الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٧٣
الحديث رقم ٦٤٧٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره من قيل وقال.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ حِفْظِ اللِّسَانِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَقَالَ: لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا، فَذَكَرَ أَنَّهَا تَغْدُو وَتَرُوحُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ قَالَ: وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ. انْتَهَى، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الْآيَةَ قَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَالرَّبِيعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، صَحِبَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّكَ، أَوْرَدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَحَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُنْذِرٍ لَمْ يُخَرِّجُوا عَنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ جَرْحًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَبُوهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالتَّخْرِيجِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٢ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ، وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ.
وَعَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: جَعَلَ الْقَالَ مَصْدَرًا، كَأَنَّهُ قَالَ: نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَوْلٍ تَقُولُ: قُلْتُ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْإِكْثَارِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالتَّنْوِينِ، وَقَالَ غَيْرُهُ اسْمَانِ يُقَالُ كَثِيرُ الْقِيلِ وَالْقَالِ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالُ الْحَقِّ بِضَمِّ اللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَشْهَرُ مِنْهُ فَتْحُ اللَّامِ فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْقِيلَ وَالْقَالَ إِذَا كَانَا اسْمَيْنِ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْقَوْلِ فَلَا يَكُونُ فِي عَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا فِعْلَيْنِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِذَا كَانَا اسْمَيْنِ يَكُونُ الثَّانِي تَأْكِيدًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْكَثْرَةَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مَعَهَا وُقُوعُ الْخَطَأِ، قُلْتُ: وَفِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ الْمَحْضِ فَلَا يُكْرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ حِكَايَةُ أَقَاوِيلِ النَّاسِ،
وَالْبَحْثُ عَنْهَا كَمَا يُقَالُ قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقِيلَ عَنْهُ كَذَا مِمَّا يُكْرَهُ حِكَايَتُهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَذْكُرَ لِلْحَادِثَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً، ثُمَّ يَعْمَلَ بِأَحَدِهَا بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ أَوْ يُطْلِقَهَا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا احْتِيَاطٍ لِبَيَانِ الرَّاجِحِ، وَالنَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ يَتَنَاوَلُ الْإِلْحَافَ فِي الطَّلَبِ وَالسُّؤَالَ عَمَّا لَا يَعْنِي السَّائِلَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَسَائِلُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَقِيلَ: يَتَنَاوَلُ الْإِكْثَارَ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّكَلُّفِ فِي الدِّينِ، وَالتَّنَطُّعِ، وَالرَّجْمِ بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي الْمَالِ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ لِمُنَاسَبَتِهِ لِقولِهِ: وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِكَثْرَةِ سُؤَالِ النَّاسِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ عَنْ أَحْدَاثِ الزَّمَانِ، وَمَا لَا يَعْنِي السَّائِلَ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ وجَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ) هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ، الْمُرَادُ بِفُلَانٍ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ، وَمُجَالِدٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خُثَيْمَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ، وَلَمْ يُسَمِّ مُجَالِدًا.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَنْبَأَنَا مُغِيرَةُ وَذَكَرَ آخَرَ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَكَأَنَّهُ مُجَالِدٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَ مُغِيرَةَ أَحَدًا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الثَّالِثُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ الْكِرْمَانِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهِ، وَيُحْتَمُلُ أَنْ يَكُونَ زَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ، أَوْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَمُجَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنُ الْمَذْكُورُ ثِقَةٌ مِنْ شُيُوخِ أَبِي دَاوُدَ تَكَلَّمَ فِيهِ عَبْدَانُ بِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا.
قَوْلُهُ: (فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بَاشَرَ الْكِتَابَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: إنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ، فَدَعَا غُلَامَهُ وَرَّادًا فَقَالَ: اكْتُبْ فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - إِلَى قَوْلِهِ - وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِخَطِّي، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ كَتَبَ لِمُعَاوِيَةَ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَمَّرَهُ عَلَى الْكُوفَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَكَانَ كَاتِبُ مُعَاوِيَةَ إِذْ ذَاكَ عُبَيْدَ بْنَ أَوْسٍ الْغَسَّانِيَّ. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ.
وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعُمْدَةَ حِينَئِذٍ عَلَى الَّذِي بَلَّغَ الْكِتَابَ كَأَنْ يَكُونَ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَمَرَهُ أَنْ يُوَصِّلَ الْكِتَابَ، وَأَنْ يُبَلِّغَ مَا فِيهِ مُشَافَهَةً، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ عَنْ مَجْهُولٍ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَ مَنْ أَرْسَلَهُ وَمَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَتَجِيءُ فِيهِ مَسْأَلَةُ التَّعْدِيلِ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالْمُرَجَّحُ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو فرضٌ على المكلَّف، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وقضيَّة هذا أنَّ التَّوكُّل من لوازمِ الإيمان، فينتفِي بانتفائه؛ إذ الإيمانُ هو التَّوحيد، ومن اعتمدَ على غيرِ الله لم يوحِّده بالحقيقةِ وإن وحَّده باللِّسان، وليس المراد من التَّوكل ترك التَّسبُّب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجرُّ إلى ضدِّ ما يُراد من التَّوكُّل، وقد كان الصَّحابة يتَّجرون ويعملونَ في نخيلِهم وهم القُدوة وبهم الأسوةُ.
والحديثُ سبق في «الطِّبِّ» مطوَّلًا (١) [خ¦٥٧٠٥] وفي «أحاديث الأنبياء» مختصرًا [خ¦٣٤١٠].
(٢٢) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٢) في الفرعِ كأصله.
٦٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وللكُشميهنيِّ: «وقال» (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) الطُّوسيُّ ثمَّ البغداديُّ قال (٣):
(حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشيرٍ (١) الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ) ابن مِقْسَم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح المهملة- الضَّبيُّ (وَفُلَانٌ) هو مجالدُ بن سعيدٍ، كما في «صحيح ابن خزيمة» (وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا) داود بن أبي هند، كما في «صحيح ابن حبان»، أو زكريا بن أبي زائدة، أو إسماعيل بن أبي خالد، كما في الطَّبرانيِّ من طريقِ الحسن ابن علي بنِ راشدٍ الواسطيِّ، عن هُشيم، عن مُغيرة، و (٢) زكريا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلُّهم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَراحيل (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال (٣) مهملةٌ (كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ومولاه: (أَنَّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيانٍ ﵄ (كَتَبَ إِلَى المُغِيرَةِ) بن شعبةَ ﵁ (أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ المُغِيرَةُ) أي: أمر المغيرة ورَّادًا، فقال له: اكتب، كما عند ابن حبَّان (إِنِّي) بكسر الهمزة، كما في «اليونينية» (٤) (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) سقط «ثلاث مرَّات» لأبي ذرٍّ (قَالَ: وَكَانَ) ﷺ (يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٥)، فعلان ماضيان الأوَّلٌ مجهولٌ، وأصل «قال» قَوَلَ -بفتحتين- تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، وأصل «قيل» قُوِل بضم القاف وكسر الواو (٦) نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ثمَّ قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلَها، وهو حكايةُ أقاويل النَّاس، قال فلانٌ كذا وفلانٌ كذا، وقيل: كذا وكذا، ولأبي ذرٍّ: «قيلٍ وقالٍ» بالتَّنوين فيهما اسمان يقال: قال قولًا وقيلًا وقالًا، أي: نهى عن الإكثار ممَّا لا فائدةَ فيه من الكلام. وقال ابنُ دقيق العيد: الأشهرُ فيه فتح اللَّام فيهما على سبيلِ الحكاية، وهو الَّذي يقتضيه المعنى؛ لأنَّ القيل والقال إذا كانا اسمين كانا بمعنًى واحدٍ كالقول، فلا يكون في عطفِ أحدهما على الآخر كبير فائدةٍ بخلاف ما إذا كانا فعلين. وقال في
«المصابيح»: وعلى أنَّهما اسمان فالفتحُ للحكاية بل ولا يسوَّغ ادِّعاء فعليتهما في هذا التَّركيب البتَّة عند المحقِّقين، وكيف وحرف الجرِّ الَّذي هو من خصائصِ الأسماء قد دخل عليهما، وإنَّما يجوِّز (١) فعليَّتهما في مثلِ هذا ابنُ مالكٍ ولم يتابعْه عليه أحدٌ من الحذَّاق (وَ) نهى عن (كَثْرَةِ السُّؤَالِ) عن المسائل الَّتي لا حاجة إليها (وَإِضَاعَةِ المَالِ) في غير محلِّه وحقِّه (وَمَنْعٍ) أي: منْعِ ما شُرِعَ إعطاؤهُ (وَهَاتِ) أي: طلبِ ما مُنِعَ أخذهُ شرعًا (وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ) بالهمزة السَّاكنة، دفنهُنَّ بالحياةِ.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٢] و «القدر» (٢) [خ¦٦٦١٥] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].
(وَعَنْ هُشَيْمٍ) الواسطيِّ، المذكور بالسَّند السَّابق، أنَّه قال (٣): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين، الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا) كاتب المغيرة (يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ) السَّابق (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وظاهره أنَّه كلفظ الحديثِ السَّابق، وكذا هو عندَ الإسماعيليِّ.
(٢٣) (باب) مشروعيَّة (حِفْظِ اللِّسَانِ) عن النُّطق بما لا يسوغ شرعًا. قال ابنُ مسعودٍ ﵁: «ما شيءٌ أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من اللِّسان». وقال بعضُهم: اللِّسان حيَّة مسكنها الفمُ (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «وقول النَّبيِّ … » إلى آخره (٤)، وقال: «من كان» (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُِتْ) بكسر الميم في «اليونينية» وتضم، أي: ليسكُت.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَقَالَ: لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا، فَذَكَرَ أَنَّهَا تَغْدُو وَتَرُوحُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ قَالَ: وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَّجِرُونَ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخِيلِهِمْ وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ. انْتَهَى، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ) وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الْآيَةَ قَالَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَالرَّبِيعُ الْمَذْكُورُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، صَحِبَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّكَ، أَوْرَدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَحَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُنْذِرٍ لَمْ يُخَرِّجُوا عَنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ جَرْحًا، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَبُوهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَالتَّخْرِيجِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٢ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ، وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنْ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ.
وَعَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: جَعَلَ الْقَالَ مَصْدَرًا، كَأَنَّهُ قَالَ: نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَوْلٍ تَقُولُ: قُلْتُ قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْإِكْثَارِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالتَّنْوِينِ، وَقَالَ غَيْرُهُ اسْمَانِ يُقَالُ كَثِيرُ الْقِيلِ وَالْقَالِ، وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالُ الْحَقِّ بِضَمِّ اللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَشْهَرُ مِنْهُ فَتْحُ اللَّامِ فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْقِيلَ وَالْقَالَ إِذَا كَانَا اسْمَيْنِ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْقَوْلِ فَلَا يَكُونُ فِي عَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا فِعْلَيْنِ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إِذَا كَانَا اسْمَيْنِ يَكُونُ الثَّانِي تَأْكِيدًا.
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْكَثْرَةَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مَعَهَا وُقُوعُ الْخَطَأِ، قُلْتُ: وَفِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ الْمَحْضِ فَلَا يُكْرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ حِكَايَةُ أَقَاوِيلِ النَّاسِ،
وَالْبَحْثُ عَنْهَا كَمَا يُقَالُ قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقِيلَ عَنْهُ كَذَا مِمَّا يُكْرَهُ حِكَايَتُهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَذْكُرَ لِلْحَادِثَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً، ثُمَّ يَعْمَلَ بِأَحَدِهَا بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ أَوْ يُطْلِقَهَا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا احْتِيَاطٍ لِبَيَانِ الرَّاجِحِ، وَالنَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ يَتَنَاوَلُ الْإِلْحَافَ فِي الطَّلَبِ وَالسُّؤَالَ عَمَّا لَا يَعْنِي السَّائِلَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَسَائِلُ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وَقِيلَ: يَتَنَاوَلُ الْإِكْثَارَ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّكَلُّفِ فِي الدِّينِ، وَالتَّنَطُّعِ، وَالرَّجْمِ بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ فِي الْمَالِ، وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ لِمُنَاسَبَتِهِ لِقولِهِ: وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِكَثْرَةِ سُؤَالِ النَّاسِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ عَنْ أَحْدَاثِ الزَّمَانِ، وَمَا لَا يَعْنِي السَّائِلَ فَإِنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ وجَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ) هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ، الْمُرَادُ بِفُلَانٍ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، وَيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ، وَمُجَالِدٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خُثَيْمَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ، وَلَمْ يُسَمِّ مُجَالِدًا.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هُشَيْمٍ، أَنْبَأَنَا مُغِيرَةُ وَذَكَرَ آخَرَ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَكَأَنَّهُ مُجَالِدٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَ مُغِيرَةَ أَحَدًا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الثَّالِثُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ الْكِرْمَانِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهِ، وَيُحْتَمُلُ أَنْ يَكُونَ زَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ، أَوْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَمُجَالِدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنُ الْمَذْكُورُ ثِقَةٌ مِنْ شُيُوخِ أَبِي دَاوُدَ تَكَلَّمَ فِيهِ عَبْدَانُ بِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا.
قَوْلُهُ: (فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بَاشَرَ الْكِتَابَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: إنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ، فَدَعَا غُلَامَهُ وَرَّادًا فَقَالَ: اكْتُبْ فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - إِلَى قَوْلِهِ - وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِخَطِّي، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ مَنْ كَتَبَ لِمُعَاوِيَةَ صَرِيحًا إِلَّا أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَمَّرَهُ عَلَى الْكُوفَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَكَانَ كَاتِبُ مُعَاوِيَةَ إِذْ ذَاكَ عُبَيْدَ بْنَ أَوْسٍ الْغَسَّانِيَّ. وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ.
وَاعْتَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعُمْدَةَ حِينَئِذٍ عَلَى الَّذِي بَلَّغَ الْكِتَابَ كَأَنْ يَكُونَ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَمَرَهُ أَنْ يُوَصِّلَ الْكِتَابَ، وَأَنْ يُبَلِّغَ مَا فِيهِ مُشَافَهَةً، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَتَكُونُ الرِّوَايَةُ عَنْ مَجْهُولٍ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَ مَنْ أَرْسَلَهُ وَمَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَتَجِيءُ فِيهِ مَسْأَلَةُ التَّعْدِيلِ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالْمُرَجَّحُ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ.
قَوْلُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو فرضٌ على المكلَّف، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وقضيَّة هذا أنَّ التَّوكُّل من لوازمِ الإيمان، فينتفِي بانتفائه؛ إذ الإيمانُ هو التَّوحيد، ومن اعتمدَ على غيرِ الله لم يوحِّده بالحقيقةِ وإن وحَّده باللِّسان، وليس المراد من التَّوكل ترك التَّسبُّب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجرُّ إلى ضدِّ ما يُراد من التَّوكُّل، وقد كان الصَّحابة يتَّجرون ويعملونَ في نخيلِهم وهم القُدوة وبهم الأسوةُ.
والحديثُ سبق في «الطِّبِّ» مطوَّلًا (١) [خ¦٥٧٠٥] وفي «أحاديث الأنبياء» مختصرًا [خ¦٣٤١٠].
(٢٢) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٢) في الفرعِ كأصله.
٦٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وللكُشميهنيِّ: «وقال» (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) الطُّوسيُّ ثمَّ البغداديُّ قال (٣):
(حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشيرٍ (١) الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ) ابن مِقْسَم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح المهملة- الضَّبيُّ (وَفُلَانٌ) هو مجالدُ بن سعيدٍ، كما في «صحيح ابن خزيمة» (وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا) داود بن أبي هند، كما في «صحيح ابن حبان»، أو زكريا بن أبي زائدة، أو إسماعيل بن أبي خالد، كما في الطَّبرانيِّ من طريقِ الحسن ابن علي بنِ راشدٍ الواسطيِّ، عن هُشيم، عن مُغيرة، و (٢) زكريا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلُّهم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَراحيل (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال (٣) مهملةٌ (كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ومولاه: (أَنَّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيانٍ ﵄ (كَتَبَ إِلَى المُغِيرَةِ) بن شعبةَ ﵁ (أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ المُغِيرَةُ) أي: أمر المغيرة ورَّادًا، فقال له: اكتب، كما عند ابن حبَّان (إِنِّي) بكسر الهمزة، كما في «اليونينية» (٤) (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) سقط «ثلاث مرَّات» لأبي ذرٍّ (قَالَ: وَكَانَ) ﷺ (يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٥)، فعلان ماضيان الأوَّلٌ مجهولٌ، وأصل «قال» قَوَلَ -بفتحتين- تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، وأصل «قيل» قُوِل بضم القاف وكسر الواو (٦) نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ثمَّ قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلَها، وهو حكايةُ أقاويل النَّاس، قال فلانٌ كذا وفلانٌ كذا، وقيل: كذا وكذا، ولأبي ذرٍّ: «قيلٍ وقالٍ» بالتَّنوين فيهما اسمان يقال: قال قولًا وقيلًا وقالًا، أي: نهى عن الإكثار ممَّا لا فائدةَ فيه من الكلام. وقال ابنُ دقيق العيد: الأشهرُ فيه فتح اللَّام فيهما على سبيلِ الحكاية، وهو الَّذي يقتضيه المعنى؛ لأنَّ القيل والقال إذا كانا اسمين كانا بمعنًى واحدٍ كالقول، فلا يكون في عطفِ أحدهما على الآخر كبير فائدةٍ بخلاف ما إذا كانا فعلين. وقال في
«المصابيح»: وعلى أنَّهما اسمان فالفتحُ للحكاية بل ولا يسوَّغ ادِّعاء فعليتهما في هذا التَّركيب البتَّة عند المحقِّقين، وكيف وحرف الجرِّ الَّذي هو من خصائصِ الأسماء قد دخل عليهما، وإنَّما يجوِّز (١) فعليَّتهما في مثلِ هذا ابنُ مالكٍ ولم يتابعْه عليه أحدٌ من الحذَّاق (وَ) نهى عن (كَثْرَةِ السُّؤَالِ) عن المسائل الَّتي لا حاجة إليها (وَإِضَاعَةِ المَالِ) في غير محلِّه وحقِّه (وَمَنْعٍ) أي: منْعِ ما شُرِعَ إعطاؤهُ (وَهَاتِ) أي: طلبِ ما مُنِعَ أخذهُ شرعًا (وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ) بالهمزة السَّاكنة، دفنهُنَّ بالحياةِ.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٢] و «القدر» (٢) [خ¦٦٦١٥] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].
(وَعَنْ هُشَيْمٍ) الواسطيِّ، المذكور بالسَّند السَّابق، أنَّه قال (٣): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين، الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا) كاتب المغيرة (يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ) السَّابق (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وظاهره أنَّه كلفظ الحديثِ السَّابق، وكذا هو عندَ الإسماعيليِّ.
(٢٣) (باب) مشروعيَّة (حِفْظِ اللِّسَانِ) عن النُّطق بما لا يسوغ شرعًا. قال ابنُ مسعودٍ ﵁: «ما شيءٌ أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من اللِّسان». وقال بعضُهم: اللِّسان حيَّة مسكنها الفمُ (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «وقول النَّبيِّ … » إلى آخره (٤)، وقال: «من كان» (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُِتْ) بكسر الميم في «اليونينية» وتضم، أي: ليسكُت.