الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٠٢
الحديث رقم ٦٣٠٢ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في البناء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةِ بِالِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْقِمَارِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ لِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ وَمُنَاسَبَةُ بَقِيَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّاتِ لَهْوٌ يَشْغَلُ عَنِ الْحَقِّ بِالْخَلْقِ، فَهُوَ بَاطِلٌ. انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَدَّمَ تَرْجَمَةَ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا أَشَارَ إِلَى تَرْكِ الْإِذْنِ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِاللَّهْوِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا الْحَرْفُ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ إِلَّا الزُّهْرِيُّ، وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوُ تِسْعِينَ حَرْفًا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّفَرُّدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لِأَنَّ لِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ سَبَبُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، قَالَ: كُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكِ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَى آخِرِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ إِلَى قَوْلِهِ: قَدِيرٌ وَيَحْتَمِلُ الِاكْتِفَاءُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ تَأْكِيدٌ.
٥٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاة الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَان
٦٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنْ الْمَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنْ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
٦٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى بيتا، قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ أَيْ مِنْ مَنْعٍ وَإِبَاحَةٍ، وَالْبِنَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطِينٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ بِخَشَبٍ أَوْ مِنْ قَصَبٍ أَوْ مِنْ شَعْرٍ.
قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاءُ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ فِي آخِرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رِعَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءُ وَبِالْهَمْزِ مَعَ الْمَدِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَأَشَارَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ إِلَى ذَمِّ التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ تَطْوِيلِ الْبِنَاءِ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ: إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ بِنَاءً فَوْقَ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ نُودِيَ يَا فَاسِقُ إِلَى أَيْنَ؟ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا.
وَفِي ذَمِّ الْبِنَاءِ مُطْلَقًا حَدِيثُ خَبَّابٍ رَفَعَهُ قَالَ: يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا التُّرَابَ أَوْ قَالَ الْبِنَاءَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ إِلَّا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ
بِعَبْدٍ شَرًّا خَضَّرَ لَهُ فِي اللَّبِنِ وَالطِّينِ حَتَّى يَبْنِيَ وَمَعْنَى خَضَّرَ بِمُعْجَمَتَيْنِ حَسَّنَ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ الْأَنْصَارِيِّ بِلَفْظِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ سُوءًا أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْبُنْيَانِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا، فَقَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلتَّوَطُّنِ، وَمَا يَقِي الْبَرْدَ وَالْحَرَّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَمَا أنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا أَيْ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا الرَّاوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَسَدِيُّ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ وَاثِلَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ. كَذَا فِي الْأَصْلِ وَسَعِيدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ يُقَالُ لَهُ السَّعِيدِيُّ، سَكَنَ مَكَّةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَنْ سَعِيدٍ
قَوْلُهُ (رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ كَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَصَارَ لِشِدَّةِ عِلْمِهِ بِهَا كَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ يَفْعَلُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ (يُكِنُّنِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ أَكَنَّ إِذَا وَقَى وَجَاءَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ كَنَّ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ بِمَعْنًى أَيْ سَتَرْتُهُ وَأَسْرَرْتُهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَنَنْتُهُ صُنْتُهُ، وَأَكْنَنْتُهُ أَسْرَرْتُهُ.
قَوْلُهُ: مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ تَأْكِيدٌ لِقولِهِ بَنَيْتُ بِيَدِي وَإِشَارَةٌ إِلَى خِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ السَّعِيدِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبِنَاءِ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي بَيْتِ الشَّعْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَاوِيَ الزِّيَادَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ تَقْيِيدٌ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ.
قَوْلُهُ: قَالَ عَمْرٌو، هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: لَبِنَةً بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِثْلِ كَلِمَةٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ الْغَرْسُ كَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ غَرَسَ وَنِيَّتُهُ طَلَبُ الْكَفَافِ، أَوْ لِفَضْلِ مَا يَنَالُ مِنْهُ فَفِي ذَلِكَ الْفَضْلُ لَا الْإِثْمُ قُلْتُ: لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْإِثْمِ فِي الْخَبَرِ ذِكْرٌ حَتَّى يُعْتَرَضَ بِهِ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ فِي الْبِنَاءِ كُلِّهِ الْإِثْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا زَادَ مِنْهُ عَلَى الْحَاجَةِ يَسْتَلْزِمُ الْإِثْمَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْغَرْسِ مِنَ الْأَجْرِ مِنْ أَجْلِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْبِنَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَجْرُ مِثْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ لِغَيْرِ الْبَانِي، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِلْبَانِي بِهِ الثَّوَابُ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَالْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ.
قَوْلُهُ: قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا
قَوْلُهُ: قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَيْ، قَالَ: مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً إِلَخْ. قَيلَ أَنْ يُبْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ، وَهَذَا اعْتِذَارٌ حَسَنٌ مِنْ سُفْيَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ نَفَى أَنْ يَكُونَ بَنَى بِيَدِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ فِعْلُ ذَلِكَ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ كَانَ بَنَى بِأَمْرِهِ فَنَسَبَهُ إِلَى فِعْلِهِ مَجَازًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهُ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ أَوْ شَعْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نَفَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِنَاءُ بَيْتٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، أَوْ إِصْلَاحُ مَا وَهَى مِنْ بَيْتِهِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ سُفْيَانَ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا جَاءَ عَنْهُ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِسَامِعِهِمَا أَنْ يَتَأَوَّلَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُمَا التَّنَاقُضَ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْكَذِبِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ ابْنِ
عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَا رَوَاهُ لَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَبَادَرَ سُفْيَانُ إِلَى الِانْتِصَارِ لِشَيْخِهِ وَلِنَفْسِهِ وَسَلَكَ الْأَدَبَ مَعَ الَّذِي خَاطَبَهُ بِالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَة):
اشْتَمَلَ كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ حَدِيثًا الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ عِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْنُهُ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْمُصَافَحَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاحْتِبَاءِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْبِنَاءِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خِتَانِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﷽
٨٠ - كِتَاب الدَّعَوَاتِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ دَعْوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّعَاءُ الطَّلَبُ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ، وَدَعَوْتُ فُلَانًا سَأَلْتُهُ وَدَعَوْتُهُ اسْتَغَثْتُهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى رِفْعَةِ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ كَذَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُطْلَقُ الدُّعَاءُ أَيْضًا عَلَى الْعِبَادَةِ.
وَالدَّعْوَى بِالْقَصْرِ الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ وَالِادِّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ وَاحِدٌ، لَكِنْ قَدْ يَتَجَرَّدُ النِّدَاءُ عَنْ الِاسْمِ، وَالدُّعَاءُ لَا يَكَادُ يَتَجَرَّدُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مَا مُلَخَّصُهُ: جَاءَ الدُّعَاءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْعِبَادَةُ، ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وَمِنْهَا الِاسْتِغَاثَةُ ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ وَمِنْهَا السُّؤَالُ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَمِنْهَا الْقَوْلُ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَالنِّدَاءُ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وَالثَّنَاءُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي تَرْجِيحِ الدُّعَاءِ عَلَى التَّفْوِيضِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْقَضَاءِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ آخِرَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ. وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ تَرْكُ الذُّنُوبِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَرُكْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،
وَالْحَاكِمُ وَحَدِيثُهُ رَفَعَهُ: مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، ثُمَّ زَايٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْخُوزِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَظَنَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، فَجَزَمَ بِأَنَّ أَحْمَدَ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يُبْغِضْهُ، وَالْمَبْغُوضُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ انْتَهَى، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ. وَفِي سَنَدِهِ لِينٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ: الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصَدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ، فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ مِنَ التَّرْكِ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ الْآتِيَةُ قَرِيبًا فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُشْتَرَطَةٌ بِالْإِخْلَاصِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ: أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةُ لَهُ وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ، وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارُ وَالْهَوَانُ.
وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ اخْتُلِفَ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى: الدُّعَاءُ أَوِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا؟ فَقِيلَ: الدُّعَاءُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَقِيلَ السُّكُوتُ وَالرِّضَا أَوْلَى لِمَا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الْفَضْلِ.
قُلْتُ: وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَعْرِفُ مَا قُدِّرَ لَهُ، فَدُعَاؤُهُ إِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْمَقْدُورِ، فَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ، فَهُوَ مُعَانَدَةٌ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ إِذْعَانًا لَا مُعَانَدَةً وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، قَالَ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا بِلِسَانِهِ رَاضِيًا بِقَلْبِهِ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ إِشَارَةَ الدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَبِالْعَكْسِ.
قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يَدْعُوَ بِلِسَانِهِ وَيَرْضَى بِقَلْبِهِ، وَالثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْكُمَّلُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَصِيبٌ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَمَا كَانَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ فَالسُّكُوتُ أَفْضَلُ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ وَيَتْرُكَ لِنَفْسِهِ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَوَّلَ الدُّعَاءَ فِي الْآيَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا لَمْ يَتَخَلَّفْ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ لَكِنْ تَتَنَوَّعُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ-) بكسر العين، ابن عَمرو بنِ سعيد بنِ العاص الأُمويُّ القرشيُّ (عَنْ) أبيه (سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) في زمنه (بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي) بضم التحتية والنون الأولى المشددة بينهما كاف مكسورة، من أكنَّ، أي: يقيني (١) (مِنَ المَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ) أي: على بنائهِ (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ) ﷿ تأكيدٌ لقوله: «بنيتُ بيدي».
والحديثُ أخرجهُ ابن ماجه في «الزُّهد».
٦٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄: (وَاللهِ مَا وَضَعْتُ لَِبِْنَةً عَلَى لَِبِْنَةٍ) بفتح اللام وكسر الموحدة فيهما (٢)، ويجوز الكسر ثمَّ السُّكون (وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لِبَعْضِ أَهْلِهِ) أي: أهل ابن عمر (٣)، ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على تسميتهِ (قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ بَنَى) ابن عمر، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيتًا» (قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ) لبعضِ أهله: (فَلَعَلَّهُ قَالَ): ما وضعتُ لبنةً على لبنةٍ (قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ) البيت الَّذي بناهُ بيدهِ، وهو اعتذارٌ حسنٌ من سفيان رحمه الله تعالى.
هذا (١) آخر «كتابِ الاستئذان» ولله الحمد والمنَّة، فرغ في رابع عشر (٢) جمادى الأولى، سنةَ أربعةَ عشرة وتسع مئة، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٣).
((٨٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع: دَعوةٍ، بفتح أوَّله، مصدر يُراد به الدُّعاء. يقال: دعوتُ الله، أي: سألتُهُ (وَقَوْلُهُ (١)) بالرَّفع على الاستئناف، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) لَمَّا كان من أشرف أنواع الطَّاعات الدُّعاء والتَّضرُّع، أمرَ الله تعالى به فضلًا وكرمًا وتكفَّل (٢) لهم الإجابةَ، وعن سفيان الثَّوريِّ -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ- أنَّه كان يقول: يا مَن أحبُّ عبادِهِ إليه مَن سألَهُ فأكثرَ سُؤاله، ويا مَن أبغضُ عبادِهِ إليه مَن لم يسألْهُ، وليس أحدٌ كذلك غيرك يا ربِّ. وفي معناه قال القائل:
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَتَرَى ابْنَ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وفي (٣) حديثِ أنس بن مالكٍ عند أبي يَعلى في «مسنده» عن النَّبيِّ ﷺ فيما يَرْوِي عن ربِّه ﷿: «وأمَّا الَّتِي بينِي وبينكَ: فمنكَ الدُّعاءُ وعليَّ الإجابَةُ».
وفي حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ عند الإمام أحمد مرفوعًا: «إنَّ الدُّعاءَ هو العبادَةُ، ثمَّ قرأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر: ٦٠]». ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَن لم يَدْعُ اللهَ غضِبَ اللهُ عليهِ» ورواه أحمدُ منفردًا به
بإسنادٍ لا بأس به، وقيل: المراد بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الأمرُ بالعبادةِ بدليل قوله بعد: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]) صاغرينَ ذليلين، والدُّعاء بمعنى العبادة كثيرٌ في القرآن، كقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأجاب الأوَّلون: بأنَّ هذا ترك للظَّاهر فلا يُصار إليه إلَّا بدليلٍ. وقال العلَّامة تقيُّ الدِّين (١) السَّبكيُّ: الأولى حملُ الدُّعاء في الآية على (٢) ظاهرهِ، وأمَّا قوله بعد ذلك: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الرَّبط أنَّ الدُّعاء أخصُّ من العبادةِ، فمن استكبرَ عن العبادةِ استكبرَ عن الدُّعاء، وعلى هذا فالوعيدُ في حقِّ مَن تركَ الدُّعاء استكبارًا، ومَن فعل ذلك كفرَ. انتهى.
وتخلُّف الدُّعاء عن الإجابةِ إنَّما هو لفقدِ شرطه، وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] إشارة إلى أنَّ مَن دعا الله وفي قلبه ذرَّةٌ من الاعتماد على مالهِ، أو جاههِ، أو أصدقائهِ، أو اجتهادهِ، فهو في الحقيقةِ ما دعا الله إلَّا باللِّسان، وأمَّا القلب فإنَّه يُعَوِّل في تحصيلِ ذلك المطلوب على (٣) غير الله، وأمَّا إذا دعا الله تعالى في وقتٍ لا يكون القلب فيه مُتلفتًا إلى غيرِ الله، فالظَّاهر أنَّه يُستجاب له.
واستُشكل حديث: «مَن شغلَهُ ذِكرِي عن مسألَتِي أعطيتُهُ أفضَلَ ما أُعطِي السَّائلينَ» المقتضِي لأفضليَّة ترك الدُّعاء حينئذٍ مع الآية المقتضيةِ للوعيد الشَّديد على تركهِ. وأُجيب بأنَّ العقلَ إذا كان مستغرقًا في الثَّناء كان أفضل من الدُّعاء؛ لأنَّ الدُّعاء طلب الجنَّة، والاستغراق في معرفةِ جلال الله أفضل من الجنَّة، أمَّا إذا لم يحصلِ الاستغراقُ كان الاشتغال بالدُّعاء أَولى؛ لأنَّ الدُّعاء يشتملُ على معرفةِ عزِّ الرُّبوبيَّة وذلِّ العبوديَّة، والصَّحيح استحبابُ الدُّعاء، ورجَّح بعضُهم تركه استسلامًا للقضاء، وقيل: إنَّ دعا لغيره فحسنٌ، وإن خصَّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد في نفسهِ باعثًا للدعاء استُحِبَّ وإلَّا فلا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بدله: «الآية».
(وَلِكُلِّ نَبِيٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «لكلِّ نبيٍّ» (دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَعْصِيَةٍ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَجْهُ تَعَلُّقِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالتَّرْجَمَةِ بِالِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْقِمَارِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْمَنْزِلِ، ثُمَّ لِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ وَمُنَاسَبَةُ بَقِيَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّاتِ لَهْوٌ يَشْغَلُ عَنِ الْحَقِّ بِالْخَلْقِ، فَهُوَ بَاطِلٌ. انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَدَّمَ تَرْجَمَةَ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا أَشَارَ إِلَى تَرْكِ الْإِذْنِ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِاللَّهْوِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا الْحَرْفُ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ إِلَّا الزُّهْرِيُّ، وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوُ تِسْعِينَ حَرْفًا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّفَرُّدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ لِأَنَّ لِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ سَبَبُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، قَالَ: كُنَّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكِ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَى آخِرِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ إِلَى قَوْلِهِ: قَدِيرٌ وَيَحْتَمِلُ الِاكْتِفَاءُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ تَأْكِيدٌ.
٥٣ - بَاب مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاة الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَان
٦٣٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي مِنْ الْمَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنْ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
٦٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ سُفْيَانُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى بيتا، قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ: فَلَعَلَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ.
قَوْلُهُ: بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ أَيْ مِنْ مَنْعٍ وَإِبَاحَةٍ، وَالْبِنَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطِينٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ بِخَشَبٍ أَوْ مِنْ قَصَبٍ أَوْ مِنْ شَعْرٍ.
قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَانِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الرَّاءُ وَبِهَاءِ تَأْنِيثٍ فِي آخِرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رِعَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءُ وَبِالْهَمْزِ مَعَ الْمَدِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَأَشَارَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ إِلَى ذَمِّ التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ تَطْوِيلِ الْبِنَاءِ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ عَامِرٍ: إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ بِنَاءً فَوْقَ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ نُودِيَ يَا فَاسِقُ إِلَى أَيْنَ؟ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا.
وَفِي ذَمِّ الْبِنَاءِ مُطْلَقًا حَدِيثُ خَبَّابٍ رَفَعَهُ قَالَ: يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا التُّرَابَ أَوْ قَالَ الْبِنَاءَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ إِلَّا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ
بِعَبْدٍ شَرًّا خَضَّرَ لَهُ فِي اللَّبِنِ وَالطِّينِ حَتَّى يَبْنِيَ وَمَعْنَى خَضَّرَ بِمُعْجَمَتَيْنِ حَسَّنَ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَلَهُ شَاهِدٌ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِشْرٍ الْأَنْصَارِيِّ بِلَفْظِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ سُوءًا أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْبُنْيَانِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا، فَقَالَ: الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلتَّوَطُّنِ، وَمَا يَقِي الْبَرْدَ وَالْحَرَّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَمَا أنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا أَيْ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا الرَّاوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَسَدِيُّ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ وَاثِلَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ.
قَوْلُهُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ. كَذَا فِي الْأَصْلِ وَسَعِيدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ يُقَالُ لَهُ السَّعِيدِيُّ، سَكَنَ مَكَّةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَنْ سَعِيدٍ
قَوْلُهُ (رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ كَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَصَارَ لِشِدَّةِ عِلْمِهِ بِهَا كَأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ يَفْعَلُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ (يُكِنُّنِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ أَكَنَّ إِذَا وَقَى وَجَاءَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ كَنَّ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ بِمَعْنًى أَيْ سَتَرْتُهُ وَأَسْرَرْتُهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كَنَنْتُهُ صُنْتُهُ، وَأَكْنَنْتُهُ أَسْرَرْتُهُ.
قَوْلُهُ: مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ تَأْكِيدٌ لِقولِهِ بَنَيْتُ بِيَدِي وَإِشَارَةٌ إِلَى خِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ السَّعِيدِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجَيْنِ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبِنَاءِ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي بَيْتِ الشَّعْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَاوِيَ الزِّيَادَةِ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ تَقْيِيدٌ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ.
قَوْلُهُ: قَالَ عَمْرٌو، هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: لَبِنَةً بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِثْلِ كَلِمَةٍ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ الْغَرْسُ كَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ غَرَسَ وَنِيَّتُهُ طَلَبُ الْكَفَافِ، أَوْ لِفَضْلِ مَا يَنَالُ مِنْهُ فَفِي ذَلِكَ الْفَضْلُ لَا الْإِثْمُ قُلْتُ: لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْإِثْمِ فِي الْخَبَرِ ذِكْرٌ حَتَّى يُعْتَرَضَ بِهِ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ فِي الْبِنَاءِ كُلِّهِ الْإِثْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا زَادَ مِنْهُ عَلَى الْحَاجَةِ يَسْتَلْزِمُ الْإِثْمَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْغَرْسِ مِنَ الْأَجْرِ مِنْ أَجْلِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْبِنَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَجْرُ مِثْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ لِغَيْرِ الْبَانِي، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِلْبَانِي بِهِ الثَّوَابُ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: فَذَكَرْتُهُ لِبَعْضِ أَهْلِهِ، لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَالْقَائِلُ هُوَ سُفْيَانُ.
قَوْلُهُ: قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ بَنَى، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَيْتًا
قَوْلُهُ: قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ فَلَعَلَّهُ قَالَ قَبْلَ أَيْ، قَالَ: مَا وَضَعْتُ لَبِنَةً إِلَخْ. قَيلَ أَنْ يُبْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ، وَهَذَا اعْتِذَارٌ حَسَنٌ مِنْ سُفْيَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ نَفَى أَنْ يَكُونَ بَنَى بِيَدِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ فِعْلُ ذَلِكَ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ كَانَ بَنَى بِأَمْرِهِ فَنَسَبَهُ إِلَى فِعْلِهِ مَجَازًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهُ بَيْتًا مِنْ قَصَبٍ أَوْ شَعْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نَفَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ، وَالَّذِي أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِنَاءُ بَيْتٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، أَوْ إِصْلَاحُ مَا وَهَى مِنْ بَيْتِهِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ سُفْيَانَ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا جَاءَ عَنْهُ قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِسَامِعِهِمَا أَنْ يَتَأَوَّلَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُمَا التَّنَاقُضَ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْكَذِبِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ سُفْيَانَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ ابْنِ
عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَا رَوَاهُ لَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَبَادَرَ سُفْيَانُ إِلَى الِانْتِصَارِ لِشَيْخِهِ وَلِنَفْسِهِ وَسَلَكَ الْأَدَبَ مَعَ الَّذِي خَاطَبَهُ بِالْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَة):
اشْتَمَلَ كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَمَانِينَ حَدِيثًا الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا وَالْخَالِصُ عِشْرُونَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: رَسُولُ الرَّجُلِ إِذْنُهُ وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْمُصَافَحَةِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الِاحْتِبَاءِ، وَحَدِيثِهِ فِي الْبِنَاءِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي خِتَانِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﷽
٨٠ - كِتَاب الدَّعَوَاتِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ دَعْوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّعَاءُ الطَّلَبُ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الشَّيْءِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِهِ، وَدَعَوْتُ فُلَانًا سَأَلْتُهُ وَدَعَوْتُهُ اسْتَغَثْتُهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى رِفْعَةِ الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ كَذَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ وَيُطْلَقُ الدُّعَاءُ أَيْضًا عَلَى الْعِبَادَةِ.
وَالدَّعْوَى بِالْقَصْرِ الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ وَالِادِّعَاءُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ وَاحِدٌ، لَكِنْ قَدْ يَتَجَرَّدُ النِّدَاءُ عَنْ الِاسْمِ، وَالدُّعَاءُ لَا يَكَادُ يَتَجَرَّدُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مَا مُلَخَّصُهُ: جَاءَ الدُّعَاءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْعِبَادَةُ، ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وَمِنْهَا الِاسْتِغَاثَةُ ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ وَمِنْهَا السُّؤَالُ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَمِنْهَا الْقَوْلُ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَالنِّدَاءُ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ وَالثَّنَاءُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي تَرْجِيحِ الدُّعَاءِ عَلَى التَّفْوِيضِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْقَضَاءِ وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ آخِرَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الْعِبَادَةُ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الْآيَةَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ. وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ تَرْكُ الذُّنُوبِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ كَالْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَيْ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَرُكْنُهُ الْأَكْبَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،
وَالْحَاكِمُ وَحَدِيثُهُ رَفَعَهُ: مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، ثُمَّ زَايٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْخُوزِيُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَظَنَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، فَجَزَمَ بِأَنَّ أَحْمَدَ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ جَزَمَ شَيْخُهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِمَا قُلْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْخُوزِيِّ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يُبْغِضْهُ، وَالْمَبْغُوضُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ انْتَهَى، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ. وَفِي سَنَدِهِ لِينٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ مَعَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ: الْأَوْلَى حَمْلُ الدُّعَاءِ فِي الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فَوَجْهُ الرَّبْطِ أَنَّ الدُّعَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَمَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْعِبَادَةِ اسْتَكْبَرَ عَنِ الدُّعَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَعِيدُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ اسْتِكْبَارًا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ لِمَقْصَدٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ، فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ أَرْجَحُ مِنَ التَّرْكِ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ الْآتِيَةُ قَرِيبًا فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُشْتَرَطَةٌ بِالْإِخْلَاصِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ النُّعْمَانِ: أَنْ تُحْمَلَ الْعِبَادَةُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِذِ الدُّعَاءُ هُوَ إِظْهَارُ غَايَةِ التَّذَلُّلِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى اللَّهِ وَالِاسْتِكَانَةُ لَهُ وَمَا شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ إِلَّا لِلْخُضُوعِ لِلْبَارِي وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ بِالِاسْتِكْبَارِ، وَوَضَعَ عِبَادَتِي مَوْضِعَ دُعَائِي وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَارِ الصَّغَارُ وَالْهَوَانُ.
وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ اخْتُلِفَ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى: الدُّعَاءُ أَوِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا؟ فَقِيلَ: الدُّعَاءُ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَقِيلَ السُّكُوتُ وَالرِّضَا أَوْلَى لِمَا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الْفَضْلِ.
قُلْتُ: وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَعْرِفُ مَا قُدِّرَ لَهُ، فَدُعَاؤُهُ إِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْمَقْدُورِ، فَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ، فَهُوَ مُعَانَدَةٌ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِافْتِقَارِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ إِذْعَانًا لَا مُعَانَدَةً وَفَائِدَةُ الدُّعَاءِ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا، قَالَ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا بِلِسَانِهِ رَاضِيًا بِقَلْبِهِ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ إِشَارَةَ الدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَبِالْعَكْسِ.
قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ أَنْ يَدْعُوَ بِلِسَانِهِ وَيَرْضَى بِقَلْبِهِ، وَالثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْكُمَّلُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَصِيبٌ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ وَمَا كَانَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ فَالسُّكُوتُ أَفْضَلُ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ وَيَتْرُكَ لِنَفْسِهِ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَوَّلَ الدُّعَاءَ فِي الْآيَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا لَمْ يَتَخَلَّفْ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ لَكِنْ تَتَنَوَّعُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ-) بكسر العين، ابن عَمرو بنِ سعيد بنِ العاص الأُمويُّ القرشيُّ (عَنْ) أبيه (سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ) في زمنه (بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي) بضم التحتية والنون الأولى المشددة بينهما كاف مكسورة، من أكنَّ، أي: يقيني (١) (مِنَ المَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ) أي: على بنائهِ (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ) ﷿ تأكيدٌ لقوله: «بنيتُ بيدي».
والحديثُ أخرجهُ ابن ماجه في «الزُّهد».
٦٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄: (وَاللهِ مَا وَضَعْتُ لَِبِْنَةً عَلَى لَِبِْنَةٍ) بفتح اللام وكسر الموحدة فيهما (٢)، ويجوز الكسر ثمَّ السُّكون (وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لِبَعْضِ أَهْلِهِ) أي: أهل ابن عمر (٣)، ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على تسميتهِ (قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ بَنَى) ابن عمر، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيتًا» (قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ) لبعضِ أهله: (فَلَعَلَّهُ قَالَ): ما وضعتُ لبنةً على لبنةٍ (قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ) البيت الَّذي بناهُ بيدهِ، وهو اعتذارٌ حسنٌ من سفيان رحمه الله تعالى.
هذا (١) آخر «كتابِ الاستئذان» ولله الحمد والمنَّة، فرغ في رابع عشر (٢) جمادى الأولى، سنةَ أربعةَ عشرة وتسع مئة، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٣).
((٨٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع: دَعوةٍ، بفتح أوَّله، مصدر يُراد به الدُّعاء. يقال: دعوتُ الله، أي: سألتُهُ (وَقَوْلُهُ (١)) بالرَّفع على الاستئناف، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) لَمَّا كان من أشرف أنواع الطَّاعات الدُّعاء والتَّضرُّع، أمرَ الله تعالى به فضلًا وكرمًا وتكفَّل (٢) لهم الإجابةَ، وعن سفيان الثَّوريِّ -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ- أنَّه كان يقول: يا مَن أحبُّ عبادِهِ إليه مَن سألَهُ فأكثرَ سُؤاله، ويا مَن أبغضُ عبادِهِ إليه مَن لم يسألْهُ، وليس أحدٌ كذلك غيرك يا ربِّ. وفي معناه قال القائل:
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَتَرَى ابْنَ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وفي (٣) حديثِ أنس بن مالكٍ عند أبي يَعلى في «مسنده» عن النَّبيِّ ﷺ فيما يَرْوِي عن ربِّه ﷿: «وأمَّا الَّتِي بينِي وبينكَ: فمنكَ الدُّعاءُ وعليَّ الإجابَةُ».
وفي حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ عند الإمام أحمد مرفوعًا: «إنَّ الدُّعاءَ هو العبادَةُ، ثمَّ قرأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر: ٦٠]». ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَن لم يَدْعُ اللهَ غضِبَ اللهُ عليهِ» ورواه أحمدُ منفردًا به
بإسنادٍ لا بأس به، وقيل: المراد بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الأمرُ بالعبادةِ بدليل قوله بعد: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]) صاغرينَ ذليلين، والدُّعاء بمعنى العبادة كثيرٌ في القرآن، كقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأجاب الأوَّلون: بأنَّ هذا ترك للظَّاهر فلا يُصار إليه إلَّا بدليلٍ. وقال العلَّامة تقيُّ الدِّين (١) السَّبكيُّ: الأولى حملُ الدُّعاء في الآية على (٢) ظاهرهِ، وأمَّا قوله بعد ذلك: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الرَّبط أنَّ الدُّعاء أخصُّ من العبادةِ، فمن استكبرَ عن العبادةِ استكبرَ عن الدُّعاء، وعلى هذا فالوعيدُ في حقِّ مَن تركَ الدُّعاء استكبارًا، ومَن فعل ذلك كفرَ. انتهى.
وتخلُّف الدُّعاء عن الإجابةِ إنَّما هو لفقدِ شرطه، وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] إشارة إلى أنَّ مَن دعا الله وفي قلبه ذرَّةٌ من الاعتماد على مالهِ، أو جاههِ، أو أصدقائهِ، أو اجتهادهِ، فهو في الحقيقةِ ما دعا الله إلَّا باللِّسان، وأمَّا القلب فإنَّه يُعَوِّل في تحصيلِ ذلك المطلوب على (٣) غير الله، وأمَّا إذا دعا الله تعالى في وقتٍ لا يكون القلب فيه مُتلفتًا إلى غيرِ الله، فالظَّاهر أنَّه يُستجاب له.
واستُشكل حديث: «مَن شغلَهُ ذِكرِي عن مسألَتِي أعطيتُهُ أفضَلَ ما أُعطِي السَّائلينَ» المقتضِي لأفضليَّة ترك الدُّعاء حينئذٍ مع الآية المقتضيةِ للوعيد الشَّديد على تركهِ. وأُجيب بأنَّ العقلَ إذا كان مستغرقًا في الثَّناء كان أفضل من الدُّعاء؛ لأنَّ الدُّعاء طلب الجنَّة، والاستغراق في معرفةِ جلال الله أفضل من الجنَّة، أمَّا إذا لم يحصلِ الاستغراقُ كان الاشتغال بالدُّعاء أَولى؛ لأنَّ الدُّعاء يشتملُ على معرفةِ عزِّ الرُّبوبيَّة وذلِّ العبوديَّة، والصَّحيح استحبابُ الدُّعاء، ورجَّح بعضُهم تركه استسلامًا للقضاء، وقيل: إنَّ دعا لغيره فحسنٌ، وإن خصَّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد في نفسهِ باعثًا للدعاء استُحِبَّ وإلَّا فلا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بدله: «الآية».
(وَلِكُلِّ نَبِيٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «لكلِّ نبيٍّ» (دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ).