«أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٦٦

الحديث رقم ٦٢٦٦ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المعانقة وقول الرجل كيف أصبحت.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٦٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: أَلَا تَرَاهُ أَنْتَ، وَاللهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ عَبْدُ الْعَصَا، وَاللهِ إِنِّي لأُرَى رَسُولَ اللهِ سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوْتَ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ، فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا، قَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللهِ فَيَمْنَعُنَا، لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ أَبَدًا.»

بَابُ مَنْ أَجَابَ بِلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ

إسناد حديث رقم ٦٢٦٦ من صحيح البخاري

٦٢٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ : حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيًّا يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي

⦗٦٠⦘

عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٦٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِمْ. ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَدَ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ، وَقَبَّلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَظُّمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ. الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي جُزْءًا فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ سَمِعْنَاهُ، أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَآثَارًا، فَمِنْ جَيِّدِهَا حَدِيثُ الزَّارِعِ الْعَبْدِيِّ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ وَرِجْلَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمِنْ حَدِيثِ مَزِيدَةَ الْعَصَرِيِّ مِثْلُهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قُمْنَا إِلَى النَّبِيِّ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ قَامَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَبَّلَ يَدَهُ، وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ وَالشَّجَرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ رَأَسَكَ وَرِجْلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ قَالَ: أَخْرَجَ لَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ كَفًّا لَهُ ضَخْمَةً كَأَنَّهَا كَفُّ بَعِيرٍ، فَقُمْنَا إِلَيْهَا فَقَبَّلْنَاهَا، وَعَنْ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَبَّلَ يَدَ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا قَبَّلَ يَدَ الْعَبَّاسِ وَرِجْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى: نَاوِلْنِي يَدَكَ الَّتِي بَايَعْتَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَاوَلَنِيهَا فَقَبَّلْتُهَا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: تَقْبِيلُ يَدَ الرَّجُلِ لِزُهْدِهِ وَصَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ أَوْ صِيَانَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ شَوْكَتِهِ أَوْ جَاهِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ.

٢٩ - بَاب الْمُعَانَقَةِ، وَقَوْلِ الرَّجُلِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟

٦٢٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا - يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ . ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: أَلَا تَرَاهُ؟ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثلَاث عَبْدُ الْعَصَا، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَى رَسُولَ اللَّهِ سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوْتَ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ؟ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا آمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا

رَسُولَ اللَّهِ فمنعناها لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَدًا.

قَوْلُهُ: (بَابِ الْمُعَانَقَةِ وَقَوْلُ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْمُعَانَقَةِ وَوَاوُ الْعَطْفِ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الدِّمْيَاطِيُّ فِي أَصْلِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْ بِشْرِ بْنِ شُعَيْبٍ فِي بَابِ مَرَضِ النَّبِيِّ .

قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ وَهُنَا وَاحِدٌ وَالصِّيغَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ حَقُّهُ إِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِسْحَاقَ هُنَاكَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنْ يَقُولَ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) هُوَ إِسْنَادٌ آخَرُ إِلَى الزُّهْرِيِّ يَرُدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ انْفِرَادَ شُعَيْبٍ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَلَمْ أَسْتَحْضِرْ حِينَئِذٍ رِوَايَةَ يُونُسَ هَذِهِ، فَهُمْ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ رَوَوْهُ عَنْهُ، وَسِيَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَى لَفْظِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ هَذَا، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ شُعَيْبٍ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: تَرْجَمَ لِلْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْبَابِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مُعَانَقَةَ النَّبِيِّ لِلْحَسَنِ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَسْوَاقِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ سَنَدًا غَيْرَ السَّنَدِ الْأَوَّلِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ شَيْئًا، فَبَقِيَ الْبَابُ فَارِغًا مِنْ ذِكْرِ الْمُعَانَقَةِ، وَكَانَ بَعْدَهُ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ. وَفِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَلَمَّا وَجَدَ نَاسِخُ الْكِتَابِ التَّرْجَمَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ظَنَّهُمَا وَاحِدَةً إِذْ لَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا حَدِيثًا.

وَفِي الْكِتَابِ مَوَاضِعُ مِنَ الْأَبْوَابِ فَارِغَةٌ لَمْ يُدْرِكْ أَنْ يُتِمَّهَا بِالْأَحَادِيثِ، مِنْهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. انْتَهَى، وَفِي جَزْمِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ بَابَ الْمُعَانَقَةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ، فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ الْحَدِيثَ فَهَذَا أَوْلَى بِمُرَادِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُعَلَّقًا فَقَالَ: وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَنَدِهِ هُنَاكَ.

وَأَمَّا جَزْمُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَدًا آخَرَ فَفِيهِ نَظَرٌ: لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِسَنَدٍ آخَرَ وَعَلَّقَهُ فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، فَقَالَ: وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ:، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ أَرَادَ ذِكْرَهُ لَعَلَّقَ مِنْهُ مَوْضِعَ حَاجَتِهِ أَيْضًا بِحَذْفِ أَكْثَرِ السَّنَدِ أَوْ بَعْضِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ خَلَتِ الْأُولَى عَنِ الْحَدِيثِ فَضَمَّهُمَا النَّاسِخُ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنْ فِي الْجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ.

وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَاوِي الْكِتَابِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ الْكِتَابَ كَانَ يَضُمُّ بَعْضَ التَّرَاجِمِ إِلَى بَعْضٍ وَيَسُدُّ الْبَيَاضَ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ يُفْزَعُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَطْبِيقِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْجَمَةِ، وَيُؤَيِّدهُ إِسْقَاطُ لَفْظِ الْمُعَانَقَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي الْأَدَبِ بَابَ كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ، وَأَفْرَدَ بَابَ الْمُعَانَقَةِ عَنْ هَذَا الْبَابِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ كَمَا ذَكرْتُ، وَقَوَّى ابْنُ التِّينِ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ بَابِ الْمُعَانَقَةِ قَوْلُ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ بِغَيْرِ وَاوٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ.

وَقَدْ أَخَذَ ابْنُ جَمَاعَةَ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ جَازِمًا بِهِ وَاخْتَصَرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: تَرْجَمَ بِالْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ وَلَمْ

يَتَّفِقْ لَهُ حَدِيثٌ يُوَافِقُهُ فِي الْمَعْنَى وَلَا طَرِيقٌ آخَرُ لِسَنَدِ مُعَانَقَةِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْوِيَهُ بِذَلِكَ السَّنَدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ إِعَادَةُ السَّنَدِ الْوَاحِدِ، أَوْ لَعَلَّهُ أَخَذَ الْمُعَانَقَةَ مِنْ عَادَتِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاكْتَفَى بِكَيْفَ أَصْبَحْتَ لِاقْتِرَانِ الْمُعَانَقَةِ بِهِ عَادَةً. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ فَدَعْوَى الْعَادَةِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فِي بَابِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ حَدِيثَ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَلُهُ كَانَ النَّبِيُّ إِذَا مَرَّ بِهِ يَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ. الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِيهِ لِلْمُعَانَقَةِ ذِكْرٌ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُصْبِحُ صَائِمًا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ. الْحَدِيثَ. وَمِنْ حَدِيثِ مُهَاجِرٍ الصَّائِغِ: كُنْتُ أَجْلِسُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِحُذَيْفَةَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، أَوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ. قَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ نَحْوَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ أَخْبَارٍ لَمْ تَقْتَرِنْ فِيهَا الْمُعَانَقَةُ بِقَوْلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَنَحْوِهَا، بَلْ وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ اثْنَيْنِ تَلَاقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْحَمْلُ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْمُعَانَقَةِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ بَابَ النَّبِيِّ لَمَّا رَأَوْا خُرُوجَ عَلِيٍّ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ سَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ فِي مَرَضِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمُعَانَقَةِ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمُعَانَقَةِ أَيْضًا حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ فَالْتَزَمَنِي، فَكَانَتْ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا هَذَا الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانُوا إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا، وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ لَمْ يُصَافِحْهُمْ حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُعَانَقَةِ، فَكَرِهَهَا مَالِكٌ، وَأَجَازَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ سَاقَ قِصَّتَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يُونُسَ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرٍ مِنْ تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يُونُسَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى مَالِكٍ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ خَاصٌّ وَعَامٌّ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُكَ، قَالَ: قَدْ عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، قَالَ: جَعْفَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ خَاصٌّ، قَالَ: مَا عَمَّهُ يَعُمُّنَا.

ثُمَّ سَاقَ سُفْيَانُ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِسْنَادُهَا مُظْلِمٌ. قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، فَأَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ جَعْفَرًا لَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبَّلَ جَعْفَرًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَأَخْرَجَ الْبَغْوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَسَنَدُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلم يستحضرْ له غير السَّند السَّابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السَّند الواحد فأدركَه الموتُ قبل أن يقع له ما يُوافق ذلك، فصار ما ترجم له بالمعانقة (١) خاليًا (٢) من الحديثِ، وبعده (٣): بابُ قولِ الرَّجل كيف أصبحت؟ فظنَّ (٤) الكاتبُ الأوَّل لما لم يجدْ بينهما حديثًا أنَّ الباب معقودٌ لهما فجمعهما، لكنَّ لفظ المعانقة والواو بعدها إنَّما ثبت (٥) لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ وسقط (٦) لغيره، وفي نسخةِ الحافظ عبد المؤمن الدِّمياطيِّ مضروبٌ (٧) عليهما، وعلى هذا فلا إشكالَ كما لا يخفى (وَقَوْلِ الرَّجُلِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق الآخر (كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟).

٦٢٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه كما جزم به في «الفتح»، أو ابنُ منصورٍ كما قاله الكِرْمانيُّ بلفظ لعلَّه، قال: (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شُعيب بنُ أبي حمزة، دينار القرشيُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد

بن مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) أي ابنُ مالكٍ الأنصاريُّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا -يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ-) (خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ) وسقط قوله: «قال أخبرني عبدُ الله بن كعبٍ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

قال البخاريُّ (ح) (١): (وَحَدَّثَنَا) بإثبات واو العطف على السَّابق لأبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن الطَّبريِّ المصريُّ الثِّقة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بعين مهملة وموحدة مفتوحتين بينهما نون ساكنة وبالسين المهملة آخره تاء (٢) تأنيث، ابن خالدٍ الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريُّ، وقد ثبت سماع الزُّهريِّ من عبدِ الله بن كعبٍ، كما مرَّ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٤٧] (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ) له: (يَا أَبَا حَسَنٍ (٣) كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا) بالهمز في الفرع كأصله. قال ثابتٌ: هذا على لغةِ أهلِ الحجاز، يقولون (٤): برأتُ من المرض، وتميمٌ يقولون: برِيت -بالكسر- يعني بغير همزٍ، كما (٥) يُروى باريًا بغير همزٍ، فيصحُّ أن يكون على اللُّغتين جميعًا (فَأَخَذَ بِيَدِهِ) بيدِ عليٍّ (العَبَّاسُ فَقَالَ) له: (أَلَا تَرَاهُ) ، أي: ميِّتًا، أي: فيه علامة الموت، أو الضَّمير للشَّأن؛ لأنَّ الرُّؤية ليست بصريَّة (أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ) ولأبي ذرٍّ: «بعد ثلاثٍ» أي: بعد ثلاثة أيَّامٍ (عَبْدُ العَصَا) أي: تصير مأمور الغير (٦) بموته وولايةِ غيره (وَاللهِ إِنِّي لأُرَى) بضم الهمزة، لأظُنُّ (رَسُولَ اللهِ سَيُتَوَفَّى) على صيغة المجهول (فِي وَجَعِهِ) هذا (وَإِنِّي لأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ المَوْتَ) أي: علامتهُ (فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الأَمْرُ) أي: الخلافة بعده (فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ) قال

السَّفاقسيُّ: آمرناه، بمدِّ الهمزة، أي: شاورناهُ. قال: والمشهورُ القصر، أي: طلبنا منه، وفيه أنَّ الأمرَ لا يشترط فيه العلوُّ ولا الاستعلاء. قال في «الفتح»: ولعلَّه أراد أن يؤكِّد عليه في السُّؤال حتَّى يصير كأنَّه آمرٌ له بذلك (فَأَوْصَى بِنَا) الخليفة بعده (قَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا) أي: الخلافة (رَسُولَ اللهِ فَيَمْنَعُنَا) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فمنعناها» أي: الخلافة (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ أَبَدًا).

ولم يقع في الحديث أنَّ اثنين تلاقيا، فقال أحدُهما للآخر: كيف أصبحت؟ بل فيه أنَّ مَن حضرَ عند بابه سأل عليًّا لمَّا خرج من عند النَّبيِّ (١) عن حاله فأخبر بقوله: بارئًا. نعم، أخرج البخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث جابرٍ، قال: قيل للنَّبيِّ : كيف أصبحتَ؟ قال: «بخيرٍ».

وأمَّا المعانقة: ففي حديث أبي ذرٍّ من طريق رجلٍ من عَنَزَة لم يُسمَّ، قال: قلتُ: هل كان رسول الله يُصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قطُّ إلَّا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ فلم أكنْ في أهلي، فلمَّا جئتُ أُخبرت أنَّه أرسل إليَّ، فأتيتُه وهو على سريره فالتزمَني فكانت أجود وأجود. رواه الإمام أحمد ورجالهُ ثقاتٌ إلَّا الرَّجل المبهم، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ: كانوا إذا تلاقوا تصافَحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا.

وفي حديث عائشة لمَّا قدم زيدُ بن حارثة المدينةَ ورسول الله في بيتي فقرعَ الباب فقامَ إليه النَّبيُّ عريانًا يجرُّ ثوبه فاعتنقَه وقبَّله. قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وعن (٢) أبي الهيثم بن التَّيِّهان: أنَّ النَّبيَّ لقيهُ فاعتنقهُ وقبَّله. رواه قاسم بن أصبغ، وسنده ضعيفٌ.

وأمَّا حديث طاوس عن ابن (٣) عبَّاسٍ لمَّا قدم جعفر من الحبشة اعتنقهُ النَّبيُّ . فقال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: هذه الحكايةُ باطلةٌ وإسنادها مظلمٌ.

وحديثُ الباب سبق في أواخر «المغازي» في «باب مرض النَّبيِّ » [خ¦٤٤٤٧].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَيْهِمْ. ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَدَ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ، وَقَبَّلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّعَظُّمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ: أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ. الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُقْرِي، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي جُزْءًا فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ سَمِعْنَاهُ، أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَآثَارًا، فَمِنْ جَيِّدِهَا حَدِيثُ الزَّارِعِ الْعَبْدِيِّ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ وَرِجْلَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمِنْ حَدِيثِ مَزِيدَةَ الْعَصَرِيِّ مِثْلُهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قُمْنَا إِلَى النَّبِيِّ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ قَامَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَبَّلَ يَدَهُ، وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ وَالشَّجَرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أَنْ أُقَبِّلَ رَأَسَكَ وَرِجْلَيْكَ فَأَذِنَ لَهُ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ قَالَ: أَخْرَجَ لَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ كَفًّا لَهُ ضَخْمَةً كَأَنَّهَا كَفُّ بَعِيرٍ، فَقُمْنَا إِلَيْهَا فَقَبَّلْنَاهَا، وَعَنْ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَبَّلَ يَدَ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا قَبَّلَ يَدَ الْعَبَّاسِ وَرِجْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى: نَاوِلْنِي يَدَكَ الَّتِي بَايَعْتَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَاوَلَنِيهَا فَقَبَّلْتُهَا.

قَالَ النَّوَوِيُّ: تَقْبِيلُ يَدَ الرَّجُلِ لِزُهْدِهِ وَصَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ أَوْ صِيَانَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ، فَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ أَوْ شَوْكَتِهِ أَوْ جَاهِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ.

٢٩ - بَاب الْمُعَانَقَةِ، وَقَوْلِ الرَّجُلِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟

٦٢٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا - يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ . ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: أَلَا تَرَاهُ؟ أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثلَاث عَبْدُ الْعَصَا، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَى رَسُولَ اللَّهِ سَيُتَوَفَّى فِي وَجَعِهِ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوْتَ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ؟ فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا آمَرْنَاهُ فَأَوْصَى بِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا

رَسُولَ اللَّهِ فمنعناها لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَدًا.

قَوْلُهُ: (بَابِ الْمُعَانَقَةِ وَقَوْلُ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْمُعَانَقَةِ وَوَاوُ الْعَطْفِ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الدِّمْيَاطِيُّ فِي أَصْلِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْ بِشْرِ بْنِ شُعَيْبٍ فِي بَابِ مَرَضِ النَّبِيِّ .

قُلْتُ: وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ وَهُنَا وَاحِدٌ وَالصِّيغَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ حَقُّهُ إِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِسْحَاقَ هُنَاكَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَنْ يَقُولَ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) هُوَ إِسْنَادٌ آخَرُ إِلَى الزُّهْرِيِّ يَرُدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ انْفِرَادَ شُعَيْبٍ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَلَمْ أَسْتَحْضِرْ حِينَئِذٍ رِوَايَةَ يُونُسَ هَذِهِ، فَهُمْ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ رَوَوْهُ عَنْهُ، وَسِيَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَى لَفْظِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ هَذَا، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ شُعَيْبٍ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: تَرْجَمَ لِلْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْبَابِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مُعَانَقَةَ النَّبِيِّ لِلْحَسَنِ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَسْوَاقِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ سَنَدًا غَيْرَ السَّنَدِ الْأَوَّلِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ شَيْئًا، فَبَقِيَ الْبَابُ فَارِغًا مِنْ ذِكْرِ الْمُعَانَقَةِ، وَكَانَ بَعْدَهُ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ. وَفِيهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَلَمَّا وَجَدَ نَاسِخُ الْكِتَابِ التَّرْجَمَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ظَنَّهُمَا وَاحِدَةً إِذْ لَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا حَدِيثًا.

وَفِي الْكِتَابِ مَوَاضِعُ مِنَ الْأَبْوَابِ فَارِغَةٌ لَمْ يُدْرِكْ أَنْ يُتِمَّهَا بِالْأَحَادِيثِ، مِنْهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. انْتَهَى، وَفِي جَزْمِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ بَابَ الْمُعَانَقَةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ فَخَرَجَ، فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ الْحَدِيثَ فَهَذَا أَوْلَى بِمُرَادِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُعَلَّقًا فَقَالَ: وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَنَدِهِ هُنَاكَ.

وَأَمَّا جَزْمُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَدًا آخَرَ فَفِيهِ نَظَرٌ: لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِسَنَدٍ آخَرَ وَعَلَّقَهُ فِي مَنَاقِبِ الْحَسَنِ، فَقَالَ: وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ:، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ أَرَادَ ذِكْرَهُ لَعَلَّقَ مِنْهُ مَوْضِعَ حَاجَتِهِ أَيْضًا بِحَذْفِ أَكْثَرِ السَّنَدِ أَوْ بَعْضِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ خَلَتِ الْأُولَى عَنِ الْحَدِيثِ فَضَمَّهُمَا النَّاسِخُ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنْ فِي الْجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ.

وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَاوِي الْكِتَابِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ سَمِعَ الْكِتَابَ كَانَ يَضُمُّ بَعْضَ التَّرَاجِمِ إِلَى بَعْضٍ وَيَسُدُّ الْبَيَاضَ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ يُفْزَعُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَطْبِيقِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّرْجَمَةِ، وَيُؤَيِّدهُ إِسْقَاطُ لَفْظِ الْمُعَانَقَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي الْأَدَبِ بَابَ كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ، وَأَفْرَدَ بَابَ الْمُعَانَقَةِ عَنْ هَذَا الْبَابِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ كَمَا ذَكرْتُ، وَقَوَّى ابْنُ التِّينِ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ بَابِ الْمُعَانَقَةِ قَوْلُ الرَّجُلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ بِغَيْرِ وَاوٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا تَرْجَمَتَانِ.

وَقَدْ أَخَذَ ابْنُ جَمَاعَةَ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ جَازِمًا بِهِ وَاخْتَصَرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: تَرْجَمَ بِالْمُعَانَقَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ وَلَمْ

يَتَّفِقْ لَهُ حَدِيثٌ يُوَافِقُهُ فِي الْمَعْنَى وَلَا طَرِيقٌ آخَرُ لِسَنَدِ مُعَانَقَةِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَرْوِيَهُ بِذَلِكَ السَّنَدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ إِعَادَةُ السَّنَدِ الْوَاحِدِ، أَوْ لَعَلَّهُ أَخَذَ الْمُعَانَقَةَ مِنْ عَادَتِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاكْتَفَى بِكَيْفَ أَصْبَحْتَ لِاقْتِرَانِ الْمُعَانَقَةِ بِهِ عَادَةً. قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَخِيرُ فَدَعْوَى الْعَادَةِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فِي بَابِ كَيْفَ أَصْبَحْتَ حَدِيثَ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا أُصِيبَ أَكْحَلُهُ كَانَ النَّبِيُّ إِذَا مَرَّ بِهِ يَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ. الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِيهِ لِلْمُعَانَقَةِ ذِكْرٌ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُصْبِحُ صَائِمًا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ. الْحَدِيثَ. وَمِنْ حَدِيثِ مُهَاجِرٍ الصَّائِغِ: كُنْتُ أَجْلِسُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِحُذَيْفَةَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، أَوْ كَيْفَ أَمْسَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ. قَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ نَحْوَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ أَخْبَارٍ لَمْ تَقْتَرِنْ فِيهَا الْمُعَانَقَةُ بِقَوْلِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ وَنَحْوِهَا، بَلْ وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ اثْنَيْنِ تَلَاقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْحَمْلُ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْمُعَانَقَةِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ بَابَ النَّبِيِّ لَمَّا رَأَوْا خُرُوجَ عَلِيٍّ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ سَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ فِي مَرَضِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمُعَانَقَةِ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمُعَانَقَةِ أَيْضًا حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ لَمْ يُسَمَّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ فَالْتَزَمَنِي، فَكَانَتْ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا هَذَا الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانُوا إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا، وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا لَقِيَ أَصْحَابَهُ لَمْ يُصَافِحْهُمْ حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُعَانَقَةِ، فَكَرِهَهَا مَالِكٌ، وَأَجَازَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ سَاقَ قِصَّتَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يُونُسَ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرٍ مِنْ تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يُونُسَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى مَالِكٍ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ خَاصٌّ وَعَامٌّ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُكَ، قَالَ: قَدْ عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، قَالَ: جَعْفَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ خَاصٌّ، قَالَ: مَا عَمَّهُ يَعُمُّنَا.

ثُمَّ سَاقَ سُفْيَانُ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنَ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِسْنَادُهَا مُظْلِمٌ. قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، فَأَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ جَعْفَرًا لَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبَّلَ جَعْفَرًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَأَخْرَجَ الْبَغْوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَسَنَدُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلم يستحضرْ له غير السَّند السَّابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السَّند الواحد فأدركَه الموتُ قبل أن يقع له ما يُوافق ذلك، فصار ما ترجم له بالمعانقة (١) خاليًا (٢) من الحديثِ، وبعده (٣): بابُ قولِ الرَّجل كيف أصبحت؟ فظنَّ (٤) الكاتبُ الأوَّل لما لم يجدْ بينهما حديثًا أنَّ الباب معقودٌ لهما فجمعهما، لكنَّ لفظ المعانقة والواو بعدها إنَّما ثبت (٥) لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ وسقط (٦) لغيره، وفي نسخةِ الحافظ عبد المؤمن الدِّمياطيِّ مضروبٌ (٧) عليهما، وعلى هذا فلا إشكالَ كما لا يخفى (وَقَوْلِ الرَّجُلِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق الآخر (كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟).

٦٢٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه كما جزم به في «الفتح»، أو ابنُ منصورٍ كما قاله الكِرْمانيُّ بلفظ لعلَّه، قال: (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شُعيب بنُ أبي حمزة، دينار القرشيُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد

بن مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) أي ابنُ مالكٍ الأنصاريُّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا -يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ-) (خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ) وسقط قوله: «قال أخبرني عبدُ الله بن كعبٍ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

قال البخاريُّ (ح) (١): (وَحَدَّثَنَا) بإثبات واو العطف على السَّابق لأبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن الطَّبريِّ المصريُّ الثِّقة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بعين مهملة وموحدة مفتوحتين بينهما نون ساكنة وبالسين المهملة آخره تاء (٢) تأنيث، ابن خالدٍ الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريُّ، وقد ثبت سماع الزُّهريِّ من عبدِ الله بن كعبٍ، كما مرَّ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٤٧] (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ) له: (يَا أَبَا حَسَنٍ (٣) كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا) بالهمز في الفرع كأصله. قال ثابتٌ: هذا على لغةِ أهلِ الحجاز، يقولون (٤): برأتُ من المرض، وتميمٌ يقولون: برِيت -بالكسر- يعني بغير همزٍ، كما (٥) يُروى باريًا بغير همزٍ، فيصحُّ أن يكون على اللُّغتين جميعًا (فَأَخَذَ بِيَدِهِ) بيدِ عليٍّ (العَبَّاسُ فَقَالَ) له: (أَلَا تَرَاهُ) ، أي: ميِّتًا، أي: فيه علامة الموت، أو الضَّمير للشَّأن؛ لأنَّ الرُّؤية ليست بصريَّة (أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ) ولأبي ذرٍّ: «بعد ثلاثٍ» أي: بعد ثلاثة أيَّامٍ (عَبْدُ العَصَا) أي: تصير مأمور الغير (٦) بموته وولايةِ غيره (وَاللهِ إِنِّي لأُرَى) بضم الهمزة، لأظُنُّ (رَسُولَ اللهِ سَيُتَوَفَّى) على صيغة المجهول (فِي وَجَعِهِ) هذا (وَإِنِّي لأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ المَوْتَ) أي: علامتهُ (فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الأَمْرُ) أي: الخلافة بعده (فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ) قال

السَّفاقسيُّ: آمرناه، بمدِّ الهمزة، أي: شاورناهُ. قال: والمشهورُ القصر، أي: طلبنا منه، وفيه أنَّ الأمرَ لا يشترط فيه العلوُّ ولا الاستعلاء. قال في «الفتح»: ولعلَّه أراد أن يؤكِّد عليه في السُّؤال حتَّى يصير كأنَّه آمرٌ له بذلك (فَأَوْصَى بِنَا) الخليفة بعده (قَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا) أي: الخلافة (رَسُولَ اللهِ فَيَمْنَعُنَا) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فمنعناها» أي: الخلافة (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ أَبَدًا).

ولم يقع في الحديث أنَّ اثنين تلاقيا، فقال أحدُهما للآخر: كيف أصبحت؟ بل فيه أنَّ مَن حضرَ عند بابه سأل عليًّا لمَّا خرج من عند النَّبيِّ (١) عن حاله فأخبر بقوله: بارئًا. نعم، أخرج البخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث جابرٍ، قال: قيل للنَّبيِّ : كيف أصبحتَ؟ قال: «بخيرٍ».

وأمَّا المعانقة: ففي حديث أبي ذرٍّ من طريق رجلٍ من عَنَزَة لم يُسمَّ، قال: قلتُ: هل كان رسول الله يُصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قطُّ إلَّا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ فلم أكنْ في أهلي، فلمَّا جئتُ أُخبرت أنَّه أرسل إليَّ، فأتيتُه وهو على سريره فالتزمَني فكانت أجود وأجود. رواه الإمام أحمد ورجالهُ ثقاتٌ إلَّا الرَّجل المبهم، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ: كانوا إذا تلاقوا تصافَحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا.

وفي حديث عائشة لمَّا قدم زيدُ بن حارثة المدينةَ ورسول الله في بيتي فقرعَ الباب فقامَ إليه النَّبيُّ عريانًا يجرُّ ثوبه فاعتنقَه وقبَّله. قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وعن (٢) أبي الهيثم بن التَّيِّهان: أنَّ النَّبيَّ لقيهُ فاعتنقهُ وقبَّله. رواه قاسم بن أصبغ، وسنده ضعيفٌ.

وأمَّا حديث طاوس عن ابن (٣) عبَّاسٍ لمَّا قدم جعفر من الحبشة اعتنقهُ النَّبيُّ . فقال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: هذه الحكايةُ باطلةٌ وإسنادها مظلمٌ.

وحديثُ الباب سبق في أواخر «المغازي» في «باب مرض النَّبيِّ » [خ¦٤٤٤٧].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله