«أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٧٠

الحديث رقم ٦٤٧٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصبر عن محارم الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٧٠ في صحيح البخاري

«أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَُّهُ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ.»

إسناد حديث رقم ٦٤٧٠ من صحيح البخاري

٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٧٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: مَا يَكُونْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ.

٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ "سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ) يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَالْكَفُّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْعَبْدِ بِقُبْحِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا صِيَانَةً لِعَبْدِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْعَاقِلَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ يَرِدْ عَلَى فِعْلِهَا وَعِيدٌ، وَمِنْهَا الْحَيَاءُ مِنْهُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ أَنْ يُوقِعَ وَعِيدَهُ فَيَتْرُكُهَا لِسُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَأَنَّ الْعَبْدَ مِنْهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ فَيَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِّ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَمِنْهَا مُرَاعَاةُ النِّعَمِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ غَالِبًا تَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ النِّعْمَةِ، وَمِنْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يُصَيِّرُ نَفْسَهُ عَلَى مُرَادِ مَنْ يُحِبُّ، وَأَحْسَنُ مَا وُصِفَ بِهِ الصَّبْرُ أَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمَكْرُوهِ، وَعَقْدُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى وَالْمُكَابَدَةُ فِي تَحَمُّلِهِ وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ: الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا.

قَالَ الرَّاغِبُ: الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ، صَبَرْتُ الشَّيْءَ حَبَسْتُهُ، فَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ، وَتَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ بِتَعَلُّقَاتِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ مُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ فِي لِقَاءِ عَدُوٍّ سُمِّيَ شَجَاعَةً، وَإِنْ كَانَ عَنْ كَلَامٍ سُمِّيَ كِتْمَانًا، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُ سُمِّيَ عِفَّةً قُلْتُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -، وَفِي نُسْخَةٍ ﷿ وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا صَدَرَتْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كَفَّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفَعَلَ الْوَاجِبَاتِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّبْرِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا الصَّبْرَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ كَذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ، وَالصَّبْرُ إِنْ عُدِّيَ بِعَنْ كَانَ فِي الْمَعَاصِي، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى كَانَ فِي الطَّاعَاتِ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَفِي أَثَرِ عُمَرَ شَامِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَالتَّرْجَمَةُ لِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:

قَوْلُهُ: (أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا سَعِيدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: إِنَّ

رَجُلًا كَانَ ذَا حَاجَةٍ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ: ائْتِ النَّبِيَّ فَاسْأَلْهُ فَأَتَاهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَمِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ أَسْأَلُهُ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلُهُ وَمِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ نَزَلْتُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ: ائْتِ النَّبِيَّ فَاسْأَلْهُ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ حِينَ افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ نَاسًا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ أُنَاسًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَجَعَلَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَفِدَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ اسْتِئْنَافِيَّةً. وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: شَيْءٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: أَنْفَقَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ)؛ أَيْ مَالٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ مَا يَكُنْ، وَمَا حِينَئِذٍ شَرْطِيَّةٌ وَلَيْسَتِ الْأُولَى خَطَأً.

قَوْلُهُ: (لَا أَدَّخِرُهُ عَنْكُمْ) بِالْإِدْغَامِ وَبِغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَمْ، وَعَنْهُ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ؛ أَيْ أَجْعَلَهُ ذَخِيرَةً لِغَيْرِكُمْ مُعْرِضًا عَنْكُمْ، وَدَالُهُ مُهْمَلَةٌ، وَقِيلَ: مُعْجَمَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَسْتَعْفِفْ بِفَاءَيْنِ، وَقَوْلُهُ: يُعِفَّهُ اللَّهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ) قُدِّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الِاسْتِغْنَاءُ عَلَى التَّصَبُّرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ بَدَلَ التَّصَبُّرِ: وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ، وَزَادَ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هِلَالٍ: وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ أَوْ يَسْتَغْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ يَسْأَلُنَا.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً وَأُعْطِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) كَذَا بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هُوَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ، وَلِمُسْلِمٍ: عَطَاءُ خَيْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَيْرٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَانْتِظَارُ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ مَا يُعْطَاهُ الْمَرْءُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مَحْدُودٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ يَسْتَعِفَّ أَيْ يَمْتَنِعُ عَنِ السُّؤَالِ، وَقَوْلُهُ: يُعِفَّهُ اللَّهُ؛ أَيْ إِنَّهُ يُجَازِيهِ عَلَى اسْتِعْفَافِهِ بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْعِ فَاقَتِهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَسْتَغْنِ؛ أَيْ بِاللَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَقَوْلُهُ: يُغْنِهِ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ، وَيَخْلُقْ فِي قَلْبِهِ الْغِنَى؛ فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَصَبَّرْ، أَيْ يُعَالِجْ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَيَصْبِرْ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الرِّزْقُ وَقَوْلُهُ: يُصَبِّرْهُ اللَّهُ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ وَيُذْعِنَ لِتَحَمُّلِ الشِّدَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ فَيُظْفِرَهُ بِمَطْلُوبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَ التَّعَفُّفُ يَقْتَضِي سَتْرَ الْحَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَقَعُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْرُ خَيْرَ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ فِعْلِ مَا تُحِبُّهُ، وَإِلْزَامُهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِلِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِلِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ يَسْتَعْفِفْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حبس النَّفْس على المكروه، وعقد اللِّسان عن الشَّكوى، والمكابدة في تحمُّله، وانتظار الفرج. وقال ذو النُّون: الصَّبر التَّباعدُ عن المخالفاتِ، والسُّكون عند تجرُّع غُصص البليَّة، وإظهار الغِنى مع (١) حُلول الفقرِ بساحاتِ المعيشة، وقال ابنُ عطاءِ الله: الصَّبر الوقوفُ مع البلاءِ بحسنِ الأدب (﴿إِنَّمَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول اللهَ ﷿: إنَّما» (﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾) على تجرُّع الغُصص واحتمالِ البلايا في طاعةِ الله، وازديادِ الخير (﴿أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]) قال ابنُ عبَّاس : «لا يهتدِي إليه حساب الحُسَّاب ولا يُعرف». وهو حالٌ من الأجر، أي: موفَّرًا، وذكر في القرآنِ في خمسة (٢) وتسعين موضعًا (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب: (وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الصَّبر» بإسقاطِ الخافضِ والنَّصب.

وهذا وصلهُ أحمدُ في «كتاب الزُّهد» بسندٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ، عن عمر (٣).

٦٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) سقط «اللَّيثي» لغير أبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (أَخْبَرَهُ (٤): أَنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «ناسًا» بإسقاطها (مِنَ الأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على أسمائهم، وقد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩] من طريق مالك، عن ابن شهابٍ الإشارة إلى أنَّ منهم أبا سعيد (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَسْأَلْهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فلم يسأل» (أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا

أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ) بفتح النون وكسر الفاء بعدها دال مهملة، فَرِغَ (فَقَالَ) : (لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ) بفتحات (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنيةِ، ولأبي ذرٍّ (١): «بيده» بالإفراد.

(مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي: مالٍ (لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال على الإدغامِ، أي: أجعله ذخيرةً لغيركُم مُعرضًا عنكم، ولأبي ذرٍّ: «ما (٢) يكون» بالواو فـ «ما» موصولة، وعلى الأولى شرطيَّة (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) بتشديد الفاء، يكفُّ (٣) عن الحرام والسُّؤال (يُعِفُّهُ اللهُ) بتشديد الفاء، يرزقه الله العفَّة بأن يعطيَه ما يستغني به عن السُّؤال، ويخلق في قلبه الغِنى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٤) ممَّا في الفرع: «يستَعْف» بسكون العين بعدها فاء خفيفة، من الاستعفاء، وفي «الفتح» -وتبعه العينيُّ-: عن الكُشميهنيِّ: «يستعفف» بزيادة فاءٍ أخرى وكذا هو في «اليونينيَّة» (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) يتكلَّف الصَّبر (يُصَبِّرْهُ اللهُ) بالجزمِ فيهما، يرزقهُ الله الصَّبر (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: يُظهر الغِنى، أو يستغن بالله عمَّن سواه (يُغْنِهِ اللهُ) أي: يرزقهُ الغِنى عن النَّاس (وَلَنْ تُعْطَوْا) بضم الفوقية وسكون العين وفتح الطاء المهملتين (عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) لأنَّه جامعٌ لمكارمِ الأخلاق على ما لا يخفى.

والحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩]، وأخرجهُ مسلمٌ والنَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: مَا يَكُونْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ.

٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ "سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ) يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَالْكَفُّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْعَبْدِ بِقُبْحِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا صِيَانَةً لِعَبْدِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْعَاقِلَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ يَرِدْ عَلَى فِعْلِهَا وَعِيدٌ، وَمِنْهَا الْحَيَاءُ مِنْهُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ أَنْ يُوقِعَ وَعِيدَهُ فَيَتْرُكُهَا لِسُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَأَنَّ الْعَبْدَ مِنْهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ فَيَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِّ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَمِنْهَا مُرَاعَاةُ النِّعَمِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ غَالِبًا تَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ النِّعْمَةِ، وَمِنْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يُصَيِّرُ نَفْسَهُ عَلَى مُرَادِ مَنْ يُحِبُّ، وَأَحْسَنُ مَا وُصِفَ بِهِ الصَّبْرُ أَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمَكْرُوهِ، وَعَقْدُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى وَالْمُكَابَدَةُ فِي تَحَمُّلِهِ وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ: الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا.

قَالَ الرَّاغِبُ: الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ، صَبَرْتُ الشَّيْءَ حَبَسْتُهُ، فَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ، وَتَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ بِتَعَلُّقَاتِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ مُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ فِي لِقَاءِ عَدُوٍّ سُمِّيَ شَجَاعَةً، وَإِنْ كَانَ عَنْ كَلَامٍ سُمِّيَ كِتْمَانًا، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُ سُمِّيَ عِفَّةً قُلْتُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -، وَفِي نُسْخَةٍ ﷿ وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا صَدَرَتْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كَفَّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفَعَلَ الْوَاجِبَاتِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّبْرِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا الصَّبْرَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ كَذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ، وَالصَّبْرُ إِنْ عُدِّيَ بِعَنْ كَانَ فِي الْمَعَاصِي، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى كَانَ فِي الطَّاعَاتِ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَفِي أَثَرِ عُمَرَ شَامِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَالتَّرْجَمَةُ لِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:

قَوْلُهُ: (أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا سَعِيدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: إِنَّ

رَجُلًا كَانَ ذَا حَاجَةٍ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ: ائْتِ النَّبِيَّ فَاسْأَلْهُ فَأَتَاهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَمِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ أَسْأَلُهُ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ الْحَدِيثَ، فَعُرِفَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلُهُ وَمِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ نَزَلْتُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ: ائْتِ النَّبِيَّ فَاسْأَلْهُ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ الْحَدِيثَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ حِينَ افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ نَاسًا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ أُنَاسًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَجَعَلَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَفِدَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ اسْتِئْنَافِيَّةً. وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: شَيْءٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: أَنْفَقَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ)؛ أَيْ مَالٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ مَا يَكُنْ، وَمَا حِينَئِذٍ شَرْطِيَّةٌ وَلَيْسَتِ الْأُولَى خَطَأً.

قَوْلُهُ: (لَا أَدَّخِرُهُ عَنْكُمْ) بِالْإِدْغَامِ وَبِغَيْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَمْ، وَعَنْهُ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ؛ أَيْ أَجْعَلَهُ ذَخِيرَةً لِغَيْرِكُمْ مُعْرِضًا عَنْكُمْ، وَدَالُهُ مُهْمَلَةٌ، وَقِيلَ: مُعْجَمَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَسْتَعْفِفْ بِفَاءَيْنِ، وَقَوْلُهُ: يُعِفَّهُ اللَّهُ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ) قُدِّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الِاسْتِغْنَاءُ عَلَى التَّصَبُّرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ بَدَلَ التَّصَبُّرِ: وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ، وَزَادَ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هِلَالٍ: وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ أَوْ يَسْتَغْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ يَسْأَلُنَا.

قَوْلُهُ: (وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً وَأُعْطِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) كَذَا بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هُوَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ، وَلِمُسْلِمٍ: عَطَاءُ خَيْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَيْرٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَانْتِظَارُ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ مَا يُعْطَاهُ الْمَرْءُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مَحْدُودٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ يَسْتَعِفَّ أَيْ يَمْتَنِعُ عَنِ السُّؤَالِ، وَقَوْلُهُ: يُعِفَّهُ اللَّهُ؛ أَيْ إِنَّهُ يُجَازِيهِ عَلَى اسْتِعْفَافِهِ بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْعِ فَاقَتِهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَسْتَغْنِ؛ أَيْ بِاللَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَقَوْلُهُ: يُغْنِهِ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ، وَيَخْلُقْ فِي قَلْبِهِ الْغِنَى؛ فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَتَصَبَّرْ، أَيْ يُعَالِجْ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَيَصْبِرْ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الرِّزْقُ وَقَوْلُهُ: يُصَبِّرْهُ اللَّهُ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ وَيُذْعِنَ لِتَحَمُّلِ الشِّدَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ فَيُظْفِرَهُ بِمَطْلُوبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَ التَّعَفُّفُ يَقْتَضِي سَتْرَ الْحَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَقَعُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْرُ خَيْرَ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ فِعْلِ مَا تُحِبُّهُ، وَإِلْزَامُهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِلِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِلِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ يَسْتَعْفِفْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حبس النَّفْس على المكروه، وعقد اللِّسان عن الشَّكوى، والمكابدة في تحمُّله، وانتظار الفرج. وقال ذو النُّون: الصَّبر التَّباعدُ عن المخالفاتِ، والسُّكون عند تجرُّع غُصص البليَّة، وإظهار الغِنى مع (١) حُلول الفقرِ بساحاتِ المعيشة، وقال ابنُ عطاءِ الله: الصَّبر الوقوفُ مع البلاءِ بحسنِ الأدب (﴿إِنَّمَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول اللهَ ﷿: إنَّما» (﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾) على تجرُّع الغُصص واحتمالِ البلايا في طاعةِ الله، وازديادِ الخير (﴿أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]) قال ابنُ عبَّاس : «لا يهتدِي إليه حساب الحُسَّاب ولا يُعرف». وهو حالٌ من الأجر، أي: موفَّرًا، وذكر في القرآنِ في خمسة (٢) وتسعين موضعًا (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب: (وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الصَّبر» بإسقاطِ الخافضِ والنَّصب.

وهذا وصلهُ أحمدُ في «كتاب الزُّهد» بسندٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ، عن عمر (٣).

٦٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) سقط «اللَّيثي» لغير أبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (أَخْبَرَهُ (٤): أَنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «ناسًا» بإسقاطها (مِنَ الأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على أسمائهم، وقد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩] من طريق مالك، عن ابن شهابٍ الإشارة إلى أنَّ منهم أبا سعيد (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَسْأَلْهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فلم يسأل» (أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا

أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ) بفتح النون وكسر الفاء بعدها دال مهملة، فَرِغَ (فَقَالَ) : (لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ) بفتحات (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنيةِ، ولأبي ذرٍّ (١): «بيده» بالإفراد.

(مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي: مالٍ (لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال على الإدغامِ، أي: أجعله ذخيرةً لغيركُم مُعرضًا عنكم، ولأبي ذرٍّ: «ما (٢) يكون» بالواو فـ «ما» موصولة، وعلى الأولى شرطيَّة (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) بتشديد الفاء، يكفُّ (٣) عن الحرام والسُّؤال (يُعِفُّهُ اللهُ) بتشديد الفاء، يرزقه الله العفَّة بأن يعطيَه ما يستغني به عن السُّؤال، ويخلق في قلبه الغِنى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٤) ممَّا في الفرع: «يستَعْف» بسكون العين بعدها فاء خفيفة، من الاستعفاء، وفي «الفتح» -وتبعه العينيُّ-: عن الكُشميهنيِّ: «يستعفف» بزيادة فاءٍ أخرى وكذا هو في «اليونينيَّة» (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) يتكلَّف الصَّبر (يُصَبِّرْهُ اللهُ) بالجزمِ فيهما، يرزقهُ الله الصَّبر (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: يُظهر الغِنى، أو يستغن بالله عمَّن سواه (يُغْنِهِ اللهُ) أي: يرزقهُ الغِنى عن النَّاس (وَلَنْ تُعْطَوْا) بضم الفوقية وسكون العين وفتح الطاء المهملتين (عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) لأنَّه جامعٌ لمكارمِ الأخلاق على ما لا يخفى.

والحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩]، وأخرجهُ مسلمٌ والنَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر