«كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٦٧

الحديث رقم ٦٣٦٧ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من فتنة المحيا والممات.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ…

«كَانَ نَبِيُّ اللهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.»

بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ

إسناد حديث: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ…

٦٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي…

شرح حديث: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عَجَائِزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: صَدَقَتَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ شَيْخِ عُثْمَانَ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا فَيُضْبَطُ: وَذَكَرْتُ لَهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَتَا، وَقَوْلُهُ: تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَبَيَّنْتُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ جَزْمِهِ هُنَا بِتَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّتَيْنِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِغَيْرِ الْيَهُودِ اسْتَعَاذ مِنْهُ وَعَلَّمَهُ، وَأَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِيَكُونَ أَنْجَحَ فِي الْإِجَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ

٦٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) أَيْ: زَمَنِ الْحَيَاةِ، (وَالْمَمَاتِ) أَيْ: زَمَنِ الْمَوْتِ مِنْ أَوَّلِ النَّزْعِ، وَهَلُمَّ جَرًّا.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ وَالْبُخْلِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ وَالْهَرَمِ وَالْمُرَادُ بِهِ الزِّيَادَةُ فِي كِبَرِ السِّنِّ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ. وَأَمَّا فِتْنَةُ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَرْغَبَ إِلَى رَبِّهِ فِي رَفْعِ مَا نَزَلَ، وَدَفْعِ مَا لَمْ يَنْزِلْ، وَيَسْتَشْعِرَ الِافْتِقَارَ إِلَى رَبِّهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ دَفْعًا عَنْ أُمَّتِهِ وَتَشْرِيعًا لَهُمْ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ صِفَةَ الْمُهِمِّ مِنَ الْأَدْعِيَةِ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمُرَادِ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ فِي اخْتِبَارِ كَشْفِ مَا يُكْرَهُ، وَيُقَالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ إِذَا اخْتَبَرْتَهُ بِالنَّارِ لِتَنْظُرَ جَوْدَتَهُ، وَفِي الْغَفْلَةِ عَنِ الْمَطْلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قُلْتُ: وَاسْتُعْمِلَتْ أَيْضًا فِي الضَّلَالِ وَالْإِثْمِ وَالْكُفْرِ وَالْعَذَابِ وَالْفَضِيحَةِ، وَيُعْرَفُ الْمُرَادُ حَيْثُمَا وَرَدَ بِالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ.

٣٩ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ

٦٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا، وَكَذَا الرَّاءِ، وَالْمُثَلَّثَةِ، وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْمَأْثَمُ: مَا يَقْتَضِي الْإِثْمَ، وَالْمَغْرَمُ: مَا يَقْتَضِي الْغُرْمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ) فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) وَالْمُرَادُ الْإِثْمُ وَالْغَرَامَةُ، وَهِيَ مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ أَدَاؤُهُ كَالدَّيْنِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ - كَمَا مَضَى فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ -: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُكْثِرُ التَّعَوُّذَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ، وَقُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَقِفْ حِينَئِذٍ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ، ثُمَّ وَجَدْتُ تَفْسِيرَ الْمُبْهَمِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ لِلنَّسَائِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرَ مَا تَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، قَالَ: إِنَّهُ مَنْ غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ، فَعُرِفَ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) هِيَ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ، وَعَذَابُ الْقَبْرِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) هِيَ سُؤَالُ الْخَزَنَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: صَرَّحَ فِي فِتْنَةِ الْغِنَى بِذِكْرِ الشَّرِّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَضَرَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَضَرَّةِ غَيْرِهِ، أَوْ تَغْلِيظًا عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا فَيَغْفُلُوا عَنْ مَفَاسِدِهِ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ صُورَتَهُ لَا يَكُونُ فِيهَا خَيْرٌ، بِخِلَافِ صُورَةِ الْفَقْرِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ خَيْرًا، انْتَهَى. وَكُلُّ هَذَا غَفْلَةٌ عَنِ الْوَاقِعِ؛ فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظَ شَرِّ فِي الْأَصْلِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ مُفَرَّقًا عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْقَاطِ شَرِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ بِالشَّرِّ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خَيْرٌ بِاعْتِبَارٍ، فَالتَّقْيِيدُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ بِالشَّرِّ يُخْرِجُ مَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، سَوَاءٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِتْنَةُ الْغِنَى: الْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَحُبُّهُ، حَتَّى يَكْسِبَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ وَاجِبَاتِ إِنْفَاقِهِ وَحُقُوقِهِ، وَفِتْنَةُ الْفَقْرِ يُرَادُ بِهِ الْفَقْرُ الْمُدْقِعُ الَّذِي لَا يَصْحَبُهُ خَيْرٌ وَلَا وَرَعٌ، حَتَّى يَتَوَرَّطَ صَاحِبُهُ بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَلَا يُبَالِي بِسَبَبِ فَاقَتِهِ عَلَى أَيِّ حَرَامٍ وَثَبَ، وَلَا فِي أَيِّ حَالَةٍ تَوَرَّطَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فَقْرُ النَّفْسِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ مِلْكُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى وَلَا عَكْسِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَحِكْمَةُ الْعُدُولِ عَنِ الْمَاءِ الْحَارِّ إِلَى الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، مَعَ أَنَّ الْحَارَّ فِي الْعَادَةِ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ، الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ مَاءَانِ طَاهِرَانِ، لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي، وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَالُ، فَكَانَ ذِكْرُهُمَا آكَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ النَّارِ؛ لِكَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا فِي إِطْفَائِهَا وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدَ مِنْهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طَرْخان (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ نَبِيُّ اللهِ يَقُولُ) تشريعًا لأمَّته وتعليمًا لهم صفة المهمّ (١) من الأدعية: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) وهو عدمُ القدرة (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل والفتور والتَّواني عن الأمر (وَالجُبْنِ) ضدُّ: الشَّجاعة، ولأبي ذرٍّ (٢): «والبخل» بدل: «والجبن»، (وَالهَرَمِ) وهو أقصى الكِبَر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ممَّا يعرض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا، وشهواتها وجهالاتها، وأعظمها والعياذُ بالله أمر الخاتمةِ عند الموت (وَ) فتنة (المَمَاتِ) قيل: فتنة القبر كسؤال الملكَينِ، والمراد من شرِّ ذلك، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسبَّبًا عن ذلك، والسَّبب غير المسبَّب، وقيل: المراد: الفتنة قُبيل الموت، وأُضيفت إلى الموتِ لقربها منه، وحينئذٍ تكون فتنةُ المحيا قبل ذلك، وقيل غيرُ ذلك، و «المحيا» و «الممات» مصدران مجروران بالإضافة على وزن مفعل، ويصلحان للزَّمان والمكان والمصدر.

والحديثُ سبقَ في «الجهادِ» [خ¦٢٨٢٣] بهذا الإسنادِ والمتن.

(٣٩) (باب التَّعَوُّذِ مِنَ المَأْثَمِ) بفتح الميم والمثلثة بينهما همزة ساكنة (وَالمَغْرَمِ) بفتح الميم والراء بينهما غين معجمة ساكنة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عَجَائِزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: صَدَقَتَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ شَيْخِ عُثْمَانَ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا فَيُضْبَطُ: وَذَكَرْتُ لَهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَتَا، وَقَوْلُهُ: تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى، وَبَيَّنْتُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ جَزْمِهِ هُنَا بِتَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّتَيْنِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِغَيْرِ الْيَهُودِ اسْتَعَاذ مِنْهُ وَعَلَّمَهُ، وَأَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِيَكُونَ أَنْجَحَ فِي الْإِجَابَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ

٦٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) أَيْ: زَمَنِ الْحَيَاةِ، (وَالْمَمَاتِ) أَيْ: زَمَنِ الْمَوْتِ مِنْ أَوَّلِ النَّزْعِ، وَهَلُمَّ جَرًّا.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ وَالْبُخْلِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ وَالْهَرَمِ وَالْمُرَادُ بِهِ الزِّيَادَةُ فِي كِبَرِ السِّنِّ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ. وَأَمَّا فِتْنَةُ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَرْغَبَ إِلَى رَبِّهِ فِي رَفْعِ مَا نَزَلَ، وَدَفْعِ مَا لَمْ يَنْزِلْ، وَيَسْتَشْعِرَ الِافْتِقَارَ إِلَى رَبِّهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ دَفْعًا عَنْ أُمَّتِهِ وَتَشْرِيعًا لَهُمْ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ صِفَةَ الْمُهِمِّ مِنَ الْأَدْعِيَةِ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمُرَادِ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ، وَاسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ فِي اخْتِبَارِ كَشْفِ مَا يُكْرَهُ، وَيُقَالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ إِذَا اخْتَبَرْتَهُ بِالنَّارِ لِتَنْظُرَ جَوْدَتَهُ، وَفِي الْغَفْلَةِ عَنِ الْمَطْلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قُلْتُ: وَاسْتُعْمِلَتْ أَيْضًا فِي الضَّلَالِ وَالْإِثْمِ وَالْكُفْرِ وَالْعَذَابِ وَالْفَضِيحَةِ، وَيُعْرَفُ الْمُرَادُ حَيْثُمَا وَرَدَ بِالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ.

٣٩ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ

٦٣٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِيهِمَا، وَكَذَا الرَّاءِ، وَالْمُثَلَّثَةِ، وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْمَأْثَمُ: مَا يَقْتَضِي الْإِثْمَ، وَالْمَغْرَمُ: مَا يَقْتَضِي الْغُرْمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ) فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) وَالْمُرَادُ الْإِثْمُ وَالْغَرَامَةُ، وَهِيَ مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ أَدَاؤُهُ كَالدَّيْنِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ - كَمَا مَضَى فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ -: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُكْثِرُ التَّعَوُّذَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ، وَقُلْتُ: إِنِّي لَمْ أَقِفْ حِينَئِذٍ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ، ثُمَّ وَجَدْتُ تَفْسِيرَ الْمُبْهَمِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ لِلنَّسَائِيِّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرَ مَا تَتَعَوَّذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، قَالَ: إِنَّهُ مَنْ غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ، فَعُرِفَ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) هِيَ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ، وَعَذَابُ الْقَبْرِ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) هِيَ سُؤَالُ الْخَزَنَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: صَرَّحَ فِي فِتْنَةِ الْغِنَى بِذِكْرِ الشَّرِّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَضَرَّتَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَضَرَّةِ غَيْرِهِ، أَوْ تَغْلِيظًا عَلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا فَيَغْفُلُوا عَنْ مَفَاسِدِهِ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ صُورَتَهُ لَا يَكُونُ فِيهَا خَيْرٌ، بِخِلَافِ صُورَةِ الْفَقْرِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ خَيْرًا، انْتَهَى. وَكُلُّ هَذَا غَفْلَةٌ عَنِ الْوَاقِعِ؛ فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ لَفْظَ شَرِّ فِي الْأَصْلِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَرَهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ مُفَرَّقًا عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْقَاطِ شَرِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ بِالشَّرِّ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ خَيْرٌ بِاعْتِبَارٍ، فَالتَّقْيِيدُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ بِالشَّرِّ يُخْرِجُ مَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، سَوَاءٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِتْنَةُ الْغِنَى: الْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَحُبُّهُ، حَتَّى يَكْسِبَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ وَاجِبَاتِ إِنْفَاقِهِ وَحُقُوقِهِ، وَفِتْنَةُ الْفَقْرِ يُرَادُ بِهِ الْفَقْرُ الْمُدْقِعُ الَّذِي لَا يَصْحَبُهُ خَيْرٌ وَلَا وَرَعٌ، حَتَّى يَتَوَرَّطَ صَاحِبُهُ بِسَبَبِهِ فِيمَا لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَلَا يُبَالِي بِسَبَبِ فَاقَتِهِ عَلَى أَيِّ حَرَامٍ وَثَبَ، وَلَا فِي أَيِّ حَالَةٍ تَوَرَّطَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فَقْرُ النَّفْسِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ مِلْكُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى وَلَا عَكْسِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي بَابِ الدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ.

قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَحِكْمَةُ الْعُدُولِ عَنِ الْمَاءِ الْحَارِّ إِلَى الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، مَعَ أَنَّ الْحَارَّ فِي الْعَادَةِ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ، الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ مَاءَانِ طَاهِرَانِ، لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي، وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَالُ، فَكَانَ ذِكْرُهُمَا آكَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ النَّارِ؛ لِكَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَيْهَا فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا فِي إِطْفَائِهَا وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدَ مِنْهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طَرْخان (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ نَبِيُّ اللهِ يَقُولُ) تشريعًا لأمَّته وتعليمًا لهم صفة المهمّ (١) من الأدعية: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) وهو عدمُ القدرة (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل والفتور والتَّواني عن الأمر (وَالجُبْنِ) ضدُّ: الشَّجاعة، ولأبي ذرٍّ (٢): «والبخل» بدل: «والجبن»، (وَالهَرَمِ) وهو أقصى الكِبَر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ممَّا يعرض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا، وشهواتها وجهالاتها، وأعظمها والعياذُ بالله أمر الخاتمةِ عند الموت (وَ) فتنة (المَمَاتِ) قيل: فتنة القبر كسؤال الملكَينِ، والمراد من شرِّ ذلك، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسبَّبًا عن ذلك، والسَّبب غير المسبَّب، وقيل: المراد: الفتنة قُبيل الموت، وأُضيفت إلى الموتِ لقربها منه، وحينئذٍ تكون فتنةُ المحيا قبل ذلك، وقيل غيرُ ذلك، و «المحيا» و «الممات» مصدران مجروران بالإضافة على وزن مفعل، ويصلحان للزَّمان والمكان والمصدر.

والحديثُ سبقَ في «الجهادِ» [خ¦٢٨٢٣] بهذا الإسنادِ والمتن.

(٣٩) (باب التَّعَوُّذِ مِنَ المَأْثَمِ) بفتح الميم والمثلثة بينهما همزة ساكنة (وَالمَغْرَمِ) بفتح الميم والراء بينهما غين معجمة ساكنة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4 / 29.5
الإضاءة 17%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل