«لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.» بَاب�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٦٩

الحديث رقم ٦٢٦٩ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٦٩ في صحيح البخاري

«لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.»

بَابٌ: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشِزُوا فَانْشِزُوا﴾ الْآيَةَ

إسناد حديث رقم ٦٢٦٩ من صحيح البخاري

٦٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قُلْتُ: وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِالْجِيمِ بِنْتِ الْمُحَلَّلِ بِمُهْمَلَةٍ وَلَامَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ.

٣١ - بَاب لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ

٦٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَهُوَ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ لَا يُقِمْ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْحَسَنِ، وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، وَطَاهِرُ بْنُ مِدْرَارٍ بِلَفْظِ: لَا يُقِيمَنَّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ، وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْحَسَنِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ، وَطَاهِرِ بْنِ مِدْرَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ الْجَرْمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ، وَضَاقَ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيهِ.

٣٢ - بَاب ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ الْآيَةَ

٦٢٧٠ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَزَادَ غَيْرُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ الْآيَةَ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَجْلِسِ النَّبِيِّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَجْلِسُ النَّبِيِّ خَاصَّةً عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ قُلْتُ لَفْظُ الطَّبَرِيِّ عَنْ قَتَادَةَ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ إِذَا رَأَوْهُ مُقْبِلًا ضَيَّقُوا مَجْلِسَهُمْ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يُوَسِّعَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.

قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ قَالَ نَزَلَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ يَجِدُوا مَكَانًا، فَأَقَامَ النَّبِيُّ نَاسًا مِمَّنْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ فَأَجْلَسَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَجْلِسُ الْقِتَالِ قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿انْشُزُوا﴾ انْهَضُوا لِلْقِتَالِ.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ: افْسَحُوا

يَفْسَحِ اللَّهُ أَيْ وَسِّعُوا يُوَسِّعِ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ

قَوْلُهُ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسُ فِيهِ آخَرُ. كَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: لَا يُقِمِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. هُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَلَكِنْ لِيَقُلِ افْسَحُوا وَتَوَسَّعُوا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَبِيصَةَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ لِيَقُلْ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ نَافِعٍ، وَأَنَّ مَالِكًا، وَاللَّيْثَ، وَأَيُّوبَ، وَابْنَ جُرَيْجٍ رَوَوْهُ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا، وَأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ زَادَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: فِي الْجُمُعَةِ؟ قَالَ وَفِي غَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَةُ ابْنُ جُرَيْجٍ هَذِهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدْ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا. فَجَمَعَ بَيْنَ الزِّيَادَتَيْنِ وَرَفَعَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ سُؤَالِ ابْنِ جُرَيْجٍ، لِنَافِعٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْمَجَالِسِ وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَجَالِسِ الْمُبَاحَةِ إِمَّا عَلَى الْعُمُومِ كَالْمَسَاجِدِ وَمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْعِلْمِ وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ كَمَنْ يَدْعُو قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ لِوَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمَجَالِسُ الَّتِي لَيْسَ لِلشَّخْصِ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا إِذْنَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَامُ وَيُخْرَجُ مِنْهَا، ثُمَّ هُوَ فِي الْمَجَالِسِ الْعَامَّةِ وَلَيْسَ عَامًّا فِي النَّاسِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمَجَانِينِ وَمَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْأَذَى كَآكِلِ الثُّومِ النِّيِّئِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالسَّفِيهِ إِذَا دَخَلَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ أَوِ الْحُكْمِ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ مَنْعُ اسْتِنْقَاصِ حَقِّ الْمُسْلِمِ الْمُقْتَضِي لِلضَّغَائِنِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّوَاضُعِ الْمُقْتَضِي لِلْمُوَادَدَةِ، وَأَيْضًا فَالنَّاسُ فِي الْمُبَاحِ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ غَصْبٌ وَالْغَصْبُ حَرَامٌ.

فَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ قَالَ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَفْضُلَ مِنَ الْجَمْعِ مَجْلِسٌ لِلدَّاخِلِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ

قَوْلُهُ (يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يُجْلَسَ مَكَانَهُ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ قَبِيصَةَ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِلَفْظِ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَقَوْلُهُ: يَجْلِسُ. فِي رِوَايَتنَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَبَطَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْغَرْنَاطِيُّ فِي نُسْخَتِهِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى وَزْنِ يُقَامُ.

وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْخَصِيبِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ آخِرَهُ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ ذَا.

وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ لَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ طَرِيقٌ إِلَّا هَذِهِ. وَفِي سَنَدِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى وَقِيلَ مَوْلَى قُرَيْشٍ وَهُوَ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتُلِفَ فِي النَّهْيِ فَقِيلَ لِلْأَدَبِ وَإِلَّا فَالَّذِي يَجِبُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَلِيَهُ أَهْلُ الْفَهْمِ وَالنَّهْيِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مُبَاحٍ أَنْ يُقَامَ مِنْهُ. وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ حَقُّهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحنَّاط، بالمهملتين والنون المشددة، ممَّا سبق موصولًا في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] (عَنِ الأَعْمَشِ) أي: عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ (يَمْكُثُ عِنْدِي فَوْقَ ثَلَاثٍ) بدل قوله: «يَأتي (١) عليَّ ليلة أو ثلاث عندي منه دينارٌ».

والحديثُ سبق في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٨].

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٢)) خبرٌ معناه النَّهي.

٦٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٣)، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ) وفي رواية اللَّيث عند مسلمٍ بلفظ النَّهي المؤكَّد بالنُّون وظاهر النَّهي التَّحريم، فلا يُصرف عنه إلَّا بدليلٍ، وزاد ابن جُريج، عن نافعٍ ممَّا في «كتاب الجمعة» قلتُ لنافعٍ: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها [خ¦٩١١]، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنَّه مخصوصٌ بالمجالس المباحة إمَّا على العمومِ كالمساجد ومجالسِ الحكَّام والعلم (٤)، وإمَّا على الخصوصِ كمن يدعو قومًا بأعيانهم إلى منزلهِ لوليمةٍ ونحوها، وأمَّا المجالس الَّتي ليس للشَّخص فيها ملكٌ ولا إذن له فيها فإنَّه يُقام ويُخرج منها، ثمَّ هو في المجالس العامَّة ليس عامًّا في النَّاس بل خاصٌّ بغير المجانين، ومَن يحصل منه الأذى كآكلِ الثُّوم النِّيءِ إذا دخلَ المسجد، والحكمة في هذا النَّهي منع استنقاص حقِّ المسلم المقتضِي للضَّغائن، ولأنَّ النَّاس في المباح كلُّهم سواءٌ، فمن سبقَ إلى مباحٍ استحقَّه، ومَن استحقَّ شيئًا فأُخذ منه بغير حقٍّ فهو غصبٌ والغصبُ حرامٌ. قاله في «بهجة النُّفوس».

والحديثُ سبق في «الجمعة» [خ¦٩١١].

(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾) توسَّعوا فيه. وقرأ عاصمٌ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع اعتبارًا بأنَّ لكلِّ واحدٍ مجلسًا، والمراد مجلس رسول الله . وأخرج ابن أبي حاتمٍ عن مقاتل بن حيَّان، قال: نزلت يوم جمعةٍ، وكان رسول الله يومئذٍ في الصُّفَّة، وفي المكان ضِيقٌ، وكان يُكْرِم أهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أناسٌ من أهل بدرٍ وقد سبقوا إلى المجالسِ، فقاموا حيالَ رسول الله على أرجلِهم ينتظرون أن يوسَّع لهم، فلم يُفْسَح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ ، فقال لمن حوله من غير أهل بدرٍ: «قُمْ يا فلانُ، وأنتَ يَا فلانُ» وأجلسَهُم في أماكِنِهِم فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه، وعرف النَّبيُّ الكراهةَ في وجوهِهم وتكلَّم في ذلك المنافقون، فبلغنا أنَّ رسول الله قال: «رَحِمَ اللهُ رجلًا يفسَحُ لأخِيهِ» فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا فيفسحُ (١) القوم لإخوانهم، ونزلتْ هذه الآية يوم الجمعة. وعن ابن عبَّاسٍ: هي مجالسُ القتال إذا اصطفُّوا للحربِ. قال الحسن: كانوا يتشاحون على الصَّفِّ الأوَّل (٢)، فلا يوسِّع بعضُهم لبعضٍ رغبةً في الشَّهادة فنزلتْ، والظَّاهر أنَّ الحكمَ يطَّرد في مجالسِ الطَّاعات، وإن كان السَّبب خاصًّا (﴿فَافْسَحُوا﴾) فوسِّعوا (﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾) يوسِّع الله عليكم في الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وهو يُطلق (٣) في كلِّ ما ينبغي للنَّاس الفُسحة فيه من المكان والرِّزق والقبر وغير ذلك (﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا﴾) انهضوا للتَّوسعة على المقبلين، أو انهضُوا عن مجلسِ رسول الله إذا أُمرتم بالنُّهوض عنه (٤)، أو انهضوا إلى الصَّلاةِ والجهادِ وأعمالِ الخير (﴿فَانشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]) فانهضوا في المجلس للتَّفسُّح؛ لأنَّ مزيد التَّوسعة على الواردين يقعُ إلى فوق فيتَّسع الموضع أُمروا أوَّلًا بالتَّفسُّح، ثمَّ ثانيًا بامتثالِ الأمر فيه (الآيَةَ). وبقيَّتها: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أي: بامتثالِ أوامرهِ وأوامرِ رسوله ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: والعالمين منهم خاصَّةً ﴿دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قُلْتُ: وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِالْجِيمِ بِنْتِ الْمُحَلَّلِ بِمُهْمَلَةٍ وَلَامَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ.

٣١ - بَاب لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ

٦٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ) هَكَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَهُوَ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ لَا يُقِمْ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْحَسَنِ، وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، وَطَاهِرُ بْنُ مِدْرَارٍ بِلَفْظِ: لَا يُقِيمَنَّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ، وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْحَسَنِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ، وَطَاهِرِ بْنِ مِدْرَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ الْجَرْمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ، وَضَاقَ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِيهِ.

٣٢ - بَاب ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ الْآيَةَ

٦٢٧٠ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَزَادَ غَيْرُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ الْآيَةَ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَجْلِسِ النَّبِيِّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَجْلِسُ النَّبِيِّ خَاصَّةً عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ قُلْتُ لَفْظُ الطَّبَرِيِّ عَنْ قَتَادَةَ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ إِذَا رَأَوْهُ مُقْبِلًا ضَيَّقُوا مَجْلِسَهُمْ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يُوَسِّعَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.

قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ قَالَ نَزَلَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ يَجِدُوا مَكَانًا، فَأَقَامَ النَّبِيُّ نَاسًا مِمَّنْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ فَأَجْلَسَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَجْلِسُ الْقِتَالِ قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿انْشُزُوا﴾ انْهَضُوا لِلْقِتَالِ.

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ: افْسَحُوا

يَفْسَحِ اللَّهُ أَيْ وَسِّعُوا يُوَسِّعِ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ

قَوْلُهُ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسُ فِيهِ آخَرُ. كَذَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: لَا يُقِمِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسْ فِيهِ.

قَوْلُهُ: وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا. هُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَبِيصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَلَكِنْ لِيَقُلِ افْسَحُوا وَتَوَسَّعُوا وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَبِيصَةَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ لِيَقُلْ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ نَافِعٍ، وَأَنَّ مَالِكًا، وَاللَّيْثَ، وَأَيُّوبَ، وَابْنَ جُرَيْجٍ رَوَوْهُ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا، وَأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ زَادَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: فِي الْجُمُعَةِ؟ قَالَ وَفِي غَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَةُ ابْنُ جُرَيْجٍ هَذِهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدْ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا. فَجَمَعَ بَيْنَ الزِّيَادَتَيْنِ وَرَفَعَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ سُؤَالِ ابْنِ جُرَيْجٍ، لِنَافِعٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْمَجَالِسِ وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَجَالِسِ الْمُبَاحَةِ إِمَّا عَلَى الْعُمُومِ كَالْمَسَاجِدِ وَمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْعِلْمِ وَإِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ كَمَنْ يَدْعُو قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ لِوَلِيمَةٍ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمَجَالِسُ الَّتِي لَيْسَ لِلشَّخْصِ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا إِذْنَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَامُ وَيُخْرَجُ مِنْهَا، ثُمَّ هُوَ فِي الْمَجَالِسِ الْعَامَّةِ وَلَيْسَ عَامًّا فِي النَّاسِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْمَجَانِينِ وَمَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْأَذَى كَآكِلِ الثُّومِ النِّيِّئِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالسَّفِيهِ إِذَا دَخَلَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ أَوِ الْحُكْمِ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ مَنْعُ اسْتِنْقَاصِ حَقِّ الْمُسْلِمِ الْمُقْتَضِي لِلضَّغَائِنِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّوَاضُعِ الْمُقْتَضِي لِلْمُوَادَدَةِ، وَأَيْضًا فَالنَّاسُ فِي الْمُبَاحِ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ غَصْبٌ وَالْغَصْبُ حَرَامٌ.

فَعَلَى هَذَا قَدْ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ قَالَ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَفْضُلَ مِنَ الْجَمْعِ مَجْلِسٌ لِلدَّاخِلِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ

قَوْلُهُ (يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يُجْلَسَ مَكَانَهُ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ قَبِيصَةَ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ بِلَفْظِ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَقَوْلُهُ: يَجْلِسُ. فِي رِوَايَتنَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَبَطَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْغَرْنَاطِيُّ فِي نُسْخَتِهِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى وَزْنِ يُقَامُ.

وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْخَصِيبِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ آخِرَهُ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ ذَا.

وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ لَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ طَرِيقٌ إِلَّا هَذِهِ. وَفِي سَنَدِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى وَقِيلَ مَوْلَى قُرَيْشٍ وَهُوَ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتُلِفَ فِي النَّهْيِ فَقِيلَ لِلْأَدَبِ وَإِلَّا فَالَّذِي يَجِبُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَلِيَهُ أَهْلُ الْفَهْمِ وَالنَّهْيِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مُبَاحٍ أَنْ يُقَامَ مِنْهُ. وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ حَقُّهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحنَّاط، بالمهملتين والنون المشددة، ممَّا سبق موصولًا في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] (عَنِ الأَعْمَشِ) أي: عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ (يَمْكُثُ عِنْدِي فَوْقَ ثَلَاثٍ) بدل قوله: «يَأتي (١) عليَّ ليلة أو ثلاث عندي منه دينارٌ».

والحديثُ سبق في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٨].

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٢)) خبرٌ معناه النَّهي.

٦٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٣)، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ) وفي رواية اللَّيث عند مسلمٍ بلفظ النَّهي المؤكَّد بالنُّون وظاهر النَّهي التَّحريم، فلا يُصرف عنه إلَّا بدليلٍ، وزاد ابن جُريج، عن نافعٍ ممَّا في «كتاب الجمعة» قلتُ لنافعٍ: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها [خ¦٩١١]، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنَّه مخصوصٌ بالمجالس المباحة إمَّا على العمومِ كالمساجد ومجالسِ الحكَّام والعلم (٤)، وإمَّا على الخصوصِ كمن يدعو قومًا بأعيانهم إلى منزلهِ لوليمةٍ ونحوها، وأمَّا المجالس الَّتي ليس للشَّخص فيها ملكٌ ولا إذن له فيها فإنَّه يُقام ويُخرج منها، ثمَّ هو في المجالس العامَّة ليس عامًّا في النَّاس بل خاصٌّ بغير المجانين، ومَن يحصل منه الأذى كآكلِ الثُّوم النِّيءِ إذا دخلَ المسجد، والحكمة في هذا النَّهي منع استنقاص حقِّ المسلم المقتضِي للضَّغائن، ولأنَّ النَّاس في المباح كلُّهم سواءٌ، فمن سبقَ إلى مباحٍ استحقَّه، ومَن استحقَّ شيئًا فأُخذ منه بغير حقٍّ فهو غصبٌ والغصبُ حرامٌ. قاله في «بهجة النُّفوس».

والحديثُ سبق في «الجمعة» [خ¦٩١١].

(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾) توسَّعوا فيه. وقرأ عاصمٌ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع اعتبارًا بأنَّ لكلِّ واحدٍ مجلسًا، والمراد مجلس رسول الله . وأخرج ابن أبي حاتمٍ عن مقاتل بن حيَّان، قال: نزلت يوم جمعةٍ، وكان رسول الله يومئذٍ في الصُّفَّة، وفي المكان ضِيقٌ، وكان يُكْرِم أهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أناسٌ من أهل بدرٍ وقد سبقوا إلى المجالسِ، فقاموا حيالَ رسول الله على أرجلِهم ينتظرون أن يوسَّع لهم، فلم يُفْسَح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ ، فقال لمن حوله من غير أهل بدرٍ: «قُمْ يا فلانُ، وأنتَ يَا فلانُ» وأجلسَهُم في أماكِنِهِم فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه، وعرف النَّبيُّ الكراهةَ في وجوهِهم وتكلَّم في ذلك المنافقون، فبلغنا أنَّ رسول الله قال: «رَحِمَ اللهُ رجلًا يفسَحُ لأخِيهِ» فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا فيفسحُ (١) القوم لإخوانهم، ونزلتْ هذه الآية يوم الجمعة. وعن ابن عبَّاسٍ: هي مجالسُ القتال إذا اصطفُّوا للحربِ. قال الحسن: كانوا يتشاحون على الصَّفِّ الأوَّل (٢)، فلا يوسِّع بعضُهم لبعضٍ رغبةً في الشَّهادة فنزلتْ، والظَّاهر أنَّ الحكمَ يطَّرد في مجالسِ الطَّاعات، وإن كان السَّبب خاصًّا (﴿فَافْسَحُوا﴾) فوسِّعوا (﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾) يوسِّع الله عليكم في الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وهو يُطلق (٣) في كلِّ ما ينبغي للنَّاس الفُسحة فيه من المكان والرِّزق والقبر وغير ذلك (﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا﴾) انهضوا للتَّوسعة على المقبلين، أو انهضُوا عن مجلسِ رسول الله إذا أُمرتم بالنُّهوض عنه (٤)، أو انهضوا إلى الصَّلاةِ والجهادِ وأعمالِ الخير (﴿فَانشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]) فانهضوا في المجلس للتَّفسُّح؛ لأنَّ مزيد التَّوسعة على الواردين يقعُ إلى فوق فيتَّسع الموضع أُمروا أوَّلًا بالتَّفسُّح، ثمَّ ثانيًا بامتثالِ الأمر فيه (الآيَةَ). وبقيَّتها: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أي: بامتثالِ أوامرهِ وأوامرِ رسوله ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: والعالمين منهم خاصَّةً ﴿دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله