الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٢٥
الحديث رقم ٦٤٢٥ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَالِصًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ وَاحِدٌ يَلْتَحِقُ بِمَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَكَذَا اثْنَانِ وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كَمَا مَضَى فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْفَضْلِ لِمَنْ مَاتَ لَهُ وَاحِدٌ، فَلَعَلَّهُ ﷺ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْوَاحِدِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ أَعْلَمَ بِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ حُكْمُ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ بِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ تَسْمِيَةُ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَقَعْ لِي إِذْ ذَاكَ وُقُوعُ السَّائِلِ عَنِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ وَجَدْتُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، قَالَ مَحْمُودٌ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: أَرَاكُمْ لَوْ قُلْتُمْ وَاحِدًا لَقَالَ وَاحِدٌ، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أَظُنُّ ذَاكَ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: أَوْجَبَ ذُو الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: وَذُو الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: وَذُو الِاثْنَيْنِ. زَادَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ دُفِنَ لَهُ ثَلَاثَةٌ فَصَبَرَ .. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: وَوَاحِدٌ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ أَيْمَنَ مَنْ دَفَنَ وَاحِدًا فَصَبَرَ عَلَيْهِ وَاحْتَسَبَهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَفِي سَنَدِهِمَا نَاصِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الصَّفِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا أَمْ غَيْرَهُ وَقَدْ أَفْرَدَ وَرَتَّبَ الثَّوَابَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ مَاتَ لَهُ فَاحْتَسَبَهُ.
وَيُدْخِلُ في هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَقَدَهُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ ابْنُهُ، فَقَالَ: أَلَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ. وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
٧ - بَاب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهَرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا
٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَقتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ.
٦٤٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧) (باب مَا يُحْذَرُ) بضم التَّحتيَّة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ: «يحذَّر» بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) بسكون الهاء وفتحها، بهجتُها ونضارتها وحُسنها (وَ) من (التَّنَافُسِ) أي: الرَّغبة (فِيهَا).
٦٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ) بالفاء (١)، الأنصاريَّ (وَهْوَ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام (لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَ) عَمرو بن عوف (شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى البحرين» البلدِ المشهور (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) أي: بجزيةِ أهلها (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ) بتشديد الميم (العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ) عبد الله بن مالك بن ربيعةَ، وكان
من أهل حضرموت، سنة تسعٍ من الهجرةِ (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح سنة عشرٍ (بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ) وكان مئة ألفٍ وثمانين ألف درهمٍ، وقيل: ثمانين ألفًا (فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ) بفاءين بينهما واو فألف، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «فوافت» بحذف الضَّمير، وهما من المُوافاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فوافقت» بالقاف بين الفاء والفوقيَّة (١) (صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊ (تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وثبت: «رسولُ الله ﷺ» لأبي ذرٍّ (حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ) من الدَّراهم؟ (قَالُوا: أَجَلْ) نعم (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (وَأَمِّلُوا) بقطع الهمزة وكسر الميم المشددة (مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) بنصب «الفقرَ» بتقدير: ما أخشى الفقر، وحُذِف لأن «أخشى عليكم» مفسِّر له، ويجوزُ الرَّفع بتقدير: ضمير، أي: ما الفقر أخشاهُ عليكم. قال في «الفتح»: والأوَّل هو الرَّاجح. وقال في «التنقيح»: والرَّفع ضعيفٌ؛ لأنَّه يحتاجُ إلى ضميرٍ يعودُ عليه، وإنَّما يجوزُ ذلك في الشِّعر. انتهى.
وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضعفُ ذلك مذهبٌ كوفيٌّ. قال في «التَّسهيل»: ولا يختصُّ بالشِّعر خلافًا للكوفيِّين. وقال في «شرح المشكاة»: فائدةُ تقديم المفعول هنا الاهتمامُ بشأن الفقر؛ لأنَّ الوالد المُشفق إذا حضرهُ الموت كان اهتمامُه بحالِ ولدِه في المال، فأَعْلَم ﷺ أصحابه أنَّه وإن كان لهم في الشَّفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال يخالفُ حال الوالدِ، وأنَّه لا يخشى عليهم الفقرَ كما يخشاهُ الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الَّذي هو مطلوبُ الوالد لولدهِ، كما قال: (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا) بحذف إحدى التَّاءين
فيهما أي: فتَرغبوا فيها كما رغبوا فيها (وَتُلْهِيَكُمْ) عن الآخرة (كَمَا أَلْهَتْهُمْ) عنها (١). فإن قلت: تقديم المفعول هنا يُؤذن بأنَّ الكلام في المفعول (٢) لا في الفعل كقولك: ما زيدًا ضربت، فلا يصحُّ أن يعقَّبَ المنفي بإثباتِ ضدِّه فتقول: ولكن أكرمتُه؛ لأنَّ المقامَ يأباه إذ الكلام في المفعولِ هل هو زيدٌ أو عَمرو مثلًا لا في الفعلِ هل هو إكرامٌ أو إهانةٌ، والحديثُ قد وقعَ في الاستدراكِ بإثباتِ هذا الفعل المنفيِّ، فقال: «ولكن أخشى عليكم أن تبسطَ عليكم الدُّنيا كما بسطتْ على من كان قبلكم … » إلى آخره، فكيف يتأتَّى هذا؟ فالجواب (٣): أنَّ المنظورَ إليه في الاستدراكِ هو المُنافسةُ في الدُّنيا عند بسطها عليهم، فكأنَّه قال: ما الفقر أخشى عليكم، ولكن المنافسة في الدُّنيا، فلم يقع الاستدراك إلَّا في المفعولِ، كقولك: ما زيدًا ضربت ولكن عَمرًا، ثمَّ الفعل المثبت ثانيًا ليس ضدَّ الفعل المنفيِّ أولًا بحسب الوضع، وإنَّما اختلفا بالمتعلَّق (٤) فذِكْرُه لا يضرُّ (٥)؛ لأنَّه في الحقيقة استدراكٌ بالنِّسبة إلى المفعولِ لا إلى الفعلِ، قاله في «المصابيح».
والحديثُ فيه ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ: موسى، وابن شهابٍ، وعروة، وصحابيان: المسورُ وعَمرو، وكلُّهم مدنيُّون.
وسبق في «الجزية والموادعة مع أهل الذِّمَّة» [خ¦٣١٥٨].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
خَالِصًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ وَاحِدٌ يَلْتَحِقُ بِمَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَكَذَا اثْنَانِ وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كَمَا مَضَى فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْفَضْلِ لِمَنْ مَاتَ لَهُ وَاحِدٌ، فَلَعَلَّهُ ﷺ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْوَاحِدِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ أَعْلَمَ بِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ حُكْمُ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ بِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ تَسْمِيَةُ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَقَعْ لِي إِذْ ذَاكَ وُقُوعُ السَّائِلِ عَنِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ وَجَدْتُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَحْمُودِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، قَالَ مَحْمُودٌ: فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: أَرَاكُمْ لَوْ قُلْتُمْ وَاحِدًا لَقَالَ وَاحِدٌ، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أَظُنُّ ذَاكَ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: أَوْجَبَ ذُو الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: وَذُو الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: وَذُو الِاثْنَيْنِ. زَادَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.
وَلَهُ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ دُفِنَ لَهُ ثَلَاثَةٌ فَصَبَرَ .. الْحَدِيثَ. وَفِيهِ فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: وَوَاحِدٌ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ أَيْمَنَ مَنْ دَفَنَ وَاحِدًا فَصَبَرَ عَلَيْهِ وَاحْتَسَبَهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَفِي سَنَدِهِمَا نَاصِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الصَّفِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا أَمْ غَيْرَهُ وَقَدْ أَفْرَدَ وَرَتَّبَ الثَّوَابَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ مَاتَ لَهُ فَاحْتَسَبَهُ.
وَيُدْخِلُ في هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَقَدَهُ فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ ابْنُهُ، فَقَالَ: أَلَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ. وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
٧ - بَاب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهَرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا
٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَقتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ.
٦٤٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٧) (باب مَا يُحْذَرُ) بضم التَّحتيَّة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ: «يحذَّر» بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) بسكون الهاء وفتحها، بهجتُها ونضارتها وحُسنها (وَ) من (التَّنَافُسِ) أي: الرَّغبة (فِيهَا).
٦٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ) بالفاء (١)، الأنصاريَّ (وَهْوَ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام (لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَ) عَمرو بن عوف (شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى البحرين» البلدِ المشهور (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) أي: بجزيةِ أهلها (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ) بتشديد الميم (العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ) عبد الله بن مالك بن ربيعةَ، وكان
من أهل حضرموت، سنة تسعٍ من الهجرةِ (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح سنة عشرٍ (بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ) وكان مئة ألفٍ وثمانين ألف درهمٍ، وقيل: ثمانين ألفًا (فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ) بفاءين بينهما واو فألف، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «فوافت» بحذف الضَّمير، وهما من المُوافاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فوافقت» بالقاف بين الفاء والفوقيَّة (١) (صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊ (تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وثبت: «رسولُ الله ﷺ» لأبي ذرٍّ (حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ) من الدَّراهم؟ (قَالُوا: أَجَلْ) نعم (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (وَأَمِّلُوا) بقطع الهمزة وكسر الميم المشددة (مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) بنصب «الفقرَ» بتقدير: ما أخشى الفقر، وحُذِف لأن «أخشى عليكم» مفسِّر له، ويجوزُ الرَّفع بتقدير: ضمير، أي: ما الفقر أخشاهُ عليكم. قال في «الفتح»: والأوَّل هو الرَّاجح. وقال في «التنقيح»: والرَّفع ضعيفٌ؛ لأنَّه يحتاجُ إلى ضميرٍ يعودُ عليه، وإنَّما يجوزُ ذلك في الشِّعر. انتهى.
وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضعفُ ذلك مذهبٌ كوفيٌّ. قال في «التَّسهيل»: ولا يختصُّ بالشِّعر خلافًا للكوفيِّين. وقال في «شرح المشكاة»: فائدةُ تقديم المفعول هنا الاهتمامُ بشأن الفقر؛ لأنَّ الوالد المُشفق إذا حضرهُ الموت كان اهتمامُه بحالِ ولدِه في المال، فأَعْلَم ﷺ أصحابه أنَّه وإن كان لهم في الشَّفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال يخالفُ حال الوالدِ، وأنَّه لا يخشى عليهم الفقرَ كما يخشاهُ الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الَّذي هو مطلوبُ الوالد لولدهِ، كما قال: (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا) بحذف إحدى التَّاءين
فيهما أي: فتَرغبوا فيها كما رغبوا فيها (وَتُلْهِيَكُمْ) عن الآخرة (كَمَا أَلْهَتْهُمْ) عنها (١). فإن قلت: تقديم المفعول هنا يُؤذن بأنَّ الكلام في المفعول (٢) لا في الفعل كقولك: ما زيدًا ضربت، فلا يصحُّ أن يعقَّبَ المنفي بإثباتِ ضدِّه فتقول: ولكن أكرمتُه؛ لأنَّ المقامَ يأباه إذ الكلام في المفعولِ هل هو زيدٌ أو عَمرو مثلًا لا في الفعلِ هل هو إكرامٌ أو إهانةٌ، والحديثُ قد وقعَ في الاستدراكِ بإثباتِ هذا الفعل المنفيِّ، فقال: «ولكن أخشى عليكم أن تبسطَ عليكم الدُّنيا كما بسطتْ على من كان قبلكم … » إلى آخره، فكيف يتأتَّى هذا؟ فالجواب (٣): أنَّ المنظورَ إليه في الاستدراكِ هو المُنافسةُ في الدُّنيا عند بسطها عليهم، فكأنَّه قال: ما الفقر أخشى عليكم، ولكن المنافسة في الدُّنيا، فلم يقع الاستدراك إلَّا في المفعولِ، كقولك: ما زيدًا ضربت ولكن عَمرًا، ثمَّ الفعل المثبت ثانيًا ليس ضدَّ الفعل المنفيِّ أولًا بحسب الوضع، وإنَّما اختلفا بالمتعلَّق (٤) فذِكْرُه لا يضرُّ (٥)؛ لأنَّه في الحقيقة استدراكٌ بالنِّسبة إلى المفعولِ لا إلى الفعلِ، قاله في «المصابيح».
والحديثُ فيه ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ: موسى، وابن شهابٍ، وعروة، وصحابيان: المسورُ وعَمرو، وكلُّهم مدنيُّون.
وسبق في «الجزية والموادعة مع أهل الذِّمَّة» [خ¦٣١٥٨].