«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٩٠

الحديث رقم ٦٣٩٠ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من فتنة الدنيا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم…

«كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ.»

سند حديث: ٦٣٩٠ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي…

٦٣٩٠ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم…

هذا الحديث يعد من جوامع الكلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالمعاني الجامعة في كلمات يسيرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ فيه من جملة آفات وشرور تعوق حركة سير العبد إلى الله، فتعوذ النبي -صلى الله صلى الله عليه وسلم- من:
"العجز والكسل": وهما قرينان من معوقات الحركة؛ وعدم الفعل إما ان يكون بسبب ضعف الهمة وقلة الإراده فهو: الكسل، فالكسلان من أضعف الناس همة، وأقلهم رغبة، وقد يكون عدم الفعل لعدم قدرة العبد فهو: العجز.
و"الجبن والبخل": وهما من موانع الواجب والإحسان، فالجبن يضعف قلب الإنسان فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لضعف قلبه وتعلقه بالناس دون رب الناس.
والبخل يدعو صاحبه للإمساك في موضع الإنفاق، فلا يعطى حق الخالق من زكوات، ولا حق المخلوق من النفقات، فهو مبغوض عند الناس وعند الله.
"والهرم": هو بلوغ الشخص أرذل العمر، فالإنسان إذا بلغ أرذل العمر فقد كثيرا من حواسه، وخارت قواه، فلا يستطيع عبادة الله تعالى ، ولا يجلب لأهله نفعا.
ثم استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، وعذاب القبر حق، ولذا شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من عذابه في كل صلاة.
ثم التعوذ من فتنة المحيا والممات ليشمل الدارين، ففتنة المحيا مصائبها وابتلاءاتها، "وفتنة الممات" بأن يخشى على نفسه سوء الخاتمة وشؤم العاقبة، وفتنة الملكين في القبر وغيرهما.
وفي رواية :" وضلع الدين وغلبة الرجال" فكلاهما من القهر، فضلع الدين شدته وثقله ولا معين له فيه، فهو قهر للرجل ولكن بحق، و"غلبة الرجال" أي: تسلطهم، وهو القهر بالباطل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسية، وبدنية، وخارجية، والحديث مشتمل على الاستعاذة منها جميعا.
  • العجز والكسل قرينان: فإن تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره إما أن يكون مصدره: أ‌-عدم القدرة، فهو عجز.ب‌-أو يكون قادرا عليه لكن تخلف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبه يلام عليه ما لا يلام على العجز.
  • الإحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فمانع الأول: بخيل، ومانع الثاني: جبان، ولذلك استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجبن والبخل.
  • إثبات عذاب القبر، ومشروعية التعوذ من فتنته.
  • القهر الذي ينال العبد نوعان: أ‌-قهر بحق: وهو ضلع الدين .ب‌-قهر بباطل: وهو غلبة الرجال.
  • اللجوء إلى الله -تعالى- طلبا للنجاة من هذه الشرور، والتحذير من الوقوع فيها.
  • في هذا الحديث يُعلِّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته كيفية الاستعاذة بالله -تعالى- القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بالله -تعالى- تحقق عدة فوائد من أهمها: أ-أنها عبادة محبوبة لله -تعالى-. ب-يستشعر العبد في الاستعاذة الافتقار إلى الله -تعالى- القادر في كل أمر وإن دق.ج-أنها تحقق للعبد الأمن من كل ما يخشاه.د-أنها تحقق له الأمن النفسي من خلال الشعور بالطمأنينة، وهذا الحديث يؤكد هذا المعنى.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تعلم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عِيَاضٌ: إِنَّمَا كَانَ يُكْثِرُ الدُّعَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِجَمْعِهَا مَعَانِيَ الدُّعَاءِ كُلِّهِ، مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ: وَالْحَسَنَةُ عِنْدَهُمْ هَاهُنَا النِّعْمَةُ، فَسَأَلَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْوِقَايَةَ مِنَ الْعَذَابِ، نَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامِهِ. قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنَةِ، فَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هِيَ الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ فِي الدُّنْيَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَعَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ وَالْعِلْمُ النَّافِعُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ.

وَتَفْسِيرُ الْحَسَنَةِ فِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: يَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ لِدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ. وَعَنْ قَتَادَةَ: هِيَ الْعَافِيَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَنَحْوُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا الرِّزْقُ الطَّيِّبُ وَالْعِلْمُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا الْمُنَى، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمَالُ. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلٍ: حَسَنَةُ الدُّنْيَا الرِّزْقُ الْحَلَالُ الْوَاسِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ. وَعَنْ عَطِيَّةَ: حَسَنَةُ الدُّنْيَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ تَيْسِيرُ الْحِسَابِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ. وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَوْفٍ قَالَ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَالْأَهْلَ وَالْمَالَ وَالْوَلَدَ فَقَدْ آتَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ سَلَفِ الصُّوفِيَّةِ أَقْوَالًا أُخْرَى مُتَغَايِرَةَ اللَّفْظِ مُتَوَافِقَةَ الْمَعْنَى، حَاصِلُهَا السَّلَامَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ. وَاقْتَصَرَ الْكَشَّافُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهَا فِي الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْحَوْرَاءُ، وَعَذَابُ النَّارِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ وَدَارٍ رَحْبَةٍ وَزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ وَوَلَدٍ بَارٍّ وَرِزْقٍ وَاسِعٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَمَرْكَبٍ هَنِيءٍ وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتُهُمْ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَاهَا دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَتَوَابِعُهُ مِنَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فِي الْعَرَصَاتِ وَتَيْسِيرِ الْحِسَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْوِقَايَةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ. قُلْتُ: أَوِ الْعَفْوِ مَحْضًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَتَوَابِعُهُ مَا يَلْتَحِقُ بِهِ فِي الذِّكْرِ، لَا مَا يَتْبَعُهُ حَقِيقَةً.

٥٦ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا

٦٣٩٠ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ، هو ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ.

قَوْلُهُ (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ضِمْنَ تَرْجَمَةٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ أَيْضًا.

٥٧ - بَاب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ

٦٣٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء، ممدودًا، و «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الراء، أبو القاسم الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة (ابْنُ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن» (حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة (١) مصغَّرًا، الضَّبيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين المهملة مصغَّرًا (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعْد، بسكون العين () أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ) أي: الخمس (كَمَا تُعَلَّمُ الكِتَابَةُ) بضم الفوقية وفتح العين واللام المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢): «الكتاب» بإسقاط هاء التَّأنيث، وهي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) الَّذي هو ضدُّ الكرم (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) الَّذي هو ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «من أن» (نُرَدَّ) بالنون، وفي «باب الاستعاذة من أرذل العمر»: «مَن أن أُردَّ» [خ¦٦٣٧٤] بالهمزة بدل النون (إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) وهو الهرمُ المؤدِّي إلى الخرفِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) فتنة المسيحِ الدَّجَّال، أو أعمُّ (وَ) من (عَذَابِ القَبْرِ).

وسبق الحديثُ قريبًا في الباب المذكور [خ¦٦٣٧٤].

(٥٧) (باب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ) مرَّةً بعد أخرى؛ لإظهار الفقر والحاجة إلى الرَّبِّ تعالى وخضوعًا وتذلُّلًا له (٣).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عِيَاضٌ: إِنَّمَا كَانَ يُكْثِرُ الدُّعَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِجَمْعِهَا مَعَانِيَ الدُّعَاءِ كُلِّهِ، مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ: وَالْحَسَنَةُ عِنْدَهُمْ هَاهُنَا النِّعْمَةُ، فَسَأَلَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْوِقَايَةَ مِنَ الْعَذَابِ، نَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَدَوَامِهِ. قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنَةِ، فَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هِيَ الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ فِي الدُّنْيَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَعَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ وَالْعِلْمُ النَّافِعُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ.

وَتَفْسِيرُ الْحَسَنَةِ فِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: يَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ لِدُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ. وَعَنْ قَتَادَةَ: هِيَ الْعَافِيَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَنَحْوُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا الرِّزْقُ الطَّيِّبُ وَالْعِلْمُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا الْمُنَى، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْمَالُ. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلٍ: حَسَنَةُ الدُّنْيَا الرِّزْقُ الْحَلَالُ الْوَاسِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ. وَعَنْ عَطِيَّةَ: حَسَنَةُ الدُّنْيَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ تَيْسِيرُ الْحِسَابِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ. وَبِسَنَدِهِ عَنْ عَوْفٍ قَالَ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَالْأَهْلَ وَالْمَالَ وَالْوَلَدَ فَقَدْ آتَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. وَنَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ سَلَفِ الصُّوفِيَّةِ أَقْوَالًا أُخْرَى مُتَغَايِرَةَ اللَّفْظِ مُتَوَافِقَةَ الْمَعْنَى، حَاصِلُهَا السَّلَامَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ. وَاقْتَصَرَ الْكَشَّافُ عَلَى مَا نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهَا فِي الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْحَوْرَاءُ، وَعَذَابُ النَّارِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ وَدَارٍ رَحْبَةٍ وَزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ وَوَلَدٍ بَارٍّ وَرِزْقٍ وَاسِعٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَمَرْكَبٍ هَنِيءٍ وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتُهُمْ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَاهَا دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَتَوَابِعُهُ مِنَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فِي الْعَرَصَاتِ وَتَيْسِيرِ الْحِسَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْوِقَايَةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ. قُلْتُ: أَوِ الْعَفْوِ مَحْضًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَتَوَابِعُهُ مَا يَلْتَحِقُ بِهِ فِي الذِّكْرِ، لَا مَا يَتْبَعُهُ حَقِيقَةً.

٥٦ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا

٦٣٩٠ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ، هو ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ.

قَوْلُهُ (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ضِمْنَ تَرْجَمَةٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ أَيْضًا.

٥٧ - بَاب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ

٦٣٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء، ممدودًا، و «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الراء، أبو القاسم الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة (ابْنُ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن» (حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة (١) مصغَّرًا، الضَّبيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين المهملة مصغَّرًا (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعْد، بسكون العين () أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ) أي: الخمس (كَمَا تُعَلَّمُ الكِتَابَةُ) بضم الفوقية وفتح العين واللام المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢): «الكتاب» بإسقاط هاء التَّأنيث، وهي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) الَّذي هو ضدُّ الكرم (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) الَّذي هو ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «من أن» (نُرَدَّ) بالنون، وفي «باب الاستعاذة من أرذل العمر»: «مَن أن أُردَّ» [خ¦٦٣٧٤] بالهمزة بدل النون (إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) وهو الهرمُ المؤدِّي إلى الخرفِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) فتنة المسيحِ الدَّجَّال، أو أعمُّ (وَ) من (عَذَابِ القَبْرِ).

وسبق الحديثُ قريبًا في الباب المذكور [خ¦٦٣٧٤].

(٥٧) (باب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ) مرَّةً بعد أخرى؛ لإظهار الفقر والحاجة إلى الرَّبِّ تعالى وخضوعًا وتذلُّلًا له (٣).

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله