«كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٥٩

الحديث رقم ٦٣٥٩ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يصلى على غير النبي ﷺ.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان إذا أتى رجل النبي ﷺ بصدقته قال: اللهم…

«كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى.»

سند حديث: ٦٣٥٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

٦٣٥٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان إذا أتى رجل النبي ﷺ بصدقته قال: اللهم…

روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه قوم بزكاة أموالهم، قال: اللهم صل على آل فلان، أي: أَثنِ عليهم بالخير في الملأ الأعلى، واغفر لهم وبارك فيهم، امتثالًا لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصَلِّ عليهم}، فجاءه أبي -وهو أبو أوفى- بزكاة ماله، فدعا لهم عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم صل على آل أبي أوفى، فيشرع لولي الأمر أو المسؤول عن أخذ الزكاة أن يدعو لمن يحضر زكاته، والتزام الصلاة على غير الأنبياء كلما ذكروا مكروه، لورود المنع منه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه صار شعارًا لهم إذا ذكروا فلا يُلْحَق غيرُهم بهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لأوامر الله تعالى.
  • مشروعية الدعاء لباذل الزكاة.
  • أن فعل الواجب لا ينافي الشكر والدعاء والثناء على الفاعل.
  • كراهة التزام الصلاة على غير الأنبياء كلما ذُكِروا كراهة تنزيه.
  • فضل آل أبي أوفى رضي الله عنهم لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان إذا أتى رجل النبي ﷺ بصدقته قال: اللهم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنِ اعْتَادَ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَيْدَنًا، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا دَلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ ذِكْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ؛ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا مَعَ وُرُودِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فَرْضًا حَتَّى يَكُونَ تَارِكُهُ عَاصِيًا، قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ، وَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ لِمَنْ قَالَهُ، وَلَوْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مُعَارَضٌ بِدَعْوَى غَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، إِمَّا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ النَّدْبِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ السَّلَفِ لِذَلِكَ مُخَالِفٌ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخَالِفْ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى إِجْزَاءَ السَّلَامِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْخُطَبِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَمِمَّ يَتَأَكَّدُ وَوَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَارٌ خَاصَّةٌ أَكْثَرُهَا بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ عَقِبَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَأَوَّلَ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ، وَفِي أَوَّلِهِ آكَدُ، وَفِي آخِرِ الْقُنُوتِ، وَفِي أَثْنَاءِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ، وَعِنْدَ السَّفَرِ وَالْقُدُومِ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْهَمِّ وَالْكَرْبِ، وَعِنْدَ التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ، وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ، وَالذِّكْرِ، وَعِنْدَ نِسْيَانِ الشَّيْءِ، وَوَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، وَعِنْدَ طَنِينِ الْأُذُنِ، وَعِنْدَ التَّلْبِيَةِ، وَعَقِبَ الْوُضُوءِ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ، وَوَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

٣٣ - بَاب هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

٦٣٥٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى.

٦٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ؟) أَيِ: اسْتِقْلَالًا، أَوْ تَبَعًا، وَيَدْخُلُ فِي الْغَيْرِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَوَرَدَ فِيهَا أَحَادِيثُ أَحَدُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الدُّعَاءِ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، فَفِيهِ: وَصَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: لَا تَتْرُكَنَّ فِي التَّشَهُّدِ الصَّلَاةَ عَلَيَّ وَعَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْحَدِيثُ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَصَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ الْعِيسَوِيِّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ: مَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ

يَنْبَغِي عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ وَحُكِيَ الْقَوْلُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: مَا تَعَبَّدَنَا بِهِ، وَجَاءَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُكْرَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي: مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا

يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَدَّى مَا أُمِرْنَا بِهِ، وَخَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ، فَلَا يُمْنَعُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَالَّذِي أَمِيلُ إِلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ قَالُوا: يُذْكَرُ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ بِالرِّضَا وَالْغُفْرَانِ وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَعْنِي اسْتِقْلَالًا لَمْ تَكُنْ مِنَ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أُحْدِثَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ حَدِيثًا نَصًّا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ إِنْ ثَبَتَ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُمْ رُسُلًا.

وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ خَاصَّةً، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَجُوزُ مُطْلَقًا اسْتِقْلَالًا، وَتَجُوزُ تَبَعًا فِيمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّمَهُمُ السَّلَامَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَمَّا عَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَأَبُو الْمَعَالِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجُوزُ تَبَعًا مُطْلَقًا وَلَا تَجُوزُ اسْتِقْلَالًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُكْرَهُ اسْتِقْلَالًا لَا تَبَعًا، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجُوزُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ؛ فَإِنَّهُ صَدَّرَ بِالْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ عَلَّقَ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَعَقَّبَهُ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى الْجَوَازِ تَبَعًا، فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَوَقَعَ مِثْلُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إِنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -

صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي فَفَعَلَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لِرُوحِ الْمُؤْمِنِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدِكِ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَهُمَا أَنْ يَخُصَّا مَنْ شَاءَا بِمَا شَاءَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَنْعِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَا مَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُخْتَارُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَخْصٍ مُفْرَدٍ، بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تُرِكَ فِي حَقِّ مِثْلِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ، كَمَا يَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ، فَلَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ مُفْرَدًا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ شِعَارًا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ مَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ بِقَوْلِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَهُمْ مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ إِلَّا نَادِرًا، كَمَا فِي قِصَّةِ زَوْجَةِ جَابِرٍ وَآلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي تَحِيَّةِ الْحَيِّ، فَقِيلَ: يُشْرَعُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بَلْ تَبَعًا، وَلَا يُفْرَدُ لِوَاحِدٍ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلرَّافِضَةِ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ.

قَوْلُهُ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المحبَّة والخلَّة من آثار التَّجلِّي بالجمال، فلذا أمرَ نبيُّنا أن نصلِّي عليه كما صلَّى الله على إبراهيم لنسأل له التَّجلِّي بالجمال، وهذا لا يقتضِي التَّسوية بينه وبين الخليلِ في الوصف الَّذي هو التَّجلِّي بالجمالِ، فإنَّ الحقَّ سبحانه يتجلَّى بالجمال لشخصين بحسبِ مقامهما (١)، وإن اشتركا في وصفِ التَّجلِّي بالجمال، فيتجلَّى لكلِّ واحدٍ منهما بحسبِ مقامه عنده ومكانتهِ. انتهى.

(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُصَلَّى) بفتح اللام (عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ) من الأنبياءِ والملائكة والمؤمنين استقلالًا أو تَبَعًا؟ (وَقَوْلُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه» (تَعَالَى) لنبيِّه : (﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾) أي: اعطفْ عليهم بالدُّعاء لهم (﴿إِنَّ صَلَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) يسكنونَ إليها وتطمئنُّ قلوبُهم بها، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿صَلَاتَكَ﴾» بالتَّوحيد وفتح التاء نصب بـ ﴿إِنَّ﴾ وبها قرأَ حفصٌ وحمزة والكسائيُّ (٢)، قيل: وهي أكثرُ من الصَّلوات؛ لأنَّ المصدر بلفظه يدلُّ على الكثرةِ.

٦٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ) الجمليِّ -بالجيم- أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها فاء مفتوحة مقصورة، عبد الله الأسلميِّ له صحبةٌ، أنَّه (قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ (قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) أي: اغفِرْ له وارحمْه (فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أوفى (بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ، وللحَمُّويي والمُستملي: «بصدقة» (فَقَالَ) : (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].

وفي حديث قيسِ بنِ سعد بنِ عُبادة: أنَّ النَّبيَّ رفعَ يديهِ، وهو يقول: «اللَّهُمَّ اجعَلْ صلواتِكَ ورحمَتكَ على آلِ سَعدِ بن عُبادَةَ» رواه أبو داود والنَّسائيُّ وسندُه جيِّدٌ، وتمسَّك بذلك

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنِ اعْتَادَ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَيْدَنًا، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا دَلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ ذِكْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ؛ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ أَصْلًا مَعَ وُرُودِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فَرْضًا حَتَّى يَكُونَ تَارِكُهُ عَاصِيًا، قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ، وَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ لِمَنْ قَالَهُ، وَلَوْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ مُعَارَضٌ بِدَعْوَى غَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، إِمَّا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ النَّدْبِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ السَّلَفِ لِذَلِكَ مُخَالِفٌ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يُجْزِئُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخَالِفْ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى إِجْزَاءَ السَّلَامِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْخُطَبِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَمِمَّ يَتَأَكَّدُ وَوَرَدَتْ فِيهِ أَخْبَارٌ خَاصَّةٌ أَكْثَرُهَا بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ عَقِبَ إِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَأَوَّلَ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ، وَفِي أَوَّلِهِ آكَدُ، وَفِي آخِرِ الْقُنُوتِ، وَفِي أَثْنَاءِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ، وَعِنْدَ السَّفَرِ وَالْقُدُومِ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْهَمِّ وَالْكَرْبِ، وَعِنْدَ التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ، وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ، وَالذِّكْرِ، وَعِنْدَ نِسْيَانِ الشَّيْءِ، وَوَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، وَعِنْدَ طَنِينِ الْأُذُنِ، وَعِنْدَ التَّلْبِيَةِ، وَعَقِبَ الْوُضُوءِ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ، وَوَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا أَيْضًا، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

٣٣ - بَاب هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

٦٣٥٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ بِصَدَقَتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى.

٦٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ؟) أَيِ: اسْتِقْلَالًا، أَوْ تَبَعًا، وَيَدْخُلُ فِي الْغَيْرِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَوَرَدَ فِيهَا أَحَادِيثُ أَحَدُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الدُّعَاءِ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، فَفِيهِ: وَصَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: لَا تَتْرُكَنَّ فِي التَّشَهُّدِ الصَّلَاةَ عَلَيَّ وَعَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْحَدِيثُ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَصَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ الْعِيسَوِيِّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ: مَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ

يَنْبَغِي عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ وَحُكِيَ الْقَوْلُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: مَا تَعَبَّدَنَا بِهِ، وَجَاءَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَنْ مَالِكٍ يُكْرَهُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي: مَذْهَبُ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا

يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَدَّى مَا أُمِرْنَا بِهِ، وَخَالَفَهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ، فَلَا يُمْنَعُ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَالَّذِي أَمِيلُ إِلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ قَالُوا: يُذْكَرُ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ بِالرِّضَا وَالْغُفْرَانِ وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَعْنِي اسْتِقْلَالًا لَمْ تَكُنْ مِنَ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا أُحْدِثَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ حَدِيثًا نَصًّا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ إِنْ ثَبَتَ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُمْ رُسُلًا.

وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ خَاصَّةً، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَجُوزُ مُطْلَقًا اسْتِقْلَالًا، وَتَجُوزُ تَبَعًا فِيمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ وَلِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّمَهُمُ السَّلَامَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَمَّا عَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَأَبُو الْمَعَالِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجُوزُ تَبَعًا مُطْلَقًا وَلَا تَجُوزُ اسْتِقْلَالًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُكْرَهُ اسْتِقْلَالًا لَا تَبَعًا، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجُوزُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ؛ فَإِنَّهُ صَدَّرَ بِالْآيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ عَلَّقَ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَعَقَّبَهُ بِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى الْجَوَازِ تَبَعًا، فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَوَقَعَ مِثْلُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: إِنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -

صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي فَفَعَلَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ لِرُوحِ الْمُؤْمِنِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدِكِ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَهُمَا أَنْ يَخُصَّا مَنْ شَاءَا بِمَا شَاءَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَنْعِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَا مَا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُخْتَارُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَآلِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَخْصٍ مُفْرَدٍ، بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تُرِكَ فِي حَقِّ مِثْلِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ، كَمَا يَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ، فَلَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ مُفْرَدًا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ شِعَارًا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ مَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ بِقَوْلِ ذَلِكَ لَهُمْ، وَهُمْ مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ إِلَّا نَادِرًا، كَمَا فِي قِصَّةِ زَوْجَةِ جَابِرٍ وَآلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي تَحِيَّةِ الْحَيِّ، فَقِيلَ: يُشْرَعُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بَلْ تَبَعًا، وَلَا يُفْرَدُ لِوَاحِدٍ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلرَّافِضَةِ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ.

قَوْلُهُ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المحبَّة والخلَّة من آثار التَّجلِّي بالجمال، فلذا أمرَ نبيُّنا أن نصلِّي عليه كما صلَّى الله على إبراهيم لنسأل له التَّجلِّي بالجمال، وهذا لا يقتضِي التَّسوية بينه وبين الخليلِ في الوصف الَّذي هو التَّجلِّي بالجمالِ، فإنَّ الحقَّ سبحانه يتجلَّى بالجمال لشخصين بحسبِ مقامهما (١)، وإن اشتركا في وصفِ التَّجلِّي بالجمال، فيتجلَّى لكلِّ واحدٍ منهما بحسبِ مقامه عنده ومكانتهِ. انتهى.

(٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُصَلَّى) بفتح اللام (عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ) من الأنبياءِ والملائكة والمؤمنين استقلالًا أو تَبَعًا؟ (وَقَوْلُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه» (تَعَالَى) لنبيِّه : (﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾) أي: اعطفْ عليهم بالدُّعاء لهم (﴿إِنَّ صَلَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) يسكنونَ إليها وتطمئنُّ قلوبُهم بها، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿صَلَاتَكَ﴾» بالتَّوحيد وفتح التاء نصب بـ ﴿إِنَّ﴾ وبها قرأَ حفصٌ وحمزة والكسائيُّ (٢)، قيل: وهي أكثرُ من الصَّلوات؛ لأنَّ المصدر بلفظه يدلُّ على الكثرةِ.

٦٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ) الجمليِّ -بالجيم- أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها فاء مفتوحة مقصورة، عبد الله الأسلميِّ له صحبةٌ، أنَّه (قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ (قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) أي: اغفِرْ له وارحمْه (فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أوفى (بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ، وللحَمُّويي والمُستملي: «بصدقة» (فَقَالَ) : (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].

وفي حديث قيسِ بنِ سعد بنِ عُبادة: أنَّ النَّبيَّ رفعَ يديهِ، وهو يقول: «اللَّهُمَّ اجعَلْ صلواتِكَ ورحمَتكَ على آلِ سَعدِ بن عُبادَةَ» رواه أبو داود والنَّسائيُّ وسندُه جيِّدٌ، وتمسَّك بذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله