«إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٦٩

الحديث رقم ٦٤٦٩ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرجاء مع الخوف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٦٩ في صحيح البخاري

«إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ، لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ.»

بَابُ الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وَقَالَ عُمَرُ وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ

إسناد حديث رقم ٦٤٦٩ من صحيح البخاري

٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأسْ مِنْ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ)؛ أَيِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَا يَقْطَعُ النَّظَرَ فِي الرَّجَاءِ عَنِ الْخَوْفِ، وَلَا فِي الْخَوْفِ عَنِ الرَّجَاءِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ فِي الْأَوَّلِ إِلَى الْمَكْرِ، وَفِي الثَّانِي إِلَى الْقُنُوطِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الرَّجَاءِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، وَيَرْجُو أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُ ذَنْبَهُ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ مِنْهُ طَاعَةٌ يَرْجُو قَبُولَهَا، وَأَمَّا مَنِ انْهَمَكَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ رَاجِيًا عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِغَيْرِ نَدَمٍ وَلَا إِقْلَاعٍ فَهَذَا فِي غُرُورٍ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي عُثْمَانَ الْجِيزِيِّ: مِنْ عَلَامَةِ السَّعَادَةِ أَنْ تُطِيعَ وَتَخَافَ أَنْ لَا تُقْبَلَ، وَمِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاءِ أَنْ تَعْصِيَ وَتَرْجُوَ أَنْ تَنْجُوَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَيَخَافُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي الصِّحَّةِ أَكْثَرَ، وَفِي الْمَرَضِ عَكْسَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ فَاسْتَحَبَّ قَوْمٌ الِاقْتِصَارَ عَلَى الرَّجَاءِ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْ تَرْكِ الْخَوْفِ قَدْ تَعَذَّرَ، فَيَتَعَيَّنُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ بِرَجَاءِ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُهْمِلُ جَانِبَ الْخَوْفِ أَصْلًا بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ آمِنٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَمَّا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ أَوْرَدَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ عَلَيَّ) مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَبَيَانِهِ وَالْبَحْثِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ النَّجَاةُ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَحْصُلُ الرَّجَاءُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ مَعَ الْخَوْفِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَلِّبِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رَحْمَتُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَيْسَ هِيَ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ الَّتِي فِي صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ؛ بَلْ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَا يُعْقَلُ مِنْ ذِكْرِ الْأَجْزَاءِ وَرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْأَدَبِ جَوَابٌ آخَرُ مَعَ مَبَاحِثَ حَسَنَةٍ، وَهُوَ فِي بَابِ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ) كَذَا لَهُمْ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ) كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى تَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْرَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا وَسَعَتَهَا تَقْتَضِي أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ اسْتِطْرَادًا، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَطَعَهُ حَدِيثَيْنِ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الرَّحْمَةِ بِلَفْظِ: خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ بِلَفْظِ: لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ إِلَخْ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُمْتَنِعًا فِيمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (بِكُلِّ الَّذِي) اسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيبُ لِكَوْنِ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَوْصُولِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ لَا لِعُمُومِ الْأَفْرَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَعْمِيمُ الْأَفْرَادِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ قُسِّمَتْ مِائَةَ جُزْءٍ، فَالتَّعْمِيمُ حِينَئِذٍ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ نَزَلَتِ الْأَجْزَاءُ مَنْزِلَةَ الْأَفْرَادِ مُبَالَغَةً.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ) قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ عَلِمَ سَعَةَ الرَّحْمَةِ لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ عِظَمِ الْعَذَابِ فَيَحْصُلُ بِهِ الرَّجَاءُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ عِلْمِهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى مُقَابِلِهَا يُطْمِعُهُ فِي الرَّحْمَةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْمُقْتَضَيَيْنِ لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - الرَّحْمَةَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالِانْتِقَامَ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ لَا يَأْمَنِ انْتِقَامَهُ مَنْ يَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَلَا يَيْأَسْ مِنْ رَحْمَتِهِ مَنْ يَخَافُ انْتِقَامَهُ، وَذَلِكَ بَاعِثٌ عَلَى مُجَانَبَةِ السَّيِّئَةِ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَمُلَازَمَةُ الطَّاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، قِيلَ: فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى نَوْعُ إِشْكَالٍ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ لِلْكَافِرِ وَلَا طَمَعَ لَهُ فِيهَا، فَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَطْمَعَ فِي الْجَنَّةِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ كُفْرَ نَفْسِهِ، فَيُشْكِلُ تَرَتُّبُ الْجَوَابِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ سِيقَتْ لِتَرْغِيبِ الْمُؤْمِنِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي لَوْ عَلِمَهَا الْكَافِرُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُخْتَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّحْمَةِ لَتَطَاوَلَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا، إِمَّا بِإِيمَانِهِ الْمَشْرُوطِ وَإِمَّا لِقَطْعِ نَظَرِهِ عَنِ الشَّرْطِ، مَعَ تَيَقُّنِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ عِنَادًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ الْكَافِرِ فَكَيْفَ لَا يَطْمَعُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ؟ وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّ إِبْلِيسَ يَتَطَاوَلُ لِلشَّفَاعَةِ؛ لِمَا يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَعَةِ الرَّحْمَةِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي

الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى لَوْ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهَا هُنَا لِانْتِفَاءِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّجَاءُ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، فَأَشْبَهَتْ: لَوْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، وَلَيْسَتْ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ الثَّانِي كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ مُفْرِطًا فِي الرَّجَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ، وَلَا فِي الْخَوْفِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ؛ بَلْ يَكُونُ وَسَطًا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وَمَنْ تَتَبَّعَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَجَدَ قَوَاعِدَهُ أُصُولًا وَفُرُوعًا كُلَّهَا فِي جَانِبِ الْوَسَطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ) ﷿ (خَلَقَ الرَّحْمَةَ) الَّتي يرحمُ بها عباده (يَوْمَ خَلَقَهَا مِئَةَ رَحْمَةٍ) أي: مئةَ نوعٍ، أو مئة جزءٍ (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ) تعالى منها (تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً) والرَّحمة في الأصل بمعنى: الرِّقَّةِ الطَّبيعيَّةِ والميلِ الجِبلِّيِّ، وهذا من صفاتِ الآدميين، فهو من الباري تعالى مؤوَّلٌ، وللمتكلِّمينَ في تأويلِ ما لا تسوغُ نسبته إلى الله تعالى على حقيقتهِ اللُّغوية وجهان: الحملُ على الإرادةِ فيكون من صفات الذَّات، والآخرُ الحمل على فعلِ الإكرام، فيكون من صفاتِ الأفعال كالرَّحمة، فمنهم من يحملها على إرادةِ الخير، ومنهم من يحملها على فعلِ الخير، ثمَّ بعد ذلك يتعيَّن أحد التَّأويلين في بعضِ السِّياقات لمانعٍ يمنع من الآخر، فههنا يتعيَّن تأويل الرَّحمة بفعل الخير؛ لتكون صفةَ فِعْلٍ فتكون حادثةً عند الأشعريِّ فيتسلَّط الخلق عليها، ولا يصحُّ هنا تأويلُها بالإرادة؛ لأنَّها إذ ذاك من صفاتِ الذَّات، فتكون قديمةً فيمتنعُ تعلُّق الخلق بها، ويتعيَّن تأويلها بالإرادةِ في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] لأنَّك لو حملتَها على الفعلِ لكانت العصمة بعينها، فيكون استثناء الشَّيء من نفسه (١)، وكأنَّك (٢) قلت: لا عاصم إلَّا العاصم، فتكون الرَّحمة الإرادة والعصمة على بابها

بمعنى (١) المنع من المكروهات، كأنَّه قال: لا يمنعُ من المحذور إلَّا من أراد السَّلامة.

(فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ) الواسعةِ (لَمْ يَيْأَسْ) لم يقنطْ (مِنَ الجَنَّةِ) بل يحصلْ له الرَّجاء فيها؛ لأنَّه يغطي عليه ما يعلَمُه (٢) من العذابِ العظيم، وعبَّر بالمضارع في قوله: «يعلم» دون الماضي إشارةً إلى أنَّه لم يقعْ له علم ذلك ولا يقع لأنَّه إذا امتنع في المستقبلِ كان ممتنعًا فيما مضى. وقال الكِرمانيُّ: «لو» هنا (٣) لانتفاءِ الثَّاني، وقال (٤): «فلو» بالفاء إشارة إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها. واستُشكلَ التَّركيب في قوله: «بكلِّ الَّذي» لأنَّ «كُلّ» إذا أضيفتْ إلى الموصولِ كانت إذ ذاك لعمومِ الأجزاءِ لا لعمومِ الأفراد، والمرادُ من سياق الحديث تعميم الأفراد؟ وأُجيب بأنَّه وقعَ في بعض طرقهِ أنَّ الرَّحمة قُسمت مئة جزء، فالتَّعميم حينئذٍ لعمومِ الأجزاءِ في الأصلِ، أو نُزِّلتِ الأجزاءُ منزلةَ الأفراد مبالغةً (وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ) ﷿ (مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ).

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّه اشتملَ على الوعدِ والوعيدِ المقتضيين للرَّجاء والخوفِ.

(٢٠) (باب الصَّبْرِ عَنْ (٥) مَحَارِمِ اللهِ) ﷿، والصَّبر على المواظبةِ على فعل الواجباتِ، والصَّبرُ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ،، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأسْ مِنْ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ)؛ أَيِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَا يَقْطَعُ النَّظَرَ فِي الرَّجَاءِ عَنِ الْخَوْفِ، وَلَا فِي الْخَوْفِ عَنِ الرَّجَاءِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ فِي الْأَوَّلِ إِلَى الْمَكْرِ، وَفِي الثَّانِي إِلَى الْقُنُوطِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الرَّجَاءِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، وَيَرْجُو أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُ ذَنْبَهُ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ مِنْهُ طَاعَةٌ يَرْجُو قَبُولَهَا، وَأَمَّا مَنِ انْهَمَكَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ رَاجِيًا عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِغَيْرِ نَدَمٍ وَلَا إِقْلَاعٍ فَهَذَا فِي غُرُورٍ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ أَبِي عُثْمَانَ الْجِيزِيِّ: مِنْ عَلَامَةِ السَّعَادَةِ أَنْ تُطِيعَ وَتَخَافَ أَنْ لَا تُقْبَلَ، وَمِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاءِ أَنْ تَعْصِيَ وَتَرْجُوَ أَنْ تَنْجُوَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَيَخَافُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي الصِّحَّةِ أَكْثَرَ، وَفِي الْمَرَضِ عَكْسَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ فَاسْتَحَبَّ قَوْمٌ الِاقْتِصَارَ عَلَى الرَّجَاءِ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْ تَرْكِ الْخَوْفِ قَدْ تَعَذَّرَ، فَيَتَعَيَّنُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ بِرَجَاءِ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُهْمِلُ جَانِبَ الْخَوْفِ أَصْلًا بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ آمِنٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَمَّا لَمْ يُوَافِقْ شَرْطَهُ أَوْرَدَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ (مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ عَلَيَّ) مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَبَيَانِهِ وَالْبَحْثِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ النَّجَاةُ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَحْصُلُ الرَّجَاءُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ مَعَ الْخَوْفِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَلِّبِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رَحْمَتُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَيْسَ هِيَ بِمَعْنَى الرِّقَّةِ الَّتِي فِي صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ؛ بَلْ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَا يُعْقَلُ مِنْ ذِكْرِ الْأَجْزَاءِ وَرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

قُلْتُ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْأَدَبِ جَوَابٌ آخَرُ مَعَ مَبَاحِثَ حَسَنَةٍ، وَهُوَ فِي بَابِ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ) كَذَا لَهُمْ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ السَّرَّاجِ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ) كَذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى تَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْرَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا وَسَعَتَهَا تَقْتَضِي أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ اسْتِطْرَادًا، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَطَعَهُ حَدِيثَيْنِ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الرَّحْمَةِ بِلَفْظِ: خَلَقَ اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ وَخَبَّأَ عِنْدَهُ مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ بِلَفْظِ: لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ إِلَخْ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ وَلَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُمْتَنِعًا فِيمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (بِكُلِّ الَّذِي) اسْتَشْكَلَ هَذَا التَّرْكِيبُ لِكَوْنِ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَوْصُولِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ لَا لِعُمُومِ الْأَفْرَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَعْمِيمُ الْأَفْرَادِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ قُسِّمَتْ مِائَةَ جُزْءٍ، فَالتَّعْمِيمُ حِينَئِذٍ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ نَزَلَتِ الْأَجْزَاءُ مَنْزِلَةَ الْأَفْرَادِ مُبَالَغَةً.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ) قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ عَلِمَ سَعَةَ الرَّحْمَةِ لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ عِظَمِ الْعَذَابِ فَيَحْصُلُ بِهِ الرَّجَاءُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ عِلْمِهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى مُقَابِلِهَا يُطْمِعُهُ فِي الرَّحْمَةِ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الْمُقْتَضَيَيْنِ لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - الرَّحْمَةَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالِانْتِقَامَ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ لَا يَأْمَنِ انْتِقَامَهُ مَنْ يَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَلَا يَيْأَسْ مِنْ رَحْمَتِهِ مَنْ يَخَافُ انْتِقَامَهُ، وَذَلِكَ بَاعِثٌ عَلَى مُجَانَبَةِ السَّيِّئَةِ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَمُلَازَمَةُ الطَّاعَةِ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، قِيلَ: فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى نَوْعُ إِشْكَالٍ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ لِلْكَافِرِ وَلَا طَمَعَ لَهُ فِيهَا، فَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَطْمَعَ فِي الْجَنَّةِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ كُفْرَ نَفْسِهِ، فَيُشْكِلُ تَرَتُّبُ الْجَوَابِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ سِيقَتْ لِتَرْغِيبِ الْمُؤْمِنِ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي لَوْ عَلِمَهَا الْكَافِرُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُخْتَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الرَّحْمَةِ لَتَطَاوَلَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا، إِمَّا بِإِيمَانِهِ الْمَشْرُوطِ وَإِمَّا لِقَطْعِ نَظَرِهِ عَنِ الشَّرْطِ، مَعَ تَيَقُّنِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ عِنَادًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَ الْكَافِرِ فَكَيْفَ لَا يَطْمَعُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ؟ وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّ إِبْلِيسَ يَتَطَاوَلُ لِلشَّفَاعَةِ؛ لِمَا يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَعَةِ الرَّحْمَةِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي

الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا عَلَى لَوْ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهَا هُنَا لِانْتِفَاءِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّجَاءُ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، فَأَشْبَهَتْ: لَوْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، وَلَيْسَتْ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ الثَّانِي كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ مُفْرِطًا فِي الرَّجَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ، وَلَا فِي الْخَوْفِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ؛ بَلْ يَكُونُ وَسَطًا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وَمَنْ تَتَبَّعَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَجَدَ قَوَاعِدَهُ أُصُولًا وَفُرُوعًا كُلَّهَا فِي جَانِبِ الْوَسَطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٠ - بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ) ﷿ (خَلَقَ الرَّحْمَةَ) الَّتي يرحمُ بها عباده (يَوْمَ خَلَقَهَا مِئَةَ رَحْمَةٍ) أي: مئةَ نوعٍ، أو مئة جزءٍ (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ) تعالى منها (تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً) والرَّحمة في الأصل بمعنى: الرِّقَّةِ الطَّبيعيَّةِ والميلِ الجِبلِّيِّ، وهذا من صفاتِ الآدميين، فهو من الباري تعالى مؤوَّلٌ، وللمتكلِّمينَ في تأويلِ ما لا تسوغُ نسبته إلى الله تعالى على حقيقتهِ اللُّغوية وجهان: الحملُ على الإرادةِ فيكون من صفات الذَّات، والآخرُ الحمل على فعلِ الإكرام، فيكون من صفاتِ الأفعال كالرَّحمة، فمنهم من يحملها على إرادةِ الخير، ومنهم من يحملها على فعلِ الخير، ثمَّ بعد ذلك يتعيَّن أحد التَّأويلين في بعضِ السِّياقات لمانعٍ يمنع من الآخر، فههنا يتعيَّن تأويل الرَّحمة بفعل الخير؛ لتكون صفةَ فِعْلٍ فتكون حادثةً عند الأشعريِّ فيتسلَّط الخلق عليها، ولا يصحُّ هنا تأويلُها بالإرادة؛ لأنَّها إذ ذاك من صفاتِ الذَّات، فتكون قديمةً فيمتنعُ تعلُّق الخلق بها، ويتعيَّن تأويلها بالإرادةِ في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] لأنَّك لو حملتَها على الفعلِ لكانت العصمة بعينها، فيكون استثناء الشَّيء من نفسه (١)، وكأنَّك (٢) قلت: لا عاصم إلَّا العاصم، فتكون الرَّحمة الإرادة والعصمة على بابها

بمعنى (١) المنع من المكروهات، كأنَّه قال: لا يمنعُ من المحذور إلَّا من أراد السَّلامة.

(فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ) الواسعةِ (لَمْ يَيْأَسْ) لم يقنطْ (مِنَ الجَنَّةِ) بل يحصلْ له الرَّجاء فيها؛ لأنَّه يغطي عليه ما يعلَمُه (٢) من العذابِ العظيم، وعبَّر بالمضارع في قوله: «يعلم» دون الماضي إشارةً إلى أنَّه لم يقعْ له علم ذلك ولا يقع لأنَّه إذا امتنع في المستقبلِ كان ممتنعًا فيما مضى. وقال الكِرمانيُّ: «لو» هنا (٣) لانتفاءِ الثَّاني، وقال (٤): «فلو» بالفاء إشارة إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها. واستُشكلَ التَّركيب في قوله: «بكلِّ الَّذي» لأنَّ «كُلّ» إذا أضيفتْ إلى الموصولِ كانت إذ ذاك لعمومِ الأجزاءِ لا لعمومِ الأفراد، والمرادُ من سياق الحديث تعميم الأفراد؟ وأُجيب بأنَّه وقعَ في بعض طرقهِ أنَّ الرَّحمة قُسمت مئة جزء، فالتَّعميم حينئذٍ لعمومِ الأجزاءِ في الأصلِ، أو نُزِّلتِ الأجزاءُ منزلةَ الأفراد مبالغةً (وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ) ﷿ (مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ).

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّه اشتملَ على الوعدِ والوعيدِ المقتضيين للرَّجاء والخوفِ.

(٢٠) (باب الصَّبْرِ عَنْ (٥) مَحَارِمِ اللهِ) ﷿، والصَّبر على المواظبةِ على فعل الواجباتِ، والصَّبرُ:

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله