الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٥١
الحديث رقم ٦٤٥١ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل الفقر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وما في بيتها إلا شطر شعير، ومعناه: شيء من شعير، كما فسره الترمذي، فظلت تأكل من الشعير الذي تركه صلى الله عليه وسلم زمنًا، فلما وزنته نفد، وهذا دليل على استمرار بركته صلى الله عليه وسلم في ذلك الطعام القليل، مع عدم الكيل الدال على التوكل، فالكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتابعين، أما الكيل عند الإنفاق فغير مستحب.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ) قِيلَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا إِلَى تَحْقِيقِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى أَوْ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ: الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ الْحَصْرُ فِي ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ كُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْغِنَى عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ مَمْدُوحًا؛ بَلْ يَكُونُ مَذْمُومًا فَكَيْفَ يَفْضُلُ، وَكَذَا مَا وَرَدَ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ فَهُوَ فَقِيرُ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي تَعَوَّذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، وَالْفَقْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ عَدَمُ الْمَالِ وَالتَّقَلُّلُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْفَقْرُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ احْتِيَاجُ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، فَالْفَقْرُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِأَحَدٍ.
وَيُطْلَقُ الْفَقْرُ أَيْضًا عَلَى شَيْءٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ وَتَفَاوَتَتْ فِيهِ عِبَارَاتُهُمْ، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ نَفْضُ الْيَدِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا وَطَلَبًا، مَدْحًا وَذَمًّا، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمْ لَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقْرِ هُنَا الْفَقْرُ مِنَ الْمَالِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ فَقَالَ: طَالَ نِزَاعُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَاحْتَجَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحِيحِ وَالْوَاهِي، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا، وَحَدِيثِ سَعْدٍ الْمَاضِي فِي الْوَصَايَا: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حَيْثُ اسْتَشَارَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَحَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، وَفِي آخِرِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ فِي هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الدَاوُدِيِّ: الْفَقْرُ وَالْغِنَى مِحْنَتَانِ مِنَ اللَّهِ يَخْتَبِرُ بِهِمَا عِبَادَهُ فِي الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ مُتَقَابِلَانِ لِمَا يَعْرِضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَقْرِهِ وَغِنَاهُ مِنَ الْعَوَارِضِ فَيُمْدَحُ أَوْ يُذَمُ، وَالْفَضْلُ كُلُّهُ فِي الْكَفَافِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَقَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى هَؤُلَاءِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا … الْحَدِيثَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بِهِ الْكَفَافَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى تَفْضِيلِ الْكَفَافِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ: جَمَعَ اللَّهُ ﷾ لِنَبِيِّهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَ: الْفَقْرَ، وَالْغِنَى، وَالْكَفَافَ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوَّلَ حَالَاتِهِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوحُ فَصَارَ بِذَلِكَ فِي حَدِّ الْأَغْنِيَاءِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ بَذْلِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَالْمُوَاسَاةِ بِهِ، وَالْإِيثَارِ مَعَ اقْتِصَارِهِ مِنْهُ عَلَى مَا يَسُدُّ ضَرُورَةَ عِيَالِهِ، وَهِيَ صُورَةُ الْكَفَافِ الَّتِي
مَاتَ عَلَيْهَا قَالَ: وَهِيَ حَالَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْغِنَى الْمُطْغِي وَالْفَقْرِ الْمُؤْلِمِ، وَأَيْضًا فَصَاحِبُهَا مَعْدُودٌ فِي الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَّفَهُ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَنِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْكَفَافِ، فَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ قَهْرِ الْحَاجَةِ وَذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي غِنَى النَّفْسِ، وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُزِقَ الْكَفَافَ، وَقَنِعَ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ نَحْوَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَالْكَفَافُ الْكِفَايَةُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ مَا يَكُفُّ عَنِ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ الضَّرُورَاتِ وَلَا يُلْحِقُ بِأَهْلِ التَّرَفُّهَاتِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ حَصَلَ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَظَفِرَ بِمَرْغُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا؛ أَيِ اكْفِهِمْ مِنَ الْقُوتِ بِمَا لَا يُرْهِقُهُمْ إِلَى ذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فُضُولٌ تَبْعَثُ عَلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَآلِهِ بِأَفْضَلِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ قَالَ خَيْرُ: الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَلِيلِ الْعَمَلِ قَلِيلِ الذُّنُوبِ أَفْضَلُ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَلِ كَثِيرُ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَاقْتَنَعَ بِهِ أَمِنَ مِنْ آفَاتِ الْغِنَى وَآفَاتِ الْفَقْرِ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ لَوْ صَحَّ لَكَانَ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ نُفَيْعٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَّا وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَدْفَعُ أَصْلَ السُّؤَالِ عَنْ أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: الْغِنَى أَوِ الْفَقْرُ؟ لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنِ اتَّصَفَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ أَيُّهُمَا فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ؟ وَلِهَذَا قَالَ الدَاوُدِيُّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا: إِنَّ السُّؤَالَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَيْسَ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْهُمَا إِذَا اسْتَوَيَا بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْعَمَلِ مَا يُقَاوِمُ بِهِ عَمَلَ الْآخَرِ، قَالَ: فَعِلْمُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ انْتَهَى، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ، لَكِنْ قَالَ إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّقْوَى فَهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَهْلِ الدُّثُورِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ؛ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ بِالْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ، إِلَّا إِنْ فَسَّرَ الْأَفْضَلَ بِمَعْنَى الْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي حَصَلَ لِلنَّفْسِ مِنَ التَّطْهِيرِ لِلْأَخْلَاقِ وَالرِّيَاضَةِ لِسُوءِ الطِّبَاعِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الطَّرِيقِ عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا، وَذَلِكَ مَعَ الْفَقْرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْغِنَى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صُورَةُ الِاخْتِلَافِ فِي فَقِيرٍ لَيْسَ بِحَرِيصٍ وَغَنِيٍّ لَيْسَ بِمُمْسِكٍ؛ إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الْبَخِيلِ، وَأَنَّ الْغَنِيَّ الْمُنْفِقَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ، قَالَ: وَكُلُّ مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى مَقْصُودِهِ، فَبِهِ يَظْهَرُ فَضْلُهُ.
فَالْمَالُ لَيْسَ مَحْذُورًا لِعَيْنِهِ؛ بَلْ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعُوقُ عَنِ اللَّهِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَمْ يَشْغَلْهُ غِنَاهُ عَنِ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ شَغَلَهُ فَقْرُهُ عَنِ اللَّهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ أَخَذْتَ بِالْأَكْثَرِ فَالْفَقِيرُ عَنِ الْخَطَرِ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ الْغِنَى أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ، انْتَهَى، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ شَيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ: الْغَنِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغِنَى صِفَةُ الْخَالِقِ وَالْفَقْرُ صِفَةُ
الْمَخْلُوقِ، وَصِفَةُ الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنْ صِفَةِ الْخَلْقِ فَقَدِ اسْتَحْسَنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكِبَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي أَصْلِ النِّزَاعِ؛ إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي ذَاتِ الصِّفَتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي عَوَارِضِهِمَا، وَبَيَّنَ بَعْضُ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ كَالطَّبَرِيِّ جِهَتَهُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ مِحْنَةَ الصَّابِرِ أَشَدُّ مِنْ مِحْنَةِ الشَّاكِرِ غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ، قُلْتُ: وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُ الْآدَمِيِّ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ بِحَقِّ الصَّبْرِ أَقَلَّ مِمَّنْ يَقُومُ بِحَقِّ الشُّكْرِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا وُجِدَ بِخَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ: كَلَامُ النَّاسِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ أَيُّ الْحَالَيْنِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ حَتَّى يَتَكَسَّبَ ذَلِكَ وَيَتَخَلَّقَ بِهِ؟ هَلِ التَّقَلُّلُ مِنَ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَيَنَالَ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ، وَلَا يَنْهَمِكَ فِي الِاكْتِسَابِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ طُولِ الْحِسَابِ، أَوِ التَّشَاغُلُ بِاكْتِسَابِ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَسْتَكْثِرَ بِهِ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ فِي الدُّنْيَا وَالْبُعْدِ عَنْ زَهَرَاتِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَكَسُّبٍ مِنْهُ، كَالْمِيرَاثِ، وَسَهْمِ الْغَنِيمَةِ هَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِخْرَاجِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَتَشَاغَلَ بِتَثْمِيرِهِ لِيَسْتَكْثِرَ مِنْ نَفْعِهِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَبْذُلَ إِلَى أَنْ يَبْقَى فِي حَالِ الْكَفَافِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَدَعْوَى أَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى التَّقَلُّلِ وَالزُّهْدِ مَمْنُوعَةٌ بِالْمَشْهُورِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْقَى مَا بِيَدِهِ مَعَ التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّهِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، مَعَ الِاتِّصَافِ بِغِنَى النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ لَا يُبْقِي شَيْئًا مِمَّا فُتِحَ عَلَيْهِ بِهِ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَمَنْ تَبَحَّرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ عَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ، فَأَخْبَارُهُمْ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ فِي الْبَابِ شَاهِدٌ لِذَلِكَ.
وَالْأَدِلَّةُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَثِيرَةٌ: فَمِنَ الشِّقِّ الْأَوَّلِ بَعْضُ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الشِّقِّ الثَّانِي: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْغَنِيَّ التَّقِيَّ الْخَفِيَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ دَالٌّ لِمَا قُلْتُهُ سَوَاءٌ حَمَلْنَا الْغِنَى فِيهِ عَلَى الْمَالِ أَوْ عَلَى غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ فَيَحَصُلُ الْمَطْلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقِيِّ وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ: مَنْ يَتْرُكُ الْمَعَاصِيَ امْتِثَالًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَاجْتِنَابًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْخَفِيُّ ذُكِرَ لِلتَّتْمِيمِ؛ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ الرِّيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّرَدُّدُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَتَكَسَّبَ لِلصَّوْنِ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ، أَوْ يَتْرُكَ وَيَنْتَظِرَ مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَصَحَّ عَنْ أَحْمَدَ مَعَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: الْزَمِ السُّوقَ، وَقَالَ لِآخَرَ: اسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْهُمْ. وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمُ التَّكَسُّبَ، وَمَنْ قَالَ بِتَرْكِ التَّكَسُّبِ فَهُوَ أَحْمَقُ يُرِيدُ تَعْطِيلَ الدُّنْيَا، نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَقَالَ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْجُلُوسِ لِانْتِظَارِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَحْتَرِفْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الشَّيْءِ خ يْرٌ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ، وَأَسْنَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَتَرَكَ مَالًا: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْهُ إِلَّا لِأَصُونَ بِهِ دِينِي، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السَّلَفِ نَحْوَهُ، بَلْ نَقَلَهُ الْبَرْبَهَارِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَنَّهُ
لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ تَعَاطِيَ الرِّزْقِ مُقْتَصِرًا عَلَى مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِآيَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الْآيَةَ قَالَ: وَذَلِكَ لَا يَتِمٌّ إِلَّا بِالْمَالِ، وَأَجَابَ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْغِنَى فِي جَانِبٍ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا)؟ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ مِنْ أَوَائِلِ النِّكَاحِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا وَهُوَ خِطَابٌ لِجَمَاعَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ انْظُرْ إِلَى أَرْفَعِ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَيْنَيْكَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ فِي حُلَّةٍ الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْئُولَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَوُجِّهَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَارُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ: سَأَلَنِي رَسُولُ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ .. الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ مَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، أَوِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيِ الْمَسْئُولُ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ)؛ أَيْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ؛ أَيْ جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ قَالُوا حَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ؛ أَيْ تُجَابَ خِطْبَتُهُ (وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ؛ أَيْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ، وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: إِذَا سَأَلَ أُعْطِيَ وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) زَادَ إِبْرَاهِيمُ: مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَهْمُوزٌ.
قَوْلُهُ: (مِثْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ وَالْمُبِينَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، زَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْأُخْرَى: خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِنَ الْآخِرِ، وَطِلَاعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ؛ أَيْ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَزَادَ فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا يُعْطَى هَذَا كَمَا يُعْطَى الْآخَرُ؟ قَالَ: إِذَا أُعْطِيَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْلُهُ، وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِيَ حَسَنَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فُتُوحِ مِصْرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمَارِّ الثَّانِي وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى جُعَيْلًا؟ قُلْتُ: مِسْكِينًا كَشَكْلِهِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فُلَانًا؟ قُلْتُ: سَيِّدًا مِنَ السَّادَاتِ، قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفُلَانٌ هَكَذَا وَتَصْنَعُ بِهِ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَأْسُ قَوْمِهِ فَأَتَأَلَّفُهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضَلًا قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعَ مِائَةَ مِائَةٍ وَتَرَكْتُ جُعَيْلًا. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِثْلَ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنِّي أَتَأَلَّفُهُمَا وَأَكِلُ جُعَيْلًا إِلَى إِيمَانِهِ. وَلِجُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ أَخِيهِ عَوْفِ
بْنِ سُرَاقَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقِيلَ: فِيهِ جِعَالٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَتَخْفِيفِ ثَانِيهِ، وَلَعَلَّهُ صُغِّرَ وَقِيلَ: بَلْ هُمَا أَخَوَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّ السِّيَادَةَ بِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا لَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَظُّ مِنَ الدُّنْيَا يُعَاضُ عَنْهُ بِحَسَنَةِ الْآخِرَةِ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِلْفَقْرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِتَفْضِيلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فُضِّلَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ لَا فَقِيرَ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِفَضْلِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
قُلْتُ: يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأَوَّلَ وَالْحَيْثِيَّةُ مَرْعِيَّةٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْقِصَّةِ أَنَّ جِهَةَ تَفْضِيلِهِ إِنَّمَا هِيَ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْوَى، وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةً فِي فَقِيرٍ مُتَّقٍ وَغَنِيٍّ غَيْرِ مُتَّقٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا أَوَّلًا فِي التَّقْوَى، وَأَيْضًا فَمَا فِي التَّرْجَمَةِ تَصْرِيحٌ بِتَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ فَضِيلَةِ الْفَقْرِ أَفْضَلِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَفْضَلِيَّةِ فَقِيرٍ عَلَى غَنِيٍّ أَفَضَلِيَّةُ كُلِّ فَقِيرٍ عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْجَنَائِزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى الْمَغَازِي فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ ذُهُولًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنِ الْأَعْمَشِ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ بِهَذَا السَّنَدِ سَوَاءً حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.
قَوْلُهُ: (عُدْنَا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعِيَادَةِ.
قَوْلُهُ: (هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ)؛ أَيْ بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الِاشْتِرَاكُ فِي حُكْمِ الْهِجْرَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حِسًّا إِلَّا الصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ)؛ أَيْ جِهَةَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ لَا جِهَةَ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْهِجْرَةِ عَنِ الْأَعْمَشِ فَوَجَبَ، وَإِطْلَاقُ الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى إِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ)؛ أَيْ إِثَابَتُنَا وَجَزَاؤُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا)؛ أَيْ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَجْرِ عَلَى الْمَالِ فِي الدُّنْيَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ الْأَوَّلَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْفُتُوحِ كَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ إِلَى أَنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَوَاسَى بِهِ الْمَحَاوِيجَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا بِحَيْثُ بَقِيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْأُولَى، وَهُمْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَهَؤُلَاءِ مُلْتَحِقُونَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَالسَّرَارِيِّ أَوِ الْخَدَمِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَكْثِرْ وَهُمْ كَثِيرٌ وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فَاسْتَكْثَرَ بِالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ أَيْضًا، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَإِلَى هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ خَبَّابٌ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَمَا الْتَحَقَ بِهِ تَوَفَّرَ لَهُ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُقْتَضَى الْخَبَرِ أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا مِنْ ثَوَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ .. الْحَدِيثَ، وَمِنْ ثَمَّ آثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقَنِعُوا بِهِ إِمَّا لِيَتَوَفَّرَ لَهُمْ ثَوَابُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا لِيَكُونَ أَقَلَّ لِحِسَابِهِمْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى هِجْرَةِ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْبَرَاءُ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ الْقُرْآنَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى يُقْرِئُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ، وَكَانَ مُصْعَبٌ وَهُوَ
بِمَكَّةَ فِي ثَرْوَةٍ وَنِعْمَةٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ صَارَ فِي قِلَّةِ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوَةٍ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَآهُ لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ)؛ أَيْ شَهِيدًا، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَتَرَكَ نَمِرَةً) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، ثُمَّ رَاءٍ هِيَ إِزَارٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٍ أَوْ بُرْدَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَعَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ انْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتِ الْقَطْفَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنَعَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهِيَ لُغَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَأَيْنَعَتْ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ؛ أَيْ يَقْطِفُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ الصِّدْقِ فِي وَصْفِ أَحْوَالِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى مُكَابَدَةِ الْفَقْرِ وَصُعُوبَتِهِ مِنْ مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكَفَنَ يَكُونُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ كُلُّهُ عَوْرَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ تَفْضِيلُ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هِجْرَتَهُمْ لَمْ تَكُنْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا، وَلَا نِعْمَةٍ يَتَعَجَّلُونَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِلَّهِ خَالِصَةً؛ لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ فَتْحِ الْبِلَادِ تَوَفَّرَ لَهُ ثَوَابُهُ، وَمَنْ بَقِيَ حَتَّى نَالَ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُمْ أَجْرَ طَاعَتِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَحْرَصَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (سَلْمُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ابْنُ زَرِيرٍ) بِزَايٍّ ثُمَّ رَاءٍ وَزْنُ عَظِيمٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعَوْفٌ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَصَخْرٌ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَوْفٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ - وَهُوَ الْإِسْكَافُ - الْبَصْرِيُّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَخْرٍ - وَهُوَ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْهُ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ صَخْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ: وَقَالَ أَيُّوبُ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَا الْإِسْنَادَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَقَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَسَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ، وَصَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَ: هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَلَعَلَّ جَرِيرًا كَذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ بِالْوَجْهَيْنِ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، فَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ قَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ يُوجِبُ فَضْلَ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: أَكْثَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا الْفُقَرَاءُ إِخْبَارًا عَنِ الْحَالِ، وَلَيْسَ
الْفَقْرُ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا بِصَلَاحِهِمْ مَعَ الْفَقْرِ، فَإِنَّ الْفَقِيرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لَا يَفْضُلُ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَرْكِ التَّوَسُّعِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ فِيهِ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَدْخُلْنَ النَّارَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ: تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ: بِمَ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرُونَ بِالْإِحْسَانِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خِوَانٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَرْكُهُ ﵊ الْأَكْلَ عَلَى الْخِوَانِ وَأَكْلَ الْمُرَقَّقِ إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا اخْتِيَارًا لِطَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَالْمَالُ إِنَّمَا يُرْغَبُ فِيهِ لِيُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى، بَلْ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَالْكَفَافِ وَعَدَمِ التَّبَسُّطِ فِي مَلَاذِّ الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَرِيمًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو شَيْبَةَ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمَ، أَصْلُهُ مِنْ وَاسِطَ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ، وَقَدْ أَكْبرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا مُسْلِمٌ لَكِنْ مُسْلِمٌ يُكَنِّيهِ دَائِمًا، وَالْبُخَارِيُّ يُسَمِّيهِ وَقَلَّ أَنْ كَنَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ إِلَخْ) لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيِّ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ، فَكَانَ بَقِيَّةَ نَفَقَتِهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِدِ الْمَوْرِدَانِ.
قَوْلُهُ: (يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) شَمِلَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ وَانْتَفَى جَمِيعُ الْمَأْكُولَاتِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ) الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْضُ، وَالشَّطْرُ يُطْلَقُ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا، وَيُقَالُ: أَرَادَتْ نِصْفَ وَسْقٍ.
قَوْلُهُ: (فِي رَفٍّ لِي) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفُّ شِبْهُ الطَّاقِ فِي الْحَائِطِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الرَّفُّ خَشَبٌ يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْتِ يُوضَعُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِلْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ) بِكَسْرِ الْكَافِ (فَفَنِيَ)؛ أَيْ فَرَغَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَخْذِ مِنَ الْعَيْشِ بِالِاقْتِصَادِ وَمَا ي سُدُّ الْجَوْعَةَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ طَارِئٌ، أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ يُشِيرُ عَلَى أَهْلِهِ بِإِيثَارِهِمْ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَفَادِ مَا عِنْدَهُمْ أَوْ مُعْظَمِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَكِيلَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ مَعْلُومًا لِلْعِلْمِ بِكَيْلِهِ، وَأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الْمَكِيلِ فِيهِ الْبَرَكَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِقْدَارُهُ قُلْتُ: فِي تَعْمِيمِ كُلِّ الطَّعَامِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ لِعَائِشَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِزْوَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: ادْعُ لِي فِيهِنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: لَمْ يَعْمَلُوها: لَا بُدَّ مِنْ أنْ يَعْمَلُوها
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦) حَاصله: كتبت عَلَيْهِم أَعمال سَيِّئَة لَا بُد من أَن يعملوها قبل مَوْتهمْ ليحق عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب.
٦٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا أبُو بَكْرٍ حَدثنَا أبُو حَصِينٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عنْ كَثْرَةِ العَرِضَ ولاكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأما وَجه الْمُنَاسبَة بَين الحَدِيث وَالْآيَة هُوَ أَن خيرية المَال لَيست لذاته بل بِحَسب مَا يتَعَلَّق بِهِ وَإِن كَانَ يُسمى خيرا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ صَاحب المَال الْكثير غَنِيا لذاته بل بِحَسب تصرفه فِيهِ، فَإِن كَانَ غَنِيا فِي نَفسه لم يتَوَقَّف فِي صرفه فِي الْوَاجِبَات والمستحبات من وُجُوه الْبر والقربات، وَإِن كَانَ فِي نَفسه فَقِيرا أمْسكهُ وَامْتنع من بذله فِيمَا أَمر بِهِ خشيَة من نفاده، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة فَقير صُورَة وَمعنى، وَإِن كَانَ المَال تَحت يَده لكَونه لَا ينْتَفع بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بل رُبمَا كَانَ وبالاً عَلَيْهِ.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّيْمِيّ الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمَشْهُور الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أَحْمد بن بديل بن قُرَيْش اليامي الْكُوفِي.
قَوْله: (من كَثْرَة الْعرض) بِفتْحَتَيْنِ حطام الدُّنْيَا وبالسكون الْمَتَاع. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعرُوض الْأَمْتِعَة وَهِي مَا سوى الْحَيَوَان وَالْعَقار وَمَا لَا يدْخلهُ كيل وَلَا وزن، وَقَالَ ابْن فَارس: الْعرض بِالسُّكُونِ كل مَا كَانَ من المَال غير نقدوجمعه عرُوض، وَأما بِالْفَتْح فَمَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من حَظّ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} (الْأَنْفَال: ٧٦) وَقَالَ: {وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه} (الْأَعْرَاف: ٩٦١) حَاصِل معنى الحَدِيث: لَيْسَ الْغنى الْحَقِيقِيّ الْمُعْتَبر من كَثْرَة المَال، بل هُوَ من اسْتغْنَاء النَّفس وَعدم الْحِرْص على الدُّنْيَا، وَلِهَذَا ترى كثيرا من المتمولين، فَقير النَّفس مُجْتَهدا فِي الزِّيَادَة، فَهُوَ لشدَّة شرهه وَشدَّة حرصه على جمعه كَأَنَّهُ فَقير، وَأما غنى النَّفس فَهُوَ من بَاب الرِّضَا بِقَضَاء الله لعلمه أَن مَا عِنْد الله لَا ينْفد.
٦١ - (بابُ فَضْلِ الفَقِرْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْفقر، وَالْمرَاد بِهِ الْفقر الَّذِي صَاحبه راضٍ بِمَا قسم الله لَهُ وصابر على ذَلِك وَلَا يصدر من قَوْله وَفعله مَا يسْخط الله تَعَالَى، وَلَا يتْرك التكسب ويشتغل بالسؤال الَّذِي فِيهِ ذلة ومنة وَأما فُقَرَاء هَذَا الزَّمَان فَإِن أَكْثَرهم غير مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات، وفقر هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي استعاذ مِنْهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْخلاف فِي أَن الْفقر الصابر أفضل أَو الْغَنِيّ الشاكر؟ فَهُوَ مَشْهُور قد تَكَلَّمت فِيهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ.
٧٤٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيه عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ: (مَا رأيُكَ فِي هاذَا؟) فَقَالَ: رجُلٌ منْ أشْرَافِ النَّاسِ، هاذَا وَالله حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ قَالَ: فَسَكَت رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: يَا رسولَ الله! هَذا رجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هاذَا حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لَا يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ لَا يُشْفَعَ وإنْ قَالَ أنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هاذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِنْ مِثْلِ هاذا) .
(انْظُر الحَدِيث ١٩٠٥)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي من الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْأَكفاء فِي الدّين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (حري) بِفَتْح الْحَاء المهلمة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: جدير ولائق. قَوْله: (أَن ينْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لَا يشفع) أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْفَاء وَكَذَا. (لَا يسمع) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بقوله: (من مثل هَذَا) ويروى: مثل هَذَا، بِنصب: مثل، على التَّمْيِيز وَوَقع فِي (مُسْند مُحَمَّد بن هَارُون الرَّوْيَانِيّ وَفِي (فتوح مصر) لِابْنِ عبد الحكم وَفِي (مُسْند الصَّحَابَة) الَّذين نزلُوا مصر) : لمُحَمد بن الرّبيع الْحبرِي: إِن اسْم الْمَار الثَّانِي جعبد، قَالَ أَبُو عمر: جعيد بن سراقَة الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: الضمرِي، أثنى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٨٤٤٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا واثِلٍ قَالَ: عدْنا خَبَّاباً فَقَالَ: هاجَرْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُرِيدُ وجهَ الله، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى لَمْ يأخذْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذا غَطْينا رأسَهُ بَدَتْ رِجلَاهُ، وإذَا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدَا رأسُهُ، فأمَرَنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ نُغَطِّيَ رأسَهُ ونَجْعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، ومِنّا مَنْ أيْنَعتْ لهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَضِيَّة مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يجد كفناً إلَاّ مَا يواري رَأسه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (عدنا) من العيادة. قَوْله: (هاجرنا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى الْمَدِينَة بأَمْره وإذنه، وَالْمرَاد بالمعية الِاشْتِرَاك فِي حكم الْهِجْرَة، إِذْ لم يكن مَعَه إلَاّ أَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة. قَوْله: (نُرِيد وَجه الله) ويروى: يَنْبَغِي وَجه الله أَي: جِهَة مَا عِنْده من الثَّوَاب لَا جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَوَقع) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: تبت أجرنا على الله كالشيء الْوَاجِب، أَو ثَبت بِحَسب مَا وعد الْعباد.
قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: ثَبت جزاؤنا بِحَسب وعده، وَلَا يجب على الله شَيْء. قَوْله: (فَمنهمْ) أَي: فَمن الَّذين هَاجرُوا من مضى لم يَأْخُذ من أجره شَيْئا، وَفِي رِوَايَته الْمُتَقَدّمَة فِي الْجَنَائِز: فمنا من مَاتَ وَلم يَأْكُل من أجره شَيْئا، أَي: من عرض الدُّنْيَا. فَإِن قلت: الْأجر ثَوَاب الْآخِرَة.
قلت: نعم الدُّنْيَا أَيْضا من جملَة الْخَيْر، وَالْأَجْر. قَوْله: (مُصعب بن عُمَيْر) بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصى يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قصي. قَوْله: (قتل يَوْم أحد) أَي: قتل شَهِيدا فِي غَزْوَة أحد، وَكَانَ صَاحب لوآء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يومئذٍ. قَوْله: (نمرة) بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم ثمَّ رَاء: هِيَ إِزَار من صوف مخطط أَو بردة. قَوْله: (أينعت) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة أَي: حَان قطافها، واليانع النضيج ويروى: ينعَت بِدُونِ الْهمزَة وَهِي لُغَة، قَالَ الْفراء: أينعت أَكثر. قَوْله: (يهدبها) بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا أَي: يجتنيها ويقطعها.
٩٤٤٦ - حدّثنا أبُو الولِيدِ حَدثنَا سَلْمَ بنُ زَريرِ حدّثنا أبُو رجاءٍ عنْ عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (اطّلعْتُ فِي الجَنّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفقَراءَ، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلها النِّساء) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام ابْن زرير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى على وزن عَظِيم العطاردي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء عمرَان بن تيم العطاردي.
والْحَدِيث مضى فِي
صفة الْجنَّة عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا وَفِي النِّكَاح عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم.
تابَعَهُ أيُّوبُ وعَوْفٌ
أَي: تَابع أَبَا رَجَاء أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي فِي رِوَايَته عَن عمرَان بن حُصَيْن. أما مُتَابعَة أَيُّوب فوصلها النَّسَائِيّ عَن بشر بن هِلَال عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان. وَأما مُتَابعَة عَوْف فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح.
وَقَالَ صخْرٌ وحَمَّادُ بنُ نَجيحٍ: عنْ أبي رجاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.
صَخْر هُوَ ابْن جوَيْرِية الْبَصْرِيّ، وَحَمَّاد بتَشْديد الْمِيم ابْن نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الإسكاف، وَتَعْلِيق صَخْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن يحيى بن مخلد المقسمي: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَتَعْلِيق حَمَّاد رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن معمر النجراني حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن حَمَّاد بن نجيح عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس.
٠٥٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عبْدُ الوارِثِ حَدثنَا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يأكُلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عل خِوَانٍ حتَّى ماتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزاً مُرَقَّقاً حتَّى ماتَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على فضل القناعة والكفاف.
قلت: القناعة والكفاف من صِفَات الْفُقَرَاء الراضين بِمَا قسم الله، وَهَذَا: يدل على فضل الْفقر.
وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحجَّاج، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن الْفضل بن سهل الْأَعْرَج. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن يُوسُف.
قَوْله: (خوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضمّهَا وَهُوَ مَا يُؤْكَل عَلَيْهَا الطَّعَام عِنْد أهل التنعم وَيجمع على: خوت وأخونة.
١٥٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا أبُو أسامَةَ حدّثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: لَقَد تُوُفِّيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يأكُلُهُ ذُو وكَبِدٍ إلاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لي، فأكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن هَذِه الْحَالة تدل على اخْتِيَار الْفقر وفضله.
وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر، وَأَبُو شيبَة جده لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم، أَصله من وَاسِط وَسكن الْكُوفَة، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث مضى فِي الْخمس: أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.
قَوْله: (وَمَا فِي رفي) ويروى: وَمَا فِي بَيْتِي، والرف بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء خَشَبَة عريضة يغرز طرفاها فِي الْجِدَار وَهُوَ شبه الطاق فِي الْبيُوت. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا فِي الْوَصَايَا من حَدِيث عمر بن الْحَارِث المصطلقي: مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَيْئا.
قلت: لَا مُخَالفَة أصلا لِأَن مُرَاده بالشَّيْء الْمَنْفِيّ مَا يتَخَلَّف عَنهُ مِمَّا كَانَ يخْتَص بِهِ، وَأما الَّذِي قالته عَائِشَة فَكَانَ بَقِيَّة نَفَقَتهَا الَّتِي تخْتَص بهَا. فَلم يتحد الموردان. قَوْله: (ذُو كبد) يَشْمَل جَمِيع الْحَيَوَانَات. قَوْله: (إلَاّ شطر شعير) أَي: بعض شعير. قَوْله: (فكلته) بِكَسْر الْكَاف. (ففني) أَي: فرغ قيل: قد مر فِي البيع فِي: بَاب الْكَيْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: كيلوا طَعَامكُمْ يُبَارك لكم، وَقَوْلها: فكلته ففني. مشْعر بِأَن الْكَيْل سَبَب عدم الْبركَة. وَأجِيب: بِأَن الْبركَة عِنْد البيع وَعدمهَا عِنْد النَّفَقَة، أَو المُرَاد: أَن مكيله بِشَرْط أَن يبْقى الْبَاقِي مَجْهُولا.
٧١ - (بابٌ كَيْف كانَ عَيْشُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابِهِ وتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كيفة عَيْش النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَيْفِيَّة عَيْش أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم، وَفِي بَيَان تخليهم أَي: تَركهم الملاذ والشهوات من الدُّنْيَا.
٢٥٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ بنَحْوِ مِنْ نِصْفِ هاذَا الحَدِيثِ، حَدثنَا عُمَرُ بنُ ذَرّ حَدثنَا مُجاهِدٌ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ: الله الّذِي لَا إلاهَ إِلَّا هُوَ، إنْ كُنْتُ لأعْتَمِدُ بكَبِدي عَلى الأرْضِ مِنَ الجُوعِ، وإنْ كُنْتُ لأشُدُّ الحَجَرَ على بَطْنِي منَ الجُوعِ، ولَقَدْ قَعَدْتُ يَوْماً عَلَى طَرِيقِهِمِ الّذِي يخْرُجُونَ مِنْهُ فَمَرَّ أبُو بَكْر فَسألْتُهُ عنْ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله، مَا سألْتُهُ إلاّ ليُشبِعَنِي، فَمَرَّ ولَم يَفْعَلْ، ثمَّ مَرَّ بِي عُمرُ فَسألْتُهُ عنْ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله، مَا سألْتُهُ إلاّ لِيُشَبِعُنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أبُو القاسمِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وجْهِي، ثُمَّ قَالَ: (يَا أَبَا هِرّ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسُولَ الله} قَالَ: (إلْحَقْ) ومَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فاسْتَأذِنُ فأذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ فَقَالَ: (منْ أيْنَ هَذَا اللَّبْنُ) قالُوا: أهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَو فُلَانَةُ قَالَ: (أَبَا هِرٍّ) {قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله} قَالَ: (إلْحَقْ إِلَى أهْلِ الصُّفَّةِ فادْعُهُمْ لِي) قَالَ: وأهْلُ الصُّفَّةِ أضْيافُ الإسلامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أهْلِ وَلَا مالٍ وَلَا عَلى أحَدٍ إِذا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِها إلَيْهِمْ ولَمْ يَتَناوَلْ مِنْها شَيْئاً، وَإِذا أتَتْهُ هَديْةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ وأصابَ مِنْها وأشْرَكَهُمْ فِيها، فَساءَنِي ذالِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هاذا اللَّبَنُ فِي أهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أحَقَّ أَنا أنْ أُصيبَ مِنْ هاذا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتَقَوَّى بِها، فَإِذا جاؤوا أمَرَنِي فَكُنْتُ أَنا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَساى أنْ يَبْلُغِني منْ هذَا اللّبَنِ ولَمْ يَكُنْ مِنْ طاعَةِ الله وطاعَةِ رسولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بُدٌّ، فأتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فأقْبلُوا فاسْتَأْذَنُوا فأذِنَ لَهُمْ وأخَذُوا مَجالِسِهُمْ مِنَ البَيْتِ قَالَ: (يَا أَبَا هِر) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله {قَالَ: (خُذُ فأعْطِهِم) قَالَ: فأخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ حتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فأخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ على يدِهِ فَنَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ. فَقَالَ: (يَا أَبَا هِرٍّ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله} قَالَ: (بَقِيتُ أَنا وأنْتَ) . قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رسولَ الله! قَالَ: (اقْعُدْ فاشْرِبْ) فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ: (اشْرَبْ) فَشَرِبْتُ فَما زالَ يَقُولُ: (اشْرَبْ) حتَّى قُلْتُ: لَا والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا أجِد لهُ مَسْلكاً. قَالَ: (فأرِنِي) فأعْطَيْتُهُ القَدَحَ فَحَمِدَ الله وسَمَّى وشَرِبَ الفَضْلَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٧٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن عَيْش النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعيش أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم.
وَأَبُو نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن، وَعمر بِضَم الْعين ابْن ذَر بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي.
وَبَعض الحَدِيث مضى فِي الاسْتِئْذَان مُخْتَصرا أخرجه عَن أبي نعيم عَن عمر بن ذرو عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن عمر بن ذَر، ثمَّ أَعَادَهُ، هُنَا عَن أبي نعيم وَحده مطولا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد بن سري عَن يُونُس بن بكير عَن عمر بن ذَر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن أَحْمد بن يحيى عَن أبي نعيم.
دقوله: (بِنَحْوِ من نصف هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث الْبَاب،
قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا مُشكل لِأَن نصف الحَدِيث يبْقى بِدُونِ الْإِسْنَاد، ثمَّ إِن النّصْف مُبْهَم أهوَ النّصْف الأول أم الآخر؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ اعْتمد على مَا ذكر فِي كتاب الْأَطْعِمَة من طَرِيق يُوسُف بن عِيسَى الْمروزِي، وَهُوَ قريب من نصف هَذَا الحَدِيث، فَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَرَادَ بِالنِّصْفِ الْمَذْكُور لأبي نعيم مَا لم يذكرهُ ثمَّة، فَيصير الْكل مُسْندًا بعضه بطرِيق يُوسُف وَالْبَعْض الآخر بطرِيق أبي نعيم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الاسْتِئْذَان مُخْتَصرا، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عمر بن ذَر وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن ابْن الْمُبَارك عَن عمر بن ذَر حَدثنَا مُجَاهِد، وَكَانَ هَذَا هُوَ النّصْف الْمشَار إِلَيْهِ هَهُنَا. انْتهى. وَاعْترض عَلَيْهِ الْكرْمَانِي بقوله: لَيْسَ مَا ذكره ثمَّة نصفه وَلَا ثلثه وَلَا ربعه، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن آخَرين. أَحدهمَا: احْتِمَال أَن يكون هَذَا السِّيَاق لِابْنِ الْمُبَارك، فَإِنَّهُ لَا يتَعَيَّن كَونه لفظ أبي نعيم. وَثَانِيهمَا: أَنه منتزع من أثْنَاء الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْقِصَّة الأولى الْمُتَعَلّقَة بِأبي هُرَيْرَة، وَلَا مَا فِي آخِره من حُصُول الْبركَة فِي اللَّبن إِلَى آخِره.
قلت: فِي هَذَا النّظر نظر لِأَنَّهُ إِذا لم يتَعَيَّن كَون السِّيَاق لأبي نعيم كَذَلِك لَا يتَعَيَّن كَونه لِابْنِ الْمُبَارك، وَكَونه منتزعاً من أثْنَاء الحَدِيث لَا يضر على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (الله) بِالنّصب قسم حذف حرف الْجَرّ مِنْهُ، ويروى: وَالله، على الأَصْل. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (لأعتمد بكبدي على الأَرْض) أَي: إلصق بَطْني بِالْأَرْضِ. قَوْله: (وَإِن كنت) وَإِن هَذِه أَيْضا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (لأشد الْحجر على بَطْني) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة: لتأتي على أَحَدنَا الْأَيَّام مَا يجد طَعَاما يُقيم بِهِ صلبه حَتَّى إِن كَانَ أَحَدنَا ليَأْخُذ الْحجر فيشد بِهِ على أَخْمص بَطْنه ثمَّ يشده بِثَوْبِهِ ليقيم بِهِ صلبه، وَفَائِدَة شدّ الْحجر على الْبَطن المساعدة على الِاعْتِدَال والانتصاب على الْقيام أَو الْمَنْع من كَثْرَة التَّحَلُّل من الْغذَاء الَّذِي فِي الْبَطن لكَونهَا حِجَارَة رقاقاً تعدل الْبَطن، وَرُبمَا سدت طرف الأمعاء فَيكون الضعْف أقل، أَو تقليل حرارة الْجُوع ببرودة الْحجر، أَو الْإِشَارَة إِلَى كسر النَّفس وإلقامها الْحجر، وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب. وَقَالَ الْخطابِيّ: اشكل الْأَمر فِي شدّ الْحجر على قوم حَتَّى توهموا أَنه تَصْحِيف من الحجز بالزاي جمع الحجزة الَّتِي يشد بهَا الْإِنْسَان وَسطه، لَكِن من أَقَامَ بالحجاز عرف عَادَة أَهله فِي أَن المجاعة تصيبهم كثيرا فَإِذا خوى الْبَطن لم يكن مَعَه الانتصاب فيعمد حينئذٍ إِلَى صَفَائِح رقاق فِي طول الْكَفّ فيربطها على الْبَطن فتعتدل الْقَامَة بعض الِاعْتِدَال.
قلت: وَمِمَّنْ أنكر ربط الْحجر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : قَوْله: (على طريقهم) أَي: طَرِيق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه مِمَّن كَانَ طَرِيق مَنَازِلهمْ إِلَى الْمَسْجِد متحدة. قَوْله: (ليشبعني) من الإشباع من الْجُوع، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ليستتبعني، من الاستتباع وَهُوَ طلب أَن يتبعهُ. قَوْله: (فَمر) أَي: إِلَى حَاله وَلم يفعل أَي: الإشباع أَو الاستتباع. قَوْله: (ثمَّ مر بِي عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) كَأَنَّهُ اسْتَقر هُنَا حَتَّى مر بِهِ عمر فَوَقع أمره مَعَه مثل مَا وَقع مَعَ أبي بكر، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا حملا سُؤال أبي هُرَيْرَة على ظَاهره، وَهُوَ سُؤَاله عَن آيَة من الْقُرْآن، أَو لم يكن عِنْدهمَا شَيْء إِذْ ذَاك، ويروى أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تأسف على عدم إِدْخَاله أَبَا هُرَيْرَة فِي دَاره. قَوْله: (وَمَا فِي وَجْهي) أَي: من التَّغَيُّر فِيهِ من الْجُوع. قَوْله: (أباهر) وَوَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر فَقَالَ أَبُو هر، وَوَجهه على لُغَة من لَا يعرب الكنية وَهُوَ بتَشْديد الرَّاء وَهُوَ إِمَّا رد الِاسْم الْمُؤَنَّث إِلَى الْمُذكر أَو المصغر إِلَى المكبر فَإِن كنيته فِي الأَصْل: أَبُو هُرَيْرَة تَصْغِير هرة مؤنثاً. وَأَبُو هر مُذَكّر مكبر، وَقيل: يجوز فِيهِ تَخْفيف الرَّاء مُطلقًا، وَوَقع فِي رِوَايَة يُونُس بن بكير فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة، أَي: أَنْت أَبُو هُرَيْرَة. قَوْله: (إلحق) من اللحوق أَي: اتبعني قَوْله: (فَدخل) زَاد ابْن مسْهر: إِلَى أَهله، قَوْله: (فَاسْتَأْذن) على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر وَيُونُس: فأستادنت. قَوْله: (فَدخل) فِيهِ الْتِفَات، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر فَدخلت، وَهِي ظَاهِرَة. قَوْله: (فَوجدَ لَبَنًا فِي قدح) وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: فَإِذا هُوَ لبن فِي قدح، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَوجدَ قدحاً من اللَّبن. قَوْله: (من أَيْن هَذَا اللَّبن) زَاد روح: لكم، وَفِي رِوَايَة ابْن مسْهر: فَقَالَ لأَهله: من أَيْن لكم هَذَا؟ قَوْله: (أَو فُلَانَة) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (إلحق إِلَى أهل الصّفة) عدى: إلحق، بِكَلِمَة: إِلَى لِأَنَّهُ ضمنه معنى: انْطلق. وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة روح: انْطلق. قَوْله: (قَالَ: وَأهل الصّفة) سقط لفظ قَالَ فِي رِوَايَة روح، وَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ من كَلَام أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (وَلَا على أحد) تَعْمِيم بعد تَخْصِيص فَيشْمَل الْأَقَارِب والأصدقاء وَغَيرهم. قَوْله: (فساءني ذَلِك) وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: وَالله، وَمَعْنَاهُ أهمني ذَلِك. قَوْله: (وَمَا هَذَا اللَّبن فِي أهل الصّفة) ؟ أَي: مَا قدره فِي أهل الصّفة؟ الْوَاو فِيهِ عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا قَلِيل أَو نَحْو ذَلِك، وَمَا هَذَا؟ وَفِي رِوَايَة يُونُس بِحَذْف الْوَاو، وَفِي رِوَايَة
عَليّ بن مسْهر: وَأَيْنَ يَقع هَذَا اللَّبن من أهل الصّفة؟ قَوْله: (فَإِذا جَاءَ) كَذَا فِيهِ بِالْإِفْرَادِ فِي بعض النّسخ، أَي: إِذا جَاءَ من أَمرنِي بِطَلَبِهِ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فَإِذا جاؤوا، بِصِيغَة الْجمع كَمَا فِي نسختنا. قَوْله: (أَمرنِي) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَمَا عَسى أَن يبلغنِي من هَذَا اللَّبن) أَي: قَائِلا فِي نَفسِي: وَمَا عَسى ... قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن عَسى مقحم. قَوْله: (وَأخذُوا مجَالِسهمْ من الْبَيْت) يَعْنِي: قعد كل وَاحِد مِنْهُم فِي الْمجْلس الَّذِي يَلِيق بِهِ وَلم يذكر عَددهمْ وَقد تقدم فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي كتاب الصَّلَاة من طَرِيق أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة: رَأَيْت سبعين من أَصْحَاب الصّفة ... الحَدِيث، وَذكر فِي (الْحِلْية) : أَن عدتهمْ تقرب من الْمِائَة، وَقَالَ أَبُو نعيم: كَانَ عدد أهل الصّفة يخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الْحَال فَرُبمَا اجْتَمعُوا فكثروا، وَرُبمَا تفَرقُوا إِمَّا لغزو أَو سفر أَو اسْتغْنَاء، فَقَلُّوا، وَقيل هُنَا: كَانُوا أَكثر من سبعين. قَوْله: (خُذ) أَي: الْقدح الَّذِي فِيهِ اللَّبن فأعطهم، وَصرح هَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس. قَوْله: (حَتَّى يرْوى) بِفَتْح الْوَاو نَحْو رَضِي يرضى. قَوْله: (ثمَّ يرد على الْقدح فَأعْطِيه الرجل) قَالَ الْكرْمَانِي: الرجل الثَّانِي معرفَة معادة، فَيكون عين الأول على الْقَاعِدَة النحوية لَكِن المُرَاد غَيره: ثمَّ أجَاب بِأَن ذَلِك حَيْثُ لَا قرينَة، وَلَفظ: (حَتَّى انْتَهَيْت) قرينَة الْمُغَايرَة، كَمَا فِي قَوْله عز وَجل: {قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء} (/ آل عمرَان: ٦٢) . قَوْله: (فَتَبَسَّمَ) كَانَ ذَلِك لأجل توهم أبي هُرَيْرَة أَن لَا يفضل لَهُ من اللَّبن شَيْء. قَوْله: (فَقَالَ: أَبَا هر) أَي: يَا أَبَا هر، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة، أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبُو هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا وَجهه عَن قريب. قَوْله: (قَالَ: بقيت أَنا وَأَنت) هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من حضر من أهل الصّفة. فَأَما من كَانَ فِي الْبَيْت من أهل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يتَعَرَّض لذكرهم، وَيحْتَمل أَن لَا يكون إِذْ ذَاك فِي الْبَيْت أحد أَو كَانُوا أخذُوا كفايتهم، وَكَانَ الَّذِي فِي الْقدح نصيب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فأرني) وَفِي رِوَايَة روح (ناولني الْقدح) . قَوْله: (فَحَمدَ الله وسمى) أما الْحَمد فلحصول الْبركَة فِيهِ، وَأما التَّسْمِيَة فلإقامة السّنة عِنْد الشّرْب. (وَشرب الفضلة) أَي: الْبَقِيَّة.
وَفِيه فَوَائِد: كَثِيرَة يستخرجها من لَهُ يَد فِي تَحْرِير النّظر، وتقريب المُرَاد.
٣٥٤٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى اعنْ إسْماعِيلَ حَدثنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْداً يَقُولُ: إنِّي لأوَّلُ العَرَبِ رَماى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله، ورَأيْتُنَا نَغْزو وَمَا لَنا طَعامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ وهَذا السَّمُرُ، وإنَّ أحدَنا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أصْبحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّزُنِي على الإسْلامِ، خِبْتُ إذَا وضَلَّ سَعْيي. (انْظُر الحَدِيث ٨٢٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ بَيَان عَيْش سعد وَغَيره على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي فضل سعد عَن عَمْرو بن عَوْف وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن حبيب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لأوّل الْعَرَب) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِنِّي لأوّل رجل أهرق دَمًا فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ورأيتنا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: وَرَأَيْت أَنْفُسنَا. قَوْله: (نغزو) من الْغَزْو فِي سَبِيل الله. قَوْله: (الحبلة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بِفَتْحِهَا أَيْضا، وَهِي: ثَمَر السّلم أَو ثَمَر عَامَّة العضاه وَهِي بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة شَجرا لَهُ شوك كالطلح والعوسج. قَوْله: (السمر) بِضَم الْمِيم شجر، وَفِي مُسلم: مَا تَأْكُل الأوراق الحبلة هَذَا السمر. قَوْله: (ليضع) كِنَايَة عَن التغوط أَي: ليضع الَّذِي يخرج مِنْهُ عِنْد التغوط. قَوْله: (مَاله خلط) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام يَعْنِي لَا يخْتَلط بعضه بِبَعْض لجفافه وَشدَّة يبسه الناشىء عَن تقشف الْعَيْش. قَوْله: (بَنو أَسد) قَبيلَة وَهِي أَسد بن خُزَيْمَة. قَوْله: (تعزرني) أَي: تقومني بالتعليم على أَحْكَام الدّين وَهُوَ من التَّعْزِير وَهُوَ التَّوْقِيف على الْأَحْكَام والفرائض، وَمِنْه تَعْزِير السُّلْطَان وَهُوَ التَّقْوِيم بالتأديب. قَوْله: (على الْإِسْلَام) ويروى: على الدّين قَوْله: (خبت) من الخيبة وَهِي الحرمان والخسران. قَوْله: (وضل سعيي) ويروى: وضل عَمَلي ... قيل: كَيفَ جَازَ لسعد أَن يمدح نَفسه وَمن شَأْن الْمُؤمن ترك ذَلِك لوُرُود النَّهْي عَنهُ؟ وَأجِيب: بِأَن الْجُهَّال لما عيروه بِأَنَّهُ لَا يحسن الصَّلَاة فاضطر إِلَى ذكر فَضله والمدحة إِذا خلت عَن الْبَغي والاستطالة، وَكَانَ مَقْصُود قَائِلهَا إِظْهَار الْحق وشكر نعْمَة الله، لم يكره ذَلِك.
٤٥٤٦ - حدّثني عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عَن عائِشَةَ، قالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيالٍ تباعا حتَّى قُبِضَ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ بَيَان عَيْش آل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد وكل هَؤُلَاءِ كوفيون.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (آل مُحَمَّد) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (تباعا) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: متتابعة ومتوالية. قَوْله: (حَتَّى قبض) إِشَارَة إِلَى استمراره على تِلْكَ الْحَالة مُدَّة إِقَامَته، وَهِي عشر سِنِين بِمَا فِيهَا من أَيَّام أَسْفَاره فِي الْغَزْو وَالْحج وَالْعمْرَة.
أخرجه ابْن سعد من وَجه آخر عَن إِبْرَاهِيم: وَمَا رفع عَن مائدته كسرة خبز فضلا حَتَّى قبض، وروى عبد الرَّحْمَن بن عَابس عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: مَا شبع آل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من خبز بر مأدوم، أخرجه مُسلم، وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة يزِيد بن قسيط عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا: مَا شبع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من خبز وزيت فِي يَوْم وَاحِد مرَّتَيْنِ، وَله من طَرِيق مَسْرُوق عَنْهَا: وَالله مَا شبع من خبز وَلحم فِي يَوْم مرَّتَيْنِ، وروى ابْن سعد من طَرِيق الشّعبِيّ عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَت تَأتي عَلَيْهِ أَرْبَعَة أشهر مَا يشْبع من خبز الْبر.
٥٥٤٦ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدّثنا إسْحاقُ هُوَ الأزْرَقُ عنْ مِسْعَرِ ابنِ كِدَامٍ عنْ هِلَالٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضيَ الله عَنْهَا، قالَتْ: مَا أكلَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكْلَتَيْنِ فِي يَوحمٍ إلاّ إحْدَاهُما تَمْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو يَعْقُوب الْبَغَوِيّ يقاله لَهُ لُؤْلُؤ سكن بَغْدَاد، وَإِسْحَاق الْأَزْرَق بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء هُوَ إِسْحَاق بن يُوسُف بن يَعْقُوب الوَاسِطِيّ، ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة وبالراء ابْن كدام بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة العامري. مر فِي الْوضُوء، وهلال بن حميد وَيُقَال: ابْن أبي حميد الْوزان الْكُوفِي يروي عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.
قَوْله: (أكلتين) بِفَتْح الْهمزَة وَضمّهَا.
٦٥٤٦ - حدّثني أحْمَدُ بنُ رجاءٍ حدّثنا النَّضْرُ عنْ هِشام قَالَ: أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: كانَ فِرَاشُ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أدَمِ وحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن رَجَاء بِالْجِيم وَالْمدّ الْهَرَوِيّ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل بالشين الْمُعْجَمَة مصغر يروي، عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (من أَدَم) بِفَتْح الْهمزَة وَالدَّال الْمُهْملَة. وَأخرج ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن نمير عَن هِشَام بِلَفْظ: كَانَ ضجاع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أدماً وحشوه لِيف، والضجاع بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالجيم هُوَ مَا يرقد عَلَيْهِ.
٧٥٤٦ - حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى احدثنا قَتادَةُ قَالَ: كُنّا نأتِي أنَسَ بنَ مالِكٍ وخَبَّازُهُ قائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا فَما أعْلَمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رغِيفاً مُرَقَّقاً حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه، وَلَا رأى شَاة سَمِيطاً بِعَيْنِهِ قَطُّ. (انْظُر الحَدِيث ٥٨٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وهدبة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن سِنَان.
قَوْله: (مرققاً) قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الأرغفة الواسعة الرقيقة، يُقَال: رَقِيق ورقاق كطويل وطوال. قَوْله: (سميطاً) أَي: مشوياً، فعيل بِمَعْنى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ "عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ) قِيلَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا إِلَى تَحْقِيقِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى أَوْ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ: الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ الْحَصْرُ فِي ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ كُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْغِنَى عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ مَمْدُوحًا؛ بَلْ يَكُونُ مَذْمُومًا فَكَيْفَ يَفْضُلُ، وَكَذَا مَا وَرَدَ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيَّ النَّفْسِ فَهُوَ فَقِيرُ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي تَعَوَّذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، وَالْفَقْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ عَدَمُ الْمَالِ وَالتَّقَلُّلُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْفَقْرُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِ احْتِيَاجُ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، فَالْفَقْرُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِأَحَدٍ.
وَيُطْلَقُ الْفَقْرُ أَيْضًا عَلَى شَيْءٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ وَتَفَاوَتَتْ فِيهِ عِبَارَاتُهُمْ، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ نَفْضُ الْيَدِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا وَطَلَبًا، مَدْحًا وَذَمًّا، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمْ لَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقْرِ هُنَا الْفَقْرُ مِنَ الْمَالِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ فَقَالَ: طَالَ نِزَاعُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَاحْتَجَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحِيحِ وَالْوَاهِي، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا، وَحَدِيثِ سَعْدٍ الْمَاضِي فِي الْوَصَايَا: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حَيْثُ اسْتَشَارَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَحَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، وَفِي آخِرِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ فِي هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الدَاوُدِيِّ: الْفَقْرُ وَالْغِنَى مِحْنَتَانِ مِنَ اللَّهِ يَخْتَبِرُ بِهِمَا عِبَادَهُ فِي الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ مُتَقَابِلَانِ لِمَا يَعْرِضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي فَقْرِهِ وَغِنَاهُ مِنَ الْعَوَارِضِ فَيُمْدَحُ أَوْ يُذَمُ، وَالْفَضْلُ كُلُّهُ فِي الْكَفَافِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَقَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى هَؤُلَاءِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا … الْحَدِيثَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بِهِ الْكَفَافَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى تَفْضِيلِ الْكَفَافِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ: جَمَعَ اللَّهُ ﷾ لِنَبِيِّهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَ: الْفَقْرَ، وَالْغِنَى، وَالْكَفَافَ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوَّلَ حَالَاتِهِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ فُتِحَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوحُ فَصَارَ بِذَلِكَ فِي حَدِّ الْأَغْنِيَاءِ فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ بَذْلِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَالْمُوَاسَاةِ بِهِ، وَالْإِيثَارِ مَعَ اقْتِصَارِهِ مِنْهُ عَلَى مَا يَسُدُّ ضَرُورَةَ عِيَالِهِ، وَهِيَ صُورَةُ الْكَفَافِ الَّتِي
مَاتَ عَلَيْهَا قَالَ: وَهِيَ حَالَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْغِنَى الْمُطْغِي وَالْفَقْرِ الْمُؤْلِمِ، وَأَيْضًا فَصَاحِبُهَا مَعْدُودٌ فِي الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَّفَهُ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَنِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْكَفَافِ، فَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ قَهْرِ الْحَاجَةِ وَذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي غِنَى النَّفْسِ، وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُزِقَ الْكَفَافَ، وَقَنِعَ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ نَحْوَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَالْكَفَافُ الْكِفَايَةُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ مَا يَكُفُّ عَنِ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ الضَّرُورَاتِ وَلَا يُلْحِقُ بِأَهْلِ التَّرَفُّهَاتِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ حَصَلَ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَظَفِرَ بِمَرْغُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا؛ أَيِ اكْفِهِمْ مِنَ الْقُوتِ بِمَا لَا يُرْهِقُهُمْ إِلَى ذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فُضُولٌ تَبْعَثُ عَلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَآلِهِ بِأَفْضَلِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ قَالَ خَيْرُ: الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَلِيلِ الْعَمَلِ قَلِيلِ الذُّنُوبِ أَفْضَلُ، أَوْ رَجُلٌ كَثِيرُ الْعَمَلِ كَثِيرُ الذُّنُوبِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَاقْتَنَعَ بِهِ أَمِنَ مِنْ آفَاتِ الْغِنَى وَآفَاتِ الْفَقْرِ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ لَوْ صَحَّ لَكَانَ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ نُفَيْعٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَّا وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا.
قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَدْفَعُ أَصْلَ السُّؤَالِ عَنْ أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: الْغِنَى أَوِ الْفَقْرُ؟ لِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنِ اتَّصَفَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ أَيُّهُمَا فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ؟ وَلِهَذَا قَالَ الدَاوُدِيُّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا: إِنَّ السُّؤَالَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَيْسَ لِلْآخَرِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْهُمَا إِذَا اسْتَوَيَا بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْعَمَلِ مَا يُقَاوِمُ بِهِ عَمَلَ الْآخَرِ، قَالَ: فَعِلْمُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ انْتَهَى، وَكَذَا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ، لَكِنْ قَالَ إِذَا اسْتَوَيَا فِي التَّقْوَى فَهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَهْلِ الدُّثُورِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ؛ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ زِيَادَةِ الثَّوَابِ بِالْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ، إِلَّا إِنْ فَسَّرَ الْأَفْضَلَ بِمَعْنَى الْأَشْرَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَالَّذِي حَصَلَ لِلنَّفْسِ مِنَ التَّطْهِيرِ لِلْأَخْلَاقِ وَالرِّيَاضَةِ لِسُوءِ الطِّبَاعِ بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَشْرَفُ فَيَتَرَجَّحُ الْفَقْرُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ جُمْهُورُ الصُّوفِيَّةِ إِلَى تَرْجِيحِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الطَّرِيقِ عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا، وَذَلِكَ مَعَ الْفَقْرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْغِنَى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صُورَةُ الِاخْتِلَافِ فِي فَقِيرٍ لَيْسَ بِحَرِيصٍ وَغَنِيٍّ لَيْسَ بِمُمْسِكٍ؛ إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الْبَخِيلِ، وَأَنَّ الْغَنِيَّ الْمُنْفِقَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ الْحَرِيصِ، قَالَ: وَكُلُّ مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إِلَى مَقْصُودِهِ، فَبِهِ يَظْهَرُ فَضْلُهُ.
فَالْمَالُ لَيْسَ مَحْذُورًا لِعَيْنِهِ؛ بَلْ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعُوقُ عَنِ اللَّهِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَمْ يَشْغَلْهُ غِنَاهُ عَنِ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ شَغَلَهُ فَقْرُهُ عَنِ اللَّهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ أَخَذْتَ بِالْأَكْثَرِ فَالْفَقِيرُ عَنِ الْخَطَرِ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ الْغِنَى أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ، انْتَهَى، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ أَفْضَلُ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ شَيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ: الْغَنِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْغِنَى صِفَةُ الْخَالِقِ وَالْفَقْرُ صِفَةُ
الْمَخْلُوقِ، وَصِفَةُ الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنْ صِفَةِ الْخَلْقِ فَقَدِ اسْتَحْسَنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكِبَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي أَصْلِ النِّزَاعِ؛ إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي ذَاتِ الصِّفَتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي عَوَارِضِهِمَا، وَبَيَّنَ بَعْضُ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ كَالطَّبَرِيِّ جِهَتَهُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ مِحْنَةَ الصَّابِرِ أَشَدُّ مِنْ مِحْنَةِ الشَّاكِرِ غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ، قُلْتُ: وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُ الْآدَمِيِّ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ بِحَقِّ الصَّبْرِ أَقَلَّ مِمَّنْ يَقُومُ بِحَقِّ الشُّكْرِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا وُجِدَ بِخَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ: كَلَامُ النَّاسِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْكَفَافَ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ أَيُّ الْحَالَيْنِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ حَتَّى يَتَكَسَّبَ ذَلِكَ وَيَتَخَلَّقَ بِهِ؟ هَلِ التَّقَلُّلُ مِنَ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَيَنَالَ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ، وَلَا يَنْهَمِكَ فِي الِاكْتِسَابِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ طُولِ الْحِسَابِ، أَوِ التَّشَاغُلُ بِاكْتِسَابِ الْمَالِ أَفْضَلُ لِيَسْتَكْثِرَ بِهِ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ فِي الدُّنْيَا وَالْبُعْدِ عَنْ زَهَرَاتِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَكَسُّبٍ مِنْهُ، كَالْمِيرَاثِ، وَسَهْمِ الْغَنِيمَةِ هَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِخْرَاجِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَتَشَاغَلَ بِتَثْمِيرِهِ لِيَسْتَكْثِرَ مِنْ نَفْعِهِ الْمُتَعَدِّي؟ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَبْذُلَ إِلَى أَنْ يَبْقَى فِي حَالِ الْكَفَافِ، وَلَا يَضُرُّهُ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وَدَعْوَى أَنَّ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى التَّقَلُّلِ وَالزُّهْدِ مَمْنُوعَةٌ بِالْمَشْهُورِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمُ الْفُتُوحُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْقَى مَا بِيَدِهِ مَعَ التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّهِ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، مَعَ الِاتِّصَافِ بِغِنَى النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ لَا يُبْقِي شَيْئًا مِمَّا فُتِحَ عَلَيْهِ بِهِ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَمَنْ تَبَحَّرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ عَلِمَ صِحَّةَ ذَلِكَ، فَأَخْبَارُهُمْ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ فِي الْبَابِ شَاهِدٌ لِذَلِكَ.
وَالْأَدِلَّةُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَثِيرَةٌ: فَمِنَ الشِّقِّ الْأَوَّلِ بَعْضُ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الشِّقِّ الثَّانِي: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْغَنِيَّ التَّقِيَّ الْخَفِيَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ دَالٌّ لِمَا قُلْتُهُ سَوَاءٌ حَمَلْنَا الْغِنَى فِيهِ عَلَى الْمَالِ أَوْ عَلَى غِنَى النَّفْسِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْقِسْمَيْنِ فَيَحَصُلُ الْمَطْلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقِيِّ وَهُوَ بِالْمُثَنَّاةِ: مَنْ يَتْرُكُ الْمَعَاصِيَ امْتِثَالًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَاجْتِنَابًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْخَفِيُّ ذُكِرَ لِلتَّتْمِيمِ؛ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِ الرِّيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّرَدُّدُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَتَكَسَّبَ لِلصَّوْنِ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ، أَوْ يَتْرُكَ وَيَنْتَظِرَ مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَصَحَّ عَنْ أَحْمَدَ مَعَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ: الْزَمِ السُّوقَ، وَقَالَ لِآخَرَ: اسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْغِنَى عَنْهُمْ. وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمُ التَّكَسُّبَ، وَمَنْ قَالَ بِتَرْكِ التَّكَسُّبِ فَهُوَ أَحْمَقُ يُرِيدُ تَعْطِيلَ الدُّنْيَا، نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَقَالَ أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْجُلُوسِ لِانْتِظَارِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ جَلَسَ وَلَمْ يَحْتَرِفْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الشَّيْءِ خ يْرٌ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ، وَأَسْنَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَتَرَكَ مَالًا: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجْمَعْهُ إِلَّا لِأَصُونَ بِهِ دِينِي، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السَّلَفِ نَحْوَهُ، بَلْ نَقَلَهُ الْبَرْبَهَارِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَنَّهُ
لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ تَعَاطِيَ الرِّزْقِ مُقْتَصِرًا عَلَى مَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْغِنَى بِآيَةِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الْآيَةَ قَالَ: وَذَلِكَ لَا يَتِمٌّ إِلَّا بِالْمَالِ، وَأَجَابَ مَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْغِنَى فِي جَانِبٍ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا)؟ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ مِنْ أَوَائِلِ النِّكَاحِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا وَهُوَ خِطَابٌ لِجَمَاعَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ انْظُرْ إِلَى أَرْفَعِ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَيْنَيْكَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ فِي حُلَّةٍ الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْئُولَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَوُجِّهَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَارُّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ: سَأَلَنِي رَسُولُ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ .. الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ مَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، أَوِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ كَمَا سَأَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ)؛ أَيِ الْمَسْئُولُ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ)؛ أَيْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ؛ أَيْ جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ قَالُوا حَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ؛ أَيْ تُجَابَ خِطْبَتُهُ (وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ؛ أَيْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ، وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: إِذَا سَأَلَ أُعْطِيَ وَإِذَا حَضَرَ أُدْخِلَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) زَادَ إِبْرَاهِيمُ: مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَهْمُوزٌ.
قَوْلُهُ: (مِثْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ وَالْمُبِينَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، زَادَ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْأُخْرَى: خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِنَ الْآخِرِ، وَطِلَاعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ؛ أَيْ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ مَا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَزَادَ فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا يُعْطَى هَذَا كَمَا يُعْطَى الْآخَرُ؟ قَالَ: إِذَا أُعْطِيَ خَيْرًا فَهُوَ أَهْلُهُ، وَإِذَا صُرِفَ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِيَ حَسَنَةً، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فُتُوحِ مِصْرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمَارِّ الثَّانِي وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى جُعَيْلًا؟ قُلْتُ: مِسْكِينًا كَشَكْلِهِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فُلَانًا؟ قُلْتُ: سَيِّدًا مِنَ السَّادَاتِ، قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفُلَانٌ هَكَذَا وَتَصْنَعُ بِهِ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَأْسُ قَوْمِهِ فَأَتَأَلَّفُهُمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا أَوْ مُعْضَلًا قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعَ مِائَةَ مِائَةٍ وَتَرَكْتُ جُعَيْلًا. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِثْلَ عُيَيْنَةَ، وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنِّي أَتَأَلَّفُهُمَا وَأَكِلُ جُعَيْلًا إِلَى إِيمَانِهِ. وَلِجُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ أَخِيهِ عَوْفِ
بْنِ سُرَاقَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقِيلَ: فِيهِ جِعَالٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَتَخْفِيفِ ثَانِيهِ، وَلَعَلَّهُ صُغِّرَ وَقِيلَ: بَلْ هُمَا أَخَوَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضْلِ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّ السِّيَادَةَ بِمُجَرَّدِ الدُّنْيَا لَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَظُّ مِنَ الدُّنْيَا يُعَاضُ عَنْهُ بِحَسَنَةِ الْآخِرَةِ فَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِلْفَقْرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِتَفْضِيلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فُضِّلَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ لَا فَقِيرَ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِفَضْلِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
قُلْتُ: يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْأَوَّلَ وَالْحَيْثِيَّةُ مَرْعِيَّةٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ مِنْ سِيَاقِ طُرُقِ الْقِصَّةِ أَنَّ جِهَةَ تَفْضِيلِهِ إِنَّمَا هِيَ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْوَى، وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةً فِي فَقِيرٍ مُتَّقٍ وَغَنِيٍّ غَيْرِ مُتَّقٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا أَوَّلًا فِي التَّقْوَى، وَأَيْضًا فَمَا فِي التَّرْجَمَةِ تَصْرِيحٌ بِتَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ فَضِيلَةِ الْفَقْرِ أَفْضَلِيَّتُهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَفْضَلِيَّةِ فَقِيرٍ عَلَى غَنِيٍّ أَفَضَلِيَّةُ كُلِّ فَقِيرٍ عَلَى كُلِّ غَنِيٍّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْجَنَائِزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى الْمَغَازِي فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ ذُهُولًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (عَنِ الْأَعْمَشِ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ بِهَذَا السَّنَدِ سَوَاءً حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ.
قَوْلُهُ: (عُدْنَا) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعِيَادَةِ.
قَوْلُهُ: (هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ)؛ أَيْ بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الِاشْتِرَاكُ فِي حُكْمِ الْهِجْرَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حِسًّا إِلَّا الصِّدِّيقُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ)؛ أَيْ جِهَةَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ لَا جِهَةَ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْهِجْرَةِ عَنِ الْأَعْمَشِ فَوَجَبَ، وَإِطْلَاقُ الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى إِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ)؛ أَيْ إِثَابَتُنَا وَجَزَاؤُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا)؛ أَيْ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَجْرِ عَلَى الْمَالِ فِي الدُّنْيَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ الْأَوَّلَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْفُتُوحِ كَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاشَ إِلَى أَنْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَوَاسَى بِهِ الْمَحَاوِيجَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا بِحَيْثُ بَقِيَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْأُولَى، وَهُمْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، وَهَؤُلَاءِ مُلْتَحِقُونَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَبَسَّطَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَالسَّرَارِيِّ أَوِ الْخَدَمِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَكْثِرْ وَهُمْ كَثِيرٌ وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ فَاسْتَكْثَرَ بِالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَهُمْ كَثِيرٌ أَيْضًا، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَإِلَى هَذَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ خَبَّابٌ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَمَا الْتَحَقَ بِهِ تَوَفَّرَ لَهُ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُقْتَضَى الْخَبَرِ أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا مِنْ ثَوَابِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَفَعَهُ: مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ .. الْحَدِيثَ، وَمِنْ ثَمَّ آثَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ قِلَّةَ الْمَالِ، وَقَنِعُوا بِهِ إِمَّا لِيَتَوَفَّرَ لَهُمْ ثَوَابُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا لِيَكُونَ أَقَلَّ لِحِسَابِهِمْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى هِجْرَةِ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْبَرَاءُ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ الْقُرْآنَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ مَعَ أَهْلِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى يُقْرِئُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ، وَكَانَ مُصْعَبٌ وَهُوَ
بِمَكَّةَ فِي ثَرْوَةٍ وَنِعْمَةٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ صَارَ فِي قِلَّةِ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوَةٍ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَآهُ لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ.
قَوْلُهُ: (قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ)؛ أَيْ شَهِيدًا، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَتَرَكَ نَمِرَةً) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، ثُمَّ رَاءٍ هِيَ إِزَارٌ مِنْ صُوفٍ مُخَطَّطٍ أَوْ بُرْدَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَعَتْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ؛ أَيِ انْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتِ الْقَطْفَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَنَعَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَهِيَ لُغَةٌ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَأَيْنَعَتْ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ؛ أَيْ يَقْطِفُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ الصِّدْقِ فِي وَصْفِ أَحْوَالِهِمْ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى مُكَابَدَةِ الْفَقْرِ وَصُعُوبَتِهِ مِنْ مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ. وَفِيهِ أَنَّ الْكَفَنَ يَكُونُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ كُلُّهُ عَوْرَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَائِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ تَفْضِيلُ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ هِجْرَتَهُمْ لَمْ تَكُنْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا، وَلَا نِعْمَةٍ يَتَعَجَّلُونَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِلَّهِ خَالِصَةً؛ لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ فَتْحِ الْبِلَادِ تَوَفَّرَ لَهُ ثَوَابُهُ، وَمَنْ بَقِيَ حَتَّى نَالَ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا خَشِيَ أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُمْ أَجْرَ طَاعَتِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ أَحْرَصَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (سَلْمُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (ابْنُ زَرِيرٍ) بِزَايٍّ ثُمَّ رَاءٍ وَزْنُ عَظِيمٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعَوْفٌ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَصَخْرٌ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَوْفٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ - وَهُوَ الْإِسْكَافُ - الْبَصْرِيُّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَخْرٍ - وَهُوَ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْهُ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ صَخْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ: وَقَالَ أَيُّوبُ:، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكِلَا الْإِسْنَادَيْنِ لَيْسَ فِيهِ مَقَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَسَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ نَجِيحٍ، وَصَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَ: هَؤُلَاءِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، وَلَعَلَّ جَرِيرًا كَذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ بِالْوَجْهَيْنِ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، فَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ قَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ يُوجِبُ فَضْلَ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: أَكْثَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا الْفُقَرَاءُ إِخْبَارًا عَنِ الْحَالِ، وَلَيْسَ
الْفَقْرُ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا بِصَلَاحِهِمْ مَعَ الْفَقْرِ، فَإِنَّ الْفَقِيرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لَا يَفْضُلُ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَرْكِ التَّوَسُّعِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ فِيهِ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَدْخُلْنَ النَّارَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ: تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قِيلَ: بِمَ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرُونَ بِالْإِحْسَانِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خِوَانٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَرْكُهُ ﵊ الْأَكْلَ عَلَى الْخِوَانِ وَأَكْلَ الْمُرَقَّقِ إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا اخْتِيَارًا لِطَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَالْمَالُ إِنَّمَا يُرْغَبُ فِيهِ لِيُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى، بَلْ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَالْكَفَافِ وَعَدَمِ التَّبَسُّطِ فِي مَلَاذِّ الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ: لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَرِيمًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو شَيْبَةَ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمَ، أَصْلُهُ مِنْ وَاسِطَ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ، وَقَدْ أَكْبرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا مُسْلِمٌ لَكِنْ مُسْلِمٌ يُكَنِّيهِ دَائِمًا، وَالْبُخَارِيُّ يُسَمِّيهِ وَقَلَّ أَنْ كَنَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ إِلَخْ) لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيِّ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ، فَكَانَ بَقِيَّةَ نَفَقَتِهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِدِ الْمَوْرِدَانِ.
قَوْلُهُ: (يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) شَمِلَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ وَانْتَفَى جَمِيعُ الْمَأْكُولَاتِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ) الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْضُ، وَالشَّطْرُ يُطْلَقُ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا، وَيُقَالُ: أَرَادَتْ نِصْفَ وَسْقٍ.
قَوْلُهُ: (فِي رَفٍّ لِي) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّفُّ شِبْهُ الطَّاقِ فِي الْحَائِطِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الرَّفُّ خَشَبٌ يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْتِ يُوضَعُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِلْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ) بِكَسْرِ الْكَافِ (فَفَنِيَ)؛ أَيْ فَرَغَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَخْذِ مِنَ الْعَيْشِ بِالِاقْتِصَادِ وَمَا ي سُدُّ الْجَوْعَةَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ طَارِئٌ، أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ يُشِيرُ عَلَى أَهْلِهِ بِإِيثَارِهِمْ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَفَادِ مَا عِنْدَهُمْ أَوْ مُعْظَمِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَكِيلَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ مَعْلُومًا لِلْعِلْمِ بِكَيْلِهِ، وَأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الْمَكِيلِ فِيهِ الْبَرَكَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِقْدَارُهُ قُلْتُ: فِي تَعْمِيمِ كُلِّ الطَّعَامِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ لِعَائِشَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِزْوَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: ادْعُ لِي فِيهِنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: لَمْ يَعْمَلُوها: لَا بُدَّ مِنْ أنْ يَعْمَلُوها
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون} (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٦) حَاصله: كتبت عَلَيْهِم أَعمال سَيِّئَة لَا بُد من أَن يعملوها قبل مَوْتهمْ ليحق عَلَيْهِم كلمة الْعَذَاب.
٦٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا أبُو بَكْرٍ حَدثنَا أبُو حَصِينٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَيْسَ الغِنَى عنْ كَثْرَةِ العَرِضَ ولاكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأما وَجه الْمُنَاسبَة بَين الحَدِيث وَالْآيَة هُوَ أَن خيرية المَال لَيست لذاته بل بِحَسب مَا يتَعَلَّق بِهِ وَإِن كَانَ يُسمى خيرا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ صَاحب المَال الْكثير غَنِيا لذاته بل بِحَسب تصرفه فِيهِ، فَإِن كَانَ غَنِيا فِي نَفسه لم يتَوَقَّف فِي صرفه فِي الْوَاجِبَات والمستحبات من وُجُوه الْبر والقربات، وَإِن كَانَ فِي نَفسه فَقِيرا أمْسكهُ وَامْتنع من بذله فِيمَا أَمر بِهِ خشيَة من نفاده، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة فَقير صُورَة وَمعنى، وَإِن كَانَ المَال تَحت يَده لكَونه لَا ينْتَفع بِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بل رُبمَا كَانَ وبالاً عَلَيْهِ.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّيْمِيّ الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمَشْهُور الْكُوفِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أَحْمد بن بديل بن قُرَيْش اليامي الْكُوفِي.
قَوْله: (من كَثْرَة الْعرض) بِفتْحَتَيْنِ حطام الدُّنْيَا وبالسكون الْمَتَاع. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعرُوض الْأَمْتِعَة وَهِي مَا سوى الْحَيَوَان وَالْعَقار وَمَا لَا يدْخلهُ كيل وَلَا وزن، وَقَالَ ابْن فَارس: الْعرض بِالسُّكُونِ كل مَا كَانَ من المَال غير نقدوجمعه عرُوض، وَأما بِالْفَتْح فَمَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من حَظّ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} (الْأَنْفَال: ٧٦) وَقَالَ: {وَإِن يَأْتهمْ عرض مثله يأخذوه} (الْأَعْرَاف: ٩٦١) حَاصِل معنى الحَدِيث: لَيْسَ الْغنى الْحَقِيقِيّ الْمُعْتَبر من كَثْرَة المَال، بل هُوَ من اسْتغْنَاء النَّفس وَعدم الْحِرْص على الدُّنْيَا، وَلِهَذَا ترى كثيرا من المتمولين، فَقير النَّفس مُجْتَهدا فِي الزِّيَادَة، فَهُوَ لشدَّة شرهه وَشدَّة حرصه على جمعه كَأَنَّهُ فَقير، وَأما غنى النَّفس فَهُوَ من بَاب الرِّضَا بِقَضَاء الله لعلمه أَن مَا عِنْد الله لَا ينْفد.
٦١ - (بابُ فَضْلِ الفَقِرْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْفقر، وَالْمرَاد بِهِ الْفقر الَّذِي صَاحبه راضٍ بِمَا قسم الله لَهُ وصابر على ذَلِك وَلَا يصدر من قَوْله وَفعله مَا يسْخط الله تَعَالَى، وَلَا يتْرك التكسب ويشتغل بالسؤال الَّذِي فِيهِ ذلة ومنة وَأما فُقَرَاء هَذَا الزَّمَان فَإِن أَكْثَرهم غير مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات، وفقر هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي استعاذ مِنْهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْخلاف فِي أَن الْفقر الصابر أفضل أَو الْغَنِيّ الشاكر؟ فَهُوَ مَشْهُور قد تَكَلَّمت فِيهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ.
٧٤٤٦ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أَبِيه عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جالِسٍ: (مَا رأيُكَ فِي هاذَا؟) فَقَالَ: رجُلٌ منْ أشْرَافِ النَّاسِ، هاذَا وَالله حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ قَالَ: فَسَكَت رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟) فَقَالَ: يَا رسولَ الله! هَذا رجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، هاذَا حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لَا يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ أنْ لَا يُشْفَعَ وإنْ قَالَ أنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هاذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأرْضِ مِنْ مِثْلِ هاذا) .
(انْظُر الحَدِيث ١٩٠٥)
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي من الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، واسْمه سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْأَكفاء فِي الدّين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عَن أبي حَازِم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (حري) بِفَتْح الْحَاء المهلمة وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: جدير ولائق. قَوْله: (أَن ينْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لَا يشفع) أَيْضا على صِيغَة الْمَجْهُول بتَشْديد الْفَاء وَكَذَا. (لَا يسمع) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهِ بقوله: (من مثل هَذَا) ويروى: مثل هَذَا، بِنصب: مثل، على التَّمْيِيز وَوَقع فِي (مُسْند مُحَمَّد بن هَارُون الرَّوْيَانِيّ وَفِي (فتوح مصر) لِابْنِ عبد الحكم وَفِي (مُسْند الصَّحَابَة) الَّذين نزلُوا مصر) : لمُحَمد بن الرّبيع الْحبرِي: إِن اسْم الْمَار الثَّانِي جعبد، قَالَ أَبُو عمر: جعيد بن سراقَة الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: الضمرِي، أثنى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٨٤٤٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا واثِلٍ قَالَ: عدْنا خَبَّاباً فَقَالَ: هاجَرْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نُرِيدُ وجهَ الله، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ مَضَى لَمْ يأخذْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذا غَطْينا رأسَهُ بَدَتْ رِجلَاهُ، وإذَا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدَا رأسُهُ، فأمَرَنا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ نُغَطِّيَ رأسَهُ ونَجْعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإذْخِرِ، ومِنّا مَنْ أيْنَعتْ لهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَضِيَّة مُصعب بن عُمَيْر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا لم يجد كفناً إلَاّ مَا يواري رَأسه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (عدنا) من العيادة. قَوْله: (هاجرنا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى الْمَدِينَة بأَمْره وإذنه، وَالْمرَاد بالمعية الِاشْتِرَاك فِي حكم الْهِجْرَة، إِذْ لم يكن مَعَه إلَاّ أَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة. قَوْله: (نُرِيد وَجه الله) ويروى: يَنْبَغِي وَجه الله أَي: جِهَة مَا عِنْده من الثَّوَاب لَا جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (فَوَقع) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: تبت أجرنا على الله كالشيء الْوَاجِب، أَو ثَبت بِحَسب مَا وعد الْعباد.
قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: ثَبت جزاؤنا بِحَسب وعده، وَلَا يجب على الله شَيْء. قَوْله: (فَمنهمْ) أَي: فَمن الَّذين هَاجرُوا من مضى لم يَأْخُذ من أجره شَيْئا، وَفِي رِوَايَته الْمُتَقَدّمَة فِي الْجَنَائِز: فمنا من مَاتَ وَلم يَأْكُل من أجره شَيْئا، أَي: من عرض الدُّنْيَا. فَإِن قلت: الْأجر ثَوَاب الْآخِرَة.
قلت: نعم الدُّنْيَا أَيْضا من جملَة الْخَيْر، وَالْأَجْر. قَوْله: (مُصعب بن عُمَيْر) بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصى يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي قصي. قَوْله: (قتل يَوْم أحد) أَي: قتل شَهِيدا فِي غَزْوَة أحد، وَكَانَ صَاحب لوآء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يومئذٍ. قَوْله: (نمرة) بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم ثمَّ رَاء: هِيَ إِزَار من صوف مخطط أَو بردة. قَوْله: (أينعت) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة أَي: حَان قطافها، واليانع النضيج ويروى: ينعَت بِدُونِ الْهمزَة وَهِي لُغَة، قَالَ الْفراء: أينعت أَكثر. قَوْله: (يهدبها) بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْهَاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا أَي: يجتنيها ويقطعها.
٩٤٤٦ - حدّثنا أبُو الولِيدِ حَدثنَا سَلْمَ بنُ زَريرِ حدّثنا أبُو رجاءٍ عنْ عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (اطّلعْتُ فِي الجَنّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفقَراءَ، واطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلها النِّساء) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام ابْن زرير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الرَّاء الأولى على وزن عَظِيم العطاردي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو رَجَاء عمرَان بن تيم العطاردي.
والْحَدِيث مضى فِي
صفة الْجنَّة عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا وَفِي النِّكَاح عَن عُثْمَان بن الْهَيْثَم.
تابَعَهُ أيُّوبُ وعَوْفٌ
أَي: تَابع أَبَا رَجَاء أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وعَوْف الْمَشْهُور بالأعرابي فِي رِوَايَته عَن عمرَان بن حُصَيْن. أما مُتَابعَة أَيُّوب فوصلها النَّسَائِيّ عَن بشر بن هِلَال عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن عمرَان. وَأما مُتَابعَة عَوْف فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح.
وَقَالَ صخْرٌ وحَمَّادُ بنُ نَجيحٍ: عنْ أبي رجاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.
صَخْر هُوَ ابْن جوَيْرِية الْبَصْرِيّ، وَحَمَّاد بتَشْديد الْمِيم ابْن نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الإسكاف، وَتَعْلِيق صَخْر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن يحيى بن مخلد المقسمي: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن صَخْر بن جوَيْرِية عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس، وَتَعْلِيق حَمَّاد رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن معمر النجراني حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن حَمَّاد بن نجيح عَن أبي رَجَاء عَن ابْن عَبَّاس.
٠٥٤٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عبْدُ الوارِثِ حَدثنَا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَمْ يأكُلِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عل خِوَانٍ حتَّى ماتَ، وَمَا أكَلَ خُبْزاً مُرَقَّقاً حتَّى ماتَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٨٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على فضل القناعة والكفاف.
قلت: القناعة والكفاف من صِفَات الْفُقَرَاء الراضين بِمَا قسم الله، وَهَذَا: يدل على فضل الْفقر.
وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْحجَّاج، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن الْفضل بن سهل الْأَعْرَج. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن يُوسُف.
قَوْله: (خوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضمّهَا وَهُوَ مَا يُؤْكَل عَلَيْهَا الطَّعَام عِنْد أهل التنعم وَيجمع على: خوت وأخونة.
١٥٤٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا أبُو أسامَةَ حدّثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: لَقَد تُوُفِّيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يأكُلُهُ ذُو وكَبِدٍ إلاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لي، فأكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٩٠٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن هَذِه الْحَالة تدل على اخْتِيَار الْفقر وفضله.
وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر، وَأَبُو شيبَة جده لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم، أَصله من وَاسِط وَسكن الْكُوفَة، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث مضى فِي الْخمس: أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.
قَوْله: (وَمَا فِي رفي) ويروى: وَمَا فِي بَيْتِي، والرف بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء خَشَبَة عريضة يغرز طرفاها فِي الْجِدَار وَهُوَ شبه الطاق فِي الْبيُوت. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف مَا فِي الْوَصَايَا من حَدِيث عمر بن الْحَارِث المصطلقي: مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عِنْد مَوته دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَيْئا.
قلت: لَا مُخَالفَة أصلا لِأَن مُرَاده بالشَّيْء الْمَنْفِيّ مَا يتَخَلَّف عَنهُ مِمَّا كَانَ يخْتَص بِهِ، وَأما الَّذِي قالته عَائِشَة فَكَانَ بَقِيَّة نَفَقَتهَا الَّتِي تخْتَص بهَا. فَلم يتحد الموردان. قَوْله: (ذُو كبد) يَشْمَل جَمِيع الْحَيَوَانَات. قَوْله: (إلَاّ شطر شعير) أَي: بعض شعير. قَوْله: (فكلته) بِكَسْر الْكَاف. (ففني) أَي: فرغ قيل: قد مر فِي البيع فِي: بَاب الْكَيْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: كيلوا طَعَامكُمْ يُبَارك لكم، وَقَوْلها: فكلته ففني. مشْعر بِأَن الْكَيْل سَبَب عدم الْبركَة. وَأجِيب: بِأَن الْبركَة عِنْد البيع وَعدمهَا عِنْد النَّفَقَة، أَو المُرَاد: أَن مكيله بِشَرْط أَن يبْقى الْبَاقِي مَجْهُولا.
٧١ - (بابٌ كَيْف كانَ عَيْشُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحابِهِ وتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كيفة عَيْش النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَيْفِيَّة عَيْش أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم، وَفِي بَيَان تخليهم أَي: تَركهم الملاذ والشهوات من الدُّنْيَا.
٢٥٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ بنَحْوِ مِنْ نِصْفِ هاذَا الحَدِيثِ، حَدثنَا عُمَرُ بنُ ذَرّ حَدثنَا مُجاهِدٌ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ: الله الّذِي لَا إلاهَ إِلَّا هُوَ، إنْ كُنْتُ لأعْتَمِدُ بكَبِدي عَلى الأرْضِ مِنَ الجُوعِ، وإنْ كُنْتُ لأشُدُّ الحَجَرَ على بَطْنِي منَ الجُوعِ، ولَقَدْ قَعَدْتُ يَوْماً عَلَى طَرِيقِهِمِ الّذِي يخْرُجُونَ مِنْهُ فَمَرَّ أبُو بَكْر فَسألْتُهُ عنْ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله، مَا سألْتُهُ إلاّ ليُشبِعَنِي، فَمَرَّ ولَم يَفْعَلْ، ثمَّ مَرَّ بِي عُمرُ فَسألْتُهُ عنْ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله، مَا سألْتُهُ إلاّ لِيُشَبِعُنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أبُو القاسمِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وجْهِي، ثُمَّ قَالَ: (يَا أَبَا هِرّ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسُولَ الله} قَالَ: (إلْحَقْ) ومَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فاسْتَأذِنُ فأذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ فَقَالَ: (منْ أيْنَ هَذَا اللَّبْنُ) قالُوا: أهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَو فُلَانَةُ قَالَ: (أَبَا هِرٍّ) {قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله} قَالَ: (إلْحَقْ إِلَى أهْلِ الصُّفَّةِ فادْعُهُمْ لِي) قَالَ: وأهْلُ الصُّفَّةِ أضْيافُ الإسلامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أهْلِ وَلَا مالٍ وَلَا عَلى أحَدٍ إِذا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِها إلَيْهِمْ ولَمْ يَتَناوَلْ مِنْها شَيْئاً، وَإِذا أتَتْهُ هَديْةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ وأصابَ مِنْها وأشْرَكَهُمْ فِيها، فَساءَنِي ذالِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هاذا اللَّبَنُ فِي أهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أحَقَّ أَنا أنْ أُصيبَ مِنْ هاذا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتَقَوَّى بِها، فَإِذا جاؤوا أمَرَنِي فَكُنْتُ أَنا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَساى أنْ يَبْلُغِني منْ هذَا اللّبَنِ ولَمْ يَكُنْ مِنْ طاعَةِ الله وطاعَةِ رسولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بُدٌّ، فأتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فأقْبلُوا فاسْتَأْذَنُوا فأذِنَ لَهُمْ وأخَذُوا مَجالِسِهُمْ مِنَ البَيْتِ قَالَ: (يَا أَبَا هِر) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله {قَالَ: (خُذُ فأعْطِهِم) قَالَ: فأخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حتَّى يَرْواى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ حتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ، فأخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ على يدِهِ فَنَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ. فَقَالَ: (يَا أَبَا هِرٍّ) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله} قَالَ: (بَقِيتُ أَنا وأنْتَ) . قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رسولَ الله! قَالَ: (اقْعُدْ فاشْرِبْ) فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ: (اشْرَبْ) فَشَرِبْتُ فَما زالَ يَقُولُ: (اشْرَبْ) حتَّى قُلْتُ: لَا والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا أجِد لهُ مَسْلكاً. قَالَ: (فأرِنِي) فأعْطَيْتُهُ القَدَحَ فَحَمِدَ الله وسَمَّى وشَرِبَ الفَضْلَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٧٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن عَيْش النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعيش أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم.
وَأَبُو نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن، وَعمر بِضَم الْعين ابْن ذَر بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي.
وَبَعض الحَدِيث مضى فِي الاسْتِئْذَان مُخْتَصرا أخرجه عَن أبي نعيم عَن عمر بن ذرو عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن عمر بن ذَر، ثمَّ أَعَادَهُ، هُنَا عَن أبي نعيم وَحده مطولا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد بن سري عَن يُونُس بن بكير عَن عمر بن ذَر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن أَحْمد بن يحيى عَن أبي نعيم.
دقوله: (بِنَحْوِ من نصف هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث الْبَاب،
قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا مُشكل لِأَن نصف الحَدِيث يبْقى بِدُونِ الْإِسْنَاد، ثمَّ إِن النّصْف مُبْهَم أهوَ النّصْف الأول أم الآخر؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ اعْتمد على مَا ذكر فِي كتاب الْأَطْعِمَة من طَرِيق يُوسُف بن عِيسَى الْمروزِي، وَهُوَ قريب من نصف هَذَا الحَدِيث، فَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَرَادَ بِالنِّصْفِ الْمَذْكُور لأبي نعيم مَا لم يذكرهُ ثمَّة، فَيصير الْكل مُسْندًا بعضه بطرِيق يُوسُف وَالْبَعْض الآخر بطرِيق أبي نعيم. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الاسْتِئْذَان مُخْتَصرا، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عمر بن ذَر وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن ابْن الْمُبَارك عَن عمر بن ذَر حَدثنَا مُجَاهِد، وَكَانَ هَذَا هُوَ النّصْف الْمشَار إِلَيْهِ هَهُنَا. انْتهى. وَاعْترض عَلَيْهِ الْكرْمَانِي بقوله: لَيْسَ مَا ذكره ثمَّة نصفه وَلَا ثلثه وَلَا ربعه، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن آخَرين. أَحدهمَا: احْتِمَال أَن يكون هَذَا السِّيَاق لِابْنِ الْمُبَارك، فَإِنَّهُ لَا يتَعَيَّن كَونه لفظ أبي نعيم. وَثَانِيهمَا: أَنه منتزع من أثْنَاء الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْقِصَّة الأولى الْمُتَعَلّقَة بِأبي هُرَيْرَة، وَلَا مَا فِي آخِره من حُصُول الْبركَة فِي اللَّبن إِلَى آخِره.
قلت: فِي هَذَا النّظر نظر لِأَنَّهُ إِذا لم يتَعَيَّن كَون السِّيَاق لأبي نعيم كَذَلِك لَا يتَعَيَّن كَونه لِابْنِ الْمُبَارك، وَكَونه منتزعاً من أثْنَاء الحَدِيث لَا يضر على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (الله) بِالنّصب قسم حذف حرف الْجَرّ مِنْهُ، ويروى: وَالله، على الأَصْل. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، هَذِه مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (لأعتمد بكبدي على الأَرْض) أَي: إلصق بَطْني بِالْأَرْضِ. قَوْله: (وَإِن كنت) وَإِن هَذِه أَيْضا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (لأشد الْحجر على بَطْني) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة: لتأتي على أَحَدنَا الْأَيَّام مَا يجد طَعَاما يُقيم بِهِ صلبه حَتَّى إِن كَانَ أَحَدنَا ليَأْخُذ الْحجر فيشد بِهِ على أَخْمص بَطْنه ثمَّ يشده بِثَوْبِهِ ليقيم بِهِ صلبه، وَفَائِدَة شدّ الْحجر على الْبَطن المساعدة على الِاعْتِدَال والانتصاب على الْقيام أَو الْمَنْع من كَثْرَة التَّحَلُّل من الْغذَاء الَّذِي فِي الْبَطن لكَونهَا حِجَارَة رقاقاً تعدل الْبَطن، وَرُبمَا سدت طرف الأمعاء فَيكون الضعْف أقل، أَو تقليل حرارة الْجُوع ببرودة الْحجر، أَو الْإِشَارَة إِلَى كسر النَّفس وإلقامها الْحجر، وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب. وَقَالَ الْخطابِيّ: اشكل الْأَمر فِي شدّ الْحجر على قوم حَتَّى توهموا أَنه تَصْحِيف من الحجز بالزاي جمع الحجزة الَّتِي يشد بهَا الْإِنْسَان وَسطه، لَكِن من أَقَامَ بالحجاز عرف عَادَة أَهله فِي أَن المجاعة تصيبهم كثيرا فَإِذا خوى الْبَطن لم يكن مَعَه الانتصاب فيعمد حينئذٍ إِلَى صَفَائِح رقاق فِي طول الْكَفّ فيربطها على الْبَطن فتعتدل الْقَامَة بعض الِاعْتِدَال.
قلت: وَمِمَّنْ أنكر ربط الْحجر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : قَوْله: (على طريقهم) أَي: طَرِيق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه مِمَّن كَانَ طَرِيق مَنَازِلهمْ إِلَى الْمَسْجِد متحدة. قَوْله: (ليشبعني) من الإشباع من الْجُوع، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ليستتبعني، من الاستتباع وَهُوَ طلب أَن يتبعهُ. قَوْله: (فَمر) أَي: إِلَى حَاله وَلم يفعل أَي: الإشباع أَو الاستتباع. قَوْله: (ثمَّ مر بِي عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) كَأَنَّهُ اسْتَقر هُنَا حَتَّى مر بِهِ عمر فَوَقع أمره مَعَه مثل مَا وَقع مَعَ أبي بكر، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا حملا سُؤال أبي هُرَيْرَة على ظَاهره، وَهُوَ سُؤَاله عَن آيَة من الْقُرْآن، أَو لم يكن عِنْدهمَا شَيْء إِذْ ذَاك، ويروى أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تأسف على عدم إِدْخَاله أَبَا هُرَيْرَة فِي دَاره. قَوْله: (وَمَا فِي وَجْهي) أَي: من التَّغَيُّر فِيهِ من الْجُوع. قَوْله: (أباهر) وَوَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر فَقَالَ أَبُو هر، وَوَجهه على لُغَة من لَا يعرب الكنية وَهُوَ بتَشْديد الرَّاء وَهُوَ إِمَّا رد الِاسْم الْمُؤَنَّث إِلَى الْمُذكر أَو المصغر إِلَى المكبر فَإِن كنيته فِي الأَصْل: أَبُو هُرَيْرَة تَصْغِير هرة مؤنثاً. وَأَبُو هر مُذَكّر مكبر، وَقيل: يجوز فِيهِ تَخْفيف الرَّاء مُطلقًا، وَوَقع فِي رِوَايَة يُونُس بن بكير فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة، أَي: أَنْت أَبُو هُرَيْرَة. قَوْله: (إلحق) من اللحوق أَي: اتبعني قَوْله: (فَدخل) زَاد ابْن مسْهر: إِلَى أَهله، قَوْله: (فَاسْتَأْذن) على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر وَيُونُس: فأستادنت. قَوْله: (فَدخل) فِيهِ الْتِفَات، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر فَدخلت، وَهِي ظَاهِرَة. قَوْله: (فَوجدَ لَبَنًا فِي قدح) وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: فَإِذا هُوَ لبن فِي قدح، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَوجدَ قدحاً من اللَّبن. قَوْله: (من أَيْن هَذَا اللَّبن) زَاد روح: لكم، وَفِي رِوَايَة ابْن مسْهر: فَقَالَ لأَهله: من أَيْن لكم هَذَا؟ قَوْله: (أَو فُلَانَة) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (إلحق إِلَى أهل الصّفة) عدى: إلحق، بِكَلِمَة: إِلَى لِأَنَّهُ ضمنه معنى: انْطلق. وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة روح: انْطلق. قَوْله: (قَالَ: وَأهل الصّفة) سقط لفظ قَالَ فِي رِوَايَة روح، وَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ من كَلَام أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (وَلَا على أحد) تَعْمِيم بعد تَخْصِيص فَيشْمَل الْأَقَارِب والأصدقاء وَغَيرهم. قَوْله: (فساءني ذَلِك) وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: وَالله، وَمَعْنَاهُ أهمني ذَلِك. قَوْله: (وَمَا هَذَا اللَّبن فِي أهل الصّفة) ؟ أَي: مَا قدره فِي أهل الصّفة؟ الْوَاو فِيهِ عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا قَلِيل أَو نَحْو ذَلِك، وَمَا هَذَا؟ وَفِي رِوَايَة يُونُس بِحَذْف الْوَاو، وَفِي رِوَايَة
عَليّ بن مسْهر: وَأَيْنَ يَقع هَذَا اللَّبن من أهل الصّفة؟ قَوْله: (فَإِذا جَاءَ) كَذَا فِيهِ بِالْإِفْرَادِ فِي بعض النّسخ، أَي: إِذا جَاءَ من أَمرنِي بِطَلَبِهِ وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فَإِذا جاؤوا، بِصِيغَة الْجمع كَمَا فِي نسختنا. قَوْله: (أَمرنِي) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَمَا عَسى أَن يبلغنِي من هَذَا اللَّبن) أَي: قَائِلا فِي نَفسِي: وَمَا عَسى ... قَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن عَسى مقحم. قَوْله: (وَأخذُوا مجَالِسهمْ من الْبَيْت) يَعْنِي: قعد كل وَاحِد مِنْهُم فِي الْمجْلس الَّذِي يَلِيق بِهِ وَلم يذكر عَددهمْ وَقد تقدم فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي كتاب الصَّلَاة من طَرِيق أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة: رَأَيْت سبعين من أَصْحَاب الصّفة ... الحَدِيث، وَذكر فِي (الْحِلْية) : أَن عدتهمْ تقرب من الْمِائَة، وَقَالَ أَبُو نعيم: كَانَ عدد أهل الصّفة يخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الْحَال فَرُبمَا اجْتَمعُوا فكثروا، وَرُبمَا تفَرقُوا إِمَّا لغزو أَو سفر أَو اسْتغْنَاء، فَقَلُّوا، وَقيل هُنَا: كَانُوا أَكثر من سبعين. قَوْله: (خُذ) أَي: الْقدح الَّذِي فِيهِ اللَّبن فأعطهم، وَصرح هَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس. قَوْله: (حَتَّى يرْوى) بِفَتْح الْوَاو نَحْو رَضِي يرضى. قَوْله: (ثمَّ يرد على الْقدح فَأعْطِيه الرجل) قَالَ الْكرْمَانِي: الرجل الثَّانِي معرفَة معادة، فَيكون عين الأول على الْقَاعِدَة النحوية لَكِن المُرَاد غَيره: ثمَّ أجَاب بِأَن ذَلِك حَيْثُ لَا قرينَة، وَلَفظ: (حَتَّى انْتَهَيْت) قرينَة الْمُغَايرَة، كَمَا فِي قَوْله عز وَجل: {قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء} (/ آل عمرَان: ٦٢) . قَوْله: (فَتَبَسَّمَ) كَانَ ذَلِك لأجل توهم أبي هُرَيْرَة أَن لَا يفضل لَهُ من اللَّبن شَيْء. قَوْله: (فَقَالَ: أَبَا هر) أَي: يَا أَبَا هر، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن مسْهر: فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَة، أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبُو هُرَيْرَة، وَقد ذكرنَا وَجهه عَن قريب. قَوْله: (قَالَ: بقيت أَنا وَأَنت) هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من حضر من أهل الصّفة. فَأَما من كَانَ فِي الْبَيْت من أهل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يتَعَرَّض لذكرهم، وَيحْتَمل أَن لَا يكون إِذْ ذَاك فِي الْبَيْت أحد أَو كَانُوا أخذُوا كفايتهم، وَكَانَ الَّذِي فِي الْقدح نصيب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فأرني) وَفِي رِوَايَة روح (ناولني الْقدح) . قَوْله: (فَحَمدَ الله وسمى) أما الْحَمد فلحصول الْبركَة فِيهِ، وَأما التَّسْمِيَة فلإقامة السّنة عِنْد الشّرْب. (وَشرب الفضلة) أَي: الْبَقِيَّة.
وَفِيه فَوَائِد: كَثِيرَة يستخرجها من لَهُ يَد فِي تَحْرِير النّظر، وتقريب المُرَاد.
٣٥٤٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى اعنْ إسْماعِيلَ حَدثنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْداً يَقُولُ: إنِّي لأوَّلُ العَرَبِ رَماى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله، ورَأيْتُنَا نَغْزو وَمَا لَنا طَعامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ وهَذا السَّمُرُ، وإنَّ أحدَنا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أصْبحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّزُنِي على الإسْلامِ، خِبْتُ إذَا وضَلَّ سَعْيي. (انْظُر الحَدِيث ٨٢٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن فِيهِ بَيَان عَيْش سعد وَغَيره على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي فضل سعد عَن عَمْرو بن عَوْف وَفِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن حبيب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لأوّل الْعَرَب) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: إِنِّي لأوّل رجل أهرق دَمًا فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ورأيتنا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: وَرَأَيْت أَنْفُسنَا. قَوْله: (نغزو) من الْغَزْو فِي سَبِيل الله. قَوْله: (الحبلة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل بِفَتْحِهَا أَيْضا، وَهِي: ثَمَر السّلم أَو ثَمَر عَامَّة العضاه وَهِي بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة شَجرا لَهُ شوك كالطلح والعوسج. قَوْله: (السمر) بِضَم الْمِيم شجر، وَفِي مُسلم: مَا تَأْكُل الأوراق الحبلة هَذَا السمر. قَوْله: (ليضع) كِنَايَة عَن التغوط أَي: ليضع الَّذِي يخرج مِنْهُ عِنْد التغوط. قَوْله: (مَاله خلط) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام يَعْنِي لَا يخْتَلط بعضه بِبَعْض لجفافه وَشدَّة يبسه الناشىء عَن تقشف الْعَيْش. قَوْله: (بَنو أَسد) قَبيلَة وَهِي أَسد بن خُزَيْمَة. قَوْله: (تعزرني) أَي: تقومني بالتعليم على أَحْكَام الدّين وَهُوَ من التَّعْزِير وَهُوَ التَّوْقِيف على الْأَحْكَام والفرائض، وَمِنْه تَعْزِير السُّلْطَان وَهُوَ التَّقْوِيم بالتأديب. قَوْله: (على الْإِسْلَام) ويروى: على الدّين قَوْله: (خبت) من الخيبة وَهِي الحرمان والخسران. قَوْله: (وضل سعيي) ويروى: وضل عَمَلي ... قيل: كَيفَ جَازَ لسعد أَن يمدح نَفسه وَمن شَأْن الْمُؤمن ترك ذَلِك لوُرُود النَّهْي عَنهُ؟ وَأجِيب: بِأَن الْجُهَّال لما عيروه بِأَنَّهُ لَا يحسن الصَّلَاة فاضطر إِلَى ذكر فَضله والمدحة إِذا خلت عَن الْبَغي والاستطالة، وَكَانَ مَقْصُود قَائِلهَا إِظْهَار الْحق وشكر نعْمَة الله، لم يكره ذَلِك.
٤٥٤٦ - حدّثني عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عَن عائِشَةَ، قالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيالٍ تباعا حتَّى قُبِضَ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ بَيَان عَيْش آل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد وكل هَؤُلَاءِ كوفيون.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (آل مُحَمَّد) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (تباعا) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: متتابعة ومتوالية. قَوْله: (حَتَّى قبض) إِشَارَة إِلَى استمراره على تِلْكَ الْحَالة مُدَّة إِقَامَته، وَهِي عشر سِنِين بِمَا فِيهَا من أَيَّام أَسْفَاره فِي الْغَزْو وَالْحج وَالْعمْرَة.
أخرجه ابْن سعد من وَجه آخر عَن إِبْرَاهِيم: وَمَا رفع عَن مائدته كسرة خبز فضلا حَتَّى قبض، وروى عبد الرَّحْمَن بن عَابس عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: مَا شبع آل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من خبز بر مأدوم، أخرجه مُسلم، وروى مُسلم أَيْضا من رِوَايَة يزِيد بن قسيط عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا: مَا شبع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من خبز وزيت فِي يَوْم وَاحِد مرَّتَيْنِ، وَله من طَرِيق مَسْرُوق عَنْهَا: وَالله مَا شبع من خبز وَلحم فِي يَوْم مرَّتَيْنِ، وروى ابْن سعد من طَرِيق الشّعبِيّ عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَت تَأتي عَلَيْهِ أَرْبَعَة أشهر مَا يشْبع من خبز الْبر.
٥٥٤٦ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ حدّثنا إسْحاقُ هُوَ الأزْرَقُ عنْ مِسْعَرِ ابنِ كِدَامٍ عنْ هِلَالٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضيَ الله عَنْهَا، قالَتْ: مَا أكلَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكْلَتَيْنِ فِي يَوحمٍ إلاّ إحْدَاهُما تَمْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو يَعْقُوب الْبَغَوِيّ يقاله لَهُ لُؤْلُؤ سكن بَغْدَاد، وَإِسْحَاق الْأَزْرَق بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء هُوَ إِسْحَاق بن يُوسُف بن يَعْقُوب الوَاسِطِيّ، ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة الأولى وَفتح الثَّانِيَة وبالراء ابْن كدام بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة العامري. مر فِي الْوضُوء، وهلال بن حميد وَيُقَال: ابْن أبي حميد الْوزان الْكُوفِي يروي عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب.
قَوْله: (أكلتين) بِفَتْح الْهمزَة وَضمّهَا.
٦٥٤٦ - حدّثني أحْمَدُ بنُ رجاءٍ حدّثنا النَّضْرُ عنْ هِشام قَالَ: أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: كانَ فِرَاشُ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أدَمِ وحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن رَجَاء بِالْجِيم وَالْمدّ الْهَرَوِيّ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل بالشين الْمُعْجَمَة مصغر يروي، عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (من أَدَم) بِفَتْح الْهمزَة وَالدَّال الْمُهْملَة. وَأخرج ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن نمير عَن هِشَام بِلَفْظ: كَانَ ضجاع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أدماً وحشوه لِيف، والضجاع بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالجيم هُوَ مَا يرقد عَلَيْهِ.
٧٥٤٦ - حدّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى احدثنا قَتادَةُ قَالَ: كُنّا نأتِي أنَسَ بنَ مالِكٍ وخَبَّازُهُ قائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا فَما أعْلَمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رغِيفاً مُرَقَّقاً حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه، وَلَا رأى شَاة سَمِيطاً بِعَيْنِهِ قَطُّ. (انْظُر الحَدِيث ٥٨٣٥ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وهدبة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن سِنَان.
قَوْله: (مرققاً) قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الأرغفة الواسعة الرقيقة، يُقَال: رَقِيق ورقاق كطويل وطوال. قَوْله: (سميطاً) أَي: مشوياً، فعيل بِمَعْنى