الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٨٦
الحديث رقم ٦٣٨٦ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء للمتزوج.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَوْلُهُ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا فِي سَفَرِ الْغَزْوِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِسَفَرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
قَوْلُهُ (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يُرِيدُ نَفْسَهُ. قَوْلُهُ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَحْزَابِ هُنَا، فَقِيلَ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا أَيْ تَجَمَّعُوا فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ وَقَدْ مَضَى خَبَرُهُمْ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ بَعْدِ الْخَنْدَقِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ مَحْصُورَةٌ، وَالْمُطَابِقُ مِنْهَا لِذَلِكَ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، وَفِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الْآيَةَ. وَالْأَصْلُ فِي الْأَحْزَابِ أَنَّهُ جَمْعُ حِزْبٍ وَهُوَ الْقِطْعَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنَ النَّاسِ، فَاللَّامُ إِمَّا جِنْسِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَحَزَّبَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِمَّا عَهْدِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أَيِ اللَّهُمَّ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
٥٣ - بَاب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ
٦٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَهْيَمْ - أَوْ مَهْ - قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
٦٣٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ - أَوْ تِسْعَ - بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّب، قَالَ: هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟ قُلْتُ: هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ سَبْعَ - أَوْ تِسْعَ - بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ. لَمْ يَقُلْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ (بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ) فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَزْوِيجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَوْلُهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ مَهْيَمْ أَوْ مَهْ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ الْجَزْمُ بِالْأَوَّلِ، وَمَعْنَاهُ مَا حَالُكَ، وَمَهْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ انْقَلَبَتِ الْأَلِفُ هَاءً.
وحَدِيثُ جَابِرٍ فِي تَزْوِيجِهِ الثَّيِّبَ وَفِيهِ هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أيضا فِي النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ انْتَصَبَ عَلَى حَذْفِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أَتَزَوَّجْتَ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ قُلْتُ ثَيِّبٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلًا الَّتِي تَزَوَّجْتُهَا ثَيِّبٌ، قِيلَ: وَكَانَ الْأَحْسَنُ النَّصْبَ عَلَى نَسْقِ الْأَوَّلِ أَيْ تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. قُلْتُ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا فَكُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ أَوْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال (١): (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي (٢): ابنُ درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁ (أَثَرَ صُفْرَةٍ) من الطِّيب الَّذي استعمله عندَ الزَّفاف (فَقَالَ) له: (مَهْيَمْ) بفتح الميم والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره ميم ساكنة على البناءِ. قال ابنُ السِّيْد: كلمةٌ يمانيةٌ يُقيمونها مقام حرفِ الاستفهام، والشَّيء المستفهم (٣) عنه، وهل هي بسيطةٌ أو مركَّبةٌ؟ استبعد الثَّاني بأنَّه لا يكادُ يوجد اسمٌ مركَّبٌ على أربعةِ أحرفٍ، أي: ما شأنك (أَوْ) قال (٤): (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، فـ «ما» استفهاميَّة قُلِبت ألفها هاءً، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) عبد الرحمن: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ) اسمٌ لقدرٍ معروفٍ عندهم، فسَّروه بخمسةِ دراهم (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لنواةٍ (فَقَالَ) ﷺ له (٥): (بَارَكَ اللهُ لَكَ) واللَّام هنا لامُ الاختصاص (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) أمرٌ من أولم، والوليمة فعيلةٌ من الولم، وهو الجمع لأنَّ الزَّوجين يجتمعان، ثمَّ نُقِلت في الشَّرع لطعامِ العرس، و «لو» -كما قال ابنُ دقيق العيد- تفيد التَّقليل، أي: اصنعْ وليمةً، وإنْ قلت: وقيل: بمعنى التَّمنِّي (٦).
والحديثُ سبق في «البيع» [خ¦٢٠٤٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٥٣] وغيرهما.
٦٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضل المشهور: بعارمٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ (﵁) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ) لم أقفْ على أسمائهنَّ (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (بِكْرًا) استفهامٌ محذوفُ الأداة منصوبٌ بتقدير: تزوَّجتَ؛ ولأبي ذرٍّ: «أبكرًا» (أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّبًا) كذا في «اليونينيَّة» بالنَّصب، وفي نسخةٍ: بالرفع، أي: الَّتي تزوَّجتها ثيِّبٌ. قال في «الفتح»: قيل: كان الأحسن النَّصب على نسقِ الأوَّل، أي: تزوَّجت ثيِّبًا، لكن لا يمتنع أن يكون منصوبًا، فكتب بغير ألفٍ (١) على تلك اللُّغة (قَالَ) ﷺ: (هَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) كذا في الفرع، وقال العينيُّ كابن حجرٍ: «أو تضاحكها» بالشَّكِّ من الرَّاوي، كذا وجدته في نسخةٍ أخرى معتمدة، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» والتَّلاعب هل هو من اللَّعب، أو من اللُّعاب، سبق في محلِّه [خ¦٢٠٩٧] (قُلْتُ): يا رسول الله (هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وترك» (سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ) صغيرة لا تجربة لها بالأمور (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قد جرَّبت الأمور وعرفتها (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ) وتصلحُ شأنهنَّ (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَبَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ) دعاءٌ له (٢) بالبركةِ واستعلائها عليه، وهي النَّماء والزِّيادة. يقال: بارك الله لك وفيك وعليك.
فإن قلتَ: قال لعبد الرحمن: «بارك الله لك» [خ¦٦٣٨٦] ولجابرٍ: «عليك» فهل بينهما فرقٌ؟ أُجيب بأنَّ المراد بالأوَّل: اختصاصُه بالبركةِ في زوجتهِ، كما مرَّ أنَّ اللَّام فيه للاختصاصِ، والثَّاني: شمولُ البركةِ له في جودةِ عقله حيث قدَّم مصلحة أخواته على حظِّ نفسهِ، فعدل لأجلهنَّ عن تزوُّج البكرِ مع كونها أرفعُ رتبةً للمتزوِّج الشَّابّ من الثَّيِّب غالبًا، ويحتملُ أن يكون قوله: «فبارك الله عليك» خبرًا، والفاء سببيَّة، أي: بسبب تزوُّجك الثَّيِّب (٣) لما (٤) ذكرت يبارك لك وعليك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَوْلُهُ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا فِي سَفَرِ الْغَزْوِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِسَفَرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
قَوْلُهُ (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يُرِيدُ نَفْسَهُ. قَوْلُهُ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْأَحْزَابِ هُنَا، فَقِيلَ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا أَيْ تَجَمَّعُوا فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَنَزَلَتْ فِي شَأْنِهِمْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ وَقَدْ مَضَى خَبَرُهُمْ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَقِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ بَعْدِ الْخَنْدَقِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ مَحْصُورَةٌ، وَالْمُطَابِقُ مِنْهَا لِذَلِكَ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، وَفِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الْآيَةَ. وَالْأَصْلُ فِي الْأَحْزَابِ أَنَّهُ جَمْعُ حِزْبٍ وَهُوَ الْقِطْعَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنَ النَّاسِ، فَاللَّامُ إِمَّا جِنْسِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَحَزَّبَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِمَّا عَهْدِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ مَنْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أَيِ اللَّهُمَّ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
٥٣ - بَاب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ
٦٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَهْيَمْ - أَوْ مَهْ - قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.
٦٣٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ - أَوْ تِسْعَ - بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّب، قَالَ: هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟ قُلْتُ: هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ سَبْعَ - أَوْ تِسْعَ - بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ. لَمْ يَقُلْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ (بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ) فِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَزْوِيجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَوْلُهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ مَهْيَمْ أَوْ مَهْ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ الْجَزْمُ بِالْأَوَّلِ، وَمَعْنَاهُ مَا حَالُكَ، وَمَهْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ انْقَلَبَتِ الْأَلِفُ هَاءً.
وحَدِيثُ جَابِرٍ فِي تَزْوِيجِهِ الثَّيِّبَ وَفِيهِ هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أيضا فِي النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ فِيهِ تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ انْتَصَبَ عَلَى حَذْفِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ أَتَزَوَّجْتَ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ قُلْتُ ثَيِّبٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مَثَلًا الَّتِي تَزَوَّجْتُهَا ثَيِّبٌ، قِيلَ: وَكَانَ الْأَحْسَنُ النَّصْبَ عَلَى نَسْقِ الْأَوَّلِ أَيْ تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. قُلْتُ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا فَكُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ أَوْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال (١): (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي (٢): ابنُ درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁ (أَثَرَ صُفْرَةٍ) من الطِّيب الَّذي استعمله عندَ الزَّفاف (فَقَالَ) له: (مَهْيَمْ) بفتح الميم والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره ميم ساكنة على البناءِ. قال ابنُ السِّيْد: كلمةٌ يمانيةٌ يُقيمونها مقام حرفِ الاستفهام، والشَّيء المستفهم (٣) عنه، وهل هي بسيطةٌ أو مركَّبةٌ؟ استبعد الثَّاني بأنَّه لا يكادُ يوجد اسمٌ مركَّبٌ على أربعةِ أحرفٍ، أي: ما شأنك (أَوْ) قال (٤): (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، فـ «ما» استفهاميَّة قُلِبت ألفها هاءً، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) عبد الرحمن: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ) اسمٌ لقدرٍ معروفٍ عندهم، فسَّروه بخمسةِ دراهم (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لنواةٍ (فَقَالَ) ﷺ له (٥): (بَارَكَ اللهُ لَكَ) واللَّام هنا لامُ الاختصاص (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) أمرٌ من أولم، والوليمة فعيلةٌ من الولم، وهو الجمع لأنَّ الزَّوجين يجتمعان، ثمَّ نُقِلت في الشَّرع لطعامِ العرس، و «لو» -كما قال ابنُ دقيق العيد- تفيد التَّقليل، أي: اصنعْ وليمةً، وإنْ قلت: وقيل: بمعنى التَّمنِّي (٦).
والحديثُ سبق في «البيع» [خ¦٢٠٤٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٥٣] وغيرهما.
٦٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضل المشهور: بعارمٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ (﵁) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ) لم أقفْ على أسمائهنَّ (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ: تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (بِكْرًا) استفهامٌ محذوفُ الأداة منصوبٌ بتقدير: تزوَّجتَ؛ ولأبي ذرٍّ: «أبكرًا» (أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّبًا) كذا في «اليونينيَّة» بالنَّصب، وفي نسخةٍ: بالرفع، أي: الَّتي تزوَّجتها ثيِّبٌ. قال في «الفتح»: قيل: كان الأحسن النَّصب على نسقِ الأوَّل، أي: تزوَّجت ثيِّبًا، لكن لا يمتنع أن يكون منصوبًا، فكتب بغير ألفٍ (١) على تلك اللُّغة (قَالَ) ﷺ: (هَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) كذا في الفرع، وقال العينيُّ كابن حجرٍ: «أو تضاحكها» بالشَّكِّ من الرَّاوي، كذا وجدته في نسخةٍ أخرى معتمدة، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» والتَّلاعب هل هو من اللَّعب، أو من اللُّعاب، سبق في محلِّه [خ¦٢٠٩٧] (قُلْتُ): يا رسول الله (هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وترك» (سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ) صغيرة لا تجربة لها بالأمور (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قد جرَّبت الأمور وعرفتها (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ) وتصلحُ شأنهنَّ (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَبَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ) دعاءٌ له (٢) بالبركةِ واستعلائها عليه، وهي النَّماء والزِّيادة. يقال: بارك الله لك وفيك وعليك.
فإن قلتَ: قال لعبد الرحمن: «بارك الله لك» [خ¦٦٣٨٦] ولجابرٍ: «عليك» فهل بينهما فرقٌ؟ أُجيب بأنَّ المراد بالأوَّل: اختصاصُه بالبركةِ في زوجتهِ، كما مرَّ أنَّ اللَّام فيه للاختصاصِ، والثَّاني: شمولُ البركةِ له في جودةِ عقله حيث قدَّم مصلحة أخواته على حظِّ نفسهِ، فعدل لأجلهنَّ عن تزوُّج البكرِ مع كونها أرفعُ رتبةً للمتزوِّج الشَّابّ من الثَّيِّب غالبًا، ويحتملُ أن يكون قوله: «فبارك الله عليك» خبرًا، والفاء سببيَّة، أي: بسبب تزوُّجك الثَّيِّب (٣) لما (٤) ذكرت يبارك لك وعليك.