«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَة�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٥٤

الحديث رقم ٦٢٥٤ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة…

«أَنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا

⦗٥٧⦘

فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ

سند حديث: ٦٢٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٦٢٥٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة…

ركب النبي صلى الله عليه وسلم على حمار به كساء غليظ منسوب إلى بلد فدك، وأركَب أسامة بن زيد خلفه، ليزور سعد بن عبادة في منازل قومه بني الحارث بن الخزرج وكان مريضًا، وكان ذلك قبل غزوة بدر، فمر بمجلس فيه عبدالله بن أبي ابن سلول قبل أن يظهر الإسلام، وهو حينئذٍ كافرٌ ظاهرًا وباطنًا، وكان بالمجلس أنواع من المسلمين والمشركين الذين يعبدون الأوثان واليهود، وكان في المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فغطى المجلس غبار دابة النبي صلى الله عليه وسلم، فغطى عبد الله بن أبي أنفه بملابسه وقال: لا تثيروا الغبار علينا، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ناويًا المسلمين، أو أن هذا التسليم كان قبل النهي عن بدء الكفار بالسلام، ثم وقف فنزل عن الدابة، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها الشخص، إنه لا شيء أحسن مما تقول، فإن كان ما تقوله حق فلا تزعجنا به في مجالسنا، ارجع إلى منزلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فأخبرنا به في مجالسنا فإننا نحب ذلك، فتشاجر المسلمون والمشركون واليهود الموجودون في ذلك المجلس حتى قاربوا أن يثور بعضهم على بعض فيقتتلوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُسكِّنهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فمشى حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد، هل سمعت ما قال أبو حباب؟ يقصد عبدالله بن أبي، قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف عنه واصفح عنه، فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق والوحي الذي أنزل عليك، ولقد اتفق أهل المدينة على أن يتوِّجوه بتاج الملك ويُعمِّمونه بعمامة الملوك، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله حسدك بذلك الحق الذي أعطاك الله، والذي اجتمع عليهأهل المدينة وائتلفوا، فذلك الحق الذي أتيت به فعل به ما رأيت من فعله وقوله القبيح، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] الآية، وقال الله: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل العفو كما أمره الله به، حتى أذن الله له فيهم بالقتال فترك العفو عنهم بالنسبة للقتال وإلا فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمن والفداء وغير ذلك، فلما غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فقتل الله به سادات كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد ظهر وجهه، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا ظاهرًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز العيادة راكبًا.
  • ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع، حيث كان يردف خلفه.
  • جواز الإرداف على الحمار وغيره من الدواب إذا كانت الدابة تطيق ذلك.
  • مشروعية عيادة المريض، وعيادة الكبير بعض أتباعه في داره.
  • ركوب الحمار ليس بنقص في حق العظماء.
  • جواز الابتداء بالسلام على قوم فيهم مسلمون وكفار، وينبغي أن ينوي المسلمين.
  • الاستراحة ببث الشكوى للصاحب، ولمن يتسلى بحديثه، وينتفع برأيه.
  • جواز ذكر الكافر بكنيته.
  • ما كان يلقاه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من المنافقين من الأذى، ولكنهم يعفون عنهم ويصفحون، عملًا بأمر الله عز وجل لهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ) بكسر الهمزة، كالبَرْذَعةِ ونحوها لذواتِ الحافر (١) (تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ) بفتح القاف، كساءٌ ذات (٢) خملٍ (فَدَكِيَّةٌ) بالفاء والدال المهملة، نسبةً إلى فَدَك -بفتحتين-، مدينةٌ (٣) بعيدةٌ (٤) عن المدينة بيومين (وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) من مرضٍ كان به (فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ) ناسٌ مختلطون (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلَّثة (٥) (وَاليَهُودِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمز والتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بفتح المهملة، اسم أمِّه، فلا ينصرف (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والحاء المهملة (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) غُبارها الَّذي تثيره (خَمَّرَ) غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ (٦) بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ) عبدُ الله بن أبيٍّ: (لَا تُغَبِّرُوا) بالموحدة، لا تُثيروا الغبار (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) الَّذي تدعو إليه (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا) به (فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ارجع» (إِلَى رَحْلِكَ) بالحاء المهملة، منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ) ولأبي الوقتِ: «قال عبدُ الله ابن رواحة»: (اغْشَنَا) بالغين والشين المفتوحة المعجمتين، أي: باشِرنا به يا رسول الله (فِي

مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) لذلك (١) (حَتَّى هَمُّوا) قصدُوا (أَنْ يَتَوَاثَبُوا) بالمثلَّثة بعدها موحدة، يتحاربوا ويتضاربوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ) يُسكِّتهم (٢) (حَتّى سَكَتُوا (٣) ثُمَّ رَكِبَ) (دَابَّتَهُ) فسار (حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ) لعيادتهِ (فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى ما» (قَالَ أَبُو حُبَابٍ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (يُرِيدُ) (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ) سعدٌ: (اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ) من الرِّسالة (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «البُحَيرة» بضم الموحدة وفتح المهملة، القرية، والعربُ تسمِّي القرى البحار. وقال الجوهريُّ (٤): البحرةُ دون الوادي، والمراد طيبَة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) أي: عبد الله بن أبي، بتاجِ الملك (فَيُعَصِّبُونَهُ) بالفاء والنون، ولأبي ذرٍّ: «فيعصِّبوه» (بِالعِصَابَةِ) حقيقةً، أو كنايةً عن جعله ملكًا، وهما متلازمان (٥) للملكيَّة (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء، غُصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من فعلهِ (فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ … ) الحديث.

وسبق بأتمَّ من هذا قريبًا [خ¦٦٢٠٧] والغرضُ منه قوله: أنَّه مرَّ في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من (٦) المسلمين والمشركين واليهود، وأنَّه سلَّم عليهم ، ولم يرد أنَّه خصَّ المسلمين باللَّفظ، ففيه أنَّه يسلِّم (٧) بلفظ التَّعميم ويقصدُ به المسلم، وقد اختُلف في حكمِ ابتداء الكافر بالسَّلام هل يمنع منه؟ ففي «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة: «لا تبدؤوا اليهودَ والنَّصَارى بالسَّلام واضْطَرُّوهم إلى أضيقِ الطَّريق (٨)»، وفي «النَّسائيِّ» عن أبي بَصرة الغفاريِّ -بفتح الموحدة- أنَّه قال:

«إنِّي راكِبٌ غدًا إلى يهُود فلَا تبدؤُوهُم بالسَّلامِ» وقال قومٌ: يجوزُ ابتداؤهم به لِما عند الطَّبريِّ من طريق ابن عُيينة، قال: يجوزُ ابتداء الكافر بالسَّلام لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] والمعتمد الأوَّل وأنَّ النَّهي للتَّحريم.

وأُجيب بأنَّه (١) ليس المراد بسلامِ إبراهيم على أبيهِ التَّحيَّة بل المتارَكة والمباعدةِ. وقال ابنُ كثيرٍ: هو كما قال الله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فمعنى قولِ إبراهيم لأبيهِ (٢): ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: أمانٌ (٣) فلا ينالكَ منِّي مكروهٌ ولا أذًى، وذلك لحرمةِ الأبوَّة. انتهى.

لكن (٤) المراد منع ابتدائهم بالسَّلامِ المشروع، فلو سلَّم عليهم بلفظٍ يقتضِي خروجهم عنه كأنَّه يقول: السَّلام علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين فسائغٌ، كما كتبَ النَّبيُّ إلى هرقل: سلامٌ على من اتَّبع الهدى، ونقل ابن العربيِّ عن مالكٍ إذا ابتدأ شخصًا بالسَّلام وهو يظنُّه مسلمًا فبان كافرًا، قال ابن عمر: يَستردُّ منه سلامه، وقال مالكٌ: لا. قال ابن العربيِّ: لأنَّ الاستردادَ حينئذٍ لا فائدةَ له؛ لأنَّه لم يحصلْ له منه شيءٌ؛ لكونه قصد السَّلام على المسلمِ، وقال غيره: له فائدةٌ وهي إعلامُ الكافر بأنَّه ليس أهلًا للابتداءِ بالسَّلام.

وحديثُ الباب سبق في «الأدبِ» [خ¦٦٢٠٧] وغيره [خ¦٥٦٦٣].

(٢١) (بابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا) اكتسبهُ (وَمَن لَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ) وهو مذهبُ الجمهور. نعم، إن خاف ترتُّب مفسدةٍ في دينٍ أو دنيا إن لم يسلِّم سلَّم، كذا قال النَّوويُّ. قال (٥) ابنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ) بكسر الهمزة، كالبَرْذَعةِ ونحوها لذواتِ الحافر (١) (تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ) بفتح القاف، كساءٌ ذات (٢) خملٍ (فَدَكِيَّةٌ) بالفاء والدال المهملة، نسبةً إلى فَدَك -بفتحتين-، مدينةٌ (٣) بعيدةٌ (٤) عن المدينة بيومين (وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) من مرضٍ كان به (فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ) ناسٌ مختلطون (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلَّثة (٥) (وَاليَهُودِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمز والتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بفتح المهملة، اسم أمِّه، فلا ينصرف (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والحاء المهملة (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) غُبارها الَّذي تثيره (خَمَّرَ) غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ (٦) بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ) عبدُ الله بن أبيٍّ: (لَا تُغَبِّرُوا) بالموحدة، لا تُثيروا الغبار (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) الَّذي تدعو إليه (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا) به (فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ارجع» (إِلَى رَحْلِكَ) بالحاء المهملة، منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ) ولأبي الوقتِ: «قال عبدُ الله ابن رواحة»: (اغْشَنَا) بالغين والشين المفتوحة المعجمتين، أي: باشِرنا به يا رسول الله (فِي

مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) لذلك (١) (حَتَّى هَمُّوا) قصدُوا (أَنْ يَتَوَاثَبُوا) بالمثلَّثة بعدها موحدة، يتحاربوا ويتضاربوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ) يُسكِّتهم (٢) (حَتّى سَكَتُوا (٣) ثُمَّ رَكِبَ) (دَابَّتَهُ) فسار (حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ) لعيادتهِ (فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى ما» (قَالَ أَبُو حُبَابٍ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (يُرِيدُ) (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ) سعدٌ: (اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ) من الرِّسالة (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «البُحَيرة» بضم الموحدة وفتح المهملة، القرية، والعربُ تسمِّي القرى البحار. وقال الجوهريُّ (٤): البحرةُ دون الوادي، والمراد طيبَة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) أي: عبد الله بن أبي، بتاجِ الملك (فَيُعَصِّبُونَهُ) بالفاء والنون، ولأبي ذرٍّ: «فيعصِّبوه» (بِالعِصَابَةِ) حقيقةً، أو كنايةً عن جعله ملكًا، وهما متلازمان (٥) للملكيَّة (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء، غُصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من فعلهِ (فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ … ) الحديث.

وسبق بأتمَّ من هذا قريبًا [خ¦٦٢٠٧] والغرضُ منه قوله: أنَّه مرَّ في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من (٦) المسلمين والمشركين واليهود، وأنَّه سلَّم عليهم ، ولم يرد أنَّه خصَّ المسلمين باللَّفظ، ففيه أنَّه يسلِّم (٧) بلفظ التَّعميم ويقصدُ به المسلم، وقد اختُلف في حكمِ ابتداء الكافر بالسَّلام هل يمنع منه؟ ففي «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة: «لا تبدؤوا اليهودَ والنَّصَارى بالسَّلام واضْطَرُّوهم إلى أضيقِ الطَّريق (٨)»، وفي «النَّسائيِّ» عن أبي بَصرة الغفاريِّ -بفتح الموحدة- أنَّه قال:

«إنِّي راكِبٌ غدًا إلى يهُود فلَا تبدؤُوهُم بالسَّلامِ» وقال قومٌ: يجوزُ ابتداؤهم به لِما عند الطَّبريِّ من طريق ابن عُيينة، قال: يجوزُ ابتداء الكافر بالسَّلام لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] والمعتمد الأوَّل وأنَّ النَّهي للتَّحريم.

وأُجيب بأنَّه (١) ليس المراد بسلامِ إبراهيم على أبيهِ التَّحيَّة بل المتارَكة والمباعدةِ. وقال ابنُ كثيرٍ: هو كما قال الله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فمعنى قولِ إبراهيم لأبيهِ (٢): ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: أمانٌ (٣) فلا ينالكَ منِّي مكروهٌ ولا أذًى، وذلك لحرمةِ الأبوَّة. انتهى.

لكن (٤) المراد منع ابتدائهم بالسَّلامِ المشروع، فلو سلَّم عليهم بلفظٍ يقتضِي خروجهم عنه كأنَّه يقول: السَّلام علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين فسائغٌ، كما كتبَ النَّبيُّ إلى هرقل: سلامٌ على من اتَّبع الهدى، ونقل ابن العربيِّ عن مالكٍ إذا ابتدأ شخصًا بالسَّلام وهو يظنُّه مسلمًا فبان كافرًا، قال ابن عمر: يَستردُّ منه سلامه، وقال مالكٌ: لا. قال ابن العربيِّ: لأنَّ الاستردادَ حينئذٍ لا فائدةَ له؛ لأنَّه لم يحصلْ له منه شيءٌ؛ لكونه قصد السَّلام على المسلمِ، وقال غيره: له فائدةٌ وهي إعلامُ الكافر بأنَّه ليس أهلًا للابتداءِ بالسَّلام.

وحديثُ الباب سبق في «الأدبِ» [خ¦٦٢٠٧] وغيره [خ¦٥٦٦٣].

(٢١) (بابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا) اكتسبهُ (وَمَن لَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ) وهو مذهبُ الجمهور. نعم، إن خاف ترتُّب مفسدةٍ في دينٍ أو دنيا إن لم يسلِّم سلَّم، كذا قال النَّوويُّ. قال (٥) ابنُ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد