«لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤٦

الحديث رقم ٦٤٤٦ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الغنى غنى النفس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى…

«لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.»

بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ

سند حديث: ٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ…

٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى…

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن حقيقة الغِنى ليس بكثرة المال، وإنما الغِنى الحقيقي غِنى النفس، فإذا استغنى المرء بما أوتي وقنِع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا يلحَّ في الطلب، كان من أغنى الناس.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فيه بيان حقيقة الغنى.
  • الحث على الرضا بما قسمه الله تعالى، وعدم الحرص على الازدياد لغير حاجة والتطلع لما في أيدي الآخرين.
  • الغنى النافع الممدوح هو غنى النفس؛ لأنها إذا استغنت عما في أيدي الناس وقنعت بما قسمه الله لها كفت عن المطامع، وحفزت صاحبها إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْكَثِيرَ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْحَثُّ عَلَى وَفَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، وَجَوَازُ اسْتِعْمَالِ لَوْ عِنْدَ تَمَنِّي الْخَيْرِ، وَتَخْصِيصُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ اسْتِعْمَالِ لَوْ عَلَى مَا يَكُونُ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ شَرْعًا، وَادَّعَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ .. الْحَدِيثَ أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فِي تَعْجِيلِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَحْبِسَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيَّ إِخْرَاجَهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: هُوَ بِعِيدٌ فِي التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا السِّيَاقُ بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَه عَلَى عِظَمِ أُحُدٍ؛ لِيَضْرِبَ بِهِ الْمَثَلَ فِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْرُهُ ذَهَبًا مَا أَحَبَّ أَنْ يُؤَخَّرَ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَا ذَكَرَ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالْإِرْصَادِ، فَظَنَّ أَبُو ذَرٍّ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ مُرَادًا إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا اسْتَفْهَمَهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ لِيَسْتَحْضِرَ قَدْرَهُ حَتَّى يُشَبِّهَ لَهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا. وَقَالَ عِيَاضٌ: قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ، وَمَأْخَذُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاضِحٌ مِنْ سِيَاقِ الْخَبَرِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الصِّحَّةِ، وَتَرْجِيحُهُ عَلَى إِنْفَاقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ مَضَى فِيهِ حَدِيثُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يَشِحُّ بِإِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُ مَا دَامَ فِي عَافِيَةٍ، فَيَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَيَخْشَى الْفَقْرَ، فَمَنْ خَالَفَ شَيْطَانَهُ وَقَهَرَ نَفْسَهُ؛ إِيثَارًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَازَ، وَمَنْ بَخِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَأْمَنِ الْجَوْرَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ سَلِمَ لَمْ يَأْمَنْ تَأْخِيرَ تَنْجِيزِ مَا أَوْصَى بِهِ، أَوْ تَرْكَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَلَّفَ وَارِثًا غَيْرَ مُوَفَّقٍ فَيُبَذِّرُهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَيَبْقَى وَبَالُهُ عَلَى الَّذِي جَمَعَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٥ - بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَقَال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوهَا، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا.

٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.

قَوْلُهُ: (بَاب) بِالتَّنْوِينِ (الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)؛ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ قَلِيلَ الْمَالِ أَوْ كَثِيرَهُ، وَالْغِنَى بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَقْصُورٌ، وَقَدْ مُدَّ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ هُوَ الْكِفَايَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِلَى عَامِلُونَ وَهَذِهِ رَأْسُ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْآيَةِ الْمُبْدَأِ بِهَا هُنَا، وَالْآيَاتُ الَّتِي بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَبَيْنَ الْأَخِيرَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا اعْتَرَضَتْ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ لَلْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: نَمُدُّهُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ وَالْمَعْنَى: أَيَظُنُّونَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي نَرْزُقُهُمْ إِيَّاهُ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا؟ إِنْ ظَنُّوا ذَلِكَ أَخْطَئُوا؛ بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾؛ أَيْ مِنَ الِاسْتِدْرَاجِ الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الْأَعْمَالَ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمُوهَا، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا: الْمَعْنَى كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ سَيِّئَةٌ، لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ لِتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ.

ثُمَّ مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ

لِلْحَدِيثِ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْمَالِ لَيْسَتْ لِذَاتِهِ؛ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى خَيْرًا فِي الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَيْسَ غَنِيًّا لِذَاتِهِ؛ بَلْ بِحَسَبِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ غَنِيًّا لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي صَرْفِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ فَقِيرًا أَمْسَكَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ خَشْيَةً مِنْ نَفَادِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَقِيرٌ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْأُخْرَى؛ بَلْ رُبَّمَا كَانَ وَبَالًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ الْقَارِئُ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ اسْمُهُ عُثْمَانُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّةٌ، وَأَمَّا الْعَرَضُ فَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْجَوْهَرَ، وَعَلَى كُلُّ مَا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُونِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ قَالَ: اتَّصَلَ بِي عَنْ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ الْقَيْرَوَانِ أَنَّهُ قَالَ: الْعَرَضُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ: الْوَاحِدُ مِنَ الْعُرُوضُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا، قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنَّهُ مَا يَعْرِضُ فِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَحَدَ الْعُرُوضِ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا؛ بَلْ وَاحِدُهَا عَرْضٌ بِالْإِسْكَانِ، وَهُوَ مَا سِوَى النَّقْدَيْنِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ، وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ، وَهَكَذَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا: إِنَّمَا الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْغِنَى كَثْرَةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ، وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ، فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ، فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَّتْ عَنِ الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ؛ لِحِرْصِهِ فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ؛ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ، وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ؛ بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا، وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ؛ بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ، ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْض وَالطَّلَبِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ:

غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ … فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاش -بالتَّحتية المشدَّدة آخره شين معجمة- راوي قراءة عاصم، أحدُ القرَّاء السَّبعة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانُ بن عاصم الأسديُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ الغِنَى عَنْ) سببِ (كَثْرَةِ العَرَضِ) بفتح العين المهملة (١) والراء وبالضاد المعجمة، ما يُنتفع به من متاع الدُّنيا سوى النَّقدين. وقال أبو عُبيد: الأمتعةُ وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخلهُ كيلٌ ولا وزنٌ. وقال في «المشارق» -ممَّا نقله عنه في «التنقيح» -: قال ابن فارس في «المقاييس» -وذكر هذا الحديث- إنَّما سمعناه (٢) بسكون الراء، وهو كلُّ ما كان من المال غير نقدٍ، وجمعه: عروض، وأمَّا العرَض -بفتح الراء- فما يصيبه الإنسان من حظِّه في الدُّنيا. قال الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. انتهى. أي: ليس الغنى الحقيقيُّ المعتبر كثرةَ المال؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن وسَّع الله (٣) عليه في المال لا يقنع (٤) بما أُوتي، فهو يجتهدُ في الازدياد ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقيرٌ من شدَّة (٥) حرصهِ (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، ولأبي ذرٍّ بتخفيفها (الغِنَى) الحقيقيّ المعتبر الممدوح (غِنَى النَّفْسِ) بما أُوتيت وقنعها به ورضاها وعدمِ حرصها على الازديادِ والإلحاح في الطَّلب؛ لأنَّها إذا استغنت كفَّت عن المطامع، فعزَّت وعظمتْ وحصل لها من الحُظوة والنَّزاهة والشَّرف والمدح أكثر من الغنى الَّذي ينالهُ من يكون فقير النَّفس بحرصهِ، فإنَّه يورِّطه في رذائلِ الأمور وخسائسِ الأفعال؛ لدناءة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَلَيْهِ وَسلم: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّنِي أنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيالٍ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَاّ شَيْئاً أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن شبيب بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن سعيد الحبطي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى الحبطات من بني تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَضَعفه ابْن عبد الْبر تبعا لأبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ، والأزدي غير مرضِي فَلَا يتبع فِي ذَلِك.

قلت: فَلذَلِك قَالَ فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع مَقْرُونا إِسْنَاده بِإِسْنَاد آخر، وَأَبوهُ شبيب بن سعيد روى عَنهُ ابْنه أَحْمد فِي الاستقراض ومناقب عُثْمَان مُفردا، وَفِي غير مَوضِع مَقْرُونا، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.

قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث)

إِلَى آخِره ذكره البُخَارِيّ تَقْوِيَة لرِوَايَة أَحْمد بن شبيب.

والْحَدِيث مضى فِي الاستقراض عَن أَحْمد بن شبيب أَيْضا. قَوْله: (مثل أحد ذَهَبا) فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: لَو أَن أحدكُم عِنْدِي ذَهَبا. قَوْله: (لسرني) جَوَاب. . لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي، وَهُوَ ماضٍ مُثبت كَمَا فِي قَوْلك؛ لَو قَامَ لقمت، وَذكر بَعضهم فِي شَرحه: (مَا يسرني) بِلَفْظ الْمُضَارع وبكلمة: مَا، النافية ثمَّ نقل كَلَام ابْن مَالك بِمَا ملخصه: إِن جَوَاب: لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي يكون مَاضِيا مثبتاً، وَهنا وَقع مضارعاً منفياً، ثمَّ أجَاب بِمَا ملخصه أَن الْمُضَارع هُنَا وَقع مَوضِع الْمَاضِي، وَأَيْضًا أَن الأَصْل مَا كَانَ يسرني فَحذف كَانَ وَهُوَ جَوَاب.

وَفِي هَذَا الحَدِيث: إِشَارَة إِلَى أَن الْمُؤمن لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَمَنَّى كَثْرَة المَال إلَاّ بِشَرْط أَن يُسَلِّطهُ الله تَعَالَى على إِنْفَاقه فِي طَاعَته اقتداه بالشارع فِي ذَلِك. وَفِيه: أَن الْمُبَادرَة إِلَى الطَّاعَة مَطْلُوبَة. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكون عَلَيْهِ دين لِكَثْرَة مواساته بقوته وقوت عِيَاله، وإيثاره على نَفسه أهل الْحَاجة. وَفِيه: الرِّضَا بِالْقَلِيلِ وَالصَّبْر على خشونة الْعَيْش.

٥١ - (بابٌ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْغنى غنى النَّفس سَوَاء كَانَ الشَّخْص متصفاً بِالْمَالِ الْكثير أَو الْقَلِيل، والغنى بِالْكَسْرِ مَقْصُور وَرُبمَا مده الشَّاعِر للضَّرُورَة، وَهُوَ من الصَّوْت مَمْدُود والغناء بِالْفَتْح وَالْمدّ الْكِفَايَة، وَقَالَ بَعضهم: بَاب بِالتَّنْوِينِ.

قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّنْوِين عَلامَة الْإِعْرَاب وَلَفظ بَاب مُفْرد والمعرب جُزْء الْمركب.

وقَوْلُ الله تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٥) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦)

فِي رِوَايَة أبي ذَر {إِلَى عاملون} وَبَقِيَّة هَذِه الْآيَة بعد بَنِينَ {نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٥) ثمَّ من بعد هَذِه الْآيَة إِلَى قَوْله: {وهم لَهَا عاملون} ثَمَان آيَات أُخْرَى، فالجملة تسع آيَات سَاقهَا الْكرْمَانِي كلهَا فِي شَرحه، ثمَّ قَالَ: غَرَض البُخَارِيّ من ذكر الْآيَة أَن المَال مُطلقًا لَيْسَ خيرا. قَوْله: (أيحسبون) الْآيَة نزلت فِي الكفاء وَلَيْسَت بمعارضة لدعائه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأنس بِكَثْرَة المَال وَالْولد، وَالْمعْنَى: أيحسبون أَن مَا نمدهم بِهِ، أَي: نعطيهم ونزيدهم من مَال وبنين مجازاة لَهُم وَخيرا؟ بل هُوَ اسْتِدْرَاج لَهُم ثمَّ بَين المسارعين إِلَى الْخيرَات من هم، فَقَالَ: {إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٥) أَي: خائفون {وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٨٥) أَي: يصدقون، وَهَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا فِي مدح هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ. قَوْله: {وَالَّذين يُؤْتونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٩٥) أَي: يُعْطون مَا أعْطوا من الزَّكَاة وَالصَّدقَات، وَالْحَال أَن قُلُوبهم وَجلة أَي: خائفة أَن لَا يقبل مِنْهُم. قَوْله: {يُسَارِعُونَ} يَقُول سارعت وأسرعت بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن سارعت، أبلغ من أسرعت. قَوْله: (وهم لَهَا) أَي: إِلَيْهَا وَالتَّقْدِير: وهم يسابقونها. قَوْله: (إِلَّا وسعهَا) يَعْنِي: إلَاّ مَا يَسعهَا. قَوْله: {ولدينا كتاب} يَعْنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ {ينْطق بِالْحَقِّ} يَعْنِي: يشْهد بِمَا عملوه. قَوْله: {بل قُلُوبهم فِي غمرة} إضراب عَن وصف الْمُتَّقِينَ وشروع فِي وصف الْكفَّار. أَي: فِي غَفلَة عَن الْإِيمَان بِالْقُرْآنِ، قَالَه مقَاتل، وَقيل: فِي عماية من هَذَا، أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: {لَهُم أَعمال من دون ذَلِك} أَي: أَعمال سَيِّئَة دون الشّرك، وَقيل: دون أَعمال الْمُؤمنِينَ. قَوْله: {هم لَهَا عاملون} إِخْبَار عَمَّا سيعملونه من الْأَعْمَال الخبيثة الَّتِي كتبت عَلَيْهِم لَا بُد أَن يعملوها.

وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: لَمْ يَعْمَلُوها: لَا بُدَّ مِنْ أنْ يَعْمَلُوها

أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦) حَاصله: كتبت عَلَيْهِم أَعمال سَيِّئَة لَا بُد من أَن يعملوها قبل مَوْتهمْ ليحق عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب.

٦٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا أبُو بَكْرٍ حَدثنَا أبُو حَصِينٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عنْ كَثْرَةِ العَرِضَ ولاكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأما وَجه الْمُنَاسبَة بَين الحَدِيث وَالْآيَة هُوَ أَن خيرية المَال لَيست لذاته بل بِحَسب مَا يتَعَلَّق بِهِ وَإِن كَانَ يُسمى خيرا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ صَاحب المَال الْكثير غَنِيا لذاته بل بِحَسب تصرفه فِيهِ، فَإِن كَانَ غَنِيا فِي نَفسه لم يتَوَقَّف فِي صرفه فِي الْوَاجِبَات والمستحبات من وُجُوه الْبر والقربات، وَإِن كَانَ فِي نَفسه فَقِيرا أمْسكهُ وَامْتنع من بذله فِيمَا أَمر بِهِ خشيَة من نفاده، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة فَقير صُورَة وَمعنى، وَإِن كَانَ المَال تَحت يَده لكَونه لَا ينْتَفع بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بل رُبمَا كَانَ وبالاً عَلَيْهِ.

وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّيْمِيّ الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمَشْهُور الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أَحْمد بن بديل بن قُرَيْش اليامي الْكُوفِي.

قَوْله: (من كَثْرَة الْعرض) بِفتْحَتَيْنِ حطام الدُّنْيَا وبالسكون الْمَتَاع. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعرُوض الْأَمْتِعَة وَهِي مَا سوى الْحَيَوَان وَالْعَقار وَمَا لَا يدْخلهُ كيل وَلَا وزن، وَقَالَ ابْن فَارس: الْعرض بِالسُّكُونِ كل مَا كَانَ من المَال غير نقدوجمعه عرُوض، وَأما بِالْفَتْح فَمَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من حَظّ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} (الْأَنْفَال: ٧٦) وَقَالَ: {وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه} (الْأَعْرَاف: ٩٦١) حَاصِل معنى الحَدِيث: لَيْسَ الْغنى الْحَقِيقِيّ الْمُعْتَبر من كَثْرَة المَال، بل هُوَ من اسْتغْنَاء النَّفس وَعدم الْحِرْص على الدُّنْيَا، وَلِهَذَا ترى كثيرا من المتمولين، فَقير النَّفس مُجْتَهدا فِي الزِّيَادَة، فَهُوَ لشدَّة شرهه وَشدَّة حرصه على جمعه كَأَنَّهُ فَقير، وَأما غنى النَّفس فَهُوَ من بَاب الرِّضَا بِقَضَاء الله لعلمه أَن مَا عِنْد الله لَا ينْفد.

٦١ - (بابُ فَضْلِ الفَقِرْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْفقر، وَالْمرَاد بِهِ الْفقر الَّذِي صَاحبه راضٍ بِمَا قسم الله لَهُ وصابر على ذَلِك وَلَا يصدر من قَوْله وَفعله مَا يسْخط الله تَعَالَى، وَلَا يتْرك التكسب ويشتغل بالسؤال الَّذِي فِيهِ ذلة ومنة وَأما فُقَرَاء هَذَا الزَّمَان فَإِن أَكْثَرهم غير مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات، وفقر هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي استعاذ مِنْهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْخلاف فِي أَن الْفقر الصابر أفضل أَو الْغَنِيّ الشاكر؟ فَهُوَ مَشْهُور قد تَكَلَّمت فِيهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ.

٧٤٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيه عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ: (مَا رأيُكَ فِي هاذَا؟) فَقَالَ: رجُلٌ منْ أشْرَافِ النَّاسِ، هاذَا وَالله حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ قَالَ: فَسَكَت رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: يَا رسولَ الله! هَذا رجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هاذَا حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لَا يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ لَا يُشْفَعَ وإنْ قَالَ أنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هاذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِنْ مِثْلِ هاذا) .

(انْظُر الحَدِيث ١٩٠٥)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي من الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْأَكفاء فِي الدّين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (حري) بِفَتْح الْحَاء المهلمة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: جدير ولائق. قَوْله: (أَن ينْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لَا يشفع) أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْفَاء وَكَذَا. (لَا يسمع) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بقوله: (من مثل هَذَا) ويروى: مثل هَذَا، بِنصب: مثل، على التَّمْيِيز وَوَقع فِي (مُسْند مُحَمَّد بن هَارُون الرَّوْيَانِيّ وَفِي (فتوح مصر) لِابْنِ عبد الحكم وَفِي (مُسْند الصَّحَابَة) الَّذين نزلُوا مصر) : لمُحَمد بن الرّبيع الْحبرِي: إِن اسْم الْمَار الثَّانِي جعبد، قَالَ أَبُو عمر: جعيد بن سراقَة الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: الضمرِي، أثنى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٨٤٤٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا واثِلٍ قَالَ: عدْنا خَبَّاباً فَقَالَ: هاجَرْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُرِيدُ وجهَ الله، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى لَمْ يأخذْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذا غَطْينا رأسَهُ بَدَتْ رِجلَاهُ، وإذَا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدَا رأسُهُ، فأمَرَنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ نُغَطِّيَ رأسَهُ ونَجْعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، ومِنّا مَنْ أيْنَعتْ لهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُها.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَضِيَّة مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يجد كفناً إلَاّ مَا يواري رَأسه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (عدنا) من العيادة. قَوْله: (هاجرنا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى الْمَدِينَة بأَمْره وإذنه، وَالْمرَاد بالمعية الِاشْتِرَاك فِي حكم الْهِجْرَة، إِذْ لم يكن مَعَه إلَاّ أَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة. قَوْله: (نُرِيد وَجه الله) ويروى: يَنْبَغِي وَجه الله أَي: جِهَة مَا عِنْده من الثَّوَاب لَا جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَوَقع) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: تبت أجرنا على الله كالشيء الْوَاجِب، أَو ثَبت بِحَسب مَا وعد الْعباد.

قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: ثَبت جزاؤنا بِحَسب وعده، وَلَا يجب على الله شَيْء. قَوْله: (فَمنهمْ) أَي: فَمن الَّذين هَاجرُوا من مضى لم يَأْخُذ من أجره شَيْئا، وَفِي رِوَايَته الْمُتَقَدّمَة فِي الْجَنَائِز: فمنا من مَاتَ وَلم يَأْكُل من أجره شَيْئا، أَي: من عرض الدُّنْيَا. فَإِن قلت: الْأجر ثَوَاب الْآخِرَة.

قلت: نعم الدُّنْيَا أَيْضا من جملَة الْخَيْر، وَالْأَجْر. قَوْله: (مُصعب بن عُمَيْر) بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصى يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قصي. قَوْله: (قتل يَوْم أحد) أَي: قتل شَهِيدا فِي غَزْوَة أحد، وَكَانَ صَاحب لوآء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يومئذٍ. قَوْله: (نمرة) بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم ثمَّ رَاء: هِيَ إِزَار من صوف مخطط أَو بردة. قَوْله: (أينعت) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة أَي: حَان قطافها، واليانع النضيج ويروى: ينعَت بِدُونِ الْهمزَة وَهِي لُغَة، قَالَ الْفراء: أينعت أَكثر. قَوْله: (يهدبها) بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا أَي: يجتنيها ويقطعها.

٩٤٤٦ - حدّثنا أبُو الولِيدِ حَدثنَا سَلْمَ بنُ زَريرِ حدّثنا أبُو رجاءٍ عنْ عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (اطّلعْتُ فِي الجَنّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفقَراءَ، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلها النِّساء) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام ابْن زرير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى على وزن عَظِيم العطاردي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء عمرَان بن تيم العطاردي.

والْحَدِيث مضى فِي

صفة الْجنَّة عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا وَفِي النِّكَاح عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم.

تابَعَهُ أيُّوبُ وعَوْفٌ

أَي: تَابع أَبَا رَجَاء أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي فِي رِوَايَته عَن عمرَان بن حُصَيْن. أما مُتَابعَة أَيُّوب فوصلها النَّسَائِيّ عَن بشر بن هِلَال عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان. وَأما مُتَابعَة عَوْف فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح.

وَقَالَ صخْرٌ وحَمَّادُ بنُ نَجيحٍ: عنْ أبي رجاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.

صَخْر هُوَ ابْن جوَيْرِية الْبَصْرِيّ، وَحَمَّاد بتَشْديد الْمِيم ابْن نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الإسكاف، وَتَعْلِيق صَخْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن يحيى بن مخلد المقسمي: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَتَعْلِيق حَمَّاد رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن معمر النجراني حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن حَمَّاد بن نجيح عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس.

٠٥٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عبْدُ الوارِثِ حَدثنَا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يأكُلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عل خِوَانٍ حتَّى ماتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزاً مُرَقَّقاً حتَّى ماتَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٣٥ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على فضل القناعة والكفاف.

قلت: القناعة والكفاف من صِفَات الْفُقَرَاء الراضين بِمَا قسم الله، وَهَذَا: يدل على فضل الْفقر.

وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحجَّاج، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن الْفضل بن سهل الْأَعْرَج. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن يُوسُف.

قَوْله: (خوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضمّهَا وَهُوَ مَا يُؤْكَل عَلَيْهَا الطَّعَام عِنْد أهل التنعم وَيجمع على: خوت وأخونة.

١٥٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا أبُو أسامَةَ حدّثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: لَقَد تُوُفِّيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يأكُلُهُ ذُو وكَبِدٍ إلاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لي، فأكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٠٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن هَذِه الْحَالة تدل على اخْتِيَار الْفقر وفضله.

وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر، وَأَبُو شيبَة جده لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم، أَصله من وَاسِط وَسكن الْكُوفَة، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.

والْحَدِيث مضى فِي الْخمس: أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.

قَوْله: (وَمَا فِي رفي) ويروى: وَمَا فِي بَيْتِي، والرف بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء خَشَبَة عريضة يغرز طرفاها فِي الْجِدَار وَهُوَ شبه الطاق فِي الْبيُوت. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا فِي الْوَصَايَا من حَدِيث عمر بن الْحَارِث المصطلقي: مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَيْئا.

قلت: لَا مُخَالفَة أصلا لِأَن مُرَاده بالشَّيْء الْمَنْفِيّ مَا يتَخَلَّف عَنهُ مِمَّا كَانَ يخْتَص بِهِ، وَأما الَّذِي قالته عَائِشَة فَكَانَ بَقِيَّة نَفَقَتهَا الَّتِي تخْتَص بهَا. فَلم يتحد الموردان. قَوْله: (ذُو كبد) يَشْمَل جَمِيع الْحَيَوَانَات. قَوْله: (إلَاّ شطر شعير) أَي: بعض شعير. قَوْله: (فكلته) بِكَسْر الْكَاف. (ففني) أَي: فرغ قيل: قد مر فِي البيع فِي: بَاب الْكَيْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: كيلوا طَعَامكُمْ يُبَارك لكم، وَقَوْلها: فكلته ففني. مشْعر بِأَن الْكَيْل سَبَب عدم الْبركَة. وَأجِيب: بِأَن الْبركَة عِنْد البيع وَعدمهَا عِنْد النَّفَقَة، أَو المُرَاد: أَن مكيله بِشَرْط أَن يبْقى الْبَاقِي مَجْهُولا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْكَثِيرَ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الْحَثُّ عَلَى وَفَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، وَجَوَازُ اسْتِعْمَالِ لَوْ عِنْدَ تَمَنِّي الْخَيْرِ، وَتَخْصِيصُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ اسْتِعْمَالِ لَوْ عَلَى مَا يَكُونُ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ شَرْعًا، وَادَّعَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ .. الْحَدِيثَ أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّمْثِيلِ فِي تَعْجِيلِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَحْبِسَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيَّ إِخْرَاجَهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: هُوَ بِعِيدٌ فِي التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا السِّيَاقُ بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَه عَلَى عِظَمِ أُحُدٍ؛ لِيَضْرِبَ بِهِ الْمَثَلَ فِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْرُهُ ذَهَبًا مَا أَحَبَّ أَنْ يُؤَخَّرَ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَا ذَكَرَ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالْإِرْصَادِ، فَظَنَّ أَبُو ذَرٍّ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ مُرَادًا إِذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا اسْتَفْهَمَهُ عَنْ رُؤْيَتِهِ لِيَسْتَحْضِرَ قَدْرَهُ حَتَّى يُشَبِّهَ لَهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا. وَقَالَ عِيَاضٌ: قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ، وَمَأْخَذُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاضِحٌ مِنْ سِيَاقِ الْخَبَرِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الصِّحَّةِ، وَتَرْجِيحُهُ عَلَى إِنْفَاقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ مَضَى فِيهِ حَدِيثُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يَشِحُّ بِإِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُ مَا دَامَ فِي عَافِيَةٍ، فَيَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَيَخْشَى الْفَقْرَ، فَمَنْ خَالَفَ شَيْطَانَهُ وَقَهَرَ نَفْسَهُ؛ إِيثَارًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَازَ، وَمَنْ بَخِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَأْمَنِ الْجَوْرَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ سَلِمَ لَمْ يَأْمَنْ تَأْخِيرَ تَنْجِيزِ مَا أَوْصَى بِهِ، أَوْ تَرْكَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَلَّفَ وَارِثًا غَيْرَ مُوَفَّقٍ فَيُبَذِّرُهُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ، وَيَبْقَى وَبَالُهُ عَلَى الَّذِي جَمَعَهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

١٥ - بَاب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَقَال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوهَا، لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا.

٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.

قَوْلُهُ: (بَاب) بِالتَّنْوِينِ (الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)؛ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ قَلِيلَ الْمَالِ أَوْ كَثِيرَهُ، وَالْغِنَى بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَقْصُورٌ، وَقَدْ مُدَّ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ هُوَ الْكِفَايَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِلَى عَامِلُونَ وَهَذِهِ رَأْسُ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْآيَةِ الْمُبْدَأِ بِهَا هُنَا، وَالْآيَاتُ الَّتِي بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَبَيْنَ الْأَخِيرَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا اعْتَرَضَتْ فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ لَلْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: نَمُدُّهُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ وَالْمَعْنَى: أَيَظُنُّونَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي نَرْزُقُهُمْ إِيَّاهُ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْنَا؟ إِنْ ظَنُّوا ذَلِكَ أَخْطَئُوا؛ بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾؛ أَيْ مِنَ الِاسْتِدْرَاجِ الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الْأَعْمَالَ مِنْ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمُوهَا، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا: الْمَعْنَى كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ سَيِّئَةٌ، لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلُوهَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ لِتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ.

ثُمَّ مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ

لِلْحَدِيثِ أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْمَالِ لَيْسَتْ لِذَاتِهِ؛ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى خَيْرًا فِي الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَيْسَ غَنِيًّا لِذَاتِهِ؛ بَلْ بِحَسَبِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ غَنِيًّا لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي صَرْفِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ فَقِيرًا أَمْسَكَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ خَشْيَةً مِنْ نَفَادِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَقِيرٌ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْأُخْرَى؛ بَلْ رُبَّمَا كَانَ وَبَالًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ الْقَارِئُ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ اسْمُهُ عُثْمَانُ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، أَمَّا عَنْ فَهِيَ سَبَبِيَّةٌ، وَأَمَّا الْعَرَضُ فَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَيُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْجَوْهَرَ، وَعَلَى كُلُّ مَا يَعْرِضُ لِلشَّخْصِ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُونِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ قَالَ: اتَّصَلَ بِي عَنْ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ الْقَيْرَوَانِ أَنَّهُ قَالَ: الْعَرَضُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ: الْوَاحِدُ مِنَ الْعُرُوضُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا، قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي أَنَّهُ مَا يَعْرِضُ فِيهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَحَدَ الْعُرُوضِ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا؛ بَلْ وَاحِدُهَا عَرْضٌ بِالْإِسْكَانِ، وَهُوَ مَا سِوَى النَّقْدَيْنِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ، وَهِيَ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ، وَهَكَذَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْعَرْضُ بِالسُّكُونِ كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمَالِ غَيْرَ نَقْدٍ وَجَمْعُهُ عُرُوضٌ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُصِيبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا: إِنَّمَا الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةُ الْغِنَى كَثْرَةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ، وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ، فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ، فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَّتْ عَنِ الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ؛ لِحِرْصِهِ فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ؛ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ، وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ؛ بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا، وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ؛ بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ، ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْض وَالطَّلَبِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ:

غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ … فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاش -بالتَّحتية المشدَّدة آخره شين معجمة- راوي قراءة عاصم، أحدُ القرَّاء السَّبعة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانُ بن عاصم الأسديُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ الغِنَى عَنْ) سببِ (كَثْرَةِ العَرَضِ) بفتح العين المهملة (١) والراء وبالضاد المعجمة، ما يُنتفع به من متاع الدُّنيا سوى النَّقدين. وقال أبو عُبيد: الأمتعةُ وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخلهُ كيلٌ ولا وزنٌ. وقال في «المشارق» -ممَّا نقله عنه في «التنقيح» -: قال ابن فارس في «المقاييس» -وذكر هذا الحديث- إنَّما سمعناه (٢) بسكون الراء، وهو كلُّ ما كان من المال غير نقدٍ، وجمعه: عروض، وأمَّا العرَض -بفتح الراء- فما يصيبه الإنسان من حظِّه في الدُّنيا. قال الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. انتهى. أي: ليس الغنى الحقيقيُّ المعتبر كثرةَ المال؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن وسَّع الله (٣) عليه في المال لا يقنع (٤) بما أُوتي، فهو يجتهدُ في الازدياد ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقيرٌ من شدَّة (٥) حرصهِ (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، ولأبي ذرٍّ بتخفيفها (الغِنَى) الحقيقيّ المعتبر الممدوح (غِنَى النَّفْسِ) بما أُوتيت وقنعها به ورضاها وعدمِ حرصها على الازديادِ والإلحاح في الطَّلب؛ لأنَّها إذا استغنت كفَّت عن المطامع، فعزَّت وعظمتْ وحصل لها من الحُظوة والنَّزاهة والشَّرف والمدح أكثر من الغنى الَّذي ينالهُ من يكون فقير النَّفس بحرصهِ، فإنَّه يورِّطه في رذائلِ الأمور وخسائسِ الأفعال؛ لدناءة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَلَيْهِ وَسلم: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّنِي أنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيالٍ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَاّ شَيْئاً أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن شبيب بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن سعيد الحبطي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى الحبطات من بني تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَضَعفه ابْن عبد الْبر تبعا لأبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ، والأزدي غير مرضِي فَلَا يتبع فِي ذَلِك.

قلت: فَلذَلِك قَالَ فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع مَقْرُونا إِسْنَاده بِإِسْنَاد آخر، وَأَبوهُ شبيب بن سعيد روى عَنهُ ابْنه أَحْمد فِي الاستقراض ومناقب عُثْمَان مُفردا، وَفِي غير مَوضِع مَقْرُونا، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.

قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث)

إِلَى آخِره ذكره البُخَارِيّ تَقْوِيَة لرِوَايَة أَحْمد بن شبيب.

والْحَدِيث مضى فِي الاستقراض عَن أَحْمد بن شبيب أَيْضا. قَوْله: (مثل أحد ذَهَبا) فِي رِوَايَة الْأَعْرَج: لَو أَن أحدكُم عِنْدِي ذَهَبا. قَوْله: (لسرني) جَوَاب. . لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي، وَهُوَ ماضٍ مُثبت كَمَا فِي قَوْلك؛ لَو قَامَ لقمت، وَذكر بَعضهم فِي شَرحه: (مَا يسرني) بِلَفْظ الْمُضَارع وبكلمة: مَا، النافية ثمَّ نقل كَلَام ابْن مَالك بِمَا ملخصه: إِن جَوَاب: لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي يكون مَاضِيا مثبتاً، وَهنا وَقع مضارعاً منفياً، ثمَّ أجَاب بِمَا ملخصه أَن الْمُضَارع هُنَا وَقع مَوضِع الْمَاضِي، وَأَيْضًا أَن الأَصْل مَا كَانَ يسرني فَحذف كَانَ وَهُوَ جَوَاب.

وَفِي هَذَا الحَدِيث: إِشَارَة إِلَى أَن الْمُؤمن لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَمَنَّى كَثْرَة المَال إلَاّ بِشَرْط أَن يُسَلِّطهُ الله تَعَالَى على إِنْفَاقه فِي طَاعَته اقتداه بالشارع فِي ذَلِك. وَفِيه: أَن الْمُبَادرَة إِلَى الطَّاعَة مَطْلُوبَة. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يكون عَلَيْهِ دين لِكَثْرَة مواساته بقوته وقوت عِيَاله، وإيثاره على نَفسه أهل الْحَاجة. وَفِيه: الرِّضَا بِالْقَلِيلِ وَالصَّبْر على خشونة الْعَيْش.

٥١ - (بابٌ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْغنى غنى النَّفس سَوَاء كَانَ الشَّخْص متصفاً بِالْمَالِ الْكثير أَو الْقَلِيل، والغنى بِالْكَسْرِ مَقْصُور وَرُبمَا مده الشَّاعِر للضَّرُورَة، وَهُوَ من الصَّوْت مَمْدُود والغناء بِالْفَتْح وَالْمدّ الْكِفَايَة، وَقَالَ بَعضهم: بَاب بِالتَّنْوِينِ.

قلت: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّنْوِين عَلامَة الْإِعْرَاب وَلَفظ بَاب مُفْرد والمعرب جُزْء الْمركب.

وقَوْلُ الله تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٥٥) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦)

فِي رِوَايَة أبي ذَر {إِلَى عاملون} وَبَقِيَّة هَذِه الْآيَة بعد بَنِينَ {نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٥) ثمَّ من بعد هَذِه الْآيَة إِلَى قَوْله: {وهم لَهَا عاملون} ثَمَان آيَات أُخْرَى، فالجملة تسع آيَات سَاقهَا الْكرْمَانِي كلهَا فِي شَرحه، ثمَّ قَالَ: غَرَض البُخَارِيّ من ذكر الْآيَة أَن المَال مُطلقًا لَيْسَ خيرا. قَوْله: (أيحسبون) الْآيَة نزلت فِي الكفاء وَلَيْسَت بمعارضة لدعائه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأنس بِكَثْرَة المَال وَالْولد، وَالْمعْنَى: أيحسبون أَن مَا نمدهم بِهِ، أَي: نعطيهم ونزيدهم من مَال وبنين مجازاة لَهُم وَخيرا؟ بل هُوَ اسْتِدْرَاج لَهُم ثمَّ بَين المسارعين إِلَى الْخيرَات من هم، فَقَالَ: {إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٧٥) أَي: خائفون {وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٨٥) أَي: يصدقون، وَهَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا فِي مدح هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ. قَوْله: {وَالَّذين يُؤْتونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ٩٥) أَي: يُعْطون مَا أعْطوا من الزَّكَاة وَالصَّدقَات، وَالْحَال أَن قُلُوبهم وَجلة أَي: خائفة أَن لَا يقبل مِنْهُم. قَوْله: {يُسَارِعُونَ} يَقُول سارعت وأسرعت بِمَعْنى وَاحِد إِلَّا أَن سارعت، أبلغ من أسرعت. قَوْله: (وهم لَهَا) أَي: إِلَيْهَا وَالتَّقْدِير: وهم يسابقونها. قَوْله: (إِلَّا وسعهَا) يَعْنِي: إلَاّ مَا يَسعهَا. قَوْله: {ولدينا كتاب} يَعْنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ {ينْطق بِالْحَقِّ} يَعْنِي: يشْهد بِمَا عملوه. قَوْله: {بل قُلُوبهم فِي غمرة} إضراب عَن وصف الْمُتَّقِينَ وشروع فِي وصف الْكفَّار. أَي: فِي غَفلَة عَن الْإِيمَان بِالْقُرْآنِ، قَالَه مقَاتل، وَقيل: فِي عماية من هَذَا، أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: {لَهُم أَعمال من دون ذَلِك} أَي: أَعمال سَيِّئَة دون الشّرك، وَقيل: دون أَعمال الْمُؤمنِينَ. قَوْله: {هم لَهَا عاملون} إِخْبَار عَمَّا سيعملونه من الْأَعْمَال الخبيثة الَّتِي كتبت عَلَيْهِم لَا بُد أَن يعملوها.

وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: لَمْ يَعْمَلُوها: لَا بُدَّ مِنْ أنْ يَعْمَلُوها

أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦) حَاصله: كتبت عَلَيْهِم أَعمال سَيِّئَة لَا بُد من أَن يعملوها قبل مَوْتهمْ ليحق عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب.

٦٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا أبُو بَكْرٍ حَدثنَا أبُو حَصِينٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عنْ كَثْرَةِ العَرِضَ ولاكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأما وَجه الْمُنَاسبَة بَين الحَدِيث وَالْآيَة هُوَ أَن خيرية المَال لَيست لذاته بل بِحَسب مَا يتَعَلَّق بِهِ وَإِن كَانَ يُسمى خيرا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ صَاحب المَال الْكثير غَنِيا لذاته بل بِحَسب تصرفه فِيهِ، فَإِن كَانَ غَنِيا فِي نَفسه لم يتَوَقَّف فِي صرفه فِي الْوَاجِبَات والمستحبات من وُجُوه الْبر والقربات، وَإِن كَانَ فِي نَفسه فَقِيرا أمْسكهُ وَامْتنع من بذله فِيمَا أَمر بِهِ خشيَة من نفاده، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة فَقير صُورَة وَمعنى، وَإِن كَانَ المَال تَحت يَده لكَونه لَا ينْتَفع بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بل رُبمَا كَانَ وبالاً عَلَيْهِ.

وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّيْمِيّ الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمَشْهُور الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أَحْمد بن بديل بن قُرَيْش اليامي الْكُوفِي.

قَوْله: (من كَثْرَة الْعرض) بِفتْحَتَيْنِ حطام الدُّنْيَا وبالسكون الْمَتَاع. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعرُوض الْأَمْتِعَة وَهِي مَا سوى الْحَيَوَان وَالْعَقار وَمَا لَا يدْخلهُ كيل وَلَا وزن، وَقَالَ ابْن فَارس: الْعرض بِالسُّكُونِ كل مَا كَانَ من المَال غير نقدوجمعه عرُوض، وَأما بِالْفَتْح فَمَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من حَظّ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} (الْأَنْفَال: ٧٦) وَقَالَ: {وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه} (الْأَعْرَاف: ٩٦١) حَاصِل معنى الحَدِيث: لَيْسَ الْغنى الْحَقِيقِيّ الْمُعْتَبر من كَثْرَة المَال، بل هُوَ من اسْتغْنَاء النَّفس وَعدم الْحِرْص على الدُّنْيَا، وَلِهَذَا ترى كثيرا من المتمولين، فَقير النَّفس مُجْتَهدا فِي الزِّيَادَة، فَهُوَ لشدَّة شرهه وَشدَّة حرصه على جمعه كَأَنَّهُ فَقير، وَأما غنى النَّفس فَهُوَ من بَاب الرِّضَا بِقَضَاء الله لعلمه أَن مَا عِنْد الله لَا ينْفد.

٦١ - (بابُ فَضْلِ الفَقِرْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْفقر، وَالْمرَاد بِهِ الْفقر الَّذِي صَاحبه راضٍ بِمَا قسم الله لَهُ وصابر على ذَلِك وَلَا يصدر من قَوْله وَفعله مَا يسْخط الله تَعَالَى، وَلَا يتْرك التكسب ويشتغل بالسؤال الَّذِي فِيهِ ذلة ومنة وَأما فُقَرَاء هَذَا الزَّمَان فَإِن أَكْثَرهم غير مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات، وفقر هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي استعاذ مِنْهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْخلاف فِي أَن الْفقر الصابر أفضل أَو الْغَنِيّ الشاكر؟ فَهُوَ مَشْهُور قد تَكَلَّمت فِيهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ.

٧٤٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيه عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ: (مَا رأيُكَ فِي هاذَا؟) فَقَالَ: رجُلٌ منْ أشْرَافِ النَّاسِ، هاذَا وَالله حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ قَالَ: فَسَكَت رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: يَا رسولَ الله! هَذا رجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هاذَا حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لَا يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ لَا يُشْفَعَ وإنْ قَالَ أنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هاذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِنْ مِثْلِ هاذا) .

(انْظُر الحَدِيث ١٩٠٥)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي من الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْأَكفاء فِي الدّين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (حري) بِفَتْح الْحَاء المهلمة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: جدير ولائق. قَوْله: (أَن ينْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لَا يشفع) أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْفَاء وَكَذَا. (لَا يسمع) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بقوله: (من مثل هَذَا) ويروى: مثل هَذَا، بِنصب: مثل، على التَّمْيِيز وَوَقع فِي (مُسْند مُحَمَّد بن هَارُون الرَّوْيَانِيّ وَفِي (فتوح مصر) لِابْنِ عبد الحكم وَفِي (مُسْند الصَّحَابَة) الَّذين نزلُوا مصر) : لمُحَمد بن الرّبيع الْحبرِي: إِن اسْم الْمَار الثَّانِي جعبد، قَالَ أَبُو عمر: جعيد بن سراقَة الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: الضمرِي، أثنى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٨٤٤٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا واثِلٍ قَالَ: عدْنا خَبَّاباً فَقَالَ: هاجَرْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُرِيدُ وجهَ الله، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى لَمْ يأخذْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذا غَطْينا رأسَهُ بَدَتْ رِجلَاهُ، وإذَا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدَا رأسُهُ، فأمَرَنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ نُغَطِّيَ رأسَهُ ونَجْعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، ومِنّا مَنْ أيْنَعتْ لهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُها.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَضِيَّة مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.

والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يجد كفناً إلَاّ مَا يواري رَأسه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (عدنا) من العيادة. قَوْله: (هاجرنا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى الْمَدِينَة بأَمْره وإذنه، وَالْمرَاد بالمعية الِاشْتِرَاك فِي حكم الْهِجْرَة، إِذْ لم يكن مَعَه إلَاّ أَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة. قَوْله: (نُرِيد وَجه الله) ويروى: يَنْبَغِي وَجه الله أَي: جِهَة مَا عِنْده من الثَّوَاب لَا جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَوَقع) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: تبت أجرنا على الله كالشيء الْوَاجِب، أَو ثَبت بِحَسب مَا وعد الْعباد.

قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: ثَبت جزاؤنا بِحَسب وعده، وَلَا يجب على الله شَيْء. قَوْله: (فَمنهمْ) أَي: فَمن الَّذين هَاجرُوا من مضى لم يَأْخُذ من أجره شَيْئا، وَفِي رِوَايَته الْمُتَقَدّمَة فِي الْجَنَائِز: فمنا من مَاتَ وَلم يَأْكُل من أجره شَيْئا، أَي: من عرض الدُّنْيَا. فَإِن قلت: الْأجر ثَوَاب الْآخِرَة.

قلت: نعم الدُّنْيَا أَيْضا من جملَة الْخَيْر، وَالْأَجْر. قَوْله: (مُصعب بن عُمَيْر) بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصى يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قصي. قَوْله: (قتل يَوْم أحد) أَي: قتل شَهِيدا فِي غَزْوَة أحد، وَكَانَ صَاحب لوآء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يومئذٍ. قَوْله: (نمرة) بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم ثمَّ رَاء: هِيَ إِزَار من صوف مخطط أَو بردة. قَوْله: (أينعت) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة أَي: حَان قطافها، واليانع النضيج ويروى: ينعَت بِدُونِ الْهمزَة وَهِي لُغَة، قَالَ الْفراء: أينعت أَكثر. قَوْله: (يهدبها) بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا أَي: يجتنيها ويقطعها.

٩٤٤٦ - حدّثنا أبُو الولِيدِ حَدثنَا سَلْمَ بنُ زَريرِ حدّثنا أبُو رجاءٍ عنْ عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (اطّلعْتُ فِي الجَنّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفقَراءَ، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلها النِّساء) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام ابْن زرير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى على وزن عَظِيم العطاردي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء عمرَان بن تيم العطاردي.

والْحَدِيث مضى فِي

صفة الْجنَّة عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا وَفِي النِّكَاح عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم.

تابَعَهُ أيُّوبُ وعَوْفٌ

أَي: تَابع أَبَا رَجَاء أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي فِي رِوَايَته عَن عمرَان بن حُصَيْن. أما مُتَابعَة أَيُّوب فوصلها النَّسَائِيّ عَن بشر بن هِلَال عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان. وَأما مُتَابعَة عَوْف فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح.

وَقَالَ صخْرٌ وحَمَّادُ بنُ نَجيحٍ: عنْ أبي رجاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.

صَخْر هُوَ ابْن جوَيْرِية الْبَصْرِيّ، وَحَمَّاد بتَشْديد الْمِيم ابْن نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الإسكاف، وَتَعْلِيق صَخْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن يحيى بن مخلد المقسمي: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَتَعْلِيق حَمَّاد رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن معمر النجراني حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن حَمَّاد بن نجيح عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس.

٠٥٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عبْدُ الوارِثِ حَدثنَا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يأكُلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عل خِوَانٍ حتَّى ماتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزاً مُرَقَّقاً حتَّى ماتَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٣٥ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على فضل القناعة والكفاف.

قلت: القناعة والكفاف من صِفَات الْفُقَرَاء الراضين بِمَا قسم الله، وَهَذَا: يدل على فضل الْفقر.

وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحجَّاج، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن الْفضل بن سهل الْأَعْرَج. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن يُوسُف.

قَوْله: (خوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضمّهَا وَهُوَ مَا يُؤْكَل عَلَيْهَا الطَّعَام عِنْد أهل التنعم وَيجمع على: خوت وأخونة.

١٥٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا أبُو أسامَةَ حدّثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: لَقَد تُوُفِّيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يأكُلُهُ ذُو وكَبِدٍ إلاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لي، فأكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٠٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن هَذِه الْحَالة تدل على اخْتِيَار الْفقر وفضله.

وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر، وَأَبُو شيبَة جده لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم، أَصله من وَاسِط وَسكن الْكُوفَة، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.

والْحَدِيث مضى فِي الْخمس: أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.

قَوْله: (وَمَا فِي رفي) ويروى: وَمَا فِي بَيْتِي، والرف بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء خَشَبَة عريضة يغرز طرفاها فِي الْجِدَار وَهُوَ شبه الطاق فِي الْبيُوت. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا فِي الْوَصَايَا من حَدِيث عمر بن الْحَارِث المصطلقي: مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَيْئا.

قلت: لَا مُخَالفَة أصلا لِأَن مُرَاده بالشَّيْء الْمَنْفِيّ مَا يتَخَلَّف عَنهُ مِمَّا كَانَ يخْتَص بِهِ، وَأما الَّذِي قالته عَائِشَة فَكَانَ بَقِيَّة نَفَقَتهَا الَّتِي تخْتَص بهَا. فَلم يتحد الموردان. قَوْله: (ذُو كبد) يَشْمَل جَمِيع الْحَيَوَانَات. قَوْله: (إلَاّ شطر شعير) أَي: بعض شعير. قَوْله: (فكلته) بِكَسْر الْكَاف. (ففني) أَي: فرغ قيل: قد مر فِي البيع فِي: بَاب الْكَيْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: كيلوا طَعَامكُمْ يُبَارك لكم، وَقَوْلها: فكلته ففني. مشْعر بِأَن الْكَيْل سَبَب عدم الْبركَة. وَأجِيب: بِأَن الْبركَة عِنْد البيع وَعدمهَا عِنْد النَّفَقَة، أَو المُرَاد: أَن مكيله بِشَرْط أَن يبْقى الْبَاقِي مَجْهُولا.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد