«رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.» بَابُ الدُّعَاءِ غَيْرَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٤١

الحديث رقم ٦٣٤١ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رفع الأيدي في الدعاء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٣٤١ في صحيح البخاري

«رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.»

بَابُ الدُّعَاءِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ

إسناد حديث رقم ٦٣٤١ من صحيح البخاري

٦٣٤١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ سَمِعَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٣٤١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيَتْرُكُ الدُّعَاءَ، فَيَكُونُ كَالْمَانِّ بِدُعَائِهِ، أَوْ أَنَّهُ أَتَى مِنَ الدُّعَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْإِجَابَةَ، فَيَصِيرُ كَالْمُبْخِلِ لِلرَّبِّ الْكَرِيمِ الَّذِي لَا تُعْجِزُهُ الْإِجَابَةُ، وَلَا يُنْقِصُهُ الْعَطَاءُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ: لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: وَمَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَسْتَحْسِرُ - وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ -: يَنْقَطِعُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَبٌ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُلَازِمُ الطَّلَبَ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الْإِجَابَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَأَنَا أَشَدُّ خَشْيَةً أَنْ أُحْرَمَ الدُّعَاءَ مِنْ أَنْ أُحْرَمَ الْإِجَابَةَ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ الْحَدِيثُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَوَهَمَ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُخْشَى عَلَى مَنْ خَالَفَ، وَقَالَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي أَنْ يُحْرَمَ الْإِجَابَةَ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا مِنَ الِادِّخَارِ وَالتَّكْفِيرِ، انْتَهَى.

وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الدُّعَاءِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تُرَدُّ، وَأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ الْإِجَابَةُ، وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا سَأَلَ، فَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِقَوْلِهِ: اعْلَمْ أَنَّ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ لَا يُرَدُّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرَ الْإِجَابَةِ، أَوْ يُعَوَّضُ بِمَا هُوَ أَوْلَى لَهُ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الطَّلَبَ مِنْ رَبِّهِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِالدُّعَاءِ، كَمَا هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، وَمِنْ جُمْلَةِ آدَابِ الدُّعَاءِ تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ؛ كَالسُّجُودِ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةُ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَتَقْدِيمُ التَّوْبَةِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ، وَالْإِخْلَاصُ، وَافْتِتَاحُهُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالسُّؤَالُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي الْإِجَابَةِ وَعَدَمِهَا، أَرْبَعُ صُوَرٍ: الْأُولَى: عَدَمُ الْعَجَلَةِ وَعَدَمُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، الثَّانِيَةُ: وُجُودُهُمَا، الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ: عَدَمُ أَحَدِهِمَا وَوُجُودُ الْآخَرِ، فَدَلَّ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْإِجَابَةَ تَخْتَصُّ بِالصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ ثَلَاثٍ، قَالَ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مُقَيَّدٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ.

قُلْتُ: وَقَدْ أُوِّلَ الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ قَبْلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجَابَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ بِعَيْنِهِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٣ - بَاب رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ

قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: دَعَا النَّبِيُّ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَفَعَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ

٦٣٤١ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ، سَمِعَا أَنَسًا، عَنْ النَّبِيِّ : رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْه.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ) أَيْ: عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ (دَعَا النَّبِيُّ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ عَمِّهِ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فِي: بَابِ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَفَعَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا

صَنَعَ خَالِدٌ) وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ غَزْوَةِ بَنِي جَذِيمَةَ - بِجِيمٍ وَمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَخَالِدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ: هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَهَذَا طَرَفٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ بِهِ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ قِصَّةَ الِاسْتِسْقَاءِ مُطَوَّلَةً مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَحْدَهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ طُرُقٍ، فِي بَعْضِهَا: وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ إِلَّا هَذَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ رَدُّ مَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُ كَذَا إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، بَلْ فِيهِ وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ غَيْرَ الِاسْتِسْقَاءِ أَصْلًا، وَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لَا أَصْلُ الرَّفْعِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يُخَالِفُ غَيْرَهُ، إِمَّا بِالْمُبَالَغَةِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْيَدَانِ فِي حَذْوِ الْوَجْهِ مَثَلًا، وَفِي الدُّعَاءِ إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: حَتَّى يَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ بَلْ يُجْمَعُ بِأَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ الْبَيَاضِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَبْلَغَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنَّ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَلِيَانِ الْأَرْضَ، وَفِي الدُّعَاءِ يَلِيَانِ السَّمَاءَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَبِتَقْدِيرِ تَعَذُّرِ

الْجَمْعِ فَجَانِبُ الْإِثْبَاتِ أَرْجَحُ، قُلْتُ: وَلَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً أَفْرَدَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ سَرَدَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ جُمْلَةً وَعَقَدَ لَهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بَابًا ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ قَوْلِهِ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو هَاجَرَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي هَاجَرَ مَعَهُ وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ يَدْعُو رَافِعًا يَدَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي قِصَّةِ الْكُسُوفِ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَعِنْدَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْكُسُوفِ أَيْضًا: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَفِي حَدِيثِهَا عِنْدَهُ فِي دُعَائِهِ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الطَّوِيلِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَدْعُو، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ.

وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ذَكَرَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمًا، ثُمَّ سَرَّى عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خِطَامُهَا، فَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ رَافِعٌ الْيَدَ الْأُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَفِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْحَدِيثَ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولم يُحسنوا أن يقولوا ذلك، ولم يتثبَّتْ في أمرهم، ولم يروَ أنَّه أوجبَ عليه القود؛ لأنَّه متأوِّلٌ.

٦٣٤١ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ : (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثيرٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) بفتح الشين المعجمة، ابن أبي نَمِرٍ (١)، أنَّهما (سَمِعَا أَنَسًا) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الاستسقاء» معلَّقًا [خ¦١٠٢٩] ووصله أبو نُعيمٍ، وفي حديث أبي هُريرة: «قدمَ الطُّفيل بن عَمرو على النَّبيِّ فقال: إنَّ دوسًا عصتْ، فادعُ الله عليها فاستقبلِ القبلةَ ورفعَ يديهِ، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا» رواه البخاريُّ في «الأدب» [خ¦٦٣٩٧] وفي حديثِ عائشة عندَ مسلمٍ «أنَّها رأت النَّبيَّ يدعو رافعًا يديه».

وفي الباب أحاديث كثيرةٌ يطولُ سردها، وفيها ردٌّ على القائلِ بعدم الرَّفع إلَّا في الاستسقاء؛ لحديث أنسٍ الصَّحيح: «لم يكن النَّبيُّ يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلَّا في الاستسقاء» [خ¦١٠٣١] وأُجيب بأنَّ المنفيَّ صفةٌ خاصَّةٌ لا أصل الرَّفع، فالرَّفع في الاستسقاءِ يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدُّعاء إلى المنكبين، ويكون رؤية بياض إبطيهِ في الاستسقاءِ أبلغُ منها في غيره، أو أنَّ الكفَّين في الاستسقاءِ يليان الأرضَ، وفي الدُّعاء يليان (٢) السَّماء.

(٢٤) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيَتْرُكُ الدُّعَاءَ، فَيَكُونُ كَالْمَانِّ بِدُعَائِهِ، أَوْ أَنَّهُ أَتَى مِنَ الدُّعَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْإِجَابَةَ، فَيَصِيرُ كَالْمُبْخِلِ لِلرَّبِّ الْكَرِيمِ الَّذِي لَا تُعْجِزُهُ الْإِجَابَةُ، وَلَا يُنْقِصُهُ الْعَطَاءُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ: لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: وَمَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَسْتَحْسِرُ - وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ -: يَنْقَطِعُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَدَبٌ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُلَازِمُ الطَّلَبَ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الْإِجَابَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَأَنَا أَشَدُّ خَشْيَةً أَنْ أُحْرَمَ الدُّعَاءَ مِنْ أَنْ أُحْرَمَ الْإِجَابَةَ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ الْحَدِيثُ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَوَهَمَ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُخْشَى عَلَى مَنْ خَالَفَ، وَقَالَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي أَنْ يُحْرَمَ الْإِجَابَةَ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا مِنَ الِادِّخَارِ وَالتَّكْفِيرِ، انْتَهَى.

وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الدُّعَاءِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تُرَدُّ، وَأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ الْإِجَابَةُ، وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا سَأَلَ، فَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِقَوْلِهِ: اعْلَمْ أَنَّ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ لَا يُرَدُّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرَ الْإِجَابَةِ، أَوْ يُعَوَّضُ بِمَا هُوَ أَوْلَى لَهُ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الطَّلَبَ مِنْ رَبِّهِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِالدُّعَاءِ، كَمَا هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، وَمِنْ جُمْلَةِ آدَابِ الدُّعَاءِ تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ؛ كَالسُّجُودِ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةُ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ، وَتَقْدِيمُ التَّوْبَةِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ، وَالْإِخْلَاصُ، وَافْتِتَاحُهُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالسُّؤَالُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي الْإِجَابَةِ وَعَدَمِهَا، أَرْبَعُ صُوَرٍ: الْأُولَى: عَدَمُ الْعَجَلَةِ وَعَدَمُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، الثَّانِيَةُ: وُجُودُهُمَا، الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ: عَدَمُ أَحَدِهِمَا وَوُجُودُ الْآخَرِ، فَدَلَّ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ الْإِجَابَةَ تَخْتَصُّ بِالصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ ثَلَاثٍ، قَالَ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مُقَيَّدٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ.

قُلْتُ: وَقَدْ أُوِّلَ الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ قَبْلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجَابَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ بِعَيْنِهِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٣ - بَاب رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ

قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: دَعَا النَّبِيُّ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَفَعَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ

٦٣٤١ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ، سَمِعَا أَنَسًا، عَنْ النَّبِيِّ : رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْه.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ) أَيْ: عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ (دَعَا النَّبِيُّ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ عَمِّهِ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فِي: بَابِ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَفَعَ النَّبِيُّ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا

صَنَعَ خَالِدٌ) وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ غَزْوَةِ بَنِي جَذِيمَةَ - بِجِيمٍ وَمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمَةٍ - وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَخَالِدٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ الْوَلِيدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ: هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَهَذَا طَرَفٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ بِهِ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ قِصَّةَ الِاسْتِسْقَاءِ مُطَوَّلَةً مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ وَحْدَهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ طُرُقٍ، فِي بَعْضِهَا: وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ إِلَّا هَذَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ رَدُّ مَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُ كَذَا إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، بَلْ فِيهِ وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ غَيْرَ الِاسْتِسْقَاءِ أَصْلًا، وَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لَا أَصْلُ الرَّفْعِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرَّفْعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يُخَالِفُ غَيْرَهُ، إِمَّا بِالْمُبَالَغَةِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْيَدَانِ فِي حَذْوِ الْوَجْهِ مَثَلًا، وَفِي الدُّعَاءِ إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: حَتَّى يَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ بَلْ يُجْمَعُ بِأَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ الْبَيَاضِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَبْلَغَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنَّ الْكَفَّيْنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَلِيَانِ الْأَرْضَ، وَفِي الدُّعَاءِ يَلِيَانِ السَّمَاءَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَبِتَقْدِيرِ تَعَذُّرِ

الْجَمْعِ فَجَانِبُ الْإِثْبَاتِ أَرْجَحُ، قُلْتُ: وَلَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً أَفْرَدَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ سَرَدَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ جُمْلَةً وَعَقَدَ لَهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بَابًا ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ قَوْلِهِ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو هَاجَرَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي هَاجَرَ مَعَهُ وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ يَدْعُو رَافِعًا يَدَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي جُزْءِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي قِصَّةِ الْكُسُوفِ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَعِنْدَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْكُسُوفِ أَيْضًا: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَفِي حَدِيثِهَا عِنْدَهُ فِي دُعَائِهِ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الطَّوِيلِ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَدْعُو، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ.

وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ ذَكَرَ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمًا، ثُمَّ سَرَّى عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خِطَامُهَا، فَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ رَافِعٌ الْيَدَ الْأُخْرَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَفِي حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْحَدِيثَ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولم يُحسنوا أن يقولوا ذلك، ولم يتثبَّتْ في أمرهم، ولم يروَ أنَّه أوجبَ عليه القود؛ لأنَّه متأوِّلٌ.

٦٣٤١ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ : (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثيرٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) بفتح الشين المعجمة، ابن أبي نَمِرٍ (١)، أنَّهما (سَمِعَا أَنَسًا) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الاستسقاء» معلَّقًا [خ¦١٠٢٩] ووصله أبو نُعيمٍ، وفي حديث أبي هُريرة: «قدمَ الطُّفيل بن عَمرو على النَّبيِّ فقال: إنَّ دوسًا عصتْ، فادعُ الله عليها فاستقبلِ القبلةَ ورفعَ يديهِ، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا» رواه البخاريُّ في «الأدب» [خ¦٦٣٩٧] وفي حديثِ عائشة عندَ مسلمٍ «أنَّها رأت النَّبيَّ يدعو رافعًا يديه».

وفي الباب أحاديث كثيرةٌ يطولُ سردها، وفيها ردٌّ على القائلِ بعدم الرَّفع إلَّا في الاستسقاء؛ لحديث أنسٍ الصَّحيح: «لم يكن النَّبيُّ يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلَّا في الاستسقاء» [خ¦١٠٣١] وأُجيب بأنَّ المنفيَّ صفةٌ خاصَّةٌ لا أصل الرَّفع، فالرَّفع في الاستسقاءِ يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدُّعاء إلى المنكبين، ويكون رؤية بياض إبطيهِ في الاستسقاءِ أبلغُ منها في غيره، أو أنَّ الكفَّين في الاستسقاءِ يليان الأرضَ، وفي الدُّعاء يليان (٢) السَّماء.

(٢٤) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله