«وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٠٧

الحديث رقم ٦٣٠٧ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٣٠٧ في صحيح البخاري

«وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.»

بَابُ التَّوْبَةِ قَالَ قَتَادَةُ ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ

إسناد حديث رقم ٦٣٠٧ من صحيح البخاري

٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٣٠٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣ - بَاب اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ

٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.

قَوْلُهُ: بَابُ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ أَيْ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ مِقْدَارُ اسْتِغْفَارِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ لِتَقَدُّمِ بَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ.

قَوْلُهُ: قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ تَأْكِيدًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ السَّامِعِ فِيهِ شَكٌّ.

قَوْلُهُ: لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَيَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَقُولُ هَذَا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إ لَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَجْلِسِ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ.

قَوْلُهُ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُبَالَغَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرَ مُبْهَمٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمِائَةَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَكِنْ خَالَفَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. وَلَهُ فِي حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَفَعَهُ مِثْلَهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنَّهُ لَيُغَانُّ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْغَيْنِ فَتَرَاتٌ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ لِأَمْرٍ مَا عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْقَلْبَ مِمَّا يَقَعُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ السَّكِينَةُ الَّتِي تَغْشَى قَلْبَهُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ لِمَا أَوْلَاهُ، وَقِيلَ: هِيَ حَالَةُ خَشْيَةٍ وَإِعْظَامٍ وَالِاسْتِغْفَارُ شُكْرُهَا. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: خَوْفُ الْمُتَقَرِّبِينَ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ: لَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الْغَيْنَ فِي حَالَةِ نَقْصٍ بَلْ هُوَ كَمَالٌ أَوْ تَتِمَّةُ كَمَالٍ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِجَفْنِ الْعَيْنِ حِينَ يُسْبَلُ لِيَدْفَعَ الْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْعَيْنَ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ نَقْصٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ كَمَالُ هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ بِعِبَارَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَ: فَهَكَذَا بَصِيرَةُ النَّبِيِّ مُتَعَرِّضَةٌ لِلْأَغْيِرَةِ الثَّائِرَةِ مِنْ أَنْفَاسِ الْأَغْيَارِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى السَّتْرِ عَلَى حَدَقَةِ بَصِيرَتِهِ صِيَانَةً لَهَا وَوِقَايَةً عَنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ النَّبِيِّ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَالِاسْتِغْفَارُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ، وَأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْغَيْنِ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: هَفَوَاتُ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ وَالْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ عُصِمُوا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يُعْصَمُوا مِنَ الصَّغَائِرِ. كَذَا قَالَ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ، وَالرَّاجِحُ عِصْمَتُهُمْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَيْضًا وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: الْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنَ الْمَعْرِفَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) (بابُ) مقدارِ (اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ).

٦٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: وَاللهِ (١) إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «إليه» (فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) أي: أفعل ذلك الاستغفار إظهارًا للعبوديَّة، وافتقارًا لكرم الرُّبوبيَّة، أو تعليمًا منه لأمَّته، أو مِنْ تَرْكِ الأولى، أو قالهُ تواضعًا، أو أنَّه لَمَّا كان دائم التَّرقِّي في معارجِ القرب كان كلَّما ارتقى درجةً ورأى ما قبلَها دونها استغفرَ منها، لكن قال (٢) في «الفتح»: إنَّ هذا مفرَّعٌ على أنَّ العدد المذكور في استغفارهِ كان مفرَّقًا بحسب تعدُّد الأحوال، وظاهرُ ألفاظ الحديث يخالفُ ذلك، وفي حديث أنسٍ: «إنِّي لأستَغفِرُ اللهَ في اليومِ سبعِينَ مرَّةً» والتَّعبير بالسَّبعين، قيل: هو على ظاهرهِ، وقيل: المراد التَّكثير، والعربُ تضع السَّبع والسَّبعين والسَّبع مئة موضع الكثرة، وقوله في حديث الباب: «أكثر» مبهم يحتملُ أن يفسَّر بحديثِ أبي هُريرة [خ¦٦٣٠٧] «لأستغفرُ اللهَ فِي اليومِ مئةَ مرَّةٍ» وفي حديث الأغرِّ عند مسلمٍ مرفوعًا: «إنَّهُ ليغَانُ علَى قلبِي، وإنِّي أستغفِرُ اللهَ كلَّ يومٍ مئة مرَّةٍ».

وقد ذكروا في الغينِ وجوهًا ذكرتُ منها جملة في كتابي «المواهب» وأحقُّ مَن يعبِّر عن هذا أو يُعْرب -كما قال في «شرح المشكاة» - مشايخ الصُّوفيَّة الَّذين نازل الحقُّ أسرارَهم، ووضعَ الذِّكر

أوزارَهُم. قال: ومن كلمات شيخنا شيخِ الإسلام أبي حفصٍ السَّهرورديِّ: لا ينبغِي أن يُعتقدَ أنَّ الغين نقصٌ في حاله صلوات الله عليه وسلامه، بل هو (١) كمالٌ، أو (٢) تتمَّة كمالٍ، وهذا سرٌّ دقيقٌ لا ينكشفُ إلَّا بمثالٍ، وهو أنَّ الجفنَ المسبل على حدقةِ البصر وإن كانتْ صُورته صورةَ نُقصانٍ من حيث هو إسبالٌ وتغطيةٌ على ما من شأنهِ أن يكون باديًا مكشوفًا، فإنَّ المقصودَ من خلق العين إدراك المدركات الحسِّيَّة، وذلك لا يتأتَّى إلَّا بانبعاثِ الأشعَّة الحسِّيَّة من داخلِ العين، واتِّصالها بالمرئيَّات على مذهب قومٍ، وبانطباع صور المدركات في الكرةِ الجليديَّة على مذهبٍ آخر، فكيفما قُدِّر لا يتمُّ المقصود إلَّا بانكشافِ العين عمَّا (٣) يمنع من انبعاث الأشعَّة عنها، ولكن لمَّا كان الهواء المحيط بالأبدانِ الحيوانيَّة قلَّما يخلو من الأغبرةِ الثَّائرة بحركة الرِّياح، فلو كانت الحدقةُ دائمة الانكشافِ لاستضرَّت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأُسبلت أغطية الجفون (٤) وقايةً لها ومصقلةً لتنصقلَ الحدقةُ بإسبال الأهدابِ ورفعها لخفَّة حركةِ الجفن، فيدوم جلاؤها ويحتدَّ نظرها، فالجفنُ وإن كان نقصًا ظاهرًا فهو كمالٌ حقيقةً، فكذا لم تزل بصيرة النَّبيِّ متعرِّضةً (٥) لِأَنْ تصدأَ بالأغبرة الثَّائرة من أنفاسِ الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى إسبال جفنٍ من العين (٦) على حدقةِ بصيرته سترًا لها ووقايةً، وصقالًا عن تلكَ الأغبرة المثارةِ برؤيةِ الأغيار وأنفاسها، فصحَّ أنَّ الغين وإن كانت صورته نقصًا فمعناه كمالٌ وصقالٌ حقيقةً.

ثمَّ قال أيضًا: إنَّ روح النَّبيِّ لم تزل في التَّرقِّي (٧) إلى مقاماتِ القُرب مستتبعة للقلبِ في رقيِّها إلى مَركزها، وهكذا القلبُ كان يستتبعُ نفسه الزَّكيَّة، ولا خفاء أنَّ حركة الرُّوح والقلب أسرع وأتمُّ من نهضة النَّفس وحركتها، فكانت خُطى النَّفس تقصر عن (٨) مدى الرُّوح والقلب في

العروجِ والولوجِ في حرمِ القرب (١) ولحوقها (٢) بهما، فاقتضتِ العواطف الرَّبَّانيَّة على الضُّعفاء من الأمَّة إبطاء حركةِ القلب بإلقاء الغين عليه؛ لئلَّا يسرعَ القلبُ ويسرحَ (٣) في معارج الرُّوح ومدارجها، فتنقطع علاقة النَّفس عنه لقوَّة الانجذاب، فيبقى العبادُ مُهمَلِين محرومِين عن الاستنارةِ بأنوار النُّبوَّة والاستضاءة بمشكاةِ مصباحِ الشَّريعة، و (٤) حيث كان يَرى إبطاءَ القلبِ بالغين المُلْقى عليه، وقصور النَّفس عن شأو (٥) ترقِّي الرُّوح إلى الرَّفيق الأعلى كان يفزعُ إلى الاستغفار؛ إذ لم تفِ قواها في سرعةِ اللُّحوق لها. وهذا من أعزِّ مقولٍ في هذا المعنى، وأحسن مشروحٍ فيه.

(٤) (باب التَّوْبَةِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «التَّوبةُ» رفع، وهي في الشَّرع تركُ الذَّنب لقُبحه، والنَّدمُ على ما فرَّط منه، والعزمُ على تركِ المعاودة، وتدارك ما أمكنَه أن يتداركه من الأعمالِ (٦) بالإعادة (٧)، وردِّ (٨) الظُّلامات لذويها أو تحصيل البراءة منهم، وزاد عبدُ الله بن المبارك: وأن يعمدَ إلى البَدَنِ الَّذي ربَّاه بالسُّحت فيذيبه بالهمِّ والحزن حتَّى ينشأ له لحمٌ طيِّبٌ، وأن يُذيق نفسه ألم الطَّاعة كما أذاقَها لذَّة المعصية. انتهى. والتوبة: أهمُّ قواعد الإسلام، وهي أوَّل مقامات سالكي الآخرةِ وبها سعادة الأبد.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (قَتَادَةُ) فيما وصله عبد بن حميدٍ في تفسير قوله تعالى: (﴿(٩) تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]) أي: (الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ) وقيل: هي الَّتي لا عود بعدها كما لا يعود اللَّبن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣ - بَاب اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ

٦٣٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.

قَوْلُهُ: بَابُ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ أَيْ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ مِقْدَارُ اسْتِغْفَارِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ لِتَقَدُّمِ بَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ لَا يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ.

قَوْلُهُ: قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فِيهِ الْقَسَمُ عَلَى الشَّيْءِ تَأْكِيدًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ السَّامِعِ فِيهِ شَكٌّ.

قَوْلُهُ: لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَيَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يَقُولُ هَذَا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إ لَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَجْلِسِ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ.

قَوْلُهُ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُبَالَغَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرَ مُبْهَمٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمِائَةَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَكِنْ خَالَفَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ.

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ. وَلَهُ فِي حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ رَفَعَهُ مِثْلَهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: إِنَّهُ لَيُغَانُّ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْغَيْنِ فَتَرَاتٌ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ لِأَمْرٍ مَا عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ عَنْهُ، وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْقَلْبَ مِمَّا يَقَعُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ السَّكِينَةُ الَّتِي تَغْشَى قَلْبَهُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِإِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ لِمَا أَوْلَاهُ، وَقِيلَ: هِيَ حَالَةُ خَشْيَةٍ وَإِعْظَامٍ وَالِاسْتِغْفَارُ شُكْرُهَا. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: خَوْفُ الْمُتَقَرِّبِينَ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ: لَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الْغَيْنَ فِي حَالَةِ نَقْصٍ بَلْ هُوَ كَمَالٌ أَوْ تَتِمَّةُ كَمَالٍ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِجَفْنِ الْعَيْنِ حِينَ يُسْبَلُ لِيَدْفَعَ الْقَذَى عَنِ الْعَيْنِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْعَيْنَ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ نَقْصٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ كَمَالُ هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِهِ بِعِبَارَةٍ طَوِيلَةٍ، قَالَ: فَهَكَذَا بَصِيرَةُ النَّبِيِّ مُتَعَرِّضَةٌ لِلْأَغْيِرَةِ الثَّائِرَةِ مِنْ أَنْفَاسِ الْأَغْيَارِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى السَّتْرِ عَلَى حَدَقَةِ بَصِيرَتِهِ صِيَانَةً لَهَا وَوِقَايَةً عَنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ وُقُوعُ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ النَّبِيِّ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَالِاسْتِغْفَارُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَ مَعْصِيَةٍ، وَأُجِيبَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْغَيْنِ، وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: هَفَوَاتُ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ وَالْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ عُصِمُوا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يُعْصَمُوا مِنَ الصَّغَائِرِ. كَذَا قَالَ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ، وَالرَّاجِحُ عِصْمَتُهُمْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَيْضًا وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: الْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنَ الْمَعْرِفَةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) (بابُ) مقدارِ (اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ).

٦٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: وَاللهِ (١) إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «إليه» (فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) أي: أفعل ذلك الاستغفار إظهارًا للعبوديَّة، وافتقارًا لكرم الرُّبوبيَّة، أو تعليمًا منه لأمَّته، أو مِنْ تَرْكِ الأولى، أو قالهُ تواضعًا، أو أنَّه لَمَّا كان دائم التَّرقِّي في معارجِ القرب كان كلَّما ارتقى درجةً ورأى ما قبلَها دونها استغفرَ منها، لكن قال (٢) في «الفتح»: إنَّ هذا مفرَّعٌ على أنَّ العدد المذكور في استغفارهِ كان مفرَّقًا بحسب تعدُّد الأحوال، وظاهرُ ألفاظ الحديث يخالفُ ذلك، وفي حديث أنسٍ: «إنِّي لأستَغفِرُ اللهَ في اليومِ سبعِينَ مرَّةً» والتَّعبير بالسَّبعين، قيل: هو على ظاهرهِ، وقيل: المراد التَّكثير، والعربُ تضع السَّبع والسَّبعين والسَّبع مئة موضع الكثرة، وقوله في حديث الباب: «أكثر» مبهم يحتملُ أن يفسَّر بحديثِ أبي هُريرة [خ¦٦٣٠٧] «لأستغفرُ اللهَ فِي اليومِ مئةَ مرَّةٍ» وفي حديث الأغرِّ عند مسلمٍ مرفوعًا: «إنَّهُ ليغَانُ علَى قلبِي، وإنِّي أستغفِرُ اللهَ كلَّ يومٍ مئة مرَّةٍ».

وقد ذكروا في الغينِ وجوهًا ذكرتُ منها جملة في كتابي «المواهب» وأحقُّ مَن يعبِّر عن هذا أو يُعْرب -كما قال في «شرح المشكاة» - مشايخ الصُّوفيَّة الَّذين نازل الحقُّ أسرارَهم، ووضعَ الذِّكر

أوزارَهُم. قال: ومن كلمات شيخنا شيخِ الإسلام أبي حفصٍ السَّهرورديِّ: لا ينبغِي أن يُعتقدَ أنَّ الغين نقصٌ في حاله صلوات الله عليه وسلامه، بل هو (١) كمالٌ، أو (٢) تتمَّة كمالٍ، وهذا سرٌّ دقيقٌ لا ينكشفُ إلَّا بمثالٍ، وهو أنَّ الجفنَ المسبل على حدقةِ البصر وإن كانتْ صُورته صورةَ نُقصانٍ من حيث هو إسبالٌ وتغطيةٌ على ما من شأنهِ أن يكون باديًا مكشوفًا، فإنَّ المقصودَ من خلق العين إدراك المدركات الحسِّيَّة، وذلك لا يتأتَّى إلَّا بانبعاثِ الأشعَّة الحسِّيَّة من داخلِ العين، واتِّصالها بالمرئيَّات على مذهب قومٍ، وبانطباع صور المدركات في الكرةِ الجليديَّة على مذهبٍ آخر، فكيفما قُدِّر لا يتمُّ المقصود إلَّا بانكشافِ العين عمَّا (٣) يمنع من انبعاث الأشعَّة عنها، ولكن لمَّا كان الهواء المحيط بالأبدانِ الحيوانيَّة قلَّما يخلو من الأغبرةِ الثَّائرة بحركة الرِّياح، فلو كانت الحدقةُ دائمة الانكشافِ لاستضرَّت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأُسبلت أغطية الجفون (٤) وقايةً لها ومصقلةً لتنصقلَ الحدقةُ بإسبال الأهدابِ ورفعها لخفَّة حركةِ الجفن، فيدوم جلاؤها ويحتدَّ نظرها، فالجفنُ وإن كان نقصًا ظاهرًا فهو كمالٌ حقيقةً، فكذا لم تزل بصيرة النَّبيِّ متعرِّضةً (٥) لِأَنْ تصدأَ بالأغبرة الثَّائرة من أنفاسِ الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى إسبال جفنٍ من العين (٦) على حدقةِ بصيرته سترًا لها ووقايةً، وصقالًا عن تلكَ الأغبرة المثارةِ برؤيةِ الأغيار وأنفاسها، فصحَّ أنَّ الغين وإن كانت صورته نقصًا فمعناه كمالٌ وصقالٌ حقيقةً.

ثمَّ قال أيضًا: إنَّ روح النَّبيِّ لم تزل في التَّرقِّي (٧) إلى مقاماتِ القُرب مستتبعة للقلبِ في رقيِّها إلى مَركزها، وهكذا القلبُ كان يستتبعُ نفسه الزَّكيَّة، ولا خفاء أنَّ حركة الرُّوح والقلب أسرع وأتمُّ من نهضة النَّفس وحركتها، فكانت خُطى النَّفس تقصر عن (٨) مدى الرُّوح والقلب في

العروجِ والولوجِ في حرمِ القرب (١) ولحوقها (٢) بهما، فاقتضتِ العواطف الرَّبَّانيَّة على الضُّعفاء من الأمَّة إبطاء حركةِ القلب بإلقاء الغين عليه؛ لئلَّا يسرعَ القلبُ ويسرحَ (٣) في معارج الرُّوح ومدارجها، فتنقطع علاقة النَّفس عنه لقوَّة الانجذاب، فيبقى العبادُ مُهمَلِين محرومِين عن الاستنارةِ بأنوار النُّبوَّة والاستضاءة بمشكاةِ مصباحِ الشَّريعة، و (٤) حيث كان يَرى إبطاءَ القلبِ بالغين المُلْقى عليه، وقصور النَّفس عن شأو (٥) ترقِّي الرُّوح إلى الرَّفيق الأعلى كان يفزعُ إلى الاستغفار؛ إذ لم تفِ قواها في سرعةِ اللُّحوق لها. وهذا من أعزِّ مقولٍ في هذا المعنى، وأحسن مشروحٍ فيه.

(٤) (باب التَّوْبَةِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «التَّوبةُ» رفع، وهي في الشَّرع تركُ الذَّنب لقُبحه، والنَّدمُ على ما فرَّط منه، والعزمُ على تركِ المعاودة، وتدارك ما أمكنَه أن يتداركه من الأعمالِ (٦) بالإعادة (٧)، وردِّ (٨) الظُّلامات لذويها أو تحصيل البراءة منهم، وزاد عبدُ الله بن المبارك: وأن يعمدَ إلى البَدَنِ الَّذي ربَّاه بالسُّحت فيذيبه بالهمِّ والحزن حتَّى ينشأ له لحمٌ طيِّبٌ، وأن يُذيق نفسه ألم الطَّاعة كما أذاقَها لذَّة المعصية. انتهى. والتوبة: أهمُّ قواعد الإسلام، وهي أوَّل مقامات سالكي الآخرةِ وبها سعادة الأبد.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (قَتَادَةُ) فيما وصله عبد بن حميدٍ في تفسير قوله تعالى: (﴿(٩) تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]) أي: (الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ) وقيل: هي الَّتي لا عود بعدها كما لا يعود اللَّبن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله