيْخُهُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالْجَمْعِ، وَالْمِشْقَصُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ: نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ. وقَوْلُهُ: يَخْتِلُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ يَطْعَنُهُ وَهُوَ غَافِلٌ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَنْ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ أَوْ غَيْرُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ، وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ، فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ وَالْعِلَلِ، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ يَتَعَلَّقُ بِأَشْيَاءَ مَتَى وُجِدَتْ فِي شَيْءٍ وَجَبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِئْذَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَعْرَضَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَحْتَاجُ فِي دُخُولِ مَنْزِلِهِ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا الِاسْتِئْذَانُ.
نَعَمْ لَوِ احْتَمَلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَيْهِ شُرِعَ لَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْرَعُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْمَحَارِمِ لِئَلَّا تَكُونَ مُنْكَشِفَةَ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا بَلَغَ بَعْضُ وَلَدِهِ الْحُلُمَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهَا، وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ بِالنُّونِ مُصَغَّرٌ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا رَأَيْتَ مَا تَكْرَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي فَدَخَلَ وَاتَّبَعْتُهُ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنَّهَا فِي حِجْرِي، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ. وَذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ هَذَا الْحَدِيثَ مِثَالًا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ.
١٢ - بَاب زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الخَطَّابِ وَهْوَ فِي المَجْلِسِ، فَقَالَ) لها: (عَرَفْتُكِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عرفناك» (يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا) نصب مفعولًا (١) له، لقوله: عرفتُك (٢) (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، قَالَتْ) عائشةُ: (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ آيَةَ الحِجَابِ) سقط لفظ «آية» لأبي ذرٍّ.
واستُشكِل بأنَّه ثبت (٣) أنَّ قصَّة زينب كانت سببًا لنزولِ آية الحجاب فتعارضا. وأُجيبَ بأنَّ عمر حرَّض على ذلك حتَّى قال لسودة ما قال، فوقعتِ القصَّة المتعلِّقة بزينب فنزلتِ الآية، فكان كلٌّ من الأمرين سببًا لنزولها أو (٤) أنَّ عمر تكرَّر منه هذا القول قبلَ الحجاب وبعده، أو أنَّ بعضَ الرُّواة (٥) ضمَّ قصَّةً إلى أُخرى، وقد سبقَ موافقات عمر ﵁ في «سورةِ الأحزاب» [خ¦٤٧٩٠].
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الاِسْتِئْذَانُ) شرع (مِنْ أَجْلِ البَصَرِ) لأنَّ المستأذِن لو دخل بغير إذنٍ لرأى بعض ما يكره مَن يدخل إليه أن يطَّلع عليه.
٦٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، ليس فيه التَّصريح بأنَّ سفيان سمعه. نعم، أخرجَ الحديث مسلمٌ والتِّرمذيُّ من طُرقٍ عن سفيان، وفيها عن الزُّهريِّ، ورواه الحميديُّ وابن أبي عمر في «مسنديهما» فقالا: حدَّثنا الزُّهريُّ. قال سفيان: (حَفِظْتُهُ) أي: الحديثَ من الزُّهريِّ (كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا) أي: حفظًا ظاهرًا كالمحسوس من غير شكٍّ ولا شبهةٍ فيه (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: