«أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: آللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٥٢

الحديث رقم ٦٤٥٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه وتخليهم من الدنيا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٥٢ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: آللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْحَقْ، وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ، قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي، قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ، كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ

⦗٩٧⦘

فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ، حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: فَأَرِنِي، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.»

إسناد حديث رقم ٦٤٥٢ من صحيح البخاري

٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٥٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْبَرَكَةِ، قَالَ فَقَبَضَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ وَلَا تَنْثُرْ بِهِنَّ نَثْرًا، فَحَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ الْمِزْوَدُ مُعَلَّقًا بِحَقْوِي لَا يُفَارِقُهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْقَطَعَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ، وَلَا تُكْفِئْ فَيُكْفَأَ عَلَيْكَ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَنَحْوَهُ مَا وَقَعَ فِي عُكَّةِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، فَتَعْمَدُ إِلَى الْعُكَّةِ، فَتَجِدُ فِيهَا سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا النَّهْيُ مَعَ الْأَمْرِ بِكَيْلِ الطَّعَامِ، وَتَرْتِيبِ الْبَرَكَةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ بِلَفْظِ: كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَيْلَ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ أَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِهَذَا الْقَصْدِ يُنْدَبُ، وَأَمَّا الْكَيْلُ عِنْدَ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الشُّحُّ فَلِذَلِكَ كُرِهَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَبَبُ رَفْعِ النَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ وَالْكَيْلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الِالْتِفَاتُ بِعَيْنِ الْحِرْصِ مَعَ مُعَايَنَةِ إِدْرَارِ نِعَمِ اللَّهِ، وَمَوَاهِبِ كَرَامَاتِهِ وَكَثْرَةِ بَرَكَاتِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا وَالثِّقَةُ بِالَّذِي وَهَبَهَا، وَالْمَيْلُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ رُزِقَ شَيْئًا، أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ، أَوْ لُطِفَ بِهِ فِي أَمْرٍ مَا فَالْمُتَعَيِّنُ عَلَيْهِ مُوَالَاةُ الشُّكْرِ، وَرُؤْيَةُ الْمِنَّةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يُحْدِثُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَغْيِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٧ - بَاب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَتَخَلِّيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا

٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: أَللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ، وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ - أَوْ فُلَانَةُ - قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (بِنَحْوٍ) بالتَّنوين (مِنْ نِصْفِ هَذَا الحَدِيثِ) قال في «التنقيح»: هذا الموضع من عُقَدِ الكتاب؛ فإنَّه لم يذكر من حدَّثه بالنِّصف الآخر (١)، ويمكن أن يقال: اعتمدَ على السَّند الآخر الَّذي تقدَّم له في «كتاب الاستئذان» [خ¦٦٢٤٦]. انتهى. ويأتي ما في ذلك آخر الكلام على الحديث، قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ابن زرارة الهَمْدانيُّ -بسكون الميم- المُرْهِبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جَبْر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- أبو الحجَّاج المخزوميُّ مولاهم المكيُّ، الإمام في التَّفسير والعلم (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (كَانَ يَقُولُ: آللهِ) بحذف حرف الجرِّ ومدِّ الهمزة وجرِّ الهاء في الفرعِ كأصله مصحَّحًا عليها. قال في «الفتح»: كذا للأكثر بالحذف، وفي روايتنا بالخفضِ، وعن أبي ذرٍّ ممَّا رأيتُه بهامش الفرع كأصلهِ الهمزةُ بمنزلةِ وَاوِ القَسَم. انتهى.

وجوَّز بعضهم النَّصب بل قال السَّفاقسيُّ: إنَّه رواه به، وقال ابنُ جنِّي: إذا حُذف حرف القَسَم نُصِب الاسم بعده بتقديرِ الفعل، ومن العربِ من يجرُّ اسمَ الله وحده (٢) مع حذفِ حرف الجرِّ، فيقول: اللهِ لأقومنَّ، وذلك لكثرةِ ما يستعملونَهُ، وفي بعضِ الأصول: «اللهُ» بإسقاطِ الأداة والرَّفع، وفي روايةِ روح بن عبَّاد عن عمرَ بن ذرٍّ -عند أحمد-: «واللهِ» (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ) أي: لألصقُ بطني بالأرض (مِنَ الجُوعِ) أو هو (٣) كنايةٌ عن

سقوطهِ على الأرض مغشيًّا كما صَرَّحَ به في «الأطعمةِ» [خ¦٥٣٧٥]: «فلقيتُ عمر فاستقرأتُه آيةً، فمشيتُ غير بعيدٍ فخررتُ على وجهي من الجهدِ والجوع» (وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ) لتقليلِ حرارةِ الجوع ببردِ الحجر أو المساعدة على الاعتدالِ والانتصاب؛ لأنَّ البطن إذا خوى لم يمكن معه الانتصاب، فكان أهلُ الحجاز يأخذون صفائحَ رقاقًا (١) في طول الكفِّ، أو أكبرَ من الحجارةِ (٢)، فيربطها الواحد على بطنهِ وتشدُّ بعصابةٍ، فتعدِّلَ القامة (٣) بعضَ الاعتدال (وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِم) أي: النَّبيِّ وبعضِ أصحابه (الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ) من منازلهم إلى المسجد (فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ) (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) ﷿ (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) بالشين المعجمة والموحدة، من الإشباع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا ليسْتَتْبِعَنِي» بسين مهملة ساكنة ففوقية مفتوحة فأُخرى ساكنة فموحدة مكسورة فعين مهملة مفتوحة فنون مكسورة، أي: يطلبَ منِّي أن أتبعَه ليُطعمني (فَمَرَّ) بي (وَلَمْ يَفْعَلْ) أي: الإشباعَ أو الاستتباعَ (ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ) (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) ﷿ (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) من الإشباعِ أو ليستتبعنِي من الاستتباعِ، كما مرَّ عن الكُشميهنيِّ (فَمَرَّ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ولم» (يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي) من الجوعِ والاحتياج إلى ما يسدُّ الرَّمق (وَمَا فِي وَجْهِي) من التَّغيُّر وكأنَّه عرف من تغيُّر وجههِ ما في نفسهِ، واستدلَّ أبو هريرة بتبسُّمه على أنَّه عرف ما به؛ لأنَّ التَّبسُّم يكون للتَّعجُّب ولإيناسِ من يتبسَّم إليه، وحالُ أبي هريرة لم تكنْ معجبةً فترجَّحَ الحمل على الإيناسِ، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) : (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء، وكسر الهاء وتشديد الراء، ردّ المؤنَّث على المذكَّر، والمصغَّر إلى المكبَّر، ولأبي ذرٍّ: «يا أبا هِر» (٤) (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الحَقْ) بفتح الحاء، أي: اتبع (وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فاتَّبعته» (فَدَخَلَ) زاد عليُّ بن مُسْهرٍ عند

الإسماعيليِّ وابنِ حبَّان في «صحيحه»: «إلى أهلهِ» (فَاسْتَأْذَنَ) بهمزة وصل وفتح النون، بلفظ الماضِي في الفرع وغيره. وقال في «الفتح»: «فأَسْتأذنُ» بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة، فِعْلُ المتكلِّم، وعبَّر عنه بذلك مبالغةً في التَّحقُّق. وقال العينيُّ: على صيغة المتكلِّم من المضارع. ولابن مُسْهِرٍ: «فاستأذنْتُ (١)» (فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ) كذا الرِّواية بتكرار «دخلَ» قال في «الكواكب»: الثَّاني تكرارٌ للأوَّل، أو: «دخل» الأوَّل بمعنى أرادَ الدُّخول، فالاستئذانُ يكون لنفسهِ . وقال في «الفتح»: إمَّا تكرارٌ لوجود الفصلِ أو التفاتٌ، ووقع في رواية (٢) عليِّ بن مُسهر: «فدخلتُ» (٣). وهي واضحةٌ.

(فَوَجَدَ) في منزله (لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ -أَوْ: فُلَانَةُ-) بالشَّكِّ، ولم يقفْ ابنُ حجر على اسم من أهداهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أهدته» بالتَّأنيث، ثمَّ (قَالَ) : (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بإسقاط «يا» (قَالَ: الحَقْ) أي: انطلق (إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ لِي. قَالَ) أي: أبو هريرة: (وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على» (أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ) تعميمٌ بعد تخصيصٍ شاملٌ للأقارب وغيرهم، وعند ابنِ سعد من مرسل يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا فقراء لا منازلَ لهم فكانوا ينامونَ في المسجد لا مأوى لهم غيرهُ» (إِذَا أَتَتْهُ) (صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ) يخصُّهم بها (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ) ليحضروا عندَه (وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا) لأنَّه كان يقبلُ الهدية ولا يقبلُ الصَّدقة. قال أبو هُريرة: (فَسَاءَنِي ذَلِكَ) أي: قوله: «ادعُهم لي» (فَقُلْتُ) في نفسي: هذا قليلٌ (وَمَا هَذَا اللَّبَنُ) أي: وما قدر هذا اللَّبن (فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟!) والواو عاطفة على محذوفٍ، تقديره: هذا قليلٌ أو نحوه،

ولعليِّ بن مُسْهِر (١): «وأين يقع هذا اللَّبن من أهل الصُّفَّة، وأنا ورسولُ الله؟» (كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا) زاد روح: «يومِي وليلتي» وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أنا» (فَإِذَا جَاءَ) من أمرني بطلبهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «جاؤوا» (أَمَرَنِي) (فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ) «فكنتُ» عطف على جزاء «فإذا جاؤوا» فهو بمعنى الاستقبال داخلٌ تحتَ القول، والتَّقدير: عندَ نفسه، قاله في «الكواكب»، وإنَّما كان أبو هُريرة يفعلُ ذلك؛ لأنَّه كان يخدمُ النَّبيَّ (٢) (وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ) أي: يصل إليَّ بعد أن يكتفوا منه. وقال في «الكواكب»: و «ما عسى» أي: قائلًا في نفسي: وما عسى، والظَّاهر أنَّ كلمة «عسى» مُقحمة (وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا) في الدُّخول (فَأَذِنَ لَهُمْ) (وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ) أي: وجلس كلُّ واحدٍ منهم في المجلس الَّذي يليقُ به. قال في «الفتح»: ولم أقفْ على عددهِم إذ ذاك (قَالَ) : (يَا أَبَا هِرٍّ) بكسر الهاء وتشديد الراء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: خُذْ) أي: هذا القدح (فَأَعْطِهِمْ) بهمزة قطع، القدح الَّذي فيه اللَّبن (فَأَخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ) بضم همزة «أُعطيهِ» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى) بفتح الواو (ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ) الَّذي يليهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ أعطيهِ الرَّجل» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ) بتكرار «فيشربُ» (٣) ثلاثًا، وسقط قوله «حتَّى يروى ثمَّ يردُّ عليَّ القدحَ» هذه في رواية أبي ذرٍّ. وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الرَّجل الثَّاني معرفةٌ مُعادةٌ فتكون هي الأوَّلَ بعينهِ على القاعدةِ النَّحويَّة لكنَّ المرادَ غيرُه؟ وأَجاب: أنَّ ذلك حيثُ لا قرينةَ ولفظَ (٤) (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ) قرينة المغايرة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه أعطاهم واحدًا بعد واحدٍ

إلى أن كان آخرَهُم النَّبيُّ (فَأَخَذَ القَدَحَ) وقد بقيت فيه فضلةٌ (فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ) الكريمةِ (فَنَظَرَ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتية (فَتَبَسَّمَ) إشارة إلى أنَّه لم يفتْه شيءٌ ممَّا كان يظنُّ فواته من اللَّبن (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ) بحذف أداة النِّداء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «يا أبا هِر» (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ. قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ. فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: اشْرَبْ. فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ. حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: فَأَرِنِي. فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ على البركةِ، وظهور المعجزة في اللَّبن المذكور حيث رَوِيَ القوم كلُّهم وأفضلوا (وَسَمَّى) اللهَ (وَشَرِبَ الفَضْلَةَ) وفي رواية روح: «فشربَ من الفضلةِ». وفيها -كما قال في «الفتح» - إشعارٌ بأنَّه بقيَ بعد شربه شيءٌ، فإن كانتْ محفوظةً فلعلَّه أعدَّها لمن بقيَ بالبيتِ من أهلهِ .

وفي الحديث فوائدُ كثيرةٌ لا تخفَى على المتأمِّل، والله الموفِّق.

تنبيه: قوله في السَّند: «حدَّثنا أبو نعيمٍ بنحوٍ من نصف هذا الحديث». استُشكل من حيث إنَّه يستلزم أن يكون النِّصف بلا إسنادٍ وغيرَ موصولٍ؛ إذ النِّصف المذكور مبهمٌ لا يدرى أهو الأوَّل أو الثَّاني، واحتمال كون القدر المسموع له منه هو المذكور في «كتاب الاستئذان»، في «باب إذا دعي الرَّجل فجاء هل يستأذن» [خ¦٦٢٤٦] بلفظ: «حدَّثنا أبو نُعيم: حدَّثنا عمر بن ذرٍّ، وحدَّثنا محمَّد بن مقاتل: أخبرنا عبد الله: أخبرنا عمر بن ذرٍّ: أخبرنا مجاهدٌ، عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله فوجد لبنًا في قدحٍ، فقال: أبَا هريرَةَ الحَقْ أهلَ الصُّفَّةِ فادعُهُم إليَّ، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلُوا (١) فاستأذنُوا، فأذنَ لهم، فدخلوا». عورض بأنَّه ليس ثلث الحديث ولا ربعه فضلًا عن نصفهِ. وقول الحافظ زين الدِّين العراقيِّ في «نكته على ابن الصَّلاح»: إنَّ القدر المذكور في «الاستئذان» بعض الحديث المذكور في «الرِّقاق» (٢) هو القول المُعتبر المُحرَّر. قال: ويكون البخاريُّ حدَّث به عن أبي نُعيمٍ بطريق الوجادةِ، أو الإجازة، أو حملهُ عن شيخٍ آخر غير أبي نُعيم. انتهى.

وقال الحافظُ ابن حجرٍ: أو سمع بقيَّة الحديثِ من شيخٍ سمعَه من أبي نُعيم. انتهى (٣).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْبَرَكَةِ، قَالَ فَقَبَضَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ وَلَا تَنْثُرْ بِهِنَّ نَثْرًا، فَحَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ الْمِزْوَدُ مُعَلَّقًا بِحَقْوِي لَا يُفَارِقُهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْقَطَعَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ، وَلَا تُكْفِئْ فَيُكْفَأَ عَلَيْكَ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَنَحْوَهُ مَا وَقَعَ فِي عُكَّةِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، فَتَعْمَدُ إِلَى الْعُكَّةِ، فَتَجِدُ فِيهَا سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَ: لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا النَّهْيُ مَعَ الْأَمْرِ بِكَيْلِ الطَّعَامِ، وَتَرْتِيبِ الْبَرَكَةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ بِلَفْظِ: كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَيْلَ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ أَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِهَذَا الْقَصْدِ يُنْدَبُ، وَأَمَّا الْكَيْلُ عِنْدَ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الشُّحُّ فَلِذَلِكَ كُرِهَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَبَبُ رَفْعِ النَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ وَالْكَيْلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الِالْتِفَاتُ بِعَيْنِ الْحِرْصِ مَعَ مُعَايَنَةِ إِدْرَارِ نِعَمِ اللَّهِ، وَمَوَاهِبِ كَرَامَاتِهِ وَكَثْرَةِ بَرَكَاتِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا وَالثِّقَةُ بِالَّذِي وَهَبَهَا، وَالْمَيْلُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ رُزِقَ شَيْئًا، أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ، أَوْ لُطِفَ بِهِ فِي أَمْرٍ مَا فَالْمُتَعَيِّنُ عَلَيْهِ مُوَالَاةُ الشُّكْرِ، وَرُؤْيَةُ الْمِنَّةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يُحْدِثُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَغْيِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٧ - بَاب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَتَخَلِّيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا

٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: أَللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ، وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ - أَوْ فُلَانَةُ - قَالَ: أَبَا هِرٍّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (بِنَحْوٍ) بالتَّنوين (مِنْ نِصْفِ هَذَا الحَدِيثِ) قال في «التنقيح»: هذا الموضع من عُقَدِ الكتاب؛ فإنَّه لم يذكر من حدَّثه بالنِّصف الآخر (١)، ويمكن أن يقال: اعتمدَ على السَّند الآخر الَّذي تقدَّم له في «كتاب الاستئذان» [خ¦٦٢٤٦]. انتهى. ويأتي ما في ذلك آخر الكلام على الحديث، قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ابن زرارة الهَمْدانيُّ -بسكون الميم- المُرْهِبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جَبْر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- أبو الحجَّاج المخزوميُّ مولاهم المكيُّ، الإمام في التَّفسير والعلم (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (كَانَ يَقُولُ: آللهِ) بحذف حرف الجرِّ ومدِّ الهمزة وجرِّ الهاء في الفرعِ كأصله مصحَّحًا عليها. قال في «الفتح»: كذا للأكثر بالحذف، وفي روايتنا بالخفضِ، وعن أبي ذرٍّ ممَّا رأيتُه بهامش الفرع كأصلهِ الهمزةُ بمنزلةِ وَاوِ القَسَم. انتهى.

وجوَّز بعضهم النَّصب بل قال السَّفاقسيُّ: إنَّه رواه به، وقال ابنُ جنِّي: إذا حُذف حرف القَسَم نُصِب الاسم بعده بتقديرِ الفعل، ومن العربِ من يجرُّ اسمَ الله وحده (٢) مع حذفِ حرف الجرِّ، فيقول: اللهِ لأقومنَّ، وذلك لكثرةِ ما يستعملونَهُ، وفي بعضِ الأصول: «اللهُ» بإسقاطِ الأداة والرَّفع، وفي روايةِ روح بن عبَّاد عن عمرَ بن ذرٍّ -عند أحمد-: «واللهِ» (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ) أي: لألصقُ بطني بالأرض (مِنَ الجُوعِ) أو هو (٣) كنايةٌ عن

سقوطهِ على الأرض مغشيًّا كما صَرَّحَ به في «الأطعمةِ» [خ¦٥٣٧٥]: «فلقيتُ عمر فاستقرأتُه آيةً، فمشيتُ غير بعيدٍ فخررتُ على وجهي من الجهدِ والجوع» (وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ) لتقليلِ حرارةِ الجوع ببردِ الحجر أو المساعدة على الاعتدالِ والانتصاب؛ لأنَّ البطن إذا خوى لم يمكن معه الانتصاب، فكان أهلُ الحجاز يأخذون صفائحَ رقاقًا (١) في طول الكفِّ، أو أكبرَ من الحجارةِ (٢)، فيربطها الواحد على بطنهِ وتشدُّ بعصابةٍ، فتعدِّلَ القامة (٣) بعضَ الاعتدال (وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِم) أي: النَّبيِّ وبعضِ أصحابه (الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ) من منازلهم إلى المسجد (فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ) (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) ﷿ (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) بالشين المعجمة والموحدة، من الإشباع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا ليسْتَتْبِعَنِي» بسين مهملة ساكنة ففوقية مفتوحة فأُخرى ساكنة فموحدة مكسورة فعين مهملة مفتوحة فنون مكسورة، أي: يطلبَ منِّي أن أتبعَه ليُطعمني (فَمَرَّ) بي (وَلَمْ يَفْعَلْ) أي: الإشباعَ أو الاستتباعَ (ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ) (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) ﷿ (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) من الإشباعِ أو ليستتبعنِي من الاستتباعِ، كما مرَّ عن الكُشميهنيِّ (فَمَرَّ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ولم» (يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي) من الجوعِ والاحتياج إلى ما يسدُّ الرَّمق (وَمَا فِي وَجْهِي) من التَّغيُّر وكأنَّه عرف من تغيُّر وجههِ ما في نفسهِ، واستدلَّ أبو هريرة بتبسُّمه على أنَّه عرف ما به؛ لأنَّ التَّبسُّم يكون للتَّعجُّب ولإيناسِ من يتبسَّم إليه، وحالُ أبي هريرة لم تكنْ معجبةً فترجَّحَ الحمل على الإيناسِ، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) : (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء، وكسر الهاء وتشديد الراء، ردّ المؤنَّث على المذكَّر، والمصغَّر إلى المكبَّر، ولأبي ذرٍّ: «يا أبا هِر» (٤) (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الحَقْ) بفتح الحاء، أي: اتبع (وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فاتَّبعته» (فَدَخَلَ) زاد عليُّ بن مُسْهرٍ عند

الإسماعيليِّ وابنِ حبَّان في «صحيحه»: «إلى أهلهِ» (فَاسْتَأْذَنَ) بهمزة وصل وفتح النون، بلفظ الماضِي في الفرع وغيره. وقال في «الفتح»: «فأَسْتأذنُ» بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة، فِعْلُ المتكلِّم، وعبَّر عنه بذلك مبالغةً في التَّحقُّق. وقال العينيُّ: على صيغة المتكلِّم من المضارع. ولابن مُسْهِرٍ: «فاستأذنْتُ (١)» (فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ) كذا الرِّواية بتكرار «دخلَ» قال في «الكواكب»: الثَّاني تكرارٌ للأوَّل، أو: «دخل» الأوَّل بمعنى أرادَ الدُّخول، فالاستئذانُ يكون لنفسهِ . وقال في «الفتح»: إمَّا تكرارٌ لوجود الفصلِ أو التفاتٌ، ووقع في رواية (٢) عليِّ بن مُسهر: «فدخلتُ» (٣). وهي واضحةٌ.

(فَوَجَدَ) في منزله (لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ -أَوْ: فُلَانَةُ-) بالشَّكِّ، ولم يقفْ ابنُ حجر على اسم من أهداهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أهدته» بالتَّأنيث، ثمَّ (قَالَ) : (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بإسقاط «يا» (قَالَ: الحَقْ) أي: انطلق (إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ لِي. قَالَ) أي: أبو هريرة: (وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على» (أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ) تعميمٌ بعد تخصيصٍ شاملٌ للأقارب وغيرهم، وعند ابنِ سعد من مرسل يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا فقراء لا منازلَ لهم فكانوا ينامونَ في المسجد لا مأوى لهم غيرهُ» (إِذَا أَتَتْهُ) (صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ) يخصُّهم بها (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ) ليحضروا عندَه (وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا) لأنَّه كان يقبلُ الهدية ولا يقبلُ الصَّدقة. قال أبو هُريرة: (فَسَاءَنِي ذَلِكَ) أي: قوله: «ادعُهم لي» (فَقُلْتُ) في نفسي: هذا قليلٌ (وَمَا هَذَا اللَّبَنُ) أي: وما قدر هذا اللَّبن (فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟!) والواو عاطفة على محذوفٍ، تقديره: هذا قليلٌ أو نحوه،

ولعليِّ بن مُسْهِر (١): «وأين يقع هذا اللَّبن من أهل الصُّفَّة، وأنا ورسولُ الله؟» (كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا) زاد روح: «يومِي وليلتي» وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أنا» (فَإِذَا جَاءَ) من أمرني بطلبهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «جاؤوا» (أَمَرَنِي) (فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ) «فكنتُ» عطف على جزاء «فإذا جاؤوا» فهو بمعنى الاستقبال داخلٌ تحتَ القول، والتَّقدير: عندَ نفسه، قاله في «الكواكب»، وإنَّما كان أبو هُريرة يفعلُ ذلك؛ لأنَّه كان يخدمُ النَّبيَّ (٢) (وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ) أي: يصل إليَّ بعد أن يكتفوا منه. وقال في «الكواكب»: و «ما عسى» أي: قائلًا في نفسي: وما عسى، والظَّاهر أنَّ كلمة «عسى» مُقحمة (وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا) في الدُّخول (فَأَذِنَ لَهُمْ) (وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ) أي: وجلس كلُّ واحدٍ منهم في المجلس الَّذي يليقُ به. قال في «الفتح»: ولم أقفْ على عددهِم إذ ذاك (قَالَ) : (يَا أَبَا هِرٍّ) بكسر الهاء وتشديد الراء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: خُذْ) أي: هذا القدح (فَأَعْطِهِمْ) بهمزة قطع، القدح الَّذي فيه اللَّبن (فَأَخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ) بضم همزة «أُعطيهِ» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى) بفتح الواو (ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ) الَّذي يليهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ أعطيهِ الرَّجل» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ) بتكرار «فيشربُ» (٣) ثلاثًا، وسقط قوله «حتَّى يروى ثمَّ يردُّ عليَّ القدحَ» هذه في رواية أبي ذرٍّ. وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الرَّجل الثَّاني معرفةٌ مُعادةٌ فتكون هي الأوَّلَ بعينهِ على القاعدةِ النَّحويَّة لكنَّ المرادَ غيرُه؟ وأَجاب: أنَّ ذلك حيثُ لا قرينةَ ولفظَ (٤) (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ) قرينة المغايرة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه أعطاهم واحدًا بعد واحدٍ

إلى أن كان آخرَهُم النَّبيُّ (فَأَخَذَ القَدَحَ) وقد بقيت فيه فضلةٌ (فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ) الكريمةِ (فَنَظَرَ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتية (فَتَبَسَّمَ) إشارة إلى أنَّه لم يفتْه شيءٌ ممَّا كان يظنُّ فواته من اللَّبن (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ) بحذف أداة النِّداء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «يا أبا هِر» (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ. قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ. فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: اشْرَبْ. فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ. حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: فَأَرِنِي. فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ على البركةِ، وظهور المعجزة في اللَّبن المذكور حيث رَوِيَ القوم كلُّهم وأفضلوا (وَسَمَّى) اللهَ (وَشَرِبَ الفَضْلَةَ) وفي رواية روح: «فشربَ من الفضلةِ». وفيها -كما قال في «الفتح» - إشعارٌ بأنَّه بقيَ بعد شربه شيءٌ، فإن كانتْ محفوظةً فلعلَّه أعدَّها لمن بقيَ بالبيتِ من أهلهِ .

وفي الحديث فوائدُ كثيرةٌ لا تخفَى على المتأمِّل، والله الموفِّق.

تنبيه: قوله في السَّند: «حدَّثنا أبو نعيمٍ بنحوٍ من نصف هذا الحديث». استُشكل من حيث إنَّه يستلزم أن يكون النِّصف بلا إسنادٍ وغيرَ موصولٍ؛ إذ النِّصف المذكور مبهمٌ لا يدرى أهو الأوَّل أو الثَّاني، واحتمال كون القدر المسموع له منه هو المذكور في «كتاب الاستئذان»، في «باب إذا دعي الرَّجل فجاء هل يستأذن» [خ¦٦٢٤٦] بلفظ: «حدَّثنا أبو نُعيم: حدَّثنا عمر بن ذرٍّ، وحدَّثنا محمَّد بن مقاتل: أخبرنا عبد الله: أخبرنا عمر بن ذرٍّ: أخبرنا مجاهدٌ، عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله فوجد لبنًا في قدحٍ، فقال: أبَا هريرَةَ الحَقْ أهلَ الصُّفَّةِ فادعُهُم إليَّ، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلُوا (١) فاستأذنُوا، فأذنَ لهم، فدخلوا». عورض بأنَّه ليس ثلث الحديث ولا ربعه فضلًا عن نصفهِ. وقول الحافظ زين الدِّين العراقيِّ في «نكته على ابن الصَّلاح»: إنَّ القدر المذكور في «الاستئذان» بعض الحديث المذكور في «الرِّقاق» (٢) هو القول المُعتبر المُحرَّر. قال: ويكون البخاريُّ حدَّث به عن أبي نُعيمٍ بطريق الوجادةِ، أو الإجازة، أو حملهُ عن شيخٍ آخر غير أبي نُعيم. انتهى.

وقال الحافظُ ابن حجرٍ: أو سمع بقيَّة الحديثِ من شيخٍ سمعَه من أبي نُعيم. انتهى (٣).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر