«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.» بَابُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٧٩

الحديث رقم ٦٤٧٩ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البكاء من خشية الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سبعة يظلهم الله: رجل ذكر الله ففاضت عيناه.»…

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.»

بَابُ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ

سند حديث: ٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ…

٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «سبعة يظلهم الله: رجل ذكر الله ففاضت عيناه.»…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ بِعِيدِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ بِلَفْظِ: لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا.

٢٤ - بَاب الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﷿

٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ في ظله: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﷿، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، وَلَفْظُهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مَعَ شَرْحِهِ وَفِيهِ: ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، وَوَرَدَ هُنَا بِدُونِهَا، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا هُنَا، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَخُبَيْبٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ هُنَا فِي ظِلِّهِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، وَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّعِيمِ، وَمِنْهُ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وَبِمَعْنَى الْجَانِبِ وَمِنْهُ: يَسِيرُ الرَّاكِبِ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، وَبِمَعْنَى السِّتْرِ وَالْكَنَفِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهُ: أَنَا فِي ظِلِّكَ، وَبِمَعْنَى الْعِزِّ، وَمِنْهُ: أَسْبَغَ اللَّهُ ظِلَّكَ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَلَى وَفْقِ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ رَفَعَهُ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ،، وَللتِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: لَا تَمَسُّهَا النَّارُ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي يَعْلَى، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.

٢٥ - بَاب الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ

٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ.

٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ - أَوْ قَبْلَكُمْ - آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا؛ يَعْنِي أَعْطَاهُ، قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا. فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ. وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ. فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي - أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي - ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَاذْرُونِي فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي.

فَفَعَلُوا. فَقَالَ اللَّهُ: كُنْ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ. ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ. فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ . فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: فَاذْرُونِي فِي الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّثَ، وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ ﷿ هُوَ مِنَ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَقْرَبُ إِلَى رَبِّهِ كَانَ أَشَدَّ لَهُ خَشْيَةً مِمَّنْ دُونَهُ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَلَائِكَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وَالْأَنْبِيَاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفُ الْمُقَرَّبِينَ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِمَا لَا يُطَالَبُ بِهِ غَيْرُهُمْ، فَيُرَاعُونَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ مِنْهُ الشُّكْرُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ فَيُضَاعَفُ بِالنِّسْبَةِ لِعُلُوِّ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.

فَالْعَبْدُ إِنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أَوْ نُقْصَانِ الدَّرَجَةِ بِالنِّسْبَةِ، وَإِنْ كَانَ مَائِلًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِ.

وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَنْشَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ قُبْحِ الْجِنَايَةِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْوَعِيدِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُحْرَمَ التَّوْبَةَ، أَوْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، فَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ ذَنْبِهِ طَالِبٌ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِيمَنْ يَغْفِرُ لَهُ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَات جَمَالٍ وَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابِ الْغَارِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمُ الَّذِي عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكَ لَهَا الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّةُ الْكِفْلِ، وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ وَتَرَكَ الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ. وَرِبْعِيٌّ هُوَ ابْنُ حِرَاشٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرَهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَصْرِيحُ حُذَيْفَةَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ وَالَانِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ بِطُولِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَيَتَبَيَّنُ شُذُوذَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ كَمَا ظَهَرَ شُذُوذُهَا مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا.

قَوْلُهُ: (فَذَرُونِي) قَدَّمْتُ هُنَاكَ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَالتَّشْدِيدُ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ، وَهُوَ ثُلَاثِيٌّ مُضَاعَفٌ، تَقُولُ: ذَرَرْتُ الْمِلْحَ أَذُرُّهُ وَمِنْهُ الذَّرِيرَةُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَذَا قَرَأْنَاهُ وَرُوِّينَاهُ بِضَمِّهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مِنَ الذَّرِّ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ التَّذْرِيَةِ، وَبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَذَرَتِ الْعَيْنُ دَمْعَهَا وَأَذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنِ الْفَرَسِ، وَبِالْوَصْلِ مِنْ ذَرَوْتُ الشَّيْءَ وَمِنْهُ ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾

قَوْلُهُ: (فِي الْبَحْرِ) سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرِّيحِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي التَّوْحِيدِ: وَأذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ.

قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ بِلَفْظِ: فَذَرُونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَازٍّ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ثَقِيلَةٍ، كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَكَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ الْبَابِ، وَوُجِّهَتِ الْأُولَى بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُزُّ الْبَدَنَ لِشِدَّةِ حَرِّهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي بَعْدَهُ: حَتَّى إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْمَرْوَزِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ؛ أَيْ حَانَ رِيحُهُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحُونُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَابِعِيهِ، وَمُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ قَتَادَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا)؛ يَعْنِي أَعْطَاهُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ آتَاهُ، وَهِيَ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ، وَبِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا مَالًا، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا بِمُفْرَدِهَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ) كَذَا وَقَعَ هُنَا يَبْتَئِرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَئِيرَةِ بِمَعْنَى الذَّخِيرَةِ وَالْخَبِيئَةِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: بَأَرْتُ الشَّيْءَ وَابْتَأَرْتُهُ أَبْأَرُهُ وَأَبْتَئِرُهُ إِذَا خَبَّأْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ لَمْ يَأْبَتِرْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَهُمَا صَحِيحَانِ بِمَعْنًى وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ، يُقَالُ: بَأَرْتُ الشَّيْءَ وَابْتَأَرْتُهُ وَائْبَتَرْتُهُ إِذَا ادَّخَرْتُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْحُفْرَةِ الْبِئْرُ وَوَقَعَ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: لَمْ يَبْتَئِرْ أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ بِالشَّكِّ فِي الزَّايِ أَوِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الجُّرْجَانِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ قَالَ: وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ يَنْتَهِزُ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَبِالزَّايِ، وَيَمْتَئِرُ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالرَّاءِ أَيْضًا قَالَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ أَيْضًا كَالْأَوَّلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ) كَذَا هُنَا بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْقَافِ مِنَ الْقُدُومِ وَهُوَ بِالْجَزْمِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَكَذَا يُعَذِّبْهُ بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى إِنْ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ يَعْرِفْهُ كُلُّ أَحَدٍ فَإِذَا صَارَ رَمَادًا مَبْثُوثًا فِي الْمَاءِ وَالرِّيحِ لَعَلَّهُ يَخْفَى، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ رَبِّي لَا يَغْفِرْ لِي وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ مُسْتَوْفًى فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْوِبَةِ عَنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ ذَلِكَ لِمَا غَلَبَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَغَطَّى عَلَى فَهْمِهِ مِنَ الْجَزَعِ فَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِي قِصَّةِ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُهَا فَيُقَالُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا فَيَقُولُ لِلْفَرَحِ الَّذِي دَخَلَهُ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. قُلْتُ وَتَمَامُ هَذَا أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ أَخْرَجَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَإِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَإِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، لَكِنْ أَحَدَهُمَا مِنْ غَلَبَةِ الْخَوْفِ وَالْآخَرُ مِنْ غَلَبَةِ الْفَرَحِ. قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي قَالَ أَنْتَ عَبْدِي هُوَ الَّذِي وَجَدَ رَاحِلَتَهُ بَعْدَ أَنْ ضَلَّتْ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (فَأَحْرِقُونِي) فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ هُنَاكَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي.

قَوْلُهُ: (فَاسْحَقُونِي أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ اسْحَقُونِي بِغَيْرِ شَكٍّ، وَالسَّهْكُ بِمَعْنَى السَّحْقِ وَيُقَالُ هُوَ دُونَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ

الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُونِي.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا كَانَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى إِذْ كَانَ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي) هُوَ مِنَ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ جَوَابُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ، أَيْ قَالَ لِمَنْ أَوْصَاهُ قُلْ وَرَبِّي لَأَفْعَلَنَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَخَذَ مِنْهُمْ يَمِينًا لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْضًا فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ وَرَبِّي فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ الْمُخْبِرِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذُرِّي بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلَ وَرَبِّي أَيْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ التَّذْرِيَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَهِيَ الْوَجْهُ، وَلَعَلَّ الذَّالَ سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخِ ثُمَّ صُحِّفَتِ اللَّفْظَةُ، كَذَا قَالَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَصْوِيبِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَخْطِئَةُ الْحُفَّاظِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ تَفْسِيرًا أَوْ تَأْكِيدًا لِقولِهِ: فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَرَبِّي فَإِنَّهَا تَزِيدُ مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ قَوْلِهِ وَذُرِّي وَأَبْعَدَ الْكِرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَرَبِّي بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنَ التَّرْبِيَةِ أَيْ رَبِّي أَخَذَ الْمَوَاثِيقَ بِالتَّأْكِيدَاتِ وَالْمُبَالَغَاتِ، قَالَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّوَايَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ كُنْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَبْلَهُ فَجَمَعَهُ اللَّهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ وُقُوعُ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً مَحْضَةً بَعْدَ إِذَا الْمُفَاجِئَةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْفَائِدَةُ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ فَإِذَا سَبُعٌ.

قَوْلُهُ: (مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ مَخَافَتُكَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِيمَا مَضَى، وَهُوَ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مِنْ خَشْيَتِكَ وَلِبَعْضِهِمْ خَشْيَتَكَ بِغَيْرِ مِنْ وَهِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَجَوَّزُوا الْكَسْرَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا وَإِبْقَاءِ عَمَلِهَا.

قَوْلُهُ: (فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ) أَيْ تَدَارَكَهُ ومَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الَّذِي تَلَافَاهُ هُوَ الرَّحْمَةُ، أَوْ نَافِيَةٌ وَصِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَحْذُوفَةٌ، أَوِ الضَّمِيرُ فِي تَلَافَاهُ لِعَمَلِ الرَّجُلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُنَاكَ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَغَفَرَ لَهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: غَفَرَ لَهُ لِأَنَّهُ تَابَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَنَدِمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ: غَفَرَ لَهُ بِأَصْلِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي لَا تَضُرُّ مَعَهُ مَعْصِيَةٌ، وَتُعُقِّبَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَدَّ الْمَظْلِمَةَ فَالْمَغْفِرَةِ حِينَئِذٍ بِفَضْلِ اللَّهِ لَا بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأَخْذِ الْمَظْلُومِ حَقَّهُ مِنَ الظَّالِمِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا، وَتُعُقِّبَ الثَّانِي بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ عُذِّبَ، فَعَلَى هَذَا فَتُحْمَلُ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ عَلَى إِرَادَةِ تَرْكِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا: عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي أَصْلِ دُخُولِ النَّارِ، وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَى الْخُلُودِ فِيهَا.

وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ تَابَ فَوَجَبَ عَلَى اللَّهِ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: كَانَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ قَدْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ، وَأَنَّ السَّيِّئَاتِ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا أَوْصَى بِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ التَّوْبَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي شَرْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتْلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَإِنَّمَا الَّذِي حَضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَامَاتُهُ، وَفِيهِ فَضْلُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِمَا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ وَضْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْآصَارِ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَفِيهِ عِظَمُ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ جَمَعَ جَسَدَ الْمَذْكُورِ بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَ ذَلِكَ التَّفْرِيقَ الشَّدِيدَ، قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (قَالَ فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ) الْقَائِلُ هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَالِدُ مُعْتَمِرٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) بالكلام المفهم (١) المفيد (مِنْ رِضْوَانِ اللهِ) ما (٢) يُرضِي الله (لَا يُلْقِي) بضم التحتية وكسر القاف (لَهَا) للكلمة (بَالًا) أي: قلبًا (يَرْفَعُ اللهُ) له (بِهَا دَرَجَاتٍ) كأن يحصلَ بها دفعُ (٣) مظلمةٍ عن مسلمٍ، أو تفريجُ كرْبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يرفعُه الله بها درجاتٍ» (وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) عندَ ذِي سلطانٍ جائرٍ يريدُ بها هلاكَ مسلمٍ، أو المراد: إنَّه يتكلَّم بكلمةِ خنَا، أو يعرِّض بمسلم بكبيرةٍ، أو بمُجُونٍ، أو استخفافٍ بشريعةٍ وإن كان غيرَ مُعْتقد، أو غير ذلك (مِنْ سَخَطِ اللهِ) أي: ما لا يرضى الله تعالى به (٤)، و «من سخطِ الله» حالٌ من الكلمةِ أو صفةٌ؛ لأنَّ اللام جنسيَّة، فلك اعتبارُ المعنى واعتبار اللَّفظ، والجملةُ الفعليَّة إمَّا حالٌ من ضميرِ العبدِ المستكنّ في «ليتكلَّم» أو صفةٌ لها بالاعتبارينِ المذكورين، قاله في «المصابيح» (٥) (لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا) أي: يتكلَّم بها على غفلةٍ من غير تثبُّتٍ ولا تأمُّلٍ (يَهْوِي) بفتح التَّحتية وسكون الهاء وكسر الواو (بِهَا فِي جَهَنَّمَ) قال ابنُ عبد البرِّ: هي كلمةُ السُّوء عند السُّلطان الجائر. وقال ابنُ عبد السَّلام: هي الكلمة الَّتي لا يُعرف حُسنها من قبحها، فيَحرُمُ على الإنسانِ أن يتكلَّم بما لا يعرفُ حُسنَه من قبحهِ.

(٢٤) (بابُ) فضلِ (البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) ﷿.

٦٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والشين المعجمة المشدَّدة، بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى حفظ اللِّسَان من حَيْثُ الْمَفْهُوم.

وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْأَسدي، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْهَاد، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ، وَطَلْحَة هُوَ أحد الْعشْرَة. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم مدنيون.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن قُتَيْبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عِنْد مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن قُتَيْبَة وَغَيره بِهِ.

قَوْله: (حَدثنِي) بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا، بنُون الْجمع. قَوْله: (ليَتَكَلَّم) بِاللَّامِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: يتَكَلَّم، بِدُونِ اللَّام. قَوْله: (مَا يتَبَيَّن فِيهَا) أَي: لَا يتدبر فِيهَا وَلَا يتفكر فِي قبحها وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا، وَتطلق الْكَلِمَة وَيُرَاد بهَا الْكَلَام كَقَوْلِهِم: كلمة الشَّهَادَة، ويروى: وليتكلم بِالْكَلِمَةِ مَا يتقى فِيهَا. قَوْله: (يزل بهَا) أَي: بِتِلْكَ الْكَلِمَة، وَهَذَا كِنَايَة عَن دُخُول النَّار. قَوْله: (أبعد مِمَّا بَين الْمشرق) كِنَايَة عَن عظمها ووسعها، قيل: لفظ: بَين، يَقْتَضِي دُخُوله على مُتَعَدد، وَأجِيب بِأَن الْمشرق مُتَعَدد معنى إِذْ مشرق الصَّيف غير مشرق الشتَاء، وَبَينهمَا بعد عَظِيم وَهُوَ نصف كرة الْفلك، أَو اكْتفى بِأحد الضدين عَن الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) وَفِي بعض الرِّوَايَات جَاءَ صَرِيحًا. وَالْمغْرب.

وَفِيه: أَن من أَرَادَ النُّطْق بِكَلِمَة أَن يتدبرها بِنَفسِهِ قبل نطقه فَإِن ظَهرت مصلحَة تكلم بهَا وإلَاّ أمسك.

٨٧٤٦ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِير سَمِعَ أَبَا النضرِ حَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله يَعْنِي: ابنَ دينارٍ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رُضْوانِ الله لَا يُلْقي لَها بَالا يَرْفَعُ الله بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدُ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لَا يُلْقِى لَها بَالا يَهْوِي بِها فِي جَهَنَّمَ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٧٤٦) [/ ح.

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُنِير على وزن اسْم الْفَاعِل من الإنارة المروزيِو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هَاشم بن الْقَاسِم التَّيْمِيّ الْخُرَاسَانِي، مر فِي الْوضُوء، وَعبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه عبد الله بن دِينَار مولى ابْن عمر، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق.

قَوْله: (من رضوَان الله) أَي: مِمَّا يُرْضِي الله بِهِ قَوْله: (لَا يلقِي) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهَا خاطره وَلَا يعْتد بهَا وَلَا يُبَالِي بهَا، وَمعنى البال هُنَا الْقلب. قَوْله: (يرفع الله بهَا) كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين والنسفي: يرفع الله لَهُ بهَا دَرَجَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يرفعهُ الله بهَا دَرَجَات. قَوْله: (من سخط الله) يَعْنِي: مِمَّا لَا يرضى بِهِ. قَوْله: (يهوي) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو، وَقَالَ عِيَاض: ينزل فِيهَا سَاقِطا، وَقد جَاءَ بِلَفْظ: يزل بهَا فِي النَّار، لِأَن دركات النَّار إِلَى أَسْفَل فَهُوَ نزُول سُقُوط، وَقيل: أَهْوى من قريب، وَهوى من بعيد.

٤٢ - (بابُ البُكاءِ مِنْ خَشْيَةِ الله عَزَّ وجَلَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْبكاء من خوف الله عز وَجل.

٩٧٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا يَحْيَاى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حدّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله: رَجُلٌ ذَكَرَ الله فَفَاضَتْ عَيْناهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى ابْن عبد الرَّحْمَن الخزرجي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أتم مِنْهُ قد مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار فِي أَبْوَاب

الْمَسَاجِد، ووردت أَحَادِيث فِي الْبكاء. مِنْهَا: حَدِيث أَسد بن مُوسَى عَن عمرَان بن يزِيد عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك مَرْفُوعا: (أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا، فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ فِي النَّار حَتَّى تسيل دموعهم فِي وُجُوههم كَأَنَّهَا جداول ثمَّ تقطع الدُّمُوع وتسيل الدِّمَاء فتقرح الْعُيُون، فَلَو أَن السفن أجريت فِيهَا لجرت) .

٥٢ - (بابُ الخَوْفِ مِنَ الله تَعَالَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شدَّة الاعتناء بالخوف من الله عز وَجل، وَالْخَوْف من لَوَازِم الْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى: {وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٥٧١) .

٠٨٤٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ ربْعِيٍّ عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كانَ رَجُلٌ ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِىءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأهْلِهِ: إِذا أَنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلنِي إلاّ مَخافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء المخففة والشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان. وَرِجَال السَّنَد كلهم كوفيون.

والْحَدِيث مُضِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير.

قَوْله: (مِمَّن كَانَ قبلكُمْ) يَعْنِي: من بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (يسيء الظَّن بِعَمَلِهِ) يَعْنِي بِعَمَلِهِ الَّذِي كَانَ مَعْصِيّة، وَكَانَ نباشاً. قَوْله: (فذروني فِي الْبَحْر) بِضَم الذَّال من الذَّر وَهُوَ التَّفْرِيق، يُقَال: ذررت الْملح أذره، ويروى بِفَتْح الذَّال من التذرية، يُقَال: ذرت الرّيح الشَّيْء وأذرته وذرته أَي: أطارته وأذهبته، ويروى: أذروني بِهَمْزَة قطع وَسُكُون الذَّال من: أذرت الْعين دمعها، وَمِنْه: تَذْرُوهُ الرِّيَاح. قَوْله: (فِي يَوْم صَائِف) أَي: حَار بتَشْديد الرَّاء من الْحَرَارَة، وَرُوِيَ للمروزي والأصيلي: فِي يَوْم حَاز، بالزاي الثَّقِيلَة بِمَعْنى أَنه يحز الْبدن لشدَّة حره، وَرُوِيَ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فِي يَوْم حَار، بالراء كَمَا ذكرنَا أَولا، وَكَذَا رُوِيَ لكريمة عَن الْكشميهني وَذكر بَعضهم رِوَايَة الْمروزِي بنُون بدل الزَّاي، وَقَالَ ابْن فَارس: الحون ريح يحن كحنين الْإِبِل.

١٨٤٦ - حدّثنا مُوسى احدثنا: مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أبي حَدثنَا قَتادَةُ عنْ عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ عنْ أبي سَعِيدٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَو قَبْلكُمْ (آتاهُ الله مَالا وَوَلَداً يَعْنِي: أعْطاهُ مَالا وَوَلداً {قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالُوا: خَيْرَ أَب قَالَ: فإنَّهُ لَمْ يَبْتَئرْ عِنْدَ الله خَيْراً فَسَرَّهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ وإنْ يَقْدَمْ على الله يُعَذِّبْهُ فانْظُرُوا فَإِذا مُتُّ فأحْرِقُونِي حتَّى إِذا صِرْتُ فَحْماً فاسْحَقُونِي أَو قَالَ: فاسْهَكُونِي ثُمَّ إِذا كانَ رِيحٌ عاصِفٌ فأذْرُونِي فِيهَا، فأخذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلى ذالِكَ ورَبِّي، فَفَعَلُوا فَقَالَ الله: كُنْ، فَإِذا رَجُلٌ قائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أيْ عَبْدِي} مَا حَمَلَكَ عَلى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أوْ فَرَقٌ مِنْكَ فَمَا تَلافاهُ أنْ رَحِمَهُ الله.

فَحَدَّثْتُ أَبَا عثْمانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سلْمانَ غَيْرَ أنَّهُ زادَ: فأذْرُونِي فِي البَحْرِ، أَو كَمَا حَدَّثَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مخافتك) ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عبد الغافر أَبُو نَهَار الْأَزْدِيّ العوذي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مر فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن أبي الْأسود. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبيد الله بن معَاذ وَغَيره.

قَوْله: (أَو قبلكُمْ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يَعْنِي: أعطَاهُ مَالا) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (آتَاهُ الله) وَهُوَ بِالْمدِّ بِمَعْنى: أعطَاهُ وبالقصر بِمَعْنى الْمَجِيء. قَوْله: (مَالا) بعد قَوْله: (أعطَاهُ) رِوَايَة الْكشميهني، وَلَا معنى لإعادة لفظ: مَالا، وَفِي رِوَايَة غَيره: أعطَاهُ، بِلَا ذكر مَالا. (فَلَمَّا حضر) بِضَم الْحَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: فَلَمَّا حَضَره أَوَان الْمَوْت. قَوْله: (خير أَب) بِالنّصب أَي: كنت خير أَب، وبالرفع أَي: أَنْت خير أَب. قَوْله: (لم يبتئر) من الابتئار افتعال من الْبَار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَمَعْنَاهُ لم يدّخر وَلم يخبأ، هَكَذَا فسره قَتَادَة، وَأَصله من البئيرة بِمَعْنى الذَّخِيرَة والخبيئة، قَالَ أهل اللُّغَة: بارت الشَّيْء وابتأرته إبارة وابتئره إِذا خبأته، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: لم يأبتر، بِتَقْدِيم الْهمزَة على الْبَاء الْمُوَحدَة حَكَاهُ عِيَاض وَمَعْنَاهُ: لم يقدم خيرا يُقَال: بأرته وابتارته، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي التَّوْحِيد فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: لم يبتئر أَو لم يبتئر بِالشَّكِّ فِي الزَّاي أَو الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْجِرْجَانِيّ بنُون بدل الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالزَّاي، قيل: كِلَاهُمَا غير صَحِيح، ويروى فِي غير البُخَارِيّ: يبتهر، بِالْهَاءِ بدل الْهمزَة وبالراء ويمتئر بِالْمِيم بدل الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء. قَوْله: (وَإِن يقدم على الله يعذبه) كَذَا هُنَا بِسُكُون الْقَاف وَفتح الدَّال من الْقدوم وَهُوَ بِالْجَزْمِ على الشّرطِيَّة، وَكَذَا يعذبه بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَزَاء، وَالْمعْنَى أَنه إِن بعث يَوْم الْقِيَامَة على هَيئته يعرفهُ كل أحد، فَإِذا صَار رَمَادا مبثوثاً فِي المَاء أَو الرّيح لَعَلَّه يخفى. وَوَقع فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي خَيْثَمَة عَن جرير بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: فَإِنَّهُ إِن يقدر عَليّ رَبِّي لَا يغْفر لي، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: لَئِن قدر الله عَليّ، قيل: كَيفَ غفر لهَذَا الَّذِي أوصى بِهَذِهِ الْوَصِيَّة وَقد جهل قدرَة الله على إحيائه؟ . وَأجِيب: بِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقيل: أما عَفْو الله عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَيَّام صِحَّته من الْمعاصِي فلندمه عَلَيْهَا وتوبته مِنْهَا عِنْد مَوته، وَلذَلِك أَمر وَلَده بإحراقه وتذريته فِي الْبر وَالْبَحْر خشيَة من عَذَاب ربه والندم تَوْبَة.

قلت: فِيهِ نظر، لِأَن كَون النَّدَم تَوْبَة إِنَّمَا هُوَ لهَذِهِ الْأمة، أَلا يُرى مَا حكى الله عَن قابيل بقوله: {فاصبح من النادمين} (الْمَائِدَة: ١٣) فَلم يكن ندمه تَوْبَة، وَقيل: إِن معنى قَوْله: إِن قدر الله على الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ الْعَجز وَإنَّهُ كَانَ عِنْده أَنه إِذا أحرق وذري أعجز ربه عَن إحيائه، فَهُوَ على أَنه غفر لَهُ لجهله بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ لم يكن تقدم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنه لَا يغفرالشرك بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على أَن ذَلِك غير جَائِز فِي حِكْمَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا نقُول: لَا يجوز أَن يغْفر الشّرك بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١) . وَأما جَوَاز غفران الله ذَلِك فلفضله الْأَعَمّ وغنائه الأتم لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ كفر كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ إِيمَان مُؤمن. وَقيل: معنى أَن قدر الله عَليّ أَن ضيق على كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه} (الطَّلَاق: ٧) أَي: ضيق وَلم يرد بذلك وصف خالقه بِالْعَجزِ عَن إِعَادَته، وَقيل: إِنَّمَا غفر لَهُ لِأَنَّهُ غلب على فهمه من الْجزع الَّذِي كَانَ لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر، وَمثل هَذَا إِنَّمَا يكون كفرا مِمَّن يقْصد بِهِ الْكفْر وَهُوَ يعقل مَا يَقُول، وَقيل: غفر لَهُ بِأَصْل توحيده الَّذِي لَا تضر مَعَه مَعْصِيّة، وعزى ذَلِك إِلَى المرجئة. قَوْله: (فأحرقوني) وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي بني إِسْرَائِيل فاجمعوا لي حطباً كثيرا ثمَّ أوروا نَارا حَتَّى إِذا أكلت لحمي وخلصت إِلَى عظمي فخذوها واطحنوها. قَوْله: (فاستحقوني) من السحق وَهُوَ دق الشَّيْء نَاعِمًا، أَو قَالَ: (فاسهكوني) ، شكّ من الرَّاوِي من السهك. قَالُوا: السحق والسهك بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل السهك ونه وَهُوَ أَن يفت الشَّيْء أَو يدق قطعا صغَارًا. قَوْله: (فاذروني) يَصح أَن يقْرَأ مَوْصُول الْألف من ذرأت الشَّيْء فرقته، وَيصِح أَن يكون أَصله من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ فَيقطع الْهمزَة من قَوْلهم: أذرت الْعين دمعها، وأذريت الرجل عَن فرسه أَي: رميته. وَقَالَ ابْن التِّين: قرأناه بِقطع الْهمزَة. قَوْله: (فَأَخذه مواثيقهم) جمع مِيثَاق وَهُوَ الْعَهْد. قَوْله: (وربي) هُوَ على الْقسم عَن الْمخبر بذلك عَنْهُم لتصحيح خَبره، وَيحْتَمل أَن يكون حِكَايَة الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه، أَي: قَالَ لمن أوصاه: قل: وربي لافعلن ذَلِك، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك، وربي قَالَ القَاضِي عِيَاض. وَفِي بعض نسخه. فَفَعَلُوا ذَلِك وذرى، قَالَ: فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَهِيَ وَجه الْكَلَام وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطت لبَعض النساخ وَتَابعه الْبَاقُونَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ البُخَارِيّ يحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْمَاضِي من التربية. أَي: رَبِّي أَخذ المواثيق والمبايعات لكنه مَوْقُوف على الرِّوَايَة، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد الْكرْمَانِي ثمَّ نقل ذَلِك عَنهُ.

قلت: مَا جزم بذلك حَتَّى يُقَال فِيهِ: وَأبْعد، وَإِنَّمَا قيد بِصِحَّة الرِّوَايَة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ بِعِيدِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ بِلَفْظِ: لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا.

٢٤ - بَاب الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﷿

٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ في ظله: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﷿، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، وَلَفْظُهُ: رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مَعَ شَرْحِهِ وَفِيهِ: ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، وَوَرَدَ هُنَا بِدُونِهَا، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا هُنَا، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَخُبَيْبٌ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ هُنَا فِي ظِلِّهِ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: فِي ظِلِّ عَرْشِهِ، وَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّعِيمِ، وَمِنْهُ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وَبِمَعْنَى الْجَانِبِ وَمِنْهُ: يَسِيرُ الرَّاكِبِ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، وَبِمَعْنَى السِّتْرِ وَالْكَنَفِ وَالْخَاصَّةِ، وَمِنْهُ: أَنَا فِي ظِلِّكَ، وَبِمَعْنَى الْعِزِّ، وَمِنْهُ: أَسْبَغَ اللَّهُ ظِلَّكَ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَلَى وَفْقِ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ أَبِي رَيْحَانَةَ رَفَعَهُ: حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ،، وَللتِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: لَا تَمَسُّهَا النَّارُ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي يَعْلَى، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ.

٢٥ - بَاب الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ

٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ.

٦٤٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ ذَكَرَ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ - أَوْ قَبْلَكُمْ - آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا؛ يَعْنِي أَعْطَاهُ، قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا. فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ. وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ. فَانْظُرُوا، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي - أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي - ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَاذْرُونِي فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي.

فَفَعَلُوا. فَقَالَ اللَّهُ: كُنْ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ. ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَبْدِي، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ. فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ . فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: فَاذْرُونِي فِي الْبَحْرِ أَوْ كَمَا حَدَّثَ، وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ ﷿ هُوَ مِنَ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَقْرَبُ إِلَى رَبِّهِ كَانَ أَشَدَّ لَهُ خَشْيَةً مِمَّنْ دُونَهُ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَلَائِكَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وَالْأَنْبِيَاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفُ الْمُقَرَّبِينَ أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِمَا لَا يُطَالَبُ بِهِ غَيْرُهُمْ، فَيُرَاعُونَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ مِنْهُ الشُّكْرُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ فَيُضَاعَفُ بِالنِّسْبَةِ لِعُلُوِّ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.

فَالْعَبْدُ إِنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أَوْ نُقْصَانِ الدَّرَجَةِ بِالنِّسْبَةِ، وَإِنْ كَانَ مَائِلًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِ.

وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَنْشَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ قُبْحِ الْجِنَايَةِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْوَعِيدِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُحْرَمَ التَّوْبَةَ، أَوْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، فَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ ذَنْبِهِ طَالِبٌ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِيمَنْ يَغْفِرُ لَهُ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفِيهِ أَيْضًا: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَات جَمَالٍ وَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابِ الْغَارِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمُ الَّذِي عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكَ لَهَا الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّةُ الْكِفْلِ، وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ وَتَرَكَ الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ. وَرِبْعِيٌّ هُوَ ابْنُ حِرَاشٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرَهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَصْرِيحُ حُذَيْفَةَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ وَالَانِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ بِطُولِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَيَتَبَيَّنُ شُذُوذَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ كَمَا ظَهَرَ شُذُوذُهَا مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا.

قَوْلُهُ: (فَذَرُونِي) قَدَّمْتُ هُنَاكَ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَالتَّشْدِيدُ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ، وَهُوَ ثُلَاثِيٌّ مُضَاعَفٌ، تَقُولُ: ذَرَرْتُ الْمِلْحَ أَذُرُّهُ وَمِنْهُ الذَّرِيرَةُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَكَذَا قَرَأْنَاهُ وَرُوِّينَاهُ بِضَمِّهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مِنَ الذَّرِّ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ التَّذْرِيَةِ، وَبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَذَرَتِ الْعَيْنُ دَمْعَهَا وَأَذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنِ الْفَرَسِ، وَبِالْوَصْلِ مِنْ ذَرَوْتُ الشَّيْءَ وَمِنْهُ ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾

قَوْلُهُ: (فِي الْبَحْرِ) سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرِّيحِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي التَّوْحِيدِ: وَأذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ.

قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ بِلَفْظِ: فَذَرُونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَازٍّ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ثَقِيلَةٍ، كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَكَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ الْبَابِ، وَوُجِّهَتِ الْأُولَى بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُزُّ الْبَدَنَ لِشِدَّةِ حَرِّهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي بَعْدَهُ: حَتَّى إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْمَرْوَزِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ؛ أَيْ حَانَ رِيحُهُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحُونُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَابِعِيهِ، وَمُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فِيمَنْ سَلَفَ أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي عَنْ قَتَادَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا)؛ يَعْنِي أَعْطَاهُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ آتَاهُ، وَهِيَ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ، وَبِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا مَالًا، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا بِمُفْرَدِهَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ) كَذَا وَقَعَ هُنَا يَبْتَئِرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَتَفْسِيرُ قَتَادَةَ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْبَئِيرَةِ بِمَعْنَى الذَّخِيرَةِ وَالْخَبِيئَةِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: بَأَرْتُ الشَّيْءَ وَابْتَأَرْتُهُ أَبْأَرُهُ وَأَبْتَئِرُهُ إِذَا خَبَّأْتُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ لَمْ يَأْبَتِرْ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَهُمَا صَحِيحَانِ بِمَعْنًى وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ، يُقَالُ: بَأَرْتُ الشَّيْءَ وَابْتَأَرْتُهُ وَائْبَتَرْتُهُ إِذَا ادَّخَرْتُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْحُفْرَةِ الْبِئْرُ وَوَقَعَ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: لَمْ يَبْتَئِرْ أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ بِالشَّكِّ فِي الزَّايِ أَوِ الرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الجُّرْجَانِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ قَالَ: وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ يَنْتَهِزُ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَبِالزَّايِ، وَيَمْتَئِرُ بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالرَّاءِ أَيْضًا قَالَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ أَيْضًا كَالْأَوَّلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ) كَذَا هُنَا بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْقَافِ مِنَ الْقُدُومِ وَهُوَ بِالْجَزْمِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَكَذَا يُعَذِّبْهُ بِالْجَزْمِ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى إِنْ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ يَعْرِفْهُ كُلُّ أَحَدٍ فَإِذَا صَارَ رَمَادًا مَبْثُوثًا فِي الْمَاءِ وَالرِّيحِ لَعَلَّهُ يَخْفَى، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ رَبِّي لَا يَغْفِرْ لِي وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ مُسْتَوْفًى فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْوِبَةِ عَنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ ذَلِكَ لِمَا غَلَبَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَغَطَّى عَلَى فَهْمِهِ مِنَ الْجَزَعِ فَيُعْذَرُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِي قِصَّةِ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُهَا فَيُقَالُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا فَيَقُولُ لِلْفَرَحِ الَّذِي دَخَلَهُ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. قُلْتُ وَتَمَامُ هَذَا أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ أَخْرَجَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَإِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَإِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، لَكِنْ أَحَدَهُمَا مِنْ غَلَبَةِ الْخَوْفِ وَالْآخَرُ مِنْ غَلَبَةِ الْفَرَحِ. قُلْتُ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي قَالَ أَنْتَ عَبْدِي هُوَ الَّذِي وَجَدَ رَاحِلَتَهُ بَعْدَ أَنْ ضَلَّتْ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى.

قَوْلُهُ: (فَأَحْرِقُونِي) فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ هُنَاكَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي.

قَوْلُهُ: (فَاسْحَقُونِي أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ اسْحَقُونِي بِغَيْرِ شَكٍّ، وَالسَّهْكُ بِمَعْنَى السَّحْقِ وَيُقَالُ هُوَ دُونَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ

الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُونِي.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِذَا كَانَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى إِذْ كَانَ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي) هُوَ مِنَ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ جَوَابُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ، أَيْ قَالَ لِمَنْ أَوْصَاهُ قُلْ وَرَبِّي لَأَفْعَلَنَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَخَذَ مِنْهُمْ يَمِينًا لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْضًا فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ وَرَبِّي فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ قَسَمٌ مِنَ الْمُخْبِرِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذُرِّي بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَدَلَ وَرَبِّي أَيْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ التَّذْرِيَةِ، قَالَ عِيَاضٌ: إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً فَهِيَ الْوَجْهُ، وَلَعَلَّ الذَّالَ سَقَطَتْ لِبَعْضِ النُّسَّاخِ ثُمَّ صُحِّفَتِ اللَّفْظَةُ، كَذَا قَالَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَصْوِيبِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَخْطِئَةُ الْحُفَّاظِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ تَفْسِيرًا أَوْ تَأْكِيدًا لِقولِهِ: فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَرَبِّي فَإِنَّهَا تَزِيدُ مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ قَوْلِهِ وَذُرِّي وَأَبْعَدَ الْكِرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَرَبِّي بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنَ التَّرْبِيَةِ أَيْ رَبِّي أَخَذَ الْمَوَاثِيقَ بِالتَّأْكِيدَاتِ وَالْمُبَالَغَاتِ، قَالَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّوَايَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ كُنْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَبْلَهُ فَجَمَعَهُ اللَّهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ وُقُوعُ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً مَحْضَةً بَعْدَ إِذَا الْمُفَاجِئَةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْفَائِدَةُ كَقَوْلِكَ: خَرَجْتُ فَإِذَا سَبُعٌ.

قَوْلُهُ: (مَخَافَتُكَ، أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ مَخَافَتُكَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِيمَا مَضَى، وَهُوَ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مِنْ خَشْيَتِكَ وَلِبَعْضِهِمْ خَشْيَتَكَ بِغَيْرِ مِنْ وَهِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَجَوَّزُوا الْكَسْرَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا وَإِبْقَاءِ عَمَلِهَا.

قَوْلُهُ: (فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ) أَيْ تَدَارَكَهُ ومَا مَوْصُولَةٌ أَيِ الَّذِي تَلَافَاهُ هُوَ الرَّحْمَةُ، أَوْ نَافِيَةٌ وَصِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَحْذُوفَةٌ، أَوِ الضَّمِيرُ فِي تَلَافَاهُ لِعَمَلِ الرَّجُلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُنَاكَ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَغَفَرَ لَهُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: غَفَرَ لَهُ لِأَنَّهُ تَابَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَنَدِمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ: غَفَرَ لَهُ بِأَصْلِ تَوْحِيدِهِ الَّذِي لَا تَضُرُّ مَعَهُ مَعْصِيَةٌ، وَتُعُقِّبَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَدَّ الْمَظْلِمَةَ فَالْمَغْفِرَةِ حِينَئِذٍ بِفَضْلِ اللَّهِ لَا بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأَخْذِ الْمَظْلُومِ حَقَّهُ مِنَ الظَّالِمِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا، وَتُعُقِّبَ الثَّانِي بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ عُذِّبَ، فَعَلَى هَذَا فَتُحْمَلُ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ عَلَى إِرَادَةِ تَرْكِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا: عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي أَصْلِ دُخُولِ النَّارِ، وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَى الْخُلُودِ فِيهَا.

وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ تَابَ فَوَجَبَ عَلَى اللَّهِ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: كَانَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ قَدْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ، وَأَنَّ السَّيِّئَاتِ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا أَوْصَى بِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ التَّوْبَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي شَرْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتْلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَإِنَّمَا الَّذِي حَضَرَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَامَاتُهُ، وَفِيهِ فَضْلُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِمَا خُفِّفَ عَنْهُمْ مِنْ وَضْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْآصَارِ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَفِيهِ عِظَمُ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ جَمَعَ جَسَدَ الْمَذْكُورِ بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَ ذَلِكَ التَّفْرِيقَ الشَّدِيدَ، قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَمَّا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (قَالَ فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ) الْقَائِلُ هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَالِدُ مُعْتَمِرٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) بالكلام المفهم (١) المفيد (مِنْ رِضْوَانِ اللهِ) ما (٢) يُرضِي الله (لَا يُلْقِي) بضم التحتية وكسر القاف (لَهَا) للكلمة (بَالًا) أي: قلبًا (يَرْفَعُ اللهُ) له (بِهَا دَرَجَاتٍ) كأن يحصلَ بها دفعُ (٣) مظلمةٍ عن مسلمٍ، أو تفريجُ كرْبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يرفعُه الله بها درجاتٍ» (وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) عندَ ذِي سلطانٍ جائرٍ يريدُ بها هلاكَ مسلمٍ، أو المراد: إنَّه يتكلَّم بكلمةِ خنَا، أو يعرِّض بمسلم بكبيرةٍ، أو بمُجُونٍ، أو استخفافٍ بشريعةٍ وإن كان غيرَ مُعْتقد، أو غير ذلك (مِنْ سَخَطِ اللهِ) أي: ما لا يرضى الله تعالى به (٤)، و «من سخطِ الله» حالٌ من الكلمةِ أو صفةٌ؛ لأنَّ اللام جنسيَّة، فلك اعتبارُ المعنى واعتبار اللَّفظ، والجملةُ الفعليَّة إمَّا حالٌ من ضميرِ العبدِ المستكنّ في «ليتكلَّم» أو صفةٌ لها بالاعتبارينِ المذكورين، قاله في «المصابيح» (٥) (لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا) أي: يتكلَّم بها على غفلةٍ من غير تثبُّتٍ ولا تأمُّلٍ (يَهْوِي) بفتح التَّحتية وسكون الهاء وكسر الواو (بِهَا فِي جَهَنَّمَ) قال ابنُ عبد البرِّ: هي كلمةُ السُّوء عند السُّلطان الجائر. وقال ابنُ عبد السَّلام: هي الكلمة الَّتي لا يُعرف حُسنها من قبحها، فيَحرُمُ على الإنسانِ أن يتكلَّم بما لا يعرفُ حُسنَه من قبحهِ.

(٢٤) (بابُ) فضلِ (البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) ﷿.

٦٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والشين المعجمة المشدَّدة، بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى حفظ اللِّسَان من حَيْثُ الْمَفْهُوم.

وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْأَسدي، وَابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْهَاد، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، وَعِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ، وَطَلْحَة هُوَ أحد الْعشْرَة. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم مدنيون.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن قُتَيْبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عِنْد مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن قُتَيْبَة وَغَيره بِهِ.

قَوْله: (حَدثنِي) بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا، بنُون الْجمع. قَوْله: (ليَتَكَلَّم) بِاللَّامِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: يتَكَلَّم، بِدُونِ اللَّام. قَوْله: (مَا يتَبَيَّن فِيهَا) أَي: لَا يتدبر فِيهَا وَلَا يتفكر فِي قبحها وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا، وَتطلق الْكَلِمَة وَيُرَاد بهَا الْكَلَام كَقَوْلِهِم: كلمة الشَّهَادَة، ويروى: وليتكلم بِالْكَلِمَةِ مَا يتقى فِيهَا. قَوْله: (يزل بهَا) أَي: بِتِلْكَ الْكَلِمَة، وَهَذَا كِنَايَة عَن دُخُول النَّار. قَوْله: (أبعد مِمَّا بَين الْمشرق) كِنَايَة عَن عظمها ووسعها، قيل: لفظ: بَين، يَقْتَضِي دُخُوله على مُتَعَدد، وَأجِيب بِأَن الْمشرق مُتَعَدد معنى إِذْ مشرق الصَّيف غير مشرق الشتَاء، وَبَينهمَا بعد عَظِيم وَهُوَ نصف كرة الْفلك، أَو اكْتفى بِأحد الضدين عَن الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ١٨) وَفِي بعض الرِّوَايَات جَاءَ صَرِيحًا. وَالْمغْرب.

وَفِيه: أَن من أَرَادَ النُّطْق بِكَلِمَة أَن يتدبرها بِنَفسِهِ قبل نطقه فَإِن ظَهرت مصلحَة تكلم بهَا وإلَاّ أمسك.

٨٧٤٦ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِير سَمِعَ أَبَا النضرِ حَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله يَعْنِي: ابنَ دينارٍ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رُضْوانِ الله لَا يُلْقي لَها بَالا يَرْفَعُ الله بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدُ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لَا يُلْقِى لَها بَالا يَهْوِي بِها فِي جَهَنَّمَ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٧٤٦) [/ ح.

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُنِير على وزن اسْم الْفَاعِل من الإنارة المروزيِو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هَاشم بن الْقَاسِم التَّيْمِيّ الْخُرَاسَانِي، مر فِي الْوضُوء، وَعبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه عبد الله بن دِينَار مولى ابْن عمر، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَفِي الْإِسْنَاد ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق.

قَوْله: (من رضوَان الله) أَي: مِمَّا يُرْضِي الله بِهِ قَوْله: (لَا يلقِي) بِضَم الْيَاء من الْإِلْقَاء أَي: لَا يلْتَفت إِلَيْهَا خاطره وَلَا يعْتد بهَا وَلَا يُبَالِي بهَا، وَمعنى البال هُنَا الْقلب. قَوْله: (يرفع الله بهَا) كَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين والنسفي: يرفع الله لَهُ بهَا دَرَجَات، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يرفعهُ الله بهَا دَرَجَات. قَوْله: (من سخط الله) يَعْنِي: مِمَّا لَا يرضى بِهِ. قَوْله: (يهوي) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْوَاو، وَقَالَ عِيَاض: ينزل فِيهَا سَاقِطا، وَقد جَاءَ بِلَفْظ: يزل بهَا فِي النَّار، لِأَن دركات النَّار إِلَى أَسْفَل فَهُوَ نزُول سُقُوط، وَقيل: أَهْوى من قريب، وَهوى من بعيد.

٤٢ - (بابُ البُكاءِ مِنْ خَشْيَةِ الله عَزَّ وجَلَّ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْبكاء من خوف الله عز وَجل.

٩٧٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا يَحْيَاى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حدّثني خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله: رَجُلٌ ذَكَرَ الله فَفَاضَتْ عَيْناهُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى ابْن عبد الرَّحْمَن الخزرجي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أتم مِنْهُ قد مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار فِي أَبْوَاب

الْمَسَاجِد، ووردت أَحَادِيث فِي الْبكاء. مِنْهَا: حَدِيث أَسد بن مُوسَى عَن عمرَان بن يزِيد عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك مَرْفُوعا: (أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا، فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ فِي النَّار حَتَّى تسيل دموعهم فِي وُجُوههم كَأَنَّهَا جداول ثمَّ تقطع الدُّمُوع وتسيل الدِّمَاء فتقرح الْعُيُون، فَلَو أَن السفن أجريت فِيهَا لجرت) .

٥٢ - (بابُ الخَوْفِ مِنَ الله تَعَالَى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شدَّة الاعتناء بالخوف من الله عز وَجل، وَالْخَوْف من لَوَازِم الْإِيمَان قَالَ الله تَعَالَى: {وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٥٧١) .

٠٨٤٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ ربْعِيٍّ عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (كانَ رَجُلٌ ممَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِىءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأهْلِهِ: إِذا أَنا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ، فَجَمَعَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلنِي إلاّ مَخافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٢٥٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء المخففة والشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان. وَرِجَال السَّنَد كلهم كوفيون.

والْحَدِيث مُضِيّ فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز وَفِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير.

قَوْله: (مِمَّن كَانَ قبلكُمْ) يَعْنِي: من بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (يسيء الظَّن بِعَمَلِهِ) يَعْنِي بِعَمَلِهِ الَّذِي كَانَ مَعْصِيّة، وَكَانَ نباشاً. قَوْله: (فذروني فِي الْبَحْر) بِضَم الذَّال من الذَّر وَهُوَ التَّفْرِيق، يُقَال: ذررت الْملح أذره، ويروى بِفَتْح الذَّال من التذرية، يُقَال: ذرت الرّيح الشَّيْء وأذرته وذرته أَي: أطارته وأذهبته، ويروى: أذروني بِهَمْزَة قطع وَسُكُون الذَّال من: أذرت الْعين دمعها، وَمِنْه: تَذْرُوهُ الرِّيَاح. قَوْله: (فِي يَوْم صَائِف) أَي: حَار بتَشْديد الرَّاء من الْحَرَارَة، وَرُوِيَ للمروزي والأصيلي: فِي يَوْم حَاز، بالزاي الثَّقِيلَة بِمَعْنى أَنه يحز الْبدن لشدَّة حره، وَرُوِيَ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: فِي يَوْم حَار، بالراء كَمَا ذكرنَا أَولا، وَكَذَا رُوِيَ لكريمة عَن الْكشميهني وَذكر بَعضهم رِوَايَة الْمروزِي بنُون بدل الزَّاي، وَقَالَ ابْن فَارس: الحون ريح يحن كحنين الْإِبِل.

١٨٤٦ - حدّثنا مُوسى احدثنا: مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أبي حَدثنَا قَتادَةُ عنْ عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغافِرِ عنْ أبي سَعِيدٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَو قَبْلكُمْ (آتاهُ الله مَالا وَوَلَداً يَعْنِي: أعْطاهُ مَالا وَوَلداً {قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ لِبَنِيهِ: أيَّ أبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قالُوا: خَيْرَ أَب قَالَ: فإنَّهُ لَمْ يَبْتَئرْ عِنْدَ الله خَيْراً فَسَرَّهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ وإنْ يَقْدَمْ على الله يُعَذِّبْهُ فانْظُرُوا فَإِذا مُتُّ فأحْرِقُونِي حتَّى إِذا صِرْتُ فَحْماً فاسْحَقُونِي أَو قَالَ: فاسْهَكُونِي ثُمَّ إِذا كانَ رِيحٌ عاصِفٌ فأذْرُونِي فِيهَا، فأخذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلى ذالِكَ ورَبِّي، فَفَعَلُوا فَقَالَ الله: كُنْ، فَإِذا رَجُلٌ قائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أيْ عَبْدِي} مَا حَمَلَكَ عَلى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ أوْ فَرَقٌ مِنْكَ فَمَا تَلافاهُ أنْ رَحِمَهُ الله.

فَحَدَّثْتُ أَبَا عثْمانَ فَقَالَ: سَمِعْتُ سلْمانَ غَيْرَ أنَّهُ زادَ: فأذْرُونِي فِي البَحْرِ، أَو كَمَا حَدَّثَ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٤٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مخافتك) ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن عبد الغافر أَبُو نَهَار الْأَزْدِيّ العوذي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مر فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن أبي الْوَلِيد وَيحيى فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن أبي الْأسود. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبيد الله بن معَاذ وَغَيره.

قَوْله: (أَو قبلكُمْ) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (يَعْنِي: أعطَاهُ مَالا) ، هَذَا تَفْسِير لقَوْله: (آتَاهُ الله) وَهُوَ بِالْمدِّ بِمَعْنى: أعطَاهُ وبالقصر بِمَعْنى الْمَجِيء. قَوْله: (مَالا) بعد قَوْله: (أعطَاهُ) رِوَايَة الْكشميهني، وَلَا معنى لإعادة لفظ: مَالا، وَفِي رِوَايَة غَيره: أعطَاهُ، بِلَا ذكر مَالا. (فَلَمَّا حضر) بِضَم الْحَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: فَلَمَّا حَضَره أَوَان الْمَوْت. قَوْله: (خير أَب) بِالنّصب أَي: كنت خير أَب، وبالرفع أَي: أَنْت خير أَب. قَوْله: (لم يبتئر) من الابتئار افتعال من الْبَار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَمَعْنَاهُ لم يدّخر وَلم يخبأ، هَكَذَا فسره قَتَادَة، وَأَصله من البئيرة بِمَعْنى الذَّخِيرَة والخبيئة، قَالَ أهل اللُّغَة: بارت الشَّيْء وابتأرته إبارة وابتئره إِذا خبأته، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: لم يأبتر، بِتَقْدِيم الْهمزَة على الْبَاء الْمُوَحدَة حَكَاهُ عِيَاض وَمَعْنَاهُ: لم يقدم خيرا يُقَال: بأرته وابتارته، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَوَقع فِي التَّوْحِيد فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: لم يبتئر أَو لم يبتئر بِالشَّكِّ فِي الزَّاي أَو الرَّاء، وَفِي رِوَايَة الْجِرْجَانِيّ بنُون بدل الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالزَّاي، قيل: كِلَاهُمَا غير صَحِيح، ويروى فِي غير البُخَارِيّ: يبتهر، بِالْهَاءِ بدل الْهمزَة وبالراء ويمتئر بِالْمِيم بدل الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء. قَوْله: (وَإِن يقدم على الله يعذبه) كَذَا هُنَا بِسُكُون الْقَاف وَفتح الدَّال من الْقدوم وَهُوَ بِالْجَزْمِ على الشّرطِيَّة، وَكَذَا يعذبه بِالْجَزْمِ لِأَنَّهُ جَزَاء، وَالْمعْنَى أَنه إِن بعث يَوْم الْقِيَامَة على هَيئته يعرفهُ كل أحد، فَإِذا صَار رَمَادا مبثوثاً فِي المَاء أَو الرّيح لَعَلَّه يخفى. وَوَقع فِي حَدِيث حُذَيْفَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي خَيْثَمَة عَن جرير بِسَنَد حَدِيث الْبَاب: فَإِنَّهُ إِن يقدر عَليّ رَبِّي لَا يغْفر لي، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: لَئِن قدر الله عَليّ، قيل: كَيفَ غفر لهَذَا الَّذِي أوصى بِهَذِهِ الْوَصِيَّة وَقد جهل قدرَة الله على إحيائه؟ . وَأجِيب: بِأَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقيل: أما عَفْو الله عَمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَيَّام صِحَّته من الْمعاصِي فلندمه عَلَيْهَا وتوبته مِنْهَا عِنْد مَوته، وَلذَلِك أَمر وَلَده بإحراقه وتذريته فِي الْبر وَالْبَحْر خشيَة من عَذَاب ربه والندم تَوْبَة.

قلت: فِيهِ نظر، لِأَن كَون النَّدَم تَوْبَة إِنَّمَا هُوَ لهَذِهِ الْأمة، أَلا يُرى مَا حكى الله عَن قابيل بقوله: {فاصبح من النادمين} (الْمَائِدَة: ١٣) فَلم يكن ندمه تَوْبَة، وَقيل: إِن معنى قَوْله: إِن قدر الله على الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ الْعَجز وَإنَّهُ كَانَ عِنْده أَنه إِذا أحرق وذري أعجز ربه عَن إحيائه، فَهُوَ على أَنه غفر لَهُ لجهله بِالْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ لم يكن تقدم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنه لَا يغفرالشرك بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على أَن ذَلِك غير جَائِز فِي حِكْمَة الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا نقُول: لَا يجوز أَن يغْفر الشّرك بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ} (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١) . وَأما جَوَاز غفران الله ذَلِك فلفضله الْأَعَمّ وغنائه الأتم لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ كفر كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ إِيمَان مُؤمن. وَقيل: معنى أَن قدر الله عَليّ أَن ضيق على كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه} (الطَّلَاق: ٧) أَي: ضيق وَلم يرد بذلك وصف خالقه بِالْعَجزِ عَن إِعَادَته، وَقيل: إِنَّمَا غفر لَهُ لِأَنَّهُ غلب على فهمه من الْجزع الَّذِي كَانَ لحقه من خوف الله وعذابه فيعذر، وَمثل هَذَا إِنَّمَا يكون كفرا مِمَّن يقْصد بِهِ الْكفْر وَهُوَ يعقل مَا يَقُول، وَقيل: غفر لَهُ بِأَصْل توحيده الَّذِي لَا تضر مَعَه مَعْصِيّة، وعزى ذَلِك إِلَى المرجئة. قَوْله: (فأحرقوني) وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي بني إِسْرَائِيل فاجمعوا لي حطباً كثيرا ثمَّ أوروا نَارا حَتَّى إِذا أكلت لحمي وخلصت إِلَى عظمي فخذوها واطحنوها. قَوْله: (فاستحقوني) من السحق وَهُوَ دق الشَّيْء نَاعِمًا، أَو قَالَ: (فاسهكوني) ، شكّ من الرَّاوِي من السهك. قَالُوا: السحق والسهك بِمَعْنى وَاحِد. وَقيل السهك ونه وَهُوَ أَن يفت الشَّيْء أَو يدق قطعا صغَارًا. قَوْله: (فاذروني) يَصح أَن يقْرَأ مَوْصُول الْألف من ذرأت الشَّيْء فرقته، وَيصِح أَن يكون أَصله من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ فَيقطع الْهمزَة من قَوْلهم: أذرت الْعين دمعها، وأذريت الرجل عَن فرسه أَي: رميته. وَقَالَ ابْن التِّين: قرأناه بِقطع الْهمزَة. قَوْله: (فَأَخذه مواثيقهم) جمع مِيثَاق وَهُوَ الْعَهْد. قَوْله: (وربي) هُوَ على الْقسم عَن الْمخبر بذلك عَنْهُم لتصحيح خَبره، وَيحْتَمل أَن يكون حِكَايَة الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه، أَي: قَالَ لمن أوصاه: قل: وربي لافعلن ذَلِك، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأخذ مِنْهُم ميثاقاً فَفَعَلُوا ذَلِك، وربي قَالَ القَاضِي عِيَاض. وَفِي بعض نسخه. فَفَعَلُوا ذَلِك وذرى، قَالَ: فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة فَهِيَ وَجه الْكَلَام وَلَعَلَّ الذَّال سَقَطت لبَعض النساخ وَتَابعه الْبَاقُونَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ البُخَارِيّ يحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْمَاضِي من التربية. أَي: رَبِّي أَخذ المواثيق والمبايعات لكنه مَوْقُوف على الرِّوَايَة، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد الْكرْمَانِي ثمَّ نقل ذَلِك عَنهُ.

قلت: مَا جزم بذلك حَتَّى يُقَال فِيهِ: وَأبْعد، وَإِنَّمَا قيد بِصِحَّة الرِّوَايَة

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد