الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٩٧
الحديث رقم ٦٣٩٧ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء للمشركين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ
٦٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ يَسِيرٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَتُوبِعَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٩ - بَاب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ
٦٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ.
قَوْلُهُ (بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، لَكِنْ زَادَ بِالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ وَالدُّعَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالدُّعَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَّهُ بِاعْتِبَارَيْنِ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُشْرِكِينَ نَاسِخٌ لِلدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾. قَالَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنْ لَا نَسْخَ وَأَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ جَائِزٌ وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى تَأَلُّفُهُمْ وَدُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَوَازَ حَيْثُ يَكُونُ فِي الدُّعَاءِ مَا يَقْتَضِي زَجْرَهُمْ عَنْ تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْمَنْعَ حَيْثُ يَقَعُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْهِدَايَةِ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - الْعَفْوُ عَمَّا جَنَوْهُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، لَا مَحْوُ ذُنُوبِهِمْ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ ذَنْبَ الْكُفْرِ لَا يُمْحَى، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اغْفِرْ لَهُمْ اهْدِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، الَّذِي تَصِحُّ مَعَهُ الْمَغْفِرَةُ، أَوِ الْمَعْنَى: اغْفِرْ لَهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٠ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ.
٦٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وجدي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى. عَنْ أَبِيهِ. عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
[الحديث ٦٣٩٨ - طرفه في: ٦٣٩٩]
٦٣٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي بُرْدَةَ، أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وخطئي
وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ). كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْهُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيقَ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَقِبَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ وَعَكَسَ مُسْلِمٌ فَصَدَّرَ بِطَرِيقِ مُعَاذٍ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِطَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، صَالِحٌ. قُلْتُ: وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْثِيقِ لَكِنَّهَا مِنَ الرُّتْبَةِ الْأَخِيرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ: إِنَّ مَنْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلِاعْتِبَارِ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ اتِّفَاقَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَابَعَهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ مِنَ الْأَثْبَاتِ، وَوَقَعَ فِي الْإِرْشَادِ لَلْخَلِيلِيِّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: مُتَّهَمٌ بِسَرِقَةِ الْحَدِيثِ. حَكَاهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ، وَقَالَ: هُوَ الْمِسْمَعِيُّ مِصْرِيٌّ صَدُوقٌ، خَرَّجَ لَهُ صَاحِبُ الصَّحِيحِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمِسْمَعِيِّ فَإِنَّ الصَّنْعَانِيَّ إِمَّا مِنْ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ أَوْ صَنْعَاءِ دِمَشْقَ. وَهَذَا بَصْرِيٌّ قَطْعًا، فَافْتَرَقَا.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى) هَكَذَا جَاءَ مُبْهَمًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ فَذَكَرَهُ، وَسَمَّاهُ مُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ .. إِلَخْ) أَخْرَجُهُ مُسْلِمٌ بِصَرِيحِ التَّحْدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ بِهِ وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ فِي السَّنَدِ عِلَّةً أُخْرَى فَقَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْحُفَّاظِ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا تَعْلِيلٌ غَيْرُ قَادِحٍ، فَإِنَّ شُعْبَةَ كَانَ لَا يَرْوِي عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ: (إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي بُرْدَةَ، أَحْسَبُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) لَمْ أَجِدْ طَرِيقَ إِسْرَائِيلَ هَذِهِ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَضَاقَتْ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَأَفَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ شُرَيْكًا، وَأَشْعَثَ، وَقَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ وَقَعَتْ لِي طَرِيقُ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْهرَوِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي بُرْدَةَ، ابني أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِمَا وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى.
قُلْتُ: وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ابن يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي حَدِيثِ جَدِّهِ.
(تَنْبِيهٌ) حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أن فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ بِالتَّكْبِيرِ، قلت: وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ، وَكَذَا حَكَى أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِتَأْخِيرِ الْمِيمِ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا، وَهَذَا هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ مَشْهُورٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ.
قَوْلُهُ (أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ) لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَحَلَّ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مُعْظَمُ آخِرِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ
ﷺ كَانَ يَقُولُهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلُ، وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ هَلْ كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ .. إِلَخْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْتُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي) الْخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، يُقَالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ، وَيَجُوزُ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ، فَيُقَالُ خَطِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ (وَجَهْلِي) الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ (وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ) الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِسْرَافِ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ (اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ خَطَئِي وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالسَّنَدِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِذِكْرِ الْعَمْدِ، وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الرُّوَاةِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيئَةٍ وَعَطْفُ الْعَمْدِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَنْ خَطَأٍ وَعَنْ عَمْدٍ أَوْ هُوَ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ الْعَامَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ (وَجَهْلِي وَجِدِّي) وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَهُوَ أَنْسَبُ وَالْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ ضِدُّ الْهَزْلِ.
قَوْلُهُ (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) أَيْ مَوْجُودٌ أَوْ مُمْكِنٌ.
قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ .. إِلَخْ) تَقَدَّمَ سِرُّ الْمُرَادِ بِهِ وَبَيَانُ تَأْوِيلِهِ. قَوْلُهُ (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ .. إِلَخْ.
قَوْلُهُ (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدِ أَنِ اسْتَشْكَلَ صُدُورَ هَذَا الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَسُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، قَالَ: وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ اسْتِغْفَارَهُ عَمَّا يَقَعُ بِطَرِيقِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ أَوْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِمَّا لَا يُصَادِفُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُؤَاخَذُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُونَ أَشَدَّ حَالًا مِنْ أُمَمِهِمْ، وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ. قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ لِلَّهِ خَوْفًا مِمَّنْ دُونَهُمْ، وَخَوْفُهُمْ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ لَا مِنَ الذَّنْبِ الْمُحَقَّقِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَقَوْلُهُ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ وَالشُّكْرِ لِرَبِّهِ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ.
وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْ غَفْلَةٍ أَوْ سَهْوٍ، وَقِيلَ: عَلَى مَا مَضَى قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: وُقُوعُ الصَّغِيرَةِ جَائِزٌ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي آيَةِ الْفَتْحِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ أَيْ مِنْ ذَنْبِ أَبِيكَ آدَمَ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أَيْ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وُقُوعُ الْخَطِيئَةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ جَائِزٌ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فَيَخَافُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ وَيَتَعَوَّذُونَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ لِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ
(تَكْمِيل): نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِمُغْلَطَايْ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، دُعَاءٌ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَدُخُولُ النَّارِ يُنَافِي الْغُفْرَانَ. وَتُعُقِّبَ بِالْمَنْعِ وَأَنَّ الْمُنَافِيَ لِلْغُفْرَانِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الْإِخْرَاجُ بِالشَّفَاعَةِ أَوِ الْعَفْوُ فَهُوَ غُفْرَانٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَتُعُقِّبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال سعيدُ بن أبي عَرُوبة: ما كان أحدٌ أحفظَ عن ابنِ سيرين من هشام بن حسَّان. وقال يحيى القطَّان: هشام بن حسَّانٍ ثقةٌ في محمَّد بن سيرين.
والحديثُ سبقَ في «غزوة الخندق» [خ¦٤١١١].
(٥٩) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ) زاد في «الجهاد» [خ¦٥٦/ ٩٨ - ٤٥٩٠] «بالهدى ليتألَّفهم».
٦٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (١) بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام، وعين «عَمرو» مفتوحة، الدَّوسيُّ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا) بفتح الدال المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة، وهي قبيلةُ أبي هريرة (قَدْ عَصَتْ) أي: عصت الله (وَأَبَتْ) امتنعَت عن الإسلام (فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ) ﷺ (يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا) للإسلامِ (وَأْتِ بِهِمْ) مسلمين، وكان الطُّفيل قدم مكَّة وأسلم، وقال: «يا رسولَ الله إنِّي امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وإنَّي راجعٌ إليهم فداعيهِم إلى الإسلام (٢)، فلمَّا قدمَ على أهلهِ دعا أباهُ وصَاحِبَتَهُ إلى الإسلام (٣) فأجاباهُ، ثمَّ دعا دوسًا فأبطؤوا عليه فجاءَ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسولَ الله إنَّه قد غَلبني على دوسٍ الزِّنا فادعُ الله عليهم، فقال: «اللَّهمَّ اهدِ دوسًا»، ثمَّ قال: «ارجِع إلى قومِكَ، فادعهُم إلى اللهِ، وارفُق بهِم» قال: فرجعتُ إليهم فلم أزلْ بأرض دوسٍ أدعوهم إلى الله، ثمَّ قدمتُ على رسول الله ﷺ بخيبر فنزلتُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ يَسِيرٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَتُوبِعَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٩ - بَاب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ
٦٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ.
قَوْلُهُ (بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، لَكِنْ زَادَ بِالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ وَالدُّعَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالدُّعَاءُ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَّهُ بِاعْتِبَارَيْنِ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُشْرِكِينَ نَاسِخٌ لِلدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾. قَالَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنْ لَا نَسْخَ وَأَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ جَائِزٌ وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى تَأَلُّفُهُمْ وَدُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَحْتَمِلُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَوَازَ حَيْثُ يَكُونُ فِي الدُّعَاءِ مَا يَقْتَضِي زَجْرَهُمْ عَنْ تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْمَنْعَ حَيْثُ يَقَعُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْهِدَايَةِ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - الْعَفْوُ عَمَّا جَنَوْهُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، لَا مَحْوُ ذُنُوبِهِمْ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ ذَنْبَ الْكُفْرِ لَا يُمْحَى، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اغْفِرْ لَهُمْ اهْدِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، الَّذِي تَصِحُّ مَعَهُ الْمَغْفِرَةُ، أَوِ الْمَعْنَى: اغْفِرْ لَهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٠ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ.
٦٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وجدي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى. عَنْ أَبِيهِ. عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
[الحديث ٦٣٩٨ - طرفه في: ٦٣٩٩]
٦٣٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي بُرْدَةَ، أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وخطئي
وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ). كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْهُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيقَ مُعَاذٍ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَقِبَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ وَعَكَسَ مُسْلِمٌ فَصَدَّرَ بِطَرِيقِ مُعَاذٍ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِطَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، صَالِحٌ. قُلْتُ: وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْثِيقِ لَكِنَّهَا مِنَ الرُّتْبَةِ الْأَخِيرَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ: إِنَّ مَنْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلِاعْتِبَارِ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ، لَكِنَّ اتِّفَاقَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَابَعَهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ مِنَ الْأَثْبَاتِ، وَوَقَعَ فِي الْإِرْشَادِ لَلْخَلِيلِيِّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ: مُتَّهَمٌ بِسَرِقَةِ الْحَدِيثِ. حَكَاهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ، وَقَالَ: هُوَ الْمِسْمَعِيُّ مِصْرِيٌّ صَدُوقٌ، خَرَّجَ لَهُ صَاحِبُ الصَّحِيحِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمِسْمَعِيِّ فَإِنَّ الصَّنْعَانِيَّ إِمَّا مِنْ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ أَوْ صَنْعَاءِ دِمَشْقَ. وَهَذَا بَصْرِيٌّ قَطْعًا، فَافْتَرَقَا.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ السَّبِيعِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى) هَكَذَا جَاءَ مُبْهَمًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ فَذَكَرَهُ، وَسَمَّاهُ مُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ .. إِلَخْ) أَخْرَجُهُ مُسْلِمٌ بِصَرِيحِ التَّحْدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ بِهِ وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ فِي السَّنَدِ عِلَّةً أُخْرَى فَقَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْحُفَّاظِ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا تَعْلِيلٌ غَيْرُ قَادِحٍ، فَإِنَّ شُعْبَةَ كَانَ لَا يَرْوِي عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ: (إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي بُرْدَةَ، أَحْسَبُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) لَمْ أَجِدْ طَرِيقَ إِسْرَائِيلَ هَذِهِ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَضَاقَتْ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسْتَخْرِجْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَأَفَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ شُرَيْكًا، وَأَشْعَثَ، وَقَيْسَ بْنَ الرَّبِيعِ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ وَقَعَتْ لِي طَرِيقُ إِسْرَائِيلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْهرَوِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي بُرْدَةَ، ابني أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِمَا وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى.
قُلْتُ: وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ابن يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي حَدِيثِ جَدِّهِ.
(تَنْبِيهٌ) حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أن فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ بِالتَّكْبِيرِ، قلت: وَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ، وَكَذَا حَكَى أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِتَأْخِيرِ الْمِيمِ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا، وَهَذَا هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ مَشْهُورٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ.
قَوْلُهُ (أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ) لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ مَحَلَّ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مُعْظَمُ آخِرِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ
ﷺ كَانَ يَقُولُهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلُ، وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ هَلْ كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ .. إِلَخْ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْتُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ (رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي) الْخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، يُقَالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ، وَيَجُوزُ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ، فَيُقَالُ خَطِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ (وَجَهْلِي) الْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ (وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ) الْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْإِسْرَافِ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ (اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ خَطَئِي وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالسَّنَدِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِذِكْرِ الْعَمْدِ، وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الرُّوَاةِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيئَةٍ وَعَطْفُ الْعَمْدِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَنْ خَطَأٍ وَعَنْ عَمْدٍ أَوْ هُوَ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ الْعَامَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ (وَجَهْلِي وَجِدِّي) وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي وَهُوَ أَنْسَبُ وَالْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ ضِدُّ الْهَزْلِ.
قَوْلُهُ (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) أَيْ مَوْجُودٌ أَوْ مُمْكِنٌ.
قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ .. إِلَخْ) تَقَدَّمَ سِرُّ الْمُرَادِ بِهِ وَبَيَانُ تَأْوِيلِهِ. قَوْلُهُ (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ .. إِلَخْ.
قَوْلُهُ (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدِ أَنِ اسْتَشْكَلَ صُدُورَ هَذَا الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَسُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، قَالَ: وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ اسْتِغْفَارَهُ عَمَّا يَقَعُ بِطَرِيقِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ أَوْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ مِمَّا لَا يُصَادِفُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُؤَاخَذُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُونَ أَشَدَّ حَالًا مِنْ أُمَمِهِمْ، وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ. قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ لِلَّهِ خَوْفًا مِمَّنْ دُونَهُمْ، وَخَوْفُهُمْ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ لَا مِنَ الذَّنْبِ الْمُحَقَّقِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَقَوْلُهُ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ وَالشُّكْرِ لِرَبِّهِ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ.
وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْ غَفْلَةٍ أَوْ سَهْوٍ، وَقِيلَ: عَلَى مَا مَضَى قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: وُقُوعُ الصَّغِيرَةِ جَائِزٌ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي آيَةِ الْفَتْحِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ أَيْ مِنْ ذَنْبِ أَبِيكَ آدَمَ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أَيْ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وُقُوعُ الْخَطِيئَةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ جَائِزٌ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فَيَخَافُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ وَيَتَعَوَّذُونَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ لِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ
(تَكْمِيل): نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِمُغْلَطَايْ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، دُعَاءٌ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَدُخُولُ النَّارِ يُنَافِي الْغُفْرَانَ. وَتُعُقِّبَ بِالْمَنْعِ وَأَنَّ الْمُنَافِيَ لِلْغُفْرَانِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَأَمَّا الْإِخْرَاجُ بِالشَّفَاعَةِ أَوِ الْعَفْوُ فَهُوَ غُفْرَانٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَتُعُقِّبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال سعيدُ بن أبي عَرُوبة: ما كان أحدٌ أحفظَ عن ابنِ سيرين من هشام بن حسَّان. وقال يحيى القطَّان: هشام بن حسَّانٍ ثقةٌ في محمَّد بن سيرين.
والحديثُ سبقَ في «غزوة الخندق» [خ¦٤١١١].
(٥٩) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ) زاد في «الجهاد» [خ¦٥٦/ ٩٨ - ٤٥٩٠] «بالهدى ليتألَّفهم».
٦٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (١) بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام، وعين «عَمرو» مفتوحة، الدَّوسيُّ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا) بفتح الدال المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة، وهي قبيلةُ أبي هريرة (قَدْ عَصَتْ) أي: عصت الله (وَأَبَتْ) امتنعَت عن الإسلام (فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ) ﷺ (يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا) للإسلامِ (وَأْتِ بِهِمْ) مسلمين، وكان الطُّفيل قدم مكَّة وأسلم، وقال: «يا رسولَ الله إنِّي امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وإنَّي راجعٌ إليهم فداعيهِم إلى الإسلام (٢)، فلمَّا قدمَ على أهلهِ دعا أباهُ وصَاحِبَتَهُ إلى الإسلام (٣) فأجاباهُ، ثمَّ دعا دوسًا فأبطؤوا عليه فجاءَ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسولَ الله إنَّه قد غَلبني على دوسٍ الزِّنا فادعُ الله عليهم، فقال: «اللَّهمَّ اهدِ دوسًا»، ثمَّ قال: «ارجِع إلى قومِكَ، فادعهُم إلى اللهِ، وارفُق بهِم» قال: فرجعتُ إليهم فلم أزلْ بأرض دوسٍ أدعوهم إلى الله، ثمَّ قدمتُ على رسول الله ﷺ بخيبر فنزلتُ