الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٤٥
الحديث رقم ٦٣٤٥ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء عند الكرب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ -: خُوَيْدِمُكَ أَلَا تَدْعُو لَهُ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ حَيَاتَهُ وَاغْفِرْ لَهُ، فَأَمَّا كَثْرَةُ وَلَدِ أَنَسٍ وَمَالِهِ فَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ: الطَّاعُونِ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ قَوْلُ أَنَسٍ: أَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أَمِينَةُ أَنَّهُ دُفِنَ مِنْ صُلْبِي إِلَى يَوْمِ مَقْدِمِ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ: كَانَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ أَوْلَادًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: كَانَ بِالْبَصْرَةِ ثَلَاثَةٌ مَا مَاتُوا حَتَّى رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ وَلَدِهِ مِائَةَ ذَكَرٍ لِصُلْبِهِ، أَبُو بَكْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَخَلِيفَةُ بْنُ بَدْرٍ، وَزَادَ غَيْرُهُ رَابِعًا، وَهُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذِكْرِ أَنَسٍ: وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَأْتِي فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَمَّا طُولُ عُمُرِ أَنَسٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْهِجْرَةِ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَلَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، قَالَهُ خَلِيفَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي سِنِّهِ أَنَّهُ بَلَغَ مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ: تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً.
٢٧ - بَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ
٦٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
[الحديث ٦٣٤٥ - أطرافه في ٦٣٤٦، ٧٤٢١، ٧٤٣١]
٦٣٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَقَالَ وَهْبٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، هُوَ مَا يُدْهِمُ الْمَرْءَ، مِمَّا يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ فَيَغُمُّهُ وَيُحْزِنُهُ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ شُعْبَةُ: إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ فَذَكَرَهَا بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَعْتَبِرْ
بِهَذَا الْحَصْرِ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُدَلِّسُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ، وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لَهُ مُعَلَّقًا فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ حَدِيثُ رُؤْيَةِ مُوسَى وَغَيْرِهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمُعَلَّقِ: وَقَالَ وَهْبٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ: وُهَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ: وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَيِ ابْنِ حَازِمٍ، فَأَزَالَ الْإِشْكَالَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ، فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ. فَظَهَرَ أَنَّهُ عِنْدَ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ سَعِيدٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ، وَعِنْدَ وَهْبٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ عَنْ شُعْبَةَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ) أَيْ: عِنْدَ حُلُولِ الْكَرْبِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: هَجَمَ عَلَيْهِ أَوْ غَلَبَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: لَقَّنَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَأَمَرَنِي إِنْ نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ أَنْ أَقُولَهُا.
قَوْلُهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِلَفْظِ: وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ بَدَلَ: الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ وَوَقَعَ جَمِيعُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، لَكِنْ قَالَ: الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ بِاللَّامِ بَدَلَ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَذَا هُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ: الْعَظِيمُ بَدَلَ الْعَلِيمُ.
وَقَالَ وَهْبٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ) نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيمِ، وَكَذَا بِرَفْعِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ عَلَى أَنَّهُمَا نَعْتَانِ لِلرَّبِّ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَرْشِ، وَكَذَا قَرَأَ الْجُمْهُورُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ - وَ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالْجَرِّ فِيهِمَا وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، وَأُعْرِبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّفْعِ نَعْتًا لِلْعَرْشِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قُطِعَ عَمَّا قَبْلَهُ لِلْمَدْحِ، وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْفِ الْعَرْشِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ وَصْفَ مَا يُضَافُ لِلْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيمِ الْعَظِيمِ، فَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُدُ عَرْشَ بَلْقِيسَ بِأَنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحَلِيمُ: الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعُقُوبَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْعَظِيمُ: الَّذِي لَا شَيْءَ يَعْظُمُ عَلَيْهِ، وَالْكَرِيمُ: الْمُعْطِي فَضْلًا، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى قَرِيبًا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صَدَّرَ هَذَا الثَّنَاءَ بِذِكْرِ الرَّبِّ؛ لِيُنَاسِبَ كَشْفَ الْكَرْبِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى التَّرْبِيَةِ، وَفِيهِ التَّهْلِيلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَصْلُ التَّنْزِيهَاتِ الْجَلَالِيَّةِ وَالْعَظَمَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الْقُدْرَةِ، وَالْحِلْمُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ، إِذِ الْجَاهِلُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ حِلْمٌ وَلَا كَرَمٌ، وَهُمَا أَصْلُ الْأَوْصَافِ الْإِكْرَامِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي لَفْظٍ: الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ فِي الْأَوَّلِ، وَفِي لَفْظٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، وَفِي لَفْظٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَهُ ﵎، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَخْرَجَهَا كُلَّهَا النَّسَائِيُّ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدْعُو وَإِنَّمَا هُوَ تَهْلِيلٌ وَتَعْظِيمٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ قُبَيْلَ الدُّعَاءِ، كَمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَدْعُو، قُلْتُ: وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ، فَذَكَرَ الذِّكْرَ الْمَأْثُورَ، وَزَادَ: ثُمَّ دَعَا، وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي شَرَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِذَا بَدَأَ الرَّجُلُ بِالثَّنَاءِ قَبْلَ الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ الثَّنَاءِ كَانَ عَلَى الرَّجَاءِ.
ثَانِيهِمَا مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيمَا حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: أَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذِكْرٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ، وَلَكِنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ قَالَ: وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي مَدْحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ
قَالَ سُفْيَانُ: فَهَذَا مَخْلُوقٌ حِينَ نُسِبَ إِلَى الْكَرَمِ اكْتَفَى بِالثَّنَاءِ عَنِ السُّؤَالِ، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ؟ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَفِي لَفْظٍ لِلْحَاكِمِ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَكَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: كُنْتُ بِأَصْبَهَانَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، أَكْتُبُ الْحَدِيثَ، وَهُنَاكَ شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ مَدَارُ الْفُتْيَا، فَسُعِيَ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَسُجِنَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَفْتُرُ، فَقَالَ لِي ﷺ قُلْ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ يَدْعُو بِدُعَاءِ الْكَرْبِ الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: فَأَصْبَحْتُ، فَأَخْبَرْتُهُ فَدَعَا بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أُخْرِجَ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ: انْظُرِ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ فَاجْلِدْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَوْقِفْهُ لِلنَّاسِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجِيءَ بِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، تَكَلَّمْ بِكَلِمَاتِ الْفَرَجِ يُفَرِّجِ اللَّهُ عَنْكَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي، فَقَالَهَا: فَرَفَعَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَرَى وَجْهَ رَجُلٍ كُذِبَ عَلَيْهِ؛ خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِعُذْرِهِ فَأُطْلِقَ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا زَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ابْنَتَهُ قَالَ لَهَا: إِنْ نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ فَاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ فَقُلْتُهُنَّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَكَ فَلَأَنْتَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَزَادَ فِي لَفْظٍ فَسَلْ حَاجَتَكَ، وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سقط «أنس» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) زاد مسلم من طريق إسحاقَ بن عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أنسٍ في آخرِ هذا الحديث، قال أنس: «فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ وإنَّ ولدِي وولد ولدِي ليعادُّون على نحو المئة اليوم». وثبت في «الصَّحيح» أنَّه كان في الهجرةِ ابن تسع سنين (١)، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاثٍ، وله مئة وثلاث سنين. قال خليفة: وهو المعتمد، وأمَّا طول عمره فلم يذكر في حديث الباب، وكأنَّ المؤلِّف أشار لِما في بعض طرق الحديث عن أنسٍ، قال: «قالت أمُّ سُليمٍ: خويدمُك ألا تدعو له؟ فقال: اللَّهمَّ أكثرْ مالَهُ وولدَهُ، وأَطِل حياتَهُ، واغفِرْ لهُ» رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» وفيه دَلالة على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال؛ لكن إذا لم يشغلْه ذلك عن الله والقيام بحقوقه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ولا فتنةَ أعظم من شغلهم (٢) العبد عن القيامِ بحقوق المولى، ولولا دَعوته ﷺ لأنسٍ لخيفَ عليه.
(٢٧) (باب) ذكرِ (الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ) بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، وهو ما يَدْهم الإنسانَ فيأخذ بنفسه فيغمُّهُ ويحزنهُ.
٦٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظ المفسِّر (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيْع الرَّيحانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ) ولمسلمٍ من رواية يوسف بنِ عبد الله بنِ الحارث، عن أبي العالية: «كان إذا حَزبهُ أمرٌ» وهو بفتح الحاء المهملة (٣) والزاي وبالموحدة، أي: هجمَ عليه أو غلبه (٤) (يَقُوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ) المطلق البالغ أقصى مراتبِ العظمة (٥) الَّذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا يحيطُ بكُنْهه بصيرةٌ (الحَلِيمُ) الَّذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجالِ العقوبة، والمسارعة إلى الانتقامِ، وسقط لغير أبي (٦) ذرٍّ لفظ «يقول» (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) بالجرِّ صفةً لـ «العرش»، ووصفَ العرش بالعظيم؛ لأنَّه أعظمُ خلقِ الله مطلقًا لأهل السَّماء، وقِبلةٌ للدُّعاء، وضبطه الدَّاوديُّ فيما نقله عنه ابن التِّين السَّفاقسيُّ (٧) بالرَّفع، وبه قرأ ابن مُحيصن (٨) آخر التَّوبة نعتًا للرَّبِّ. قال أبو بكرٍ الأصمُّ: جعل العظيم صفةً لله أولى من جعله صفةً للعرشِ، وثبتت (٩) الواو في قوله: «وربُّ العرش (١٠)» لأبي ذرٍّ.
٦٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) الدَّستوائيِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ)
ولمسلمٍ من رواية سعيد بنِ أبي عَروبة عن قتادة: «كان يدعو بهنَّ ويقولهنَّ عند الكرب»: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ
العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) وصف العرشَ بالكرم لأنَّ الرَّحمة تنزلُ منه، أو لنسبتهِ إلى أكرمِ الأكرمين، وقرئ في آية المؤمنين بالرَّفع صفةً للرَّبِّ تعالى، كما مرَّ [خ¦٦٣٤٥] وقد صدّر هذا الثَّناء بذكر الرَّبِّ ليناسب كشف الكرب؛ لأنَّه مقتضى (١) التَّربية، وَوُصِف الرَّبُّ تعالى بالعظمةِ والحلم (٢)، وهما صفتان مُستلزمتان لكمال القدرةِ والرَّحمة والإحسان والتَّجاوز، ووصفه بكمال ربوبيَّته الشَّاملة للعالم العلويِّ والسُّفليِّ، والعرش الَّذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، وحِلمه يستلزمُ كمال رحمتهِ وإحسانه إلى خلقهِ، فعلم القلب ومعرفته بذلك يوجب محبَّته وإجلالَه وتوحيدَه، فيحصل له (٣) من الابتهاجِ واللَّذَّة والسُّرور ما يدفعُ عنه ألم الكربِ والهمِّ والغمِّ، فإذا قابلتَ بين ضيقِ الكرب وسعةِ هذه الأوصاف الَّتي تضمَّنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبةِ لتفريج هذا الضِّيق وخروج القلبِ منه إلى سعة البهجة والسُّرور، وإنَّما يصدِّق هذه الأمور من (٤) أشرقتْ فيه أنوارُها، وباشرَ قلبَه حقائقُها، أشار إليه في «زاد المعاد».
وقال في «الكواكب»: فإن قلت: هذا ذكرٌ لا دعاء. قلتُ: هو ذكرٌ يُستفتح به الدُّعاء بكشفِ كربه. وعن سفيان بن عُيينة: أما علمتَ أنَّ الله قال: مَن شغلَهُ ذِكْري عن مَسْألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطي السَّائلين (٥).
ومن دعوات الكرب: ما رواه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي بكرةَ رفعه: «اللَّهُمَّ رحمتكَ أرجُو فلا تكلنِي إلى نفسِي طرفةَ عينٍ، وأصلِحْ لي شأنِي كلَّهُ لَا إلَه إلَّا أنتَ». ومنها: «الله الله ربِّي لا أشرِكُ بهِ شيئًا» رواه أصحاب السُّنن إلَّا التِّرمذيَّ من حديث أسماء بنت عُميسٍ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ: «ألا أعلِّمكِ كلماتٍ تقوليهِنَّ عندَ الكربِ». ولابن أبي الدُّنيا «كتاب الفرج بعد الشِّدَّة» فائقٌ في معناه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ -: خُوَيْدِمُكَ أَلَا تَدْعُو لَهُ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ حَيَاتَهُ وَاغْفِرْ لَهُ، فَأَمَّا كَثْرَةُ وَلَدِ أَنَسٍ وَمَالِهِ فَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ: قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ، وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ: الطَّاعُونِ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ قَوْلُ أَنَسٍ: أَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أَمِينَةُ أَنَّهُ دُفِنَ مِنْ صُلْبِي إِلَى يَوْمِ مَقْدِمِ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ: كَانَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ أَوْلَادًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: كَانَ بِالْبَصْرَةِ ثَلَاثَةٌ مَا مَاتُوا حَتَّى رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ وَلَدِهِ مِائَةَ ذَكَرٍ لِصُلْبِهِ، أَبُو بَكْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَخَلِيفَةُ بْنُ بَدْرٍ، وَزَادَ غَيْرُهُ رَابِعًا، وَهُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذِكْرِ أَنَسٍ: وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَأْتِي فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَمَّا طُولُ عُمُرِ أَنَسٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْهِجْرَةِ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَلَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، قَالَهُ خَلِيفَةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي سِنِّهِ أَنَّهُ بَلَغَ مِائَةً وَسَبْعَ سِنِينَ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ: تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً.
٢٧ - بَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ
٦٣٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
[الحديث ٦٣٤٥ - أطرافه في ٦٣٤٦، ٧٤٢١، ٧٤٣١]
٦٣٤٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَقَالَ وَهْبٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْكَرْبِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، هُوَ مَا يُدْهِمُ الْمَرْءَ، مِمَّا يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ فَيَغُمُّهُ وَيُحْزِنُهُ.
قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ، وَقَدْ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ شُعْبَةُ: إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ. وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ فَذَكَرَهَا بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَعْتَبِرْ
بِهَذَا الْحَصْرِ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا بِمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُدَلِّسُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ، وَقَدْ حَدَّثَ شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ قَتَادَةَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لَهُ مُعَلَّقًا فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ غَيْرَ هَذَا، وَهُوَ حَدِيثُ رُؤْيَةِ مُوسَى وَغَيْرِهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْمُعَلَّقِ: وَقَالَ وَهْبٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ: وُهَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ: وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَيِ ابْنِ حَازِمٍ، فَأَزَالَ الْإِشْكَالَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ، فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ. فَظَهَرَ أَنَّهُ عِنْدَ وُهَيْبٍ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ سَعِيدٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ، وَعِنْدَ وَهْبٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ عَنْ شُعْبَةَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ) أَيْ: عِنْدَ حُلُولِ الْكَرْبِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: هَجَمَ عَلَيْهِ أَوْ غَلَبَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: لَقَّنَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَأَمَرَنِي إِنْ نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ أَنْ أَقُولَهُا.
قَوْلُهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِلَفْظِ: وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ بَدَلَ: الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ وَوَقَعَ جَمِيعُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، لَكِنْ قَالَ: الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ بِاللَّامِ بَدَلَ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَذَا هُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ: الْعَظِيمُ بَدَلَ الْعَلِيمُ.
وَقَالَ وَهْبٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ) نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيمِ، وَكَذَا بِرَفْعِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ عَلَى أَنَّهُمَا نَعْتَانِ لِلرَّبِّ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَرْشِ، وَكَذَا قَرَأَ الْجُمْهُورُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ - وَ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالْجَرِّ فِيهِمَا وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، وَأُعْرِبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّفْعِ نَعْتًا لِلْعَرْشِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قُطِعَ عَمَّا قَبْلَهُ لِلْمَدْحِ، وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْفِ الْعَرْشِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ وَصْفَ مَا يُضَافُ لِلْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيمِ الْعَظِيمِ، فَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُدُ عَرْشَ بَلْقِيسَ بِأَنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحَلِيمُ: الَّذِي يُؤَخِّرُ الْعُقُوبَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْعَظِيمُ: الَّذِي لَا شَيْءَ يَعْظُمُ عَلَيْهِ، وَالْكَرِيمُ: الْمُعْطِي فَضْلًا، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى قَرِيبًا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صَدَّرَ هَذَا الثَّنَاءَ بِذِكْرِ الرَّبِّ؛ لِيُنَاسِبَ كَشْفَ الْكَرْبِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى التَّرْبِيَةِ، وَفِيهِ التَّهْلِيلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَصْلُ التَّنْزِيهَاتِ الْجَلَالِيَّةِ وَالْعَظَمَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الْقُدْرَةِ، وَالْحِلْمُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ، إِذِ الْجَاهِلُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ حِلْمٌ وَلَا كَرَمٌ، وَهُمَا أَصْلُ الْأَوْصَافِ الْإِكْرَامِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي لَفْظٍ: الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ فِي الْأَوَّلِ، وَفِي لَفْظٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، وَفِي لَفْظٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَهُ ﵎، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَخْرَجَهَا كُلَّهَا النَّسَائِيُّ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدْعُو وَإِنَّمَا هُوَ تَهْلِيلٌ وَتَعْظِيمٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ قُبَيْلَ الدُّعَاءِ، كَمَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَدْعُو، قُلْتُ: وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ، فَذَكَرَ الذِّكْرَ الْمَأْثُورَ، وَزَادَ: ثُمَّ دَعَا، وَفِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي شَرَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: إِذَا بَدَأَ الرَّجُلُ بِالثَّنَاءِ قَبْلَ الدُّعَاءِ اسْتُجِيبَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالدُّعَاءِ قَبْلَ الثَّنَاءِ كَانَ عَلَى الرَّجَاءِ.
ثَانِيهِمَا مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيمَا حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: أَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: هُوَ ذِكْرٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ، وَلَكِنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ ﷿: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ قَالَ: وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي مَدْحِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ
قَالَ سُفْيَانُ: فَهَذَا مَخْلُوقٌ حِينَ نُسِبَ إِلَى الْكَرَمِ اكْتَفَى بِالثَّنَاءِ عَنِ السُّؤَالِ، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ؟ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَفِي لَفْظٍ لِلْحَاكِمِ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَكَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: كُنْتُ بِأَصْبَهَانَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، أَكْتُبُ الْحَدِيثَ، وَهُنَاكَ شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ مَدَارُ الْفُتْيَا، فَسُعِيَ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَسُجِنَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَفْتُرُ، فَقَالَ لِي ﷺ قُلْ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ يَدْعُو بِدُعَاءِ الْكَرْبِ الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: فَأَصْبَحْتُ، فَأَخْبَرْتُهُ فَدَعَا بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أُخْرِجَ. انْتَهَى.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ: انْظُرِ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ فَاجْلِدْهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَوْقِفْهُ لِلنَّاسِ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجِيءَ بِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، تَكَلَّمْ بِكَلِمَاتِ الْفَرَجِ يُفَرِّجِ اللَّهُ عَنْكَ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي، فَقَالَهَا: فَرَفَعَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَرَى وَجْهَ رَجُلٍ كُذِبَ عَلَيْهِ؛ خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِعُذْرِهِ فَأُطْلِقَ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا زَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ابْنَتَهُ قَالَ لَهَا: إِنْ نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ فَاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ فَقُلْتُهُنَّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَكَ فَلَأَنْتَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَزَادَ فِي لَفْظٍ فَسَلْ حَاجَتَكَ، وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
سقط «أنس» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) زاد مسلم من طريق إسحاقَ بن عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أنسٍ في آخرِ هذا الحديث، قال أنس: «فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ وإنَّ ولدِي وولد ولدِي ليعادُّون على نحو المئة اليوم». وثبت في «الصَّحيح» أنَّه كان في الهجرةِ ابن تسع سنين (١)، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاثٍ، وله مئة وثلاث سنين. قال خليفة: وهو المعتمد، وأمَّا طول عمره فلم يذكر في حديث الباب، وكأنَّ المؤلِّف أشار لِما في بعض طرق الحديث عن أنسٍ، قال: «قالت أمُّ سُليمٍ: خويدمُك ألا تدعو له؟ فقال: اللَّهمَّ أكثرْ مالَهُ وولدَهُ، وأَطِل حياتَهُ، واغفِرْ لهُ» رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» وفيه دَلالة على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال؛ لكن إذا لم يشغلْه ذلك عن الله والقيام بحقوقه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ولا فتنةَ أعظم من شغلهم (٢) العبد عن القيامِ بحقوق المولى، ولولا دَعوته ﷺ لأنسٍ لخيفَ عليه.
(٢٧) (باب) ذكرِ (الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ) بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، وهو ما يَدْهم الإنسانَ فيأخذ بنفسه فيغمُّهُ ويحزنهُ.
٦٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظ المفسِّر (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيْع الرَّيحانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ) ولمسلمٍ من رواية يوسف بنِ عبد الله بنِ الحارث، عن أبي العالية: «كان إذا حَزبهُ أمرٌ» وهو بفتح الحاء المهملة (٣) والزاي وبالموحدة، أي: هجمَ عليه أو غلبه (٤) (يَقُوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ) المطلق البالغ أقصى مراتبِ العظمة (٥) الَّذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا يحيطُ بكُنْهه بصيرةٌ (الحَلِيمُ) الَّذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجالِ العقوبة، والمسارعة إلى الانتقامِ، وسقط لغير أبي (٦) ذرٍّ لفظ «يقول» (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) بالجرِّ صفةً لـ «العرش»، ووصفَ العرش بالعظيم؛ لأنَّه أعظمُ خلقِ الله مطلقًا لأهل السَّماء، وقِبلةٌ للدُّعاء، وضبطه الدَّاوديُّ فيما نقله عنه ابن التِّين السَّفاقسيُّ (٧) بالرَّفع، وبه قرأ ابن مُحيصن (٨) آخر التَّوبة نعتًا للرَّبِّ. قال أبو بكرٍ الأصمُّ: جعل العظيم صفةً لله أولى من جعله صفةً للعرشِ، وثبتت (٩) الواو في قوله: «وربُّ العرش (١٠)» لأبي ذرٍّ.
٦٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) الدَّستوائيِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ)
ولمسلمٍ من رواية سعيد بنِ أبي عَروبة عن قتادة: «كان يدعو بهنَّ ويقولهنَّ عند الكرب»: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ
العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) وصف العرشَ بالكرم لأنَّ الرَّحمة تنزلُ منه، أو لنسبتهِ إلى أكرمِ الأكرمين، وقرئ في آية المؤمنين بالرَّفع صفةً للرَّبِّ تعالى، كما مرَّ [خ¦٦٣٤٥] وقد صدّر هذا الثَّناء بذكر الرَّبِّ ليناسب كشف الكرب؛ لأنَّه مقتضى (١) التَّربية، وَوُصِف الرَّبُّ تعالى بالعظمةِ والحلم (٢)، وهما صفتان مُستلزمتان لكمال القدرةِ والرَّحمة والإحسان والتَّجاوز، ووصفه بكمال ربوبيَّته الشَّاملة للعالم العلويِّ والسُّفليِّ، والعرش الَّذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، وحِلمه يستلزمُ كمال رحمتهِ وإحسانه إلى خلقهِ، فعلم القلب ومعرفته بذلك يوجب محبَّته وإجلالَه وتوحيدَه، فيحصل له (٣) من الابتهاجِ واللَّذَّة والسُّرور ما يدفعُ عنه ألم الكربِ والهمِّ والغمِّ، فإذا قابلتَ بين ضيقِ الكرب وسعةِ هذه الأوصاف الَّتي تضمَّنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبةِ لتفريج هذا الضِّيق وخروج القلبِ منه إلى سعة البهجة والسُّرور، وإنَّما يصدِّق هذه الأمور من (٤) أشرقتْ فيه أنوارُها، وباشرَ قلبَه حقائقُها، أشار إليه في «زاد المعاد».
وقال في «الكواكب»: فإن قلت: هذا ذكرٌ لا دعاء. قلتُ: هو ذكرٌ يُستفتح به الدُّعاء بكشفِ كربه. وعن سفيان بن عُيينة: أما علمتَ أنَّ الله قال: مَن شغلَهُ ذِكْري عن مَسْألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطي السَّائلين (٥).
ومن دعوات الكرب: ما رواه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي بكرةَ رفعه: «اللَّهُمَّ رحمتكَ أرجُو فلا تكلنِي إلى نفسِي طرفةَ عينٍ، وأصلِحْ لي شأنِي كلَّهُ لَا إلَه إلَّا أنتَ». ومنها: «الله الله ربِّي لا أشرِكُ بهِ شيئًا» رواه أصحاب السُّنن إلَّا التِّرمذيَّ من حديث أسماء بنت عُميسٍ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ: «ألا أعلِّمكِ كلماتٍ تقوليهِنَّ عندَ الكربِ». ولابن أبي الدُّنيا «كتاب الفرج بعد الشِّدَّة» فائقٌ في معناه.