الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٨٢
الحديث رقم ٦٤٨٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الانتهاء عن المعاصي.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٠٢⦘
أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ.»
٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُلٍّ، وَقَوْلُهُ سَمِعْتُ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ حَذَفَ الْمَسْمُوعَ الَّذِي اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَالتَّقْدِيرُ سَمِعْتُ سَلْمَانَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَمَا حَدَّثَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَا بِلَفْظِهِ كُلِّهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ سَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ، وَحُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُعَاذٌ إِلَخْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ.
٢٦ - بَاب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي
٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ.
[الحديث ٦٤٨٢ - طرفه في ٧٢٨٣]
٦٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا"
٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ قال النبي ﷺ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"
قَوْلُهُ: بَابُ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي أَيْ تَرْكِهَا أَصْلًا وَرَأَسَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهَا، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (بُرَيْد) بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: مَثَلِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَالْمَثَلُ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ يُورِدُهَا الْبَلِيغُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ لِإِرَادَةِ التَّقْرِيبِ وَالتَّفْهِيمِ.
قَوْلُهُ: مَا بَعَثَنِي اللَّهُ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ بَعَثَنِي اللَّهِ بِهِ إِلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ: أَتَى قَوْمًا التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ.
قَوْلُهُ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ.
قَوْلُهُ: بِعَيْنِي بِالْإِفْرَادِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ بِفَتْحِ النُّونِ وَالتَّشْدِيدِ، قِيلَ ذَكَرَ الْعَيْنَيْنِ إِرْشَادًا إِلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ تَحَقُّقَ مَنْ رَأَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَا يَعْتَرِيهِ وَهْمٌ وَلَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ: رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَوْمَ ذِي الْخَلَصَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَيَدَ امْرَأَتِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَحَذَّرَهُمْ، فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي تَحْقِيقِ الْخَبَرِ. قُلْتُ: وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، وَسَمَّى الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عَوْفَ بْنَ عَامِرٍ الْيَشْكُرِيَّ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ تَنْزِيلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا.
وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ النَّذِيرَ الْعُرْيَانَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ
كَعْبٍ لَمَّا قَتَلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ أَوْلَادَ أَبِي دَاوُدَ، وَكَانَ جَارَ الْمُنْذِرِ، خَشِيَتْ عَلَى قَوْمِهَا فَرَكِبَتْ جَمَلًا وَلَحِقَتْ بِهِمْ وَقَالَتْ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ. وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ لَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ بِتِهَامَةَ وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ سَقَطَ لَحْمُهُ، وَذَكَرَ أَبُو بِشْرٍ الْآمِدِيُّ أَنَّ زَنْبَرًا بِزَايٍّ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ابْنَ عَمْرٍو الْخَثْعَمِيَّ كَانَ نَاكِحًا فِي آلِ زُبَيْدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغُزوا قَوْمَهُ وَخَشُوا أَنْ يُنْذِرَ بِهِمْ، فَحَرَسَهُ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَصَادَفَ مِنْهُمْ غِرَّةً فَقَذَفَ ثِيَابَهُ وَعَدَا وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدْوًا فَأَنْذَرَ قَوْمَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ جَيْشًا فَسَلَبُوهُ وَأَسَرُوهُ فَانْفَلَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشُ فَسَلَبُونِي فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَّهِمُونَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَلَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالتَّعَرِّي، فَقَطَعُوا بِصِدْقِهِ لِهَذِهِ الْقَرَائِنِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ مَثَلًا بِذَلِكَ لِمَا أَبْدَاهُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقَطْعِ بِصِدْقِهِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي الْأَمْثَالِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَيُّهَا النَّاسُ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ أَيُّهَا النَّاسُ أُتِيتُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَانَ مِنَ التَّعَرِّي، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ الْفَصِيحُ بِالْإِنْذَارِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُوَرَّى، يُقَالُ: رَجُلٌ عُرْيَانُ أَيْ فَصِيحُ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا. وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي كَلَامِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدَاتِ أَحَدُهَا بِعَيْنِي ثَانِيهَا قَوْلُهُ: وَإِنِّي أَنَا ثَالِثُهَا قَوْلُهُ: الْعُرْيَانُ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي قُرْبِ الْعَدُوِّ، وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ فِي إِنْذَارِهِ بِالصِّدْقِ.
قَوْلُهُ: فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ كَذَا فِيهِ بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (فَأَدْلَجُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٍ، أَيْ سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ، أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَإِمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ.
قَوْلُهُ: عَلَى مَهَلِهِمْ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْهِينَةُ وَالسُّكُونُ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ الْإِمْهَالُ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى مُهْلَتِهِمْ بِزِيَادَةِ تَاءِ تَأْنِيثٍ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَبَّرَ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى بِالطَّاعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْذِيبِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الطَّاعَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّ التَّكْذِيبَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعِصْيَانِ.
قَوْلُهُ: فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ أَيْ أَتَاهُمْ صَبَاحًا، هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِيمَنْ طُرِقَ بَغْتَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (فَاجْتَاحَهُمْ) بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ مِنْ جُحْتُ الشَّيْءَ أَجُوحُهُ إِذَا اسْتَأْصَلْتُهُ، وَالِاسْمُ الْجَائِحَةُ وَهِيَ الْهَلَاكُ وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْآفَةِ لِأَنَّهَا مُهْلِكَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ ﷺ نَفْسَهُ بِالرَّجُلِ وَإِنْذَارَهُ بِالْعَذَابِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصْبِحِ وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ كَذَّبَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ وَمَنْ صَدَّقَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ، فَوَجَدْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ ﵇ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا طَرَفًا مِنْهُ وَلَمْ أَسْتَحْضِرْهُ إِذْ ذَاكَ فِي الرِّقَاقِ فَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ، ثُمَّ ظَفِرْتُ بِهِ هُنَا فَأَذْكُرُ الْآنَ مِنْ شَرْحِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ.
قَوْلُهُ: (اِسْتَوْقَدَ) بِمَعْنَى أَوْقَدَ وَهُوَ أَبْلَغُ، وَالْإِضَاءَةُ
فَرْطُ الْإِنَارَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ اخْتَصَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ وَنَسَبْتُهَا أَنَا لِتَخْرِيجِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ وَهِيَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى، وَكَأَنَّهُ تَبَرَّكَ بِلَفْظِ الْآيَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَا حَوْلَهَا وَالضَّمِيرُ لِلنَّارِ، وَالْأَوَّلُ لِلَّذِي أَوْقَدَ النَّارَ، وَحَوْلُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى الدَّوَرَانِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَامِ حَوْلٌ.
قَوْلُهُ: (الْفَرَاش) جَزَمَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهَا الْجَنَادِبُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: الْجُنْدُبُ هُوَ الصِّرَارُ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَرَاشَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ الطَّيْرِ مُسْتَقِلٌّ لَهُ أَجْنِحَةٌ أَكْبَرُ مِنْ جُثَّتِهِ، وَأَنْوَاعُهُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَكَذَا أَجْنِحَتُهُ، وَعَطْفُ الدَّوَابِّ عَلَى الْفَرَاشِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا غَيْرُ الْجَنَادِبِ وَالْجَرَادِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَ: الْفَرَاشُ مَا تَهَافَتَ فِي النَّارِ مِنَ الْبَعُوضِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْضَ الْبَعُوضِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّارِ وَيُسَمَّى حِينَئِذٍ الْفَرَاشُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْفَرَاشُ كَالْبَعُوضِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِهِ لِكَوْنِهِ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي النَّارِ لَا أَنَّهُ يُشَارِكُ الْبَعُوضَ فِي الْقَرْصِ.
قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، اخْتَصَرَهُ هُنَاكَ فَنِسْبَتُهُ لِتَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى، وَيَدْخُلُ فِيمَا يَقَعُ فِي النَّارِ الْبَعُوضُ وَالْبَرْغَشُ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ الْبَقُّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعُوضُ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَجَعَلَ وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَزَعُهُنَّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَدْفَعُهُنَّ، وَفِي رِوَايَةِ يَنْزِعُهُنَّ بِزِيَادَةِ نُونٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا أَيْ يَدْخُلْنَ، وَأَصْلُهُ الْقَحْمُ وَهُوَ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى رَمْيِ الشَّيْءِ بَغْتَةً، وَاقْتَحَمَ الدَّارَ هَجَمَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: فَأَنَا آخِذٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، وَيُرْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. قُلْتُ: هَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ فَصَيْحَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ إِلَخْ أَتَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَمِنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ الْتَفَتَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُ النَّاسِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: بِحُجَزِكُمْ كَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي حَدِيثِ مَنْ لَهُ بِشَأْنِهِ عِنَايَةٌ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي شَيْءٍ يُوَرِّطُهُ فِي الْهَلَاكِ يَجِدُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى نَجَاتِهِ أَنَّهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِلَى النَّذِيرِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى الْبَشِيرِ ; لِأَنَّ جِبِلَّتَهُ مَائِلَةٌ إِلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ دُونَ الْحَظِّ الْآجِلِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ فِيهِ ﷺ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى نَجَاةِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: بِحُجَزِكُمْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ جَمْعُ حُجْزَةٍ وَهِيَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الْجِيمِ فِي الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّارِ) وَضَعَ الْمُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِوُلُوجِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمْ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ فَقَالَ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنْتُمْ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَهُمْ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُجْزَتِهِ لَا اقْتِحَامَ لَهُ فِيهَا، قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنْ مُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَالرِّوَايَةُ بِلَفْظِ وَأَنْتُمْ ثَابِتَةٌ تَدْفَعُ هَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنْتُمْ تَفْلِتُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ وَأَصْلُهُ تَتَفَلَّتُونَ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ ضَبَطُوهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، تَقُولُ: تَفَلَّتَ مِنِّي وَأَفْلَتَ مِنِّي لِمَنْ كَانَ بِيَدِكَ فَعَالَجَ الْهَرَبَ مِنْكَ حَتَّى هَرَبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا التَّمْثِيلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُتُ أَصْحَابِ الشَّهَوَاتِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي الْوُقُوعِ فِي النَّارِ بِتَهَافُتِ الْفَرَاشِ بِالْوُقُوعِ فِي النَّارِ اتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا، وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاةَ عَنِ الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِبِ النَّارِ الْفَرَاشَ عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: شَبَّهَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو: ابنُ معاذٍ التَّميميُّ (١) -فيما وصلهُ مسلم- قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُقْبَةَ) بن عبد الغافرِ قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
والحديثُ سبق في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التوحيد» [خ¦٧٥٠٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة».
(٢٦) (بابُ) وجوب (الاِنْتِهَاءِ عَنِ المَعَاصِي).
٦٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، ابن كُريبٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) اسمه: عامرٌ أو الحارث (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَثَلِي) بفتح الميم والمثلَّثة، والمَثَلُ الصِّفة العجيبةُ الشَّأن يوردُها البليغُ على سبيل التَّشبيه لإرادة التَّقريب (وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ) ﷿، أي: به إليكم (٢)، فالعائدُ محذوفٌ (كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا) بالتَّنكير للشُّيوع (فَقَالَ) لهم: إنِّي (رَأَيْتُ الجَيْشَ) المعهود (بِعَيْنَيَّ) بتشديد التحتية بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بعينِي (٣)» بالإفراد كذا في الفرعِ وأصله (٤). وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ والعينيُّ (٥): بالتَّثنية للكُشميهنيِّ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ
العُرْيَانُ) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها تحتية، من التَّعرِّي. قيل: الأصل فيه أنَّ رجلًا لقِي جيشًا فسلبوهُ وأسروهُ، فانفلت (١) إلى قومهِ فقال: إنِّي رأيتُ الجيشَ وسلبوني، فرأوه عريانًا فتحقَّقوا صدقَه؛ لأنَّهم كانوا يعرفونَه ولا يتَّهمونَه في النَّصيحةِ ولا جرت عادتُه بالتَّعرِّي، فقطعوا بصدقهِ لهذهِ القرائن، فضربَ النَّبيُّ ﷺ لنفسه ولِمَا جاءَ به مثلًا بذلك؛ لِمَا أبداهُ من الخوارقِ والمعجزات الدَّالَّة على القطعِ بصدقهِ تقريبًا؛ لإفهام المخاطبين بما يألفونَهُ ويعرفونَهُ، وقيل: المراد: المنذر (٢) الَّذي تجرَّدَ عن ثوبهِ وأخذَ يرفعهُ ويديرهُ حولَ رأسهِ إعلامًا لقومهِ بالغارةِ، وكان من عادتهم أنَّ الرَّجل إذا رأى الغارةَ فجأتهم وأراد إنذار قومه يتعرَّى من ثيابهِ ويشير بها؛ ليعلم أنَّه قد فَجَأَهُم أمرٌ مهمٌّ، ثمَّ صار مَثَلًا لكلِّ ما يخاف مُفَاجأته (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بالمدِّ والهمز فيهما في «الفرعِ» وبالقصر فيهما، وبمدِّ الأولى وقصر الثَّانية تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «فالنَّجاةَ» بهاء التَّأنيث بعد الألف، وبالنَّصب (٣) في الكلِّ على الإغراءِ، أي: اطلبوا النَّجاء أو النَّجاة بأن تُسرعوا الهربَ، فإنَّكم لا تطيقونَ مقاومة ذلك الجيش (فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فأطاعه» بالتَّذكير؛ لأنَّ المراد بعض القوم (فَأَدْلَجُوا) بهمزة قطع وسكون الدال المهملة وبعد اللام المفتوحة جيم مضمومة، ساروا أوَّل اللَّيل أو كلَّه (عَلَى مَهْلِهِمْ) بفتحتين بالسَّكينة والتَّأنِّي، وفي الفرع كأصلهِ بسكون الهاء، وهو الإمهالُ، لكن قال في «الفتح»: إنَّه ليس مرادًا هنا (فَنَجَوْا) من العدوِّ، ولأبي ذرٍّ: «فادَّلجوا» بالوصلِ وتشديد الدال (٤) المهملة، ساروا آخر اللَّيل، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لا يناسب هذا المقام (وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ) أي: أتاهم صباحًا (فَاجْتَاحَهُمْ) بجيم ساكنة بعدها فوقية فألف فحاء مهملة، استأصلهم، أي: أهلكهُم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٣]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُلٍّ، وَقَوْلُهُ سَمِعْتُ سَلْمَانَ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ حَذَفَ الْمَسْمُوعَ الَّذِي اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَالتَّقْدِيرُ سَمِعْتُ سَلْمَانَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَمَا حَدَّثَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَا بِلَفْظِهِ كُلِّهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَدِيثَ سَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ، وَحُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ فَذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مُعَاذٌ إِلَخْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَيْضًا هُنَاكَ.
٢٦ - بَاب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي
٦٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ.
[الحديث ٦٤٨٢ - طرفه في ٧٢٨٣]
٦٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ "سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا"
٦٤٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ قال النبي ﷺ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"
قَوْلُهُ: بَابُ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي أَيْ تَرْكِهَا أَصْلًا وَرَأَسَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهَا، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (بُرَيْد) بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ.
قَوْلُهُ: مَثَلِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَالْمَثَلُ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ يُورِدُهَا الْبَلِيغُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ لِإِرَادَةِ التَّقْرِيبِ وَالتَّفْهِيمِ.
قَوْلُهُ: مَا بَعَثَنِي اللَّهُ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ بَعَثَنِي اللَّهِ بِهِ إِلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ: أَتَى قَوْمًا التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ.
قَوْلُهُ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ.
قَوْلُهُ: بِعَيْنِي بِالْإِفْرَادِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ بِفَتْحِ النُّونِ وَالتَّشْدِيدِ، قِيلَ ذَكَرَ الْعَيْنَيْنِ إِرْشَادًا إِلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ تَحَقُّقَ مَنْ رَأَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَا يَعْتَرِيهِ وَهْمٌ وَلَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ: رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَوْمَ ذِي الْخَلَصَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَيَدَ امْرَأَتِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَحَذَّرَهُمْ، فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي تَحْقِيقِ الْخَبَرِ. قُلْتُ: وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، وَسَمَّى الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عَوْفَ بْنَ عَامِرٍ الْيَشْكُرِيَّ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ تَنْزِيلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا.
وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ النَّذِيرَ الْعُرْيَانَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ
كَعْبٍ لَمَّا قَتَلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ أَوْلَادَ أَبِي دَاوُدَ، وَكَانَ جَارَ الْمُنْذِرِ، خَشِيَتْ عَلَى قَوْمِهَا فَرَكِبَتْ جَمَلًا وَلَحِقَتْ بِهِمْ وَقَالَتْ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ. وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ لَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ بِتِهَامَةَ وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ سَقَطَ لَحْمُهُ، وَذَكَرَ أَبُو بِشْرٍ الْآمِدِيُّ أَنَّ زَنْبَرًا بِزَايٍّ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ابْنَ عَمْرٍو الْخَثْعَمِيَّ كَانَ نَاكِحًا فِي آلِ زُبَيْدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغُزوا قَوْمَهُ وَخَشُوا أَنْ يُنْذِرَ بِهِمْ، فَحَرَسَهُ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَصَادَفَ مِنْهُمْ غِرَّةً فَقَذَفَ ثِيَابَهُ وَعَدَا وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدْوًا فَأَنْذَرَ قَوْمَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ جَيْشًا فَسَلَبُوهُ وَأَسَرُوهُ فَانْفَلَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشُ فَسَلَبُونِي فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَّهِمُونَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَلَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالتَّعَرِّي، فَقَطَعُوا بِصِدْقِهِ لِهَذِهِ الْقَرَائِنِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ مَثَلًا بِذَلِكَ لِمَا أَبْدَاهُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقَطْعِ بِصِدْقِهِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي الْأَمْثَالِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَيُّهَا النَّاسُ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ أَيُّهَا النَّاسُ أُتِيتُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَانَ مِنَ التَّعَرِّي، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ الْفَصِيحُ بِالْإِنْذَارِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُوَرَّى، يُقَالُ: رَجُلٌ عُرْيَانُ أَيْ فَصِيحُ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا. وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي كَلَامِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدَاتِ أَحَدُهَا بِعَيْنِي ثَانِيهَا قَوْلُهُ: وَإِنِّي أَنَا ثَالِثُهَا قَوْلُهُ: الْعُرْيَانُ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي قُرْبِ الْعَدُوِّ، وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ فِي إِنْذَارِهِ بِالصِّدْقِ.
قَوْلُهُ: فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ كَذَا فِيهِ بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (فَأَدْلَجُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٍ، أَيْ سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ، أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَإِمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ.
قَوْلُهُ: عَلَى مَهَلِهِمْ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْهِينَةُ وَالسُّكُونُ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ الْإِمْهَالُ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى مُهْلَتِهِمْ بِزِيَادَةِ تَاءِ تَأْنِيثٍ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَبَّرَ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى بِالطَّاعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْذِيبِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الطَّاعَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّ التَّكْذِيبَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعِصْيَانِ.
قَوْلُهُ: فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ أَيْ أَتَاهُمْ صَبَاحًا، هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِيمَنْ طُرِقَ بَغْتَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (فَاجْتَاحَهُمْ) بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ مِنْ جُحْتُ الشَّيْءَ أَجُوحُهُ إِذَا اسْتَأْصَلْتُهُ، وَالِاسْمُ الْجَائِحَةُ وَهِيَ الْهَلَاكُ وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْآفَةِ لِأَنَّهَا مُهْلِكَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ ﷺ نَفْسَهُ بِالرَّجُلِ وَإِنْذَارَهُ بِالْعَذَابِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصْبِحِ وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ كَذَّبَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ وَمَنْ صَدَّقَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الرِّقَاقِ، فَوَجَدْتُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ ﵇ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا طَرَفًا مِنْهُ وَلَمْ أَسْتَحْضِرْهُ إِذْ ذَاكَ فِي الرِّقَاقِ فَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ، ثُمَّ ظَفِرْتُ بِهِ هُنَا فَأَذْكُرُ الْآنَ مِنْ شَرْحِهِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ.
قَوْلُهُ: (اِسْتَوْقَدَ) بِمَعْنَى أَوْقَدَ وَهُوَ أَبْلَغُ، وَالْإِضَاءَةُ
فَرْطُ الْإِنَارَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ اخْتَصَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ وَنَسَبْتُهَا أَنَا لِتَخْرِيجِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ وَهِيَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى، وَكَأَنَّهُ تَبَرَّكَ بِلَفْظِ الْآيَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَا حَوْلَهَا وَالضَّمِيرُ لِلنَّارِ، وَالْأَوَّلُ لِلَّذِي أَوْقَدَ النَّارَ، وَحَوْلُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى الدَّوَرَانِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَامِ حَوْلٌ.
قَوْلُهُ: (الْفَرَاش) جَزَمَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهَا الْجَنَادِبُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ فَقَالَ: الْجُنْدُبُ هُوَ الصِّرَارُ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَرَاشَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ الطَّيْرِ مُسْتَقِلٌّ لَهُ أَجْنِحَةٌ أَكْبَرُ مِنْ جُثَّتِهِ، وَأَنْوَاعُهُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَكَذَا أَجْنِحَتُهُ، وَعَطْفُ الدَّوَابِّ عَلَى الْفَرَاشِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا غَيْرُ الْجَنَادِبِ وَالْجَرَادِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَ: الْفَرَاشُ مَا تَهَافَتَ فِي النَّارِ مِنَ الْبَعُوضِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْضَ الْبَعُوضِ هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّارِ وَيُسَمَّى حِينَئِذٍ الْفَرَاشُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْفَرَاشُ كَالْبَعُوضِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِهِ لِكَوْنِهِ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي النَّارِ لَا أَنَّهُ يُشَارِكُ الْبَعُوضَ فِي الْقَرْصِ.
قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، اخْتَصَرَهُ هُنَاكَ فَنِسْبَتُهُ لِتَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ كَمَا تَرَى، وَيَدْخُلُ فِيمَا يَقَعُ فِي النَّارِ الْبَعُوضُ وَالْبَرْغَشُ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ الْبَقُّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعُوضُ.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَجَعَلَ وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَزَعُهُنَّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَدْفَعُهُنَّ، وَفِي رِوَايَةِ يَنْزِعُهُنَّ بِزِيَادَةِ نُونٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا أَيْ يَدْخُلْنَ، وَأَصْلُهُ الْقَحْمُ وَهُوَ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى رَمْيِ الشَّيْءِ بَغْتَةً، وَاقْتَحَمَ الدَّارَ هَجَمَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: فَأَنَا آخِذٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، وَيُرْوَى بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. قُلْتُ: هَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ فَصَيْحَةٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ إِلَخْ أَتَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَمِنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ الْتَفَتَ مِنَ الْغِيبَةِ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُ النَّاسِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: بِحُجَزِكُمْ كَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ فِي حَدِيثِ مَنْ لَهُ بِشَأْنِهِ عِنَايَةٌ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي شَيْءٍ يُوَرِّطُهُ فِي الْهَلَاكِ يَجِدُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى نَجَاتِهِ أَنَّهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِلَى النَّذِيرِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى الْبَشِيرِ ; لِأَنَّ جِبِلَّتَهُ مَائِلَةٌ إِلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ دُونَ الْحَظِّ الْآجِلِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ فِيهِ ﷺ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى نَجَاةِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: بِحُجَزِكُمْ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ جَمْعُ حُجْزَةٍ وَهِيَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّ الْجِيمِ فِي الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّارِ) وَضَعَ الْمُسَبَّبَ مَوْضِعَ السَّبَبِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِوُلُوجِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمْ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكِرْمَانِيِّ فَقَالَ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنْتُمْ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: وَهُمْ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُجْزَتِهِ لَا اقْتِحَامَ لَهُ فِيهَا، قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنْ مُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَالرِّوَايَةُ بِلَفْظِ وَأَنْتُمْ ثَابِتَةٌ تَدْفَعُ هَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنْتُمْ تَفْلِتُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ وَأَصْلُهُ تَتَفَلَّتُونَ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ ضَبَطُوهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، تَقُولُ: تَفَلَّتَ مِنِّي وَأَفْلَتَ مِنِّي لِمَنْ كَانَ بِيَدِكَ فَعَالَجَ الْهَرَبَ مِنْكَ حَتَّى هَرَبَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا التَّمْثِيلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَبَّهَ تَهَافُتُ أَصْحَابِ الشَّهَوَاتِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي الْوُقُوعِ فِي النَّارِ بِتَهَافُتِ الْفَرَاشِ بِالْوُقُوعِ فِي النَّارِ اتِّبَاعًا لِشَهَوَاتِهَا، وَشَبَّهَ ذَبَّهُ الْعُصَاةَ عَنِ الْمَعَاصِي بِمَا حَذَّرَهُمْ بِهِ وَأَنْذَرَهُمْ بِذَبِّ صَاحِبِ النَّارِ الْفَرَاشَ عَنْهَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: شَبَّهَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو: ابنُ معاذٍ التَّميميُّ (١) -فيما وصلهُ مسلم- قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُقْبَةَ) بن عبد الغافرِ قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
والحديثُ سبق في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التوحيد» [خ¦٧٥٠٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة».
(٢٦) (بابُ) وجوب (الاِنْتِهَاءِ عَنِ المَعَاصِي).
٦٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، ابن كُريبٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) اسمه: عامرٌ أو الحارث (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَثَلِي) بفتح الميم والمثلَّثة، والمَثَلُ الصِّفة العجيبةُ الشَّأن يوردُها البليغُ على سبيل التَّشبيه لإرادة التَّقريب (وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ) ﷿، أي: به إليكم (٢)، فالعائدُ محذوفٌ (كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا) بالتَّنكير للشُّيوع (فَقَالَ) لهم: إنِّي (رَأَيْتُ الجَيْشَ) المعهود (بِعَيْنَيَّ) بتشديد التحتية بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بعينِي (٣)» بالإفراد كذا في الفرعِ وأصله (٤). وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ والعينيُّ (٥): بالتَّثنية للكُشميهنيِّ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ
العُرْيَانُ) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها تحتية، من التَّعرِّي. قيل: الأصل فيه أنَّ رجلًا لقِي جيشًا فسلبوهُ وأسروهُ، فانفلت (١) إلى قومهِ فقال: إنِّي رأيتُ الجيشَ وسلبوني، فرأوه عريانًا فتحقَّقوا صدقَه؛ لأنَّهم كانوا يعرفونَه ولا يتَّهمونَه في النَّصيحةِ ولا جرت عادتُه بالتَّعرِّي، فقطعوا بصدقهِ لهذهِ القرائن، فضربَ النَّبيُّ ﷺ لنفسه ولِمَا جاءَ به مثلًا بذلك؛ لِمَا أبداهُ من الخوارقِ والمعجزات الدَّالَّة على القطعِ بصدقهِ تقريبًا؛ لإفهام المخاطبين بما يألفونَهُ ويعرفونَهُ، وقيل: المراد: المنذر (٢) الَّذي تجرَّدَ عن ثوبهِ وأخذَ يرفعهُ ويديرهُ حولَ رأسهِ إعلامًا لقومهِ بالغارةِ، وكان من عادتهم أنَّ الرَّجل إذا رأى الغارةَ فجأتهم وأراد إنذار قومه يتعرَّى من ثيابهِ ويشير بها؛ ليعلم أنَّه قد فَجَأَهُم أمرٌ مهمٌّ، ثمَّ صار مَثَلًا لكلِّ ما يخاف مُفَاجأته (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بالمدِّ والهمز فيهما في «الفرعِ» وبالقصر فيهما، وبمدِّ الأولى وقصر الثَّانية تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «فالنَّجاةَ» بهاء التَّأنيث بعد الألف، وبالنَّصب (٣) في الكلِّ على الإغراءِ، أي: اطلبوا النَّجاء أو النَّجاة بأن تُسرعوا الهربَ، فإنَّكم لا تطيقونَ مقاومة ذلك الجيش (فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فأطاعه» بالتَّذكير؛ لأنَّ المراد بعض القوم (فَأَدْلَجُوا) بهمزة قطع وسكون الدال المهملة وبعد اللام المفتوحة جيم مضمومة، ساروا أوَّل اللَّيل أو كلَّه (عَلَى مَهْلِهِمْ) بفتحتين بالسَّكينة والتَّأنِّي، وفي الفرع كأصلهِ بسكون الهاء، وهو الإمهالُ، لكن قال في «الفتح»: إنَّه ليس مرادًا هنا (فَنَجَوْا) من العدوِّ، ولأبي ذرٍّ: «فادَّلجوا» بالوصلِ وتشديد الدال (٤) المهملة، ساروا آخر اللَّيل، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لا يناسب هذا المقام (وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ) أي: أتاهم صباحًا (فَاجْتَاحَهُمْ) بجيم ساكنة بعدها فوقية فألف فحاء مهملة، استأصلهم، أي: أهلكهُم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٣]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ».