الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٣٦
الحديث رقم ٦٥٣٦ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من نوقش الحساب عذب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١١٢⦘
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
٦٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِالْقَنْطَرَةِ أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ ذَلِكَ لَهُمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ دَخَلَ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْزِلِهِ فِيهَا كَمَعْرِفَتِهِ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بَعْدَ الدُّخُولِ مُبَالَغَةً فِي التَّبْشِيرِ وَالتَّكْرِيمِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٤٩ - بَاب مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ
٦٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: ذَلِكِ الْعَرْضُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ.
وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَيُّوبُ، وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
٦٥٣٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ "حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فَقال رسول الله ﷺ: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ عُذِّبَ"
٦٥٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ "حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ"
٦٥٣٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
٦٥٤٠ - قَالَ الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ خَيْثَمَةَ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي ﷺ: "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلَاثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، هُوَ مِنَ النَّقْشِ، وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّوْكَةِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْجِهَادِ ; وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاقَشَةِ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَتَرْكِ الْمُسَامَحَةِ يُقَالُ: انْتَقَشْتُ مِنْهُ حَقِّي أَيِ اسْتَقْصَيْتُهُ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ وَقَوْلُهُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ زَادَ وَهُوَ حَافِظٌ مُتْقِنٌ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قُلْتُ: وَهَذَا مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ لَهُ، عَنْ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا فِي السَّنَدِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَانْتَفَى التَّعْلِيلُ بِإِسْقَاطِ رَجُلٍ مِنَ السَّنَدِ، وَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ بِالْوَاسِطَةِ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِحَمْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ﴾ فِي رِوَايَةِ عَبْدٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْهُ ; إِنَّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَا عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ هَلَكَ.
قَوْلُهُ: فِي السَّنَدِ الثَّانِي مِثْلُهُ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ انْشَقَّتْ بِهَذَا السَّنَدِ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ أَيْضًا وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَيُّوبُ، وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: مُتَابَعَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ وَصَلَهُمَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِهِ.
(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا: اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ.
ثَانِيهِمَا: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ أَبُو عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ، وَقَالَ: اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي الرِّقَاقِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْبِيرِ، وَأَمَّا الْمِزِّيُّ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا عُثْمَانَ فِي التَّهْذِيبِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ أَبِي هِلَالٍ، وَعَلَّمَ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ عَلَى اسْمِهِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَهُوَ الَّذِي هُنَا، وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ الَّذِي فِي التَّعْبِيرِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ تَصْوِيبُ أَبِي عَلِيٍّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو عُثْمَانَ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ فَقَالَ: يروي عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَرَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رَوَى عَنْهُ أَبُو عَاصِمٍ وَنَقَلَ عَنِ اسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: هُوَ ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَالِحٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الثِّقَاتِ.
وَأَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَلَفْظُهُ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ مَنْ نُوقِشَ عُذِّبَ فَقَالَتْ: كَأَنَّهَا تُخَاصِمُهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ
مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ ذَاكُمُ الْعَرْضُ بِزِيَادَةِ مِيمِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ بِمُعْجَمَاتٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، فَوَصَلَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ، وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْمَحَامِلِيَّاتِ وَفِي لَفْظِهِ زِيَادَةٌ قَالَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَازَى بِأَسْوَأِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا يُصِيبُهُ الْمَرَضُ حَتَّى النَّكْبَةُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يُعَذِّبْهُ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكُنْيَةُ حَاتِمٍ أَبُو يُونُسَ، وَاسْمُ أَبِي صَغِيرَةَ مُسْلِمٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ زَوْجُ أُمِّ أَبِي يُونُسَ، وَقِيلَ: جَدُّهُ لِأُمِّهِ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ ثُمَّ قَالَ: أَخِيرًا وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ وَكِلَاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الْحِسَابِ، فَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاقَشَةَ، وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلُهُ: حُوسِبَ أَيْ حِسَابَ اسْتِقْصَاءٍ، وَقَوْلُهُ عُذِّبَ أَيْ فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ، وَقَوْلُهُ هَلَكَ أَيْ بِالْعَذَابِ فِي النَّارِ. قَالَ: وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ.
قَوْلُهُ: يُنَاقَشُ الْحِسَابَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالتَّقْدِيرُ يُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ. قوْلُهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ انْشَقَّتْ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ بِلَفْظِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاءَكَ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ فِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ تُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ. وَقَالَ غَرِيبٌ قُلْتُ: وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ هَمَّامٍ عَلَيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ صَدُوقٌ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ عُذِّبَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَفْسَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَعَرْضِ الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى قَبِيحِ مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخِ تَعْذِيبٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ إِذْ لَا حَسَنَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفْضِلِهِ عَلَيْهِ بِهَا، وَهِدَايَتِهِ لَهَا، وَلِأَنَّ الْخَالِصَ لِوَجْهِهِ قَلِيلٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَلَكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ فَمَنِ اسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ، وَلَفْظُ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُعَذَّبُ ; وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِسَابِ فِي الْآيَةِ الْعَرْضُ، وَهُوَ إِبْرَازُ الْأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعَرِّفُ صَاحِبَهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ قَالَ: الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ، ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لَهُ عَنْهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ. الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمِ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي أَوْبَقَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا الشَّفَاعَةُ فِي مِثْلِهِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ
هُودٍ، وَفِي التَّوْحِيدِ، وَفِيهِ: وَيَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، وَجَاءَ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَرْضِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: تُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى انْتَهَى.
وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْجِدَالُ لِلْكُفَّارِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا، وَالْمَعَاذِيرُ اعْتِذَارُ اللَّهِ لِآدَمَ وَأَنْبِيَائِهِ بِإِقَامَتِهِ الْحُجَّةَ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَالثَّالِثَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا يُحَاسَبُ رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْذِيبِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
حَدِيثُ أَنَسٍ: يُجَاءُ بِالْكَافِرِ ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِ سَعِيدٍ، وَأَمَّا لَفْظُ هِشَامٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: يُقَالُ لِلْكَافِرِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَاءُ، وَيُقَالُ: وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ فِي بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَفْظُهُ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ كَيْفَ وَجَدْتَ مَضْجَعَكَ؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَضْجَعٍ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَفْتَدِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَضْجَعِ هُنَا مَضْجَعُهُ فِي الْقَبْرِ، فَيَلْتَئِمُ مَعَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: فَيُقَالُ لَهُ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ كَذَبْتَ.
قَوْلُهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عِمْرَانَ فَيَقُولُ: أَرَد تُ مِنْكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكْ بي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ قَالَ عِيَاضٌ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الْآيَةَ فَهَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ، فَمَنْ وَفَّى بِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّ بِهِ فَهُوَ الْكَافِرُ، فَمُرَادُ الْحَدِيثِ أَرَدْتُ مِنْكَ حِينَ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ، فَأَبَيْتَ إِذْ أَخْرَجْتُكَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشِّرْكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِرَادَةِ هُنَا الطَّلَبَ، وَالْمَعْنَى أَمَرْتُكَ فَلَمْ تَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ ﷾ لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُرِيدُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرَادَ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ وَكُفْرَ الْكَافِرِ، وَلَوْ أَرَادَ مِنَ الْكَافِرِ الْإِيمَانَ لَآمَنَ يَعْنِي لَوْ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ لَوَقَعَ، وَقَالَ أَهْلُ الِاعْتِزَالِ: بَلْ أَرَادَ مِنَ الْجَمِيعِ الْإِيمَانَ، فَأَجَابَ الْمُؤْمِنُ، وَامْتَنَعَ الْكَافِرُ، فَحَمَلُوا الْغَائِبَ عَلَى الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مُرِيدَ الشَّرِّ شِرِّيرٌ، وَالْكُفْرُ شَرٌّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَهُ الْبَارِي، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرَّ شَرٌّ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَإِنَّهُ
يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِرَادَةُ الشَّرِّ شَرًّا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ يَأْمُرُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَاسَ إِرَادَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَيْضًا فَالْمُرِيدُ لِفِعْلٍ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَا أَرَادَهُ آذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ، وَالْبَارِي - تَعَالَى - لَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، فَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكَافِرِ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَآذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزٍ وَضَعْفٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمَنْ قَضَى اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ، فَعِبَادُهُ عَلَى هَذَا الْمَلَائِكَةُ، وَمُؤْمِنُو الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِرَادَةُ غير الرِّضَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضَى﴾ أَيْ لَا يَشْكُرُهُ لَهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَقِيلَ مَعْنَى الرِّضَا أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا مَشْرُوعًا لَهُمْ، وَقِيلَ الرِّضَا صِفَةٌ وَرَاءَ الْإِرَادَةِ، وَقِيلَ: الْإِرَادَةُ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ شَيْئَيْنِ إِرَادَةُ تَقْدِيرٍ، وَإِرَادَةُ رِضًا، وَالثَّانِيَةُ أَخَصُّ مِنَ الْأُولَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الرِّضَا مِنَ اللَّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ كَمَا أَنَّ السُّخْطَ إِرَادَةُ الشَّرِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْتَ مَعْنَاهُ لَوْ رَدَدْنَاكَ إِلَى الدُّنْيَا لَمَا افْتَدَيْتَ؛ لِأَنَّكَ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَيْتَ، وَيَكُونُ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ يَقُولُ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا يَجُوزُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْجُعْفِيُّ.
قَوْلُهُ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ هُوَ الطَّائِيُّ.
قَوْلُهُ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ظَاهِرُ الْخِطَابِ لِلصَّحَابَةِ، وَيُلْتَحَقُ بِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ سَابِقُهُمْ وَمُقَصِّرُهُمْ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ.
قَوْلُهُ: إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْد ابْنُ مَاجَهْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَقُولُ، وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ، وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى الْحَدِيثَ، وَالتَّرْجُمَانُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فِي شَرْحِ قِصَّةِ هِرَقْلَ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شيئا قُدَّامَهُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ أَمَامَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي التَّوْحِيدِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ: فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ، وَرِوَايَةُ خَيْثَمَةَ مُفَسَّرَةٌ، فَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: أَيْمَنَ وَأَشْأَمَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: نَظَرُ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ هُنَا كَالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَطْلُبُ الْغَوْثَ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَجِدَ طَرِيقًا يَذْهَبُ فِيهَا لِيَحْصُلَ لَهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى النَّارِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى: وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدِيهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: يَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تَكُونُ فِي مَمَرِّهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحِيدَ عَنْهَا، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ.
قَوْلُهُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجنَّة، فجعل ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ بيانًا له وتفسيرًا؛ لأنَّ التَّمسُّك بسبب السَّعادة كالوصولِ إليها، وأمَّا ما أخرجه عبدُ الله بن المبارك في «الزُّهد» وصحَّحه الحاكم عن عبدِ الله بن سلام: أنَّ الملائكة تدلُّهم على طريق الجنَّة يمينًا وشمالًا. فهو محمولٌ على مَن لم يُحبس بالقنطرةِ، أو على الجميع، والمراد: إنَّ الملائكةَ تقول لهم ذلك قبلَ دخول الجنَّة، فمَن دخل كانت مَعرفته بمنزله فيها كمعرفتهِ بمنزله في الدُّنيا؛ لأنَّ منازلهم تُعرض عليهم غدوًّا وعشيًّا.
وحديثُ الباب مرَّ في «المظالم» [خ¦٢٤٤٠].
(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ).
٦٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذام الكوفيُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) ابن موسى المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ) مبتدأ (نُوقِشَ) بضم أوله وكسر القاف، صِلته (الحِسَابَ) نصب بنزعِ الخافض (عُذِّبَ) بضم أوله وكسر المعجمة، خبر المبتدأ، أي: مَن استُقْصِيَ في محاسبتهِ وحُوْقِقَ، عُذِّب في النَّار جزاءً على سيِّئاته، وأَصل المناقشةِ من نَقَشَ الشَّوكة إذا استخرجَهَا من جسمهِ، وقد نقشَها وانتقشَهَا (قَالَتْ) عائشةٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) أي: سهلًا هيِّنًا بأن يُجازي على الحسنات ويَتَجاوز عن السَّيِّئات (قَالَ ﷺ: ذَلِكِ) بكسر الكاف وتفتح، أي: الحسابُ المذكور في الآية (العَرْضُ) أي: عَرض أعمالِ المؤمن عليه حتَّى يَعرف منَّة الله عليه في سَترها عليه في الدُّنيا وفي عفوهِ عنها في الآخرة.
والحديثُ مرَّ في «العلم» في «باب من سمع شيئًا فراجعه» [خ¦١٠٣]. وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ أبو حفصٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) المكِّيِّ مولى بني جُمَح، وهو السَّابق قريبًا، أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ) وقد تقدَّم في «تفسيرِ سورة الانشقاق» [خ¦٤٩٣٩] بهذا السَّند، ولم يذكر مَتنه. نعم ذَكَره الإسماعيليُّ من رواية أبي بكر بن خلَّاد، عن يحيى بن سعيدٍ، فقال: «مِثلَ حديث عُبيد الله بن موسى سواءٌ» (وَتَابَعَهُ) سقطت الواو لأبي ذرٍّ، أي: تابع عثمانَ بنَ الأسود (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز (وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، أبو عثمان المكِّيُّ، فيما (١) وصلَه عنهما أبو عَوَانة في «صحيحه» (وَ) تَابَعه أيضًا (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٩] لكنَّه (٢) لم يَذكر لفظه. نعم أخرجها أبو عَوَانة في «صحيحه» عن إسماعيلَ القاضِي، عن سليمان شيخ البخاريِّ فيه بلفظ: «مَن حوسبَ عذِّب، قالتْ عائشة: فقلتُ: يا رسولَ الله، فأينَ قول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] قال: ذلك العَرْضُ، ولكنَّهُ من نوقشَ الحسَابَ عذِّب» (وَ) تَابعه أيضًا (صَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ) بضم الراء والفوقية بينهما سين مهملة ساكنة آخره ميم، أبو عامرٍ الخزَّاز -بمعجمات- فيما وصلَه إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» عن النَّضر بن شُميل عند الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِالْقَنْطَرَةِ أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ ذَلِكَ لَهُمْ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ دَخَلَ كَانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِمَنْزِلِهِ فِيهَا كَمَعْرِفَتِهِ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بَعْدَ الدُّخُولِ مُبَالَغَةً فِي التَّبْشِيرِ وَالتَّكْرِيمِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
٤٩ - بَاب مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ
٦٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: ذَلِكِ الْعَرْضُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ.
وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَيُّوبُ، وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
٦٥٣٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ "حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ هَلَكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فَقال رسول الله ﷺ: "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ عُذِّبَ"
٦٥٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ح و حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ "حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَالُ لَهُ قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ"
٦٥٣٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي ﷺ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
٦٥٤٠ - قَالَ الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ خَيْثَمَةَ "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قال النبي ﷺ: "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ" ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلَاثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"
قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، هُوَ مِنَ النَّقْشِ، وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّوْكَةِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْجِهَادِ ; وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاقَشَةِ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَتَرْكِ الْمُسَامَحَةِ يُقَالُ: انْتَقَشْتُ مِنْهُ حَقِّي أَيِ اسْتَقْصَيْتُهُ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ وَقَوْلُهُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ زَادَ وَهُوَ حَافِظٌ مُتْقِنٌ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قُلْتُ: وَهَذَا مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ لَهُ، عَنْ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا فِي السَّنَدِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَانْتَفَى التَّعْلِيلُ بِإِسْقَاطِ رَجُلٍ مِنَ السَّنَدِ، وَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ بِالْوَاسِطَةِ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِحَمْدِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ﴾ فِي رِوَايَةِ عَبْدٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ: - ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْهُ ; إِنَّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَا عَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ هَلَكَ.
قَوْلُهُ: فِي السَّنَدِ الثَّانِي مِثْلُهُ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ انْشَقَّتْ بِهَذَا السَّنَدِ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ أَيْضًا وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَيُّوبُ، وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: مُتَابَعَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ وَصَلَهُمَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِهِ.
(تَنْبِيهَانِ): أَحَدُهُمَا: اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ.
ثَانِيهِمَا: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ أَبُو عُثْمَانَ الْمَكِّيُّ، وَقَالَ: اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي الرِّقَاقِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْبِيرِ، وَأَمَّا الْمِزِّيُّ فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا عُثْمَانَ فِي التَّهْذِيبِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ أَبِي هِلَالٍ، وَعَلَّمَ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ عَلَى اسْمِهِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَهُوَ الَّذِي هُنَا، وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ الَّذِي فِي التَّعْبِيرِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ تَصْوِيبُ أَبِي عَلِيٍّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو عُثْمَانَ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ فَقَالَ: يروي عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَرَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رَوَى عَنْهُ أَبُو عَاصِمٍ وَنَقَلَ عَنِ اسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: هُوَ ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَالِحٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الثِّقَاتِ.
وَأَمَّا مُتَابَعَةُ أَيُّوبَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَلَفْظُهُ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ مَنْ نُوقِشَ عُذِّبَ فَقَالَتْ: كَأَنَّهَا تُخَاصِمُهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ
مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ ذَاكُمُ الْعَرْضُ بِزِيَادَةِ مِيمِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ بِمُعْجَمَاتٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ، فَوَصَلَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ، وَوَقَعَتْ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي الْمَحَامِلِيَّاتِ وَفِي لَفْظِهِ زِيَادَةٌ قَالَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَازَى بِأَسْوَأِ عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا يُصِيبُهُ الْمَرَضُ حَتَّى النَّكْبَةُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يُعَذِّبْهُ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكُنْيَةُ حَاتِمٍ أَبُو يُونُسَ، وَاسْمُ أَبِي صَغِيرَةَ مُسْلِمٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ زَوْجُ أُمِّ أَبِي يُونُسَ، وَقِيلَ: جَدُّهُ لِأُمِّهِ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ ثُمَّ قَالَ: أَخِيرًا وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ وَكِلَاهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَاسَبَةِ تَحْرِيرُ الْحِسَابِ، فَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاقَشَةَ، وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلُهُ: حُوسِبَ أَيْ حِسَابَ اسْتِقْصَاءٍ، وَقَوْلُهُ عُذِّبَ أَيْ فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ، وَقَوْلُهُ هَلَكَ أَيْ بِالْعَذَابِ فِي النَّارِ. قَالَ: وَتَمَسَّكَتْ عَائِشَةُ بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحِسَابِ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ.
قَوْلُهُ: يُنَاقَشُ الْحِسَابَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالتَّقْدِيرُ يُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ. قوْلُهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ انْشَقَّتْ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ بِلَفْظِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاءَكَ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ فِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ تُعْرَضُونَ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ. وَقَالَ غَرِيبٌ قُلْتُ: وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ هَمَّامٍ عَلَيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ صَدُوقٌ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ عُذِّبَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَفْسَ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ وَعَرْضِ الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى قَبِيحِ مَا سَلَفَ وَالتَّوْبِيخِ تَعْذِيبٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ إِذْ لَا حَسَنَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِقْدَارِهِ عَلَيْهَا وَتَفْضِلِهِ عَلَيْهِ بِهَا، وَهِدَايَتِهِ لَهَا، وَلِأَنَّ الْخَالِصَ لِوَجْهِهِ قَلِيلٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَلَكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ فَمَنِ اسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ، وَلَفْظُ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُعَذَّبُ ; وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِسَابِ فِي الْآيَةِ الْعَرْضُ، وَهُوَ إِبْرَازُ الْأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعَرِّفُ صَاحِبَهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ قَالَ: الرَّجُلُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ، ثُمَّ يُتَجَاوَزُ لَهُ عَنْهَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ. الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمِ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي أَوْبَقَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا الشَّفَاعَةُ فِي مِثْلِهِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ
هُودٍ، وَفِي التَّوْحِيدِ، وَفِيهِ: وَيَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، وَجَاءَ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَرْضِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: تُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى انْتَهَى.
وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: الْجِدَالُ لِلْكُفَّارِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا، وَالْمَعَاذِيرُ اعْتِذَارُ اللَّهِ لِآدَمَ وَأَنْبِيَائِهِ بِإِقَامَتِهِ الْحُجَّةَ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَالثَّالِثَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا يُحَاسَبُ رَجُلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَهَا الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْذِيبِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَحِّدَ وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي:
حَدِيثُ أَنَسٍ: يُجَاءُ بِالْكَافِرِ ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِ سَعِيدٍ، وَأَمَّا لَفْظُ هِشَامٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: يُقَالُ لِلْكَافِرِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَاءُ، وَيُقَالُ: وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ فِي بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَفْظُهُ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ كَيْفَ وَجَدْتَ مَضْجَعَكَ؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَضْجَعٍ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ تَفْتَدِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ ذَهَبًا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَضْجَعِ هُنَا مَضْجَعُهُ فِي الْقَبْرِ، فَيَلْتَئِمُ مَعَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: فَيُقَالُ لَهُ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ كَذَبْتَ.
قَوْلُهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عِمْرَانَ فَيَقُولُ: أَرَد تُ مِنْكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكْ بي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: قَدْ سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ قَالَ عِيَاضٌ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الْآيَةَ فَهَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ، فَمَنْ وَفَّى بِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ لَمْ يُوَفِّ بِهِ فَهُوَ الْكَافِرُ، فَمُرَادُ الْحَدِيثِ أَرَدْتُ مِنْكَ حِينَ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ، فَأَبَيْتَ إِذْ أَخْرَجْتُكَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشِّرْكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِرَادَةِ هُنَا الطَّلَبَ، وَالْمَعْنَى أَمَرْتُكَ فَلَمْ تَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ ﷾ لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يُرِيدُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُرِيدُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرَادَ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ وَكُفْرَ الْكَافِرِ، وَلَوْ أَرَادَ مِنَ الْكَافِرِ الْإِيمَانَ لَآمَنَ يَعْنِي لَوْ قَدَّرَهُ عَلَيْهِ لَوَقَعَ، وَقَالَ أَهْلُ الِاعْتِزَالِ: بَلْ أَرَادَ مِنَ الْجَمِيعِ الْإِيمَانَ، فَأَجَابَ الْمُؤْمِنُ، وَامْتَنَعَ الْكَافِرُ، فَحَمَلُوا الْغَائِبَ عَلَى الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مُرِيدَ الشَّرِّ شِرِّيرٌ، وَالْكُفْرُ شَرٌّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَهُ الْبَارِي، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّرَّ شَرٌّ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَإِنَّهُ
يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِرَادَةُ الشَّرِّ شَرًّا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهُ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ يَأْمُرُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُقَاسَ إِرَادَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَيْضًا فَالْمُرِيدُ لِفِعْلٍ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَا أَرَادَهُ آذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ، وَالْبَارِي - تَعَالَى - لَا يُوصَفُ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، فَلَوْ أَرَادَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكَافِرِ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَآذَنَ ذَلِكَ بِعَجْزٍ وَضَعْفٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمَنْ قَضَى اللَّهُ لَهُ الْإِيمَانَ، فَعِبَادُهُ عَلَى هَذَا الْمَلَائِكَةُ، وَمُؤْمِنُو الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِرَادَةُ غير الرِّضَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضَى﴾ أَيْ لَا يَشْكُرُهُ لَهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَقِيلَ مَعْنَى الرِّضَا أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ دِينًا مَشْرُوعًا لَهُمْ، وَقِيلَ الرِّضَا صِفَةٌ وَرَاءَ الْإِرَادَةِ، وَقِيلَ: الْإِرَادَةُ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ شَيْئَيْنِ إِرَادَةُ تَقْدِيرٍ، وَإِرَادَةُ رِضًا، وَالثَّانِيَةُ أَخَصُّ مِنَ الْأُولَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الرِّضَا مِنَ اللَّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ كَمَا أَنَّ السُّخْطَ إِرَادَةُ الشَّرِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ فَيُقَالُ لَهُ كَذَبْتَ مَعْنَاهُ لَوْ رَدَدْنَاكَ إِلَى الدُّنْيَا لَمَا افْتَدَيْتَ؛ لِأَنَّكَ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَيْتَ، وَيَكُونُ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ يَقُولُ اللَّهُ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّمَا يَجُوزُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْجُعْفِيُّ.
قَوْلُهُ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ هُوَ الطَّائِيُّ.
قَوْلُهُ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ظَاهِرُ الْخِطَابِ لِلصَّحَابَةِ، وَيُلْتَحَقُ بِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ سَابِقُهُمْ وَمُقَصِّرُهُمْ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ.
قَوْلُهُ: إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْد ابْنُ مَاجَهْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ.
قَوْلُهُ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَقُولُ، وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ، وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى الْحَدِيثَ، وَالتَّرْجُمَانُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ فِي شَرْحِ قِصَّةِ هِرَقْلَ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شيئا قُدَّامَهُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ أَمَامَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي التَّوْحِيدِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ: فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخْتَصَرَةٌ، وَرِوَايَةُ خَيْثَمَةَ مُفَسَّرَةٌ، فَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: أَيْمَنَ وَأَشْأَمَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْيَمِينُ وَالشِّمَالُ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: نَظَرُ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ هُنَا كَالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا يَطْلُبُ الْغَوْثَ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَجِدَ طَرِيقًا يَذْهَبُ فِيهَا لِيَحْصُلَ لَهُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا يُفْضِي بِهِ إِلَى النَّارِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى: وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدِيهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: يَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّارَ تَكُونُ فِي مَمَرِّهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحِيدَ عَنْهَا، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ.
قَوْلُهُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الجنَّة، فجعل ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ بيانًا له وتفسيرًا؛ لأنَّ التَّمسُّك بسبب السَّعادة كالوصولِ إليها، وأمَّا ما أخرجه عبدُ الله بن المبارك في «الزُّهد» وصحَّحه الحاكم عن عبدِ الله بن سلام: أنَّ الملائكة تدلُّهم على طريق الجنَّة يمينًا وشمالًا. فهو محمولٌ على مَن لم يُحبس بالقنطرةِ، أو على الجميع، والمراد: إنَّ الملائكةَ تقول لهم ذلك قبلَ دخول الجنَّة، فمَن دخل كانت مَعرفته بمنزله فيها كمعرفتهِ بمنزله في الدُّنيا؛ لأنَّ منازلهم تُعرض عليهم غدوًّا وعشيًّا.
وحديثُ الباب مرَّ في «المظالم» [خ¦٢٤٤٠].
(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ).
٦٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذام الكوفيُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) ابن موسى المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ) مبتدأ (نُوقِشَ) بضم أوله وكسر القاف، صِلته (الحِسَابَ) نصب بنزعِ الخافض (عُذِّبَ) بضم أوله وكسر المعجمة، خبر المبتدأ، أي: مَن استُقْصِيَ في محاسبتهِ وحُوْقِقَ، عُذِّب في النَّار جزاءً على سيِّئاته، وأَصل المناقشةِ من نَقَشَ الشَّوكة إذا استخرجَهَا من جسمهِ، وقد نقشَها وانتقشَهَا (قَالَتْ) عائشةٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) أي: سهلًا هيِّنًا بأن يُجازي على الحسنات ويَتَجاوز عن السَّيِّئات (قَالَ ﷺ: ذَلِكِ) بكسر الكاف وتفتح، أي: الحسابُ المذكور في الآية (العَرْضُ) أي: عَرض أعمالِ المؤمن عليه حتَّى يَعرف منَّة الله عليه في سَترها عليه في الدُّنيا وفي عفوهِ عنها في الآخرة.
والحديثُ مرَّ في «العلم» في «باب من سمع شيئًا فراجعه» [خ¦١٠٣]. وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ أبو حفصٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) المكِّيِّ مولى بني جُمَح، وهو السَّابق قريبًا، أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ) وقد تقدَّم في «تفسيرِ سورة الانشقاق» [خ¦٤٩٣٩] بهذا السَّند، ولم يذكر مَتنه. نعم ذَكَره الإسماعيليُّ من رواية أبي بكر بن خلَّاد، عن يحيى بن سعيدٍ، فقال: «مِثلَ حديث عُبيد الله بن موسى سواءٌ» (وَتَابَعَهُ) سقطت الواو لأبي ذرٍّ، أي: تابع عثمانَ بنَ الأسود (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز (وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، أبو عثمان المكِّيُّ، فيما (١) وصلَه عنهما أبو عَوَانة في «صحيحه» (وَ) تَابَعه أيضًا (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٩] لكنَّه (٢) لم يَذكر لفظه. نعم أخرجها أبو عَوَانة في «صحيحه» عن إسماعيلَ القاضِي، عن سليمان شيخ البخاريِّ فيه بلفظ: «مَن حوسبَ عذِّب، قالتْ عائشة: فقلتُ: يا رسولَ الله، فأينَ قول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] قال: ذلك العَرْضُ، ولكنَّهُ من نوقشَ الحسَابَ عذِّب» (وَ) تَابعه أيضًا (صَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ) بضم الراء والفوقية بينهما سين مهملة ساكنة آخره ميم، أبو عامرٍ الخزَّاز -بمعجمات- فيما وصلَه إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» عن النَّضر بن شُميل عند الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).