«مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٥

الحديث رقم ٦٤١٥ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مثل الدنيا في الآخرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤١٥ في صحيح البخاري

«مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ

إسناد حديث رقم ٦٤١٥ من صحيح البخاري

٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤١٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بَعْضُ لَفْظِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ، وَسَنَدُهُ إِلَى التَّابِعِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ لِلْمُسْتَوْرِدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَإِنَّ قَدْرَ السَّوْطِ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا فَيَكُونُ الَّذِي يُسَاوِيهَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ دُونَ قَدْرِ السَّوْطِ فَيُوَافِقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ فَلَا قَدْرَ لَهَا وَلَا خَطَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْمُتَنَاهِي وَبَيْنَ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْبَعِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا خَطَرَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْمَاءِ الَّذِي يَعْلَقُ فِي الْإصْبُعِ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْآخِرَةَ كَسَائِرِ الْبَحْرِ.

(تَنْبِيه): اخْتُلِفَ فِي يَاءِ يَرْجِعُ فَذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ رَوَوْهُ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْإِصْبَعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَرَوَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْيَمِّ قُلْتُ أَوْ لِلْوَاضِعِ

قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعَلَى هَذَا فَتُفْتَحُ الْهَمْزَةُ فِي (أنَّمَا) مُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ، وَلَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ سِيَاقِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقِتَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَخْتَصُّ بِدَارِ الدُّنْيَا مِنْ تَصَرُّفٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُقِيمُ الْأَوَدَ وَيُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَالزِّينَةُ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ مِمَّا يُحَسَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَالتَّفَاخُرُ يَقَعُ بِالنَّسَبِ غَالِبًا كَعَادَةِ الْعَرَبِ وَالتَّكَاثُرُ ذُكِرَ مُتَعَلَّقُهُ فِي الْآيَةِ وَصُورَةُ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْمَرْءَ يُولَدُ فَيَنْشَأُ فَيَقْوَى فَيَكْسِبُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَيَرْأَسُ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِانْحِطَاطِ فَيَشِيبُ وَيَضْعُفُ وَيَسْقَمُ وَتُصِيبُهُ النَّوَائِبُ مِنْ مَرَضٍ وَنَقْصٍ مَالٍ وَعِزٍّ ثُمَّ يَمُوتُ فَيَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيَصِيرُ مَالُهُ لِغَيْرِهِ وَتُغَيَّرُ رُسُومُهُ فَحَالُهُ كَحَالِ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ فَنَبَتَ عَلَيْهَا الْعُشْبُ نَبَاتًا مُعْجِبًا أَنِيقًا ثُمَّ هَاجَ أَيْ يَبِسَ وَاصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ وَتَفَرَّقَ إِلَى أَنِ اضْمَحَلَّ.

قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكُفَّارِ، فَقِيلَ: جَمْعُ كَافِرٍ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيَا وَإِعْجَابًا بِمَحَاسِنِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الزُّرَّاعُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَرَ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ أَيْ سَتَرَهُ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبَصَرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾) أي: مباهاة بهما، والتَّكاثر: ادِّعاء الاستكثارِ (﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾) بعد خضرتهِ (﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾) متفتِّتًا. شبَّه حال الدُّنيا وسرعة تقضيها مع قلَّة جدواهَا بنباتٍ أنبتَهُ الغيثُ فاستوى وقويَ، وأُعْجب به الكفَّار الجاحدونَ لنعمةِ الله فيما رزقَهم من الغيثِ والنَّبات، فبعثَ عليه العاهةَ فهاج واصفرَّ وصار حُطامًا عقوبةً لهم على جحودِهِم كما فعلَ بأصحاب الجنَّة، وصاحب الجنَّتين، وقيل: الكفَّار: الزُّرَّاع. وقال العمادُ بنُ كثير: أي: أعجب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزَّرع الَّذي نبت بالغيثِ، وكما يعجب الزُّرَّاع ذلك كذلك تُعجب الحياة الدُّنيا الكفَّار (١)، فإنَّهم أحرص شيءٍ عليها، وأميل النَّاس إليها، ثمَّ يهيجُ فتراه مصفرًّا، ثمَّ يكون حطامًا، أي: يهيجُ ذلك الزَّرع فتراهُ مصفرًّا بعدمَا كان أخضر نضرًا، ثمَّ يصير يبسًا متحطِّمًا؛ هكذا الحياة الدُّنيا تكون أوَّلًا شابًّة، ثمَّ تكتهلُ، ثمَّ تكون عجوزًا شَوهاء، والإنسانُ كذلك يكون في أوَّل عمرهِ وعنفوانِ شبابهِ غضًّا طريًّا ليِّن الأعطافِ بَهيَّ المنظرِ، ثمَّ إنَّه يشرعُ في الكُهُولة فتتغيَّر طباعُه ويفقدُ بعض قِواه، ثمَّ يكبر فيصيرُ شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركةِ، يعجز عن المشي (٢) اليسير، ولمّا كان هذا المثلُ دالًّا على زوال الدُّنيا وانقضائها، والآخرة كائنةٌ لا محالة حذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخيراتِ، فقال: (﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾) للكفَّار (﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ﴾) للمؤمنين (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]) لمن ركنَ إليها واعتمدَ عليها. قال ذو النُّون المصريُّ: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدُّنيا، وإنْ طلبتموها فلا تحبُّوها، فإنَّ الزَّاد منها والمَقيلُ في غيرها، وسقط من قوله «﴿وَزِينَةٌ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال عَقِب قوله ﴿وَلَهْوٌ﴾: «إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾».

٦٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين، ابن سعدٍ السَّاعديِّ ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ) بلام التَّأكيد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

قَوْلُهُ (بَابُ مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بَعْضُ لَفْظِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ، وَسَنَدُهُ إِلَى التَّابِعِيِّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ لِلْمُسْتَوْرِدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَإِنَّ قَدْرَ السَّوْطِ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا فَيَكُونُ الَّذِي يُسَاوِيهَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ دُونَ قَدْرِ السَّوْطِ فَيُوَافِقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسْتَوْرِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِهَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ فَلَا قَدْرَ لَهَا وَلَا خَطَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ بَيْنَ الْمُتَنَاهِي وَبَيْنَ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْبَعِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا خَطَرَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْمَاءِ الَّذِي يَعْلَقُ فِي الْإصْبُعِ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْآخِرَةَ كَسَائِرِ الْبَحْرِ.

(تَنْبِيه): اخْتُلِفَ فِي يَاءِ يَرْجِعُ فَذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ رَوَوْهُ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْإِصْبَعِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَرَوَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ قَالَ فَجَعَلُوا الْفِعْلَ لِلْيَمِّ قُلْتُ أَوْ لِلْوَاضِعِ

قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعَلَى هَذَا فَتُفْتَحُ الْهَمْزَةُ فِي (أنَّمَا) مُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .. إِلَخْ، وَلَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ سِيَاقِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ لَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقِتَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ .. الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَخْتَصُّ بِدَارِ الدُّنْيَا مِنْ تَصَرُّفٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يُقِيمُ الْأَوَدَ وَيُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَالزِّينَةُ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ مِمَّا يُحَسَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَالتَّفَاخُرُ يَقَعُ بِالنَّسَبِ غَالِبًا كَعَادَةِ الْعَرَبِ وَالتَّكَاثُرُ ذُكِرَ مُتَعَلَّقُهُ فِي الْآيَةِ وَصُورَةُ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْمَرْءَ يُولَدُ فَيَنْشَأُ فَيَقْوَى فَيَكْسِبُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَيَرْأَسُ ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِانْحِطَاطِ فَيَشِيبُ وَيَضْعُفُ وَيَسْقَمُ وَتُصِيبُهُ النَّوَائِبُ مِنْ مَرَضٍ وَنَقْصٍ مَالٍ وَعِزٍّ ثُمَّ يَمُوتُ فَيَضْمَحِلُّ أَمْرُهُ وَيَصِيرُ مَالُهُ لِغَيْرِهِ وَتُغَيَّرُ رُسُومُهُ فَحَالُهُ كَحَالِ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ فَنَبَتَ عَلَيْهَا الْعُشْبُ نَبَاتًا مُعْجِبًا أَنِيقًا ثُمَّ هَاجَ أَيْ يَبِسَ وَاصْفَرَّ ثُمَّ تَحَطَّمَ وَتَفَرَّقَ إِلَى أَنِ اضْمَحَلَّ.

قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْكُفَّارِ، فَقِيلَ: جَمْعُ كَافِرٍ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلدُّنْيَا وَإِعْجَابًا بِمَحَاسِنِهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الزُّرَّاعُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَرَ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ أَيْ سَتَرَهُ بِهَا وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْبَصَرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾) أي: مباهاة بهما، والتَّكاثر: ادِّعاء الاستكثارِ (﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾) بعد خضرتهِ (﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾) متفتِّتًا. شبَّه حال الدُّنيا وسرعة تقضيها مع قلَّة جدواهَا بنباتٍ أنبتَهُ الغيثُ فاستوى وقويَ، وأُعْجب به الكفَّار الجاحدونَ لنعمةِ الله فيما رزقَهم من الغيثِ والنَّبات، فبعثَ عليه العاهةَ فهاج واصفرَّ وصار حُطامًا عقوبةً لهم على جحودِهِم كما فعلَ بأصحاب الجنَّة، وصاحب الجنَّتين، وقيل: الكفَّار: الزُّرَّاع. وقال العمادُ بنُ كثير: أي: أعجب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزَّرع الَّذي نبت بالغيثِ، وكما يعجب الزُّرَّاع ذلك كذلك تُعجب الحياة الدُّنيا الكفَّار (١)، فإنَّهم أحرص شيءٍ عليها، وأميل النَّاس إليها، ثمَّ يهيجُ فتراه مصفرًّا، ثمَّ يكون حطامًا، أي: يهيجُ ذلك الزَّرع فتراهُ مصفرًّا بعدمَا كان أخضر نضرًا، ثمَّ يصير يبسًا متحطِّمًا؛ هكذا الحياة الدُّنيا تكون أوَّلًا شابًّة، ثمَّ تكتهلُ، ثمَّ تكون عجوزًا شَوهاء، والإنسانُ كذلك يكون في أوَّل عمرهِ وعنفوانِ شبابهِ غضًّا طريًّا ليِّن الأعطافِ بَهيَّ المنظرِ، ثمَّ إنَّه يشرعُ في الكُهُولة فتتغيَّر طباعُه ويفقدُ بعض قِواه، ثمَّ يكبر فيصيرُ شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركةِ، يعجز عن المشي (٢) اليسير، ولمّا كان هذا المثلُ دالًّا على زوال الدُّنيا وانقضائها، والآخرة كائنةٌ لا محالة حذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخيراتِ، فقال: (﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾) للكفَّار (﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ﴾) للمؤمنين (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]) لمن ركنَ إليها واعتمدَ عليها. قال ذو النُّون المصريُّ: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدُّنيا، وإنْ طلبتموها فلا تحبُّوها، فإنَّ الزَّاد منها والمَقيلُ في غيرها، وسقط من قوله «﴿وَزِينَةٌ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال عَقِب قوله ﴿وَلَهْوٌ﴾: «إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾».

٦٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين، ابن سعدٍ السَّاعديِّ ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ) بلام التَّأكيد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله