«اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٦١

الحديث رقم ٦٣٦١ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٣٦١ في صحيح البخاري

«اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.»

بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ

إسناد حديث رقم ٦٣٦١ من صحيح البخاري

٦٣٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٣٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، مُخْتَلَفٌ فِي اسْمِهِ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ اسْمُهُ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ مِنَ الْأَقْرَانِ، وَوَلَدُهُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، فَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَذُرِّيَّتُهُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا هِيَ النَّسْلُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهِيَ مِنْ ذَرَأَ بِالْهَمْزِ، أَيْ: خَلَقَ، إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ سُهِّلَتْ؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مِنَ الذَّرِّ، أَيْ: خُلِقُوا أَمْثَالَ الذَّرِّ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مَهْمُوزَ الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِآلِ مُحَمَّدٍ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ؛ لِسُقُوطِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْآلِ غَيْرَ أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ أَوْ أَزْوَاجَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مِنْهُ، بَلْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَوَاضِحٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

٣٤ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً

٦٣٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً) كَذَا تَرْجَمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِثْلَهُ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، لَكِنْ قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ؛ شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ بِلَفْظِ أَوْ وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَيَانَ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ فَسَبَّهُمَا وَلَعَنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ لَهُ،

فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأصلِ الصَّلاة لا القدر بالقدرِ، وهذا كما اختاروا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أنَّ (١) المراد: أصل الصِّيام لا كمِّيَّته ووقته، ومنها أنَّ هذه الصَّلاة الأمر بها للتَّكرار بالنِّسبة إلى كلِّ صلاةٍ في حقِّ كلِّ مصلٍّ، فإذا اقتصرَ في حقِّ كلِّ مصلٍّ على حصولِ صلاةٍ مساويةٍ للصَّلاة على إبراهيم ، كان الحاصلُ للنَّبيِّ بالنِّسبة إلى مجموعِ الصَّلوات أضعافًا مُضَاعفةً لا ينتهِي إليها الإحصاءُ، وأوردَ ابنُ دقيق العيد هنا سؤالًا فقال: التَّشبيه حاصلٌ بالنِّسبة إلى أصلِ هذه الصَّلاة والفرد منها، فإنَّ (٢) الإشكالَ واردٌ؟ وأجاب: بأنَّ الإشكالَ إنَّما يَرِدُ على تقديرِ أنَّ الأمرَ ليس للتَّكرار، وهو هنا للتَّكرار بالاتِّفاق، فالمطلوبُ من المجموعِ مقدار ما لا يُحصى من الصَّلوات بالنِّسبة إلى المقدارِ الحاصلِ لإبراهيمَ عليه صلواتُ الله وسلامه.

(٣٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً).

٦٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ، المعروف بابن الطَّبرانيِّ، كان أبوهُ من أهل طبرستان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (٣) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ) الفاء جزائيَّة والشَّرط

محذوفٌ (١) يدلُّ عليه السِّياق، أي: إن كنت سببت مؤمنًا، وفي مسلم من طريق ابن أخي ابن شهابٍ عن عمِّه -بهذا الإسناد-: «اللَّهمَّ إنِّي اتَّخذت عندك عهدًا لن تخلفنيْهِ، فأيُّما مؤمنٌ سببتُهُ أو جلدتُهُ … » ومن طريقِ أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببتُهُ، أو لعنتُهُ، أو جلدتهُ … » ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة، مثل رواية ابن أخي ابن شهابٍ، قال: «فأيُّ مؤمنٍ آذيته شتمتُهُ لعنتُهُ جلدتُهُ … » ومن طريق سالمٍ عن أبي هريرة: «اللَّهُمَّ إنَّما محمَّدٌ بشرٌ يغضبُ كما يغضَبُ البشرُ، وإنِّي قد اتَّخذتُ عندَكَ عهدًا … » الحديث. وفيه: «فأيُّما مؤمنٍ آذيتُهُ» ومن حديث عائشة قالتْ: دخلَ على رسولِ الله رجلان فكلَّماه بشيءٍ لا أدرِي ما هو فأغضباهُ فسبَّهما ولعنهمَا، فلمَّا خرجَا قلتُ له، فقال: «أَوَمَا علمتِ مَا شارطْتُ عليهِ ربِّي؟ قلتُ: اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ فأيُّ المسلمينَ لعنتُهُ، أو شتمتُهُ، أو سببتُهُ» (فَاجْعَلْ ذَلِكَ) السبَّ أو غيره ممَّا ذُكر (لَهُ قُرْبَةً) تقرِّبه بها (إِلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية ابن أخي الزُّهريِّ: «فاجعلْ ذلك كفَّارةً له يوم القيامة» وفي رواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فاجعلها له زكاةً ورحمةً» وفي رواية الأعرج: «فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً تقرِّبه بها إليك يوم القيامة». وفي حديث عائشة: «فاجعلهَا لهُ زكاةً وأجرًا». وفي حديث أنسٍ عند مسلم أيضًا: «إنَّما أنا بشرٌ أرضَى كما يرضَى البشرُ، وأغضَبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليهِ من أمَّتِي بدعوةٍ ليسَ لها بأهلٍ أن تجعلَهَا لهُ طهورًا وزكَاةً وقربَةً تقرِّبه بِهَا (٢) يومَ القيامَةِ»، وقوله: «ليسَ لها بأهلٍ» أي: عندك في باطن أمرهِ، لا في ظاهر ما (٣) يظهر منه حين دعائي عليه؛ لأنَّه كان متعبّدًا بالظَّواهر وحساب النَّاس في البواطنِ إلى الله تعالى، وفي الحديثِ كمالُ شفَقته على أمَّته، وجميل خُلقه ، وجزاه عنَّا أفضلَ الجزاء بمنِّه وكرمهِ، وأماتنَا على محبَّته وسنَّته.

والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب».

(٣٥) (بابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ) جمع: فتنةٍ، وهي اسمٌ للامتحانِ والاختبار.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، مُخْتَلَفٌ فِي اسْمِهِ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ اسْمُهُ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ مِنَ الْأَقْرَانِ، وَوَلَدُهُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، فَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَذُرِّيَّتُهُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا هِيَ النَّسْلُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهِيَ مِنْ ذَرَأَ بِالْهَمْزِ، أَيْ: خَلَقَ، إِلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ سُهِّلَتْ؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مِنَ الذَّرِّ، أَيْ: خُلِقُوا أَمْثَالَ الذَّرِّ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مَهْمُوزَ الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِآلِ مُحَمَّدٍ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ؛ لِسُقُوطِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْآلِ غَيْرَ أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ أَوْ أَزْوَاجَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مِنْهُ، بَلْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَوَاضِحٌ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَزْوَاجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

٣٤ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً

٦٣٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً) كَذَا تَرْجَمَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِثْلَهُ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَوَّلِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، لَكِنْ قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ؛ شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ بِلَفْظِ أَوْ وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَيَانَ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ فَسَبَّهُمَا وَلَعَنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ لَهُ،

فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَفِيهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بأصلِ الصَّلاة لا القدر بالقدرِ، وهذا كما اختاروا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أنَّ (١) المراد: أصل الصِّيام لا كمِّيَّته ووقته، ومنها أنَّ هذه الصَّلاة الأمر بها للتَّكرار بالنِّسبة إلى كلِّ صلاةٍ في حقِّ كلِّ مصلٍّ، فإذا اقتصرَ في حقِّ كلِّ مصلٍّ على حصولِ صلاةٍ مساويةٍ للصَّلاة على إبراهيم ، كان الحاصلُ للنَّبيِّ بالنِّسبة إلى مجموعِ الصَّلوات أضعافًا مُضَاعفةً لا ينتهِي إليها الإحصاءُ، وأوردَ ابنُ دقيق العيد هنا سؤالًا فقال: التَّشبيه حاصلٌ بالنِّسبة إلى أصلِ هذه الصَّلاة والفرد منها، فإنَّ (٢) الإشكالَ واردٌ؟ وأجاب: بأنَّ الإشكالَ إنَّما يَرِدُ على تقديرِ أنَّ الأمرَ ليس للتَّكرار، وهو هنا للتَّكرار بالاتِّفاق، فالمطلوبُ من المجموعِ مقدار ما لا يُحصى من الصَّلوات بالنِّسبة إلى المقدارِ الحاصلِ لإبراهيمَ عليه صلواتُ الله وسلامه.

(٣٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً).

٦٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ، المعروف بابن الطَّبرانيِّ، كان أبوهُ من أهل طبرستان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (٣) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ) الفاء جزائيَّة والشَّرط

محذوفٌ (١) يدلُّ عليه السِّياق، أي: إن كنت سببت مؤمنًا، وفي مسلم من طريق ابن أخي ابن شهابٍ عن عمِّه -بهذا الإسناد-: «اللَّهمَّ إنِّي اتَّخذت عندك عهدًا لن تخلفنيْهِ، فأيُّما مؤمنٌ سببتُهُ أو جلدتُهُ … » ومن طريقِ أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببتُهُ، أو لعنتُهُ، أو جلدتهُ … » ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة، مثل رواية ابن أخي ابن شهابٍ، قال: «فأيُّ مؤمنٍ آذيته شتمتُهُ لعنتُهُ جلدتُهُ … » ومن طريق سالمٍ عن أبي هريرة: «اللَّهُمَّ إنَّما محمَّدٌ بشرٌ يغضبُ كما يغضَبُ البشرُ، وإنِّي قد اتَّخذتُ عندَكَ عهدًا … » الحديث. وفيه: «فأيُّما مؤمنٍ آذيتُهُ» ومن حديث عائشة قالتْ: دخلَ على رسولِ الله رجلان فكلَّماه بشيءٍ لا أدرِي ما هو فأغضباهُ فسبَّهما ولعنهمَا، فلمَّا خرجَا قلتُ له، فقال: «أَوَمَا علمتِ مَا شارطْتُ عليهِ ربِّي؟ قلتُ: اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ فأيُّ المسلمينَ لعنتُهُ، أو شتمتُهُ، أو سببتُهُ» (فَاجْعَلْ ذَلِكَ) السبَّ أو غيره ممَّا ذُكر (لَهُ قُرْبَةً) تقرِّبه بها (إِلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية ابن أخي الزُّهريِّ: «فاجعلْ ذلك كفَّارةً له يوم القيامة» وفي رواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فاجعلها له زكاةً ورحمةً» وفي رواية الأعرج: «فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً تقرِّبه بها إليك يوم القيامة». وفي حديث عائشة: «فاجعلهَا لهُ زكاةً وأجرًا». وفي حديث أنسٍ عند مسلم أيضًا: «إنَّما أنا بشرٌ أرضَى كما يرضَى البشرُ، وأغضَبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليهِ من أمَّتِي بدعوةٍ ليسَ لها بأهلٍ أن تجعلَهَا لهُ طهورًا وزكَاةً وقربَةً تقرِّبه بِهَا (٢) يومَ القيامَةِ»، وقوله: «ليسَ لها بأهلٍ» أي: عندك في باطن أمرهِ، لا في ظاهر ما (٣) يظهر منه حين دعائي عليه؛ لأنَّه كان متعبّدًا بالظَّواهر وحساب النَّاس في البواطنِ إلى الله تعالى، وفي الحديثِ كمالُ شفَقته على أمَّته، وجميل خُلقه ، وجزاه عنَّا أفضلَ الجزاء بمنِّه وكرمهِ، وأماتنَا على محبَّته وسنَّته.

والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب».

(٣٥) (بابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ) جمع: فتنةٍ، وهي اسمٌ للامتحانِ والاختبار.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله