ولا يلزم من تخصيصِ إبراهيم ﵇ بأنَّه أوَّل مَن يُكسى أن يكون أفضل من نبيِّنا على ما لا يخفى، وكم لنبيِّنا من فضائل مختصَّة به لم يُسبق إليها ولم يُشارك فيها، وإذا بدئ الخليل بالكُسوة وثُنِّي بنبيِّنا ﷺ أُتي نبيُّنا بحلَّةٍ لا يقوم لها البشر؛ ليُجْبَر التَّأخير بنفاسة الكُسوة، فيكون كأنَّه كُسيَ مع الخليل، قاله الحَليميُّ.
(وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي (١): جِهة جهنَّم (٢) (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ) هؤلاء (أُصَيْحَابِي) بضم الهمزة، مصغَّرًا خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هؤلاء كما مرَّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أصحابي» أي: أُمَّتي أُمَّة الدَّعوة (فَيَقُولُ الله) ﷿: (إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ابن مريم: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾) رقيبًا (﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾) إلى قوله: (﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ) وللكُشميهنيِّ: «لن» (يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) زاد في ترجمة «مريم» من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٧] «قال الفَِرَبْريِّ: ذكر عن أبي عبد الله البُخاريِّ عن قبيصةَ، قال: هم الَّذين ارتدُّوا على عهد أبي بكرٍ، فقاتلهم أبو بكر» يعني: حتَّى قُتلوا وماتوا على الكفرِ، وقد وصله الإسماعيليُّ، ويُحتمل أن يكونوا منافقين، وقال البيضاويُّ: ليس قوله نصًّا في كونهم ارتدُّوا عن الإسلام بل يُحتمل ذلك، ويُحتمل أن يرَاد أنَّهم عُصاةٌ مرتدُّون عن الاستقامة يُبدّلون الأعمال الصَّالحة بالسَّيِّئة.
٦٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) الدَّارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيْمِيُّ (٣) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) بفتح الصاد المهملة وكسر الغين
المعجمة، مسلمٌ القشيريُّ (١)، يُكنى أبا يونسَ (٢) (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بنُ عُبيد الله بن أبي مُلَيكة -بضم الميم وفتح اللام- واسمه: زُهير المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق التَّيميُّ (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) جمع: أَغْرَل، وهو الأقلَفُ وزنًا ومعنًى، وهو مَن بقيتْ غُرْلته، وهي الجلدةُ الَّتي يقطعُها الخاتنُ من الذَّكر، قال أبو هلال العسكريُّ: لا تلتقِي اللام مع الرَّاء في كلمة إلَّا في أربعٍ: أُرلٌ اسمُ جبلٍ، ووَرَلٌ اسمُ حيوانٍ، وحَرَلٌ ضربٌ من الحجارةِ، والغُرْلة. وزاد غيره: هَرَلٌ وَلد الزَّوجة، وبَرَلٌ الدِّيك الَّذي يستدبرُ بعنقهِ.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) مبتدأٌ خبره (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى) سَوأة (بَعْضٍ) وفيه معنى الاستفهام، ولِذا أجابها (فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ) بغير لام وكسر الكاف، وضم تحتية «يُهِمّهم» وكسر الهاء من الرُّباعي، وجوَّز السَّفاقسيُّ الفتح ثمَّ الضم، من همَّه الشَّيء إذا أذاه. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، وعند التِّرمذيِّ والحاكم من طريق عثمان بن عبد الرَّحمن القُرظيِّ (٣): قرأتْ عائشة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] فقالتْ: واسَوْأتاه الرِّجال والنِّساء يُحشرون جميعًا ينظرُ بعضُهم إلى سَوأة بعضٍ؟! فقال: «لكلِّ امرئٍ شأنٌ يُغنيه -وزاد-: لا يَنظر الرِّجال إلى النِّساء ولا النِّساء إلى الرِّجال».
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في صفةِ الحَشر، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «التَّفسير»، وابن ماجه في «الزُّهد».