«أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ.» بَاب�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٧٢

الحديث رقم ٦٥٧٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صفة الجنة والنار.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٥٧٢ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ : هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ.»

بَابٌ: الصِّرَاطُ جَسْرُ جَهَنَّمَ

إسناد حديث رقم ٦٥٧٢ من صحيح البخاري

٦٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٥٧٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يَقُولُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً"

[الحديث ٦٥٧١ - طرفه في: ٧٥١١]

٦٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ "عَنْ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ"

قَوْلُهُ: بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فِي تَرْجَمَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَأَوْرَدَ فِيهِمَا أَحَادِيثَ فِي تَثْبِيتِ كَوْنِهِمَا مَوْجُودَتَيْنِ، وَأَحَادِيثَ فِي صِفَتِهِمَا أَعَادَ بَعْضَهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: كَبِدُ الْحُوتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابُ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَذْكُورٌ هُنَا بِالْمَعْنَى، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.

قَوْلُهُ: عَدْنٍ: خُلْدٍ؛ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أَقَمْتُ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ أَيِ الِاسْتِقْرَارُ، وَعَدَنَ بِمَكَانِ كَذَا إِذَا اسْتَقَرَّ بِهِ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِكَوْنِهِ مُسْتَقِرَّ الْجَوَاهِرِ.

قَوْلُهُ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ فِي مَعْدِنٍ بَدَلَ مَقْعَدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مِنْ أَوْصَافِهَا مَقْعَدَ صِدْقٍ كَمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْقَمَرِ ظَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِلَفْظِ: مَعْدِنِ صِدْقٍ وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى قَوْلَهُ:

فَإِنْ يَسْتَضِيفُوا إِلَى حِلْمِهِ … يُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ

أَيْ أقَامَ وَاسْتَقَرَّ نَعَمْ قَوْلُهُ: مَقْعَدَ صِدْقٍ مَعْنَاهُ مَكَانَ الْقُعُودِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمَعْدِنِ، وَلَمَحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَسْمَاءِ الْجَنَّةِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ أَوْ تَزِيدُ؛ الْفِرْدَوْسُ، وَهُوَ أَعْلَاهَا، وَدَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ الْخُلْدِ، وَدَارُ الْمُقَامَةِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَالنَّعِيمُ، وَالْمَقَامُ الْأَمِينُ، وَعَدْنُ، وَمَقْعَدُ صِدْقٍ، وَالْحُسْنَى، وَكُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فَعَدَّ بَعْضُهُمْ فِي أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ دَارَ الْحَيَوَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ مَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ فِي آخِرِ بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ فِي صَحَابِيِّهِ، وَتَقَدَّمَ بَحْثُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ، وَقَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَشْرَفْتُ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي بَعْدَهُ: قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ مَنَامًا، وَهُوَ غَيْرُ رُؤْيَتِهِ النَّارَ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، أَوْ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: فَإِذَا

عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا أَكْثَرُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا.

قَوْلُهُ: (بِكُفْرِهِنَّ) أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْهَوَى وَالْمَيْلِ إِلَى عَاجِلِ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْآخِرَةِ لِنَقْصِ عَقْلِهِنَّ، وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهِنَّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ.

قَوْلُهُ: أَصْحَابُ الْجَدِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ الْغِنَى.

قَوْلُهُ: مَحْبُوسُونَ أَيْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْمَالِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي يَتَقَاصُّونَ فِيهَا بَعْدَ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، وَمَنْ مُسْتَخْرَجَيِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَلَا ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ عُثْمَانَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَلَا طَرِيقَ مُسَدَّدٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهُمَا ثَابِتَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَصَارَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ.

قَوْلُهُ: جِيءَ بِالْمَوْتِ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ قَالَ: خَلَقَ الْمَوْتَ فِي صُورَةِ كَبْشٍ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا مَاتَ، وَخَلَقَ الْحَيَاةَ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا حَيِيَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْتِ هَكَذَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمُ الْفِدَاءُ لَهُ كَمَا فُدِيَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَبْشِ، وَفِي الْأَمْلَحِ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَحَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَقَعَ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُذْبَحُ لَمْ يُسَمِّ مَنْ ذَبَحَهُ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الَّذِي يَذْبَحُهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ إِشَارَةً إِلَى دَوَامِ الْحَيَاةِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّصَانِيفِ أَنَّهُ جِبْرِيلُ. قُلْتُ: هُوَ فِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيِّ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ، فَقَالَ فِيهِ: فَيُحْيِي اللَّهُ - تَعَالَى - مَلَكَ الْمَوْتِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَيَجْعَلُ الْمَوْتَ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيَذْبَحُ جِبْرِيلُ الْكَبْشَ، وَهُوَ الْمَوْتُ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الذَّبْحَ يَقَعُ بَعْدَ النِّدَاءِ، وَالَّذِي هُنَا يَقْتَضِي أَنَّ النِّدَاءَ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ النِّدَاءَ الَّذِي قَبْلَ الذَّبْحِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْكَبْشِ، وَالَّذِي بَعْدَ الذَّبْحِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِعْدَامِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ.

قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ زَادَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي خُلُودٌ ووَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ وَعَرَفَهُ وَذَكَرَ فِي أَهْلِ النَّارِ مِثْلُهُ قَالَ: فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ - أَيِ الْمُنَادِي -: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ وَقَوْلُهُ: فَيَشْرَئِبُّونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ، أَيْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ لِلنَّظَرِ.

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ فَيُقَالُ:

يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْتَ فِيهِ أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَيُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَرَفْنَاهُ هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ ذَبْحًا عَلَى السُّورِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ لِكَوْنِهِ يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَنْقَلِبُ جِسْمًا فَكَيْفَ يُذْبَحُ؟ فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ وَدَفَعَتْهُ وَتَأَوَّلَتْهُ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: هَذَا تَمْثِيلٌ وَلَا ذَبْحَ هُنَاكَ حَقِيقَةً وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الذَّبْحُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَذْبُوحُ مُتَوَلِّي الْمَوْتِ، وَكُلُّهُمْ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ.

قُلْتُ: وَارْتَضَى هَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَحَمَلَ قَوْلَهُ: هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَوِ اسْتَمَرَّ حَيًّا لَنَغَّصَ عَيْشَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا حُزْنَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ، إِنَّمَا هُوَ تَوَهُّمٌ لَا يَسْتَقِرُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الْفَرَحِ ثُبُوتُ الْحُزْنِ، بَلِ التَّعْبِيرُ بِالزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفَرَحَ لَمْ يَزُلْ كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَزْدَادُ حُزْنُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَرَحٌ إِلَّا مُجَرَّدَ التَّوَهُّمِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ نَفْخِ الصُّورِ عِنْدَ نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ مِنْهُمْ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: رَبِّ، بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي فَمُتْ، ثُمَّ لَا تَحْيَا، فَيَمُوتُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ آخِرَ مَنْ يَمُوتُ مِنَ الْخَلَائِقِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، مُتْ مَوْتًا لَا تَحْيَا بَعْدَهُ أَبَدًا.

فَهَذَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ حُجَّةً فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي يُذْبَحُ لِكَوْنِهِ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْتًا لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمَوْتُ عِنْدَنَا عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِمَعْنًى، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا وَلَا جِسْمًا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ - تَعَالَى - هَذَا الْجِسْمَ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُجْعَلُ مِثَالًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: الْمَوْتُ مَعْنًى، وَالْمَعَانِي لَا تَنْقَلِبُ جَوْهَرًا، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ أَشْخَاصًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا الْمَوْتُ يَخْلُقُ اللَّهُ كَبْشًا يُسَمِّيهِ الْمَوْتُ، وَيُلْقِي فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ يَكُونُ ذَبْحُهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا مَانِعَ أَنْ يُنْشِئَ اللَّهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ أَجْسَادًا يَجْعَلُهَا مَادَّةً لَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: إِنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَجِيئَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا لَا إِلَى غَايَةِ أَمَدٍ وَإِقَامَتَهُمْ فِيهَا عَلَى الدَّوَامِ بِلَا مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ نَافِعَةٍ وَلَا رَاحَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا تَبْقَى خَالِيَةً أَوْ أَنَّهَا تَفْنَى وَتَزُولُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قُلْتُ: جَمَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا هَذَا الَّذِي نُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ، وَالثَّانِي يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى أَنْ تَنْقَلِبَ طَبِيعَتُهُمْ فَتَصِيرُ نَارِيَّةً حَتَّى يَتَلَذَّذُوا بِهَا لِمُوَافَقَةِ طَبْعِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّصَوُّفِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَالثَّالِثُ يَدْخُلُهَا قَوْمٌ وَيَخْلُفُهُمْ

آخَرُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْيَهُودِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وَالرَّابِعُ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَتَسْتَمِرُّ هِيَ عَلَى حَالِهَا، الْخَامِسُ تَفْنَى لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَكُلُّ حَادِثٍ يَفْنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ، وَالسَّادِسُ تَفْنَى حَرَكَاتُهُمْ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالسَّابِعُ يَزُولُ عَذَابُهَا، وَيَخْرُجُ أَهْلُهَا مِنْهَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَلَفْظُهُ: لَوْ لَبِثَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ لَكَانَ لَهُمْ يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيَأْتِيَنَّ

عَلَيْهَا زَمَانٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ رَاوِيهِ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ يَعْنِي بِهِ الْمُوَحِّدِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ لَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ، وَقَدْ مَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ السَّابِعِ وَنَصَرَهُ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلهِ، وَقَدْ أَطْنَبَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ فِي بَيَانِ وَهَائِهِ، فَأَجَادَ.

الْحَدِيثُ الرابعُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ بِالْعَنْعَنَةِ.

قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي رِوَايَةِ الْحَبِيبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عَند الْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَطَّلِعُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ.

قَوْلُهُ: (فَيَقُولُونَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي يَقُولُونَ بِحَذْفِ الْفَاءِ.

قَوْلُهُ: وَسَعْدَيْكَ زَادَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: وَهَلْ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِمَّا أَعْطَيْتَنَا.

قَوْلُهُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ: أَلَا أُعْطِيكُمْ.

قَوْلُهُ: (أُحِلُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُنْزِلُ.

قَوْلُهُ: رِضْوَانِي بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: رِضْوَانِي أَكْبَرُ وَفِيهِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ، وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ سَيِّدَهُ رَاضٍ عَنْهُ كَانَ أَقَرَّ لَعَيْنِهِ، وَأَطْيَبَ لِقَلْبِهِ، مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي حَصَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

تَنْبِيهَانِ:

(الْأَوَّل): حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا كَأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَالْآتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي صِفَةِ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَفِيهِ قِصَّةُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ لِلسَّابِقَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

(الثَّانِي): هَذَا الْخِطَابُ غَيْرُ الْخِطَابِ الَّذِي لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلِّهِمْ، وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَفِيهِ: فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا بِاخْتِصَارٍ.

الْحَدِيثُ الخامسُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَمَا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَبِوَاسِطَةٍ كَالَّذِي هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: أُصِيبَ حَارِثَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ هُوَ ابْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ، وَأُمُّهُ هِيَ الرُّبَيِّعُ بِالتَّشْدِيدِ بِنْتُ النَّضْرِ عَمَّةُ أَنَسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهَا فِي بَابُ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَذَكَرْتُ شَرْحَ

الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَقَوْلُهُا هُنَا: وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى تَرَ مَا أَصْنَعُ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْجَزْمِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَلِغَيْرِهِ تَرَى بِالْإِشْبَاعِ أَوْ بِحَذْفِ شَيْءٍ تقديره سَوْفَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى وَالْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ صَنَعْتُ شَيْئًا مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْحُزْنِ مَشْهُورًا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ.

قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَحَذَفَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ اللَّامَ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْفِرْدَوْسُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ مَا يُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ بُسْتَانٌ فِيهِ كُرُومٌ وَثَمَرَةٌ وَغَيْرُهَا وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفَرْدَسَةِ، وَهِيَ السَّعَةُ وَقِيلَ: رُومِيٌّ نَقَلَتْهُ الْعَرَبُ وَقَالَ غَيْرُهُ: سُرْيَانِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَكَانٌ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَفْضَلِهَا.

الْحَدِيثُ السادسُ:

قَوْلُهُ: (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى هُوَ السِّينَانِيُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَنُونَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ.

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بِالتَّصْغِيرِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَنَسَبَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فَقَالَ: الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَرَدَّهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فَقَالَ: لَا رِوَايَةَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا أَدْرَكَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ رَفَعَهُ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ أَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ.

قَوْلُهُ: مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ بِكَسْرِ الْكَافِ تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ.

قَوْلُهُ: مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا: يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، يَعْظُمُونَ لِتَمْتَلِئَ مِنْهُمْ، وَلِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَوَّلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَزَادَ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ: غِلَظُ جِلْدِ الْكَافِرِ، وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: أَرَادَ بِذَلِكَ التَّهْوِيلَ يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَبَّارِ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ جَبَّارًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِشَارَةً إِلَى عَزْمِ الذِّرَاعِ، وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ لِمَا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ بِأَنَّ الْجَبَّارَ مَلِكٌ كَانَ بِالْيَمَنِ، وَفِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ السَّبْعِينَ تُطْلَقُ لِلْمُبَالَغَةِ.

وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ، وَمَقْعَدُهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّبَذَةِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَوَرْقَانُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْحِجَازِ، وَالرَّبَذَةُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ اخْتِلَافَ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ تَعْذِيبِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: إِنَّمَا عَظُمَ خَلْقُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُ وَيُضَاعَفُ أَلَمُهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: إِنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالُ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ، قَالَ: وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَذَابِ كما عُلِمَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،

وَلِأَنَّ نَعْلَمُ عَلَى الْقَطْعِ أَنَّ عَذَابَ مَنْ قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَفَتَكَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِعَذَابِ مَنْ كَفَرَ فَقَطْ، وَأَحْسَنَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ مَثَلًا.

قُلْتُ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، على أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْحَشْرِ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْأُخْرَى فَمَحْمُولَةٌ عَلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي النَّارِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ، فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَأَمَّا تَفَاوُتُ الْكُفَّارِ فِي الْعَذَابِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا الْحَدِيثُ فِي أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا.

قَوْلُهُ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْبَأَنَا الْمَخْزُومِيُّ قُلْتُ: وَهُوَ الْمُغِيرَةُ الْمَذْكُورُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو هِشَامٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ وَهُمَا مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ، لَكِنَّ سَلَمَةَ أَصْغَرُ مِنْ سَلْمَانَ.

قَوْلُهُ: لَا يَقْطَعُهَا أَيْ لَا يَنْتَهِي إِلَى آخِرِ مَا يَمِيلُ مِنْ أَغْصَانِهَا.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو حَازِمٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ هُوَ الزُّرَقِيُّ وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَيْضًا مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَةَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي.

قَوْلُهُ: (الْجَوَاد) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ هُوَ الْفَرَسُ يُقَالُ: جَادَ الْفَرَسُ إِذَا صَارَ فَائِقًا، وَالْجَمْعُ جِيَادٌ وَأَجْوَادٌ، وَسَيَجِيءُ فِي صِفَةِ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ أَجَاوِيدُ الْخَيْلِ وَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: أَوِ الْمُضَمَّرُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَقَوْلُهُ: السَّرِيعُ أَيْ فِي جَرْيِهِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الْجَوَادُ السَّرِيعُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الْجَوَادُ الْمُضَمَّرُ السَّرِيعُ بِحَذْفِ أَوْ، وَالْجَوَادُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ صِفَةٌ لِلرَّاكِبِ، وَضُبِطَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: يَسِيرُ الرَّاكِبُ وَزَادَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وَالْمُرَادُ بِالظِّلِّ الرَّاحَةُ وَالنَّعِيمُ وَالْجِهَةُ كما يُقَالُ: عِزٌّ ظَلِيلٌ، وَأَنَا فِي ظِلِّكَ أَيْ كَنَفِكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الظِّلُّ أَعَمُّ مِنَ الْفَيْءِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ ظِلُّ اللَّيْلِ وَظِلُّ الْجَنَّةِ، وَلِكُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الشَّمْسُ، وَلَا يُقَالُ الْفَيْءُ إِلَّا لِمَا زَالَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ قَالَ: وَيُعَبَّرُ بِالظِّلِّ عَنِ الْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَالْحِرَاسَةِ وَيُقَالُ عَنْ غَضَارَةِ الْعَيْشِ ظِلٌّ ظَلِيلٌ.

قُلْتُ: وَقَعَ التَّعْبِيرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْفَيْءِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَيْءِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَعْيِينُ الشَّجَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: شَجَرَةُ طُوبَى مِائَةُ سَنَةٍ وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ فِي عِظَمِ أَصْلِ شَجَرَةِ طُوبَى لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذَعَةً مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ

وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ مَضْمُومَةٌ وَوَاوٌ مَفْتُوحَةٌ هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَالْجَمْعُ تَرَاقٍ، وَلِكُلِّ شَخْصٍ تَرْقُوَتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.

الْحَدِيثُ الثامنُ، الْحَدِيثُ التاسعُ:

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَسَهْلٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حَازِمٍ هُوَ أَبُوهُ، وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (الْغُرَف) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِهِ، جَاءَ فِي صِفَتِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَزَادَ: مِنْ أَصْنَافِ الْجَوْهَرِ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ: (الْكَوْكَب) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الدُّرِّيُّ.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبِي الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ اللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: يُحَدِّثُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُحَدِّثُهُ أَيْ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ، يُقَالُ حَدَّثْتُ كَذَا وَحَدَّثْتُ بِكَذَا.

قَوْلُهُ: (الْغَارِب) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْغَابِرُ بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الرَّاءِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَهْمُوزَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ رُؤْيَةَ الرَّائِي فِي الْجَنَّةِ صَاحِبَ الْغُرْفَةِ بِرُؤْيَةِ الرَّائِي الْكَوْكَبَ الْمُضِيءَ النَّائِيَ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الِاسْتِضَاءَةِ مَعَ الْبُعْدِ، وَمَنْ رَوَاهُ الْغَائِرُ مِنَ الْغَوْرِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاقَ يَفُوتُ إِلَّا إِنْ قَدَرَ الْمُشْرِفُ عَلَى الْغَوْرِ، وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَ طَالِعًا فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَغَائِرًا فِي الْمَغْرِبِ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ بَيَانُ الرِّفْعَةِ وَشِدَّةِ الْبُعْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِيهِ شَيْءٌ مُدْرَجٌ بَيَّنْتُهُ هُنَاكَ، وَحَكَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ، وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَاغْتَرَّ بِثِقَةِ أَيُّوبَ عِنْدَهُ فَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَقَدْ قُسِّمُوا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: إِلَى السَّابِقِينَ، وَأَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُمْ مَنْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ وَمَنْ عَدَاهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَكُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مُتَفَاوِتُونَ فِي الدَّرَجَاتِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ خَصَّ الْمُقَرَّبِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ:

حَدِيثُ أَنَسٍ يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا.

الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ يَخْرُجُ قَوْمٌ وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَفْظُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرٌ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: نَاسٌ مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ - يَعْنِي لِعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ - وَكَانَ الرَّجُلُ يُتَّهَمُ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ، وَيُقَالُ لَهُ هَارُونُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَاصِمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُهُ بِهِ؟ فَقَالَ:

إِلَيْكَ عَنِّي لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ، وَزْنُ عَظِيمٍ، وَلُقِّبَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُو فَقَارَ ظَهْرِهِ، لَا أَنَّهُ ضِدُّ الْغِنَى قَالَ: خَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ، وَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ فَقُلْتُ لَهُ:

مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ بِهِ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وَ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَسَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ قَالَ: فَرَجَعْنَا وَقُلْنَا: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَوَارِجَ الطَّائِفَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُبْتَدِعَةُ كَانُوا يُنْكِرُونَ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُنْكِرُونَ إِنْكَارَهُمْ، وَيُحَدِّثُونَ بِمَا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الشَّفَاعَةَ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنا بِأَحَادِيثَ لَا نَجِدُ لَهَا فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا، فَغَضِبَ وَذَكَرَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ.

وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهَا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ وَلَا نُكَذِّبُ بِهَا كَمَا يُكَذِّبُ بِهَا أَهْلُ حَرُورَاءَ يَعْنِي الْخَوَارِجُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ الشَّفَاعَةَ فِي إِخْرَاجِ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ، وَجَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مُتَوَاتِرَةً، وَدَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّفَاعَةُ، وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَزَيَّفَهُ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ لِيُرِيحَهُمْ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ في بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَفِي بَعْضِهَا مُطْلَقُ الشَّفَاعَةِ، فَمِنْهَا حَدِيثُ سَلْمَانَ قَالَ: فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ فَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَمِنْ طَرِيقِ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قَالَ: سُئِلَ عَنْهَا النَّبِيُّ فَقَالَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ، وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ: أَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ قَتَادَةَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَكَانَ أَهْلُ

الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ.

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: إِنِّي لَأَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً وَفِيهِ: ثُمَّ يَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً فَأَلْبَسُهَا فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ يَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ وَقَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَى عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ لَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ كَذَلِكَ إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ

فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا النَّقَّاشُ فَنَقَلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.

قُلْتُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، وَعَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الشَّفَاعَةُ، لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي الشَّفَاعَةُ فِي إِخْرَاجِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ النَّارِ. وَحَدِيثُ سَلْمَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَدِيثُ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ كما سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا مَضَى فِي الزَّكَاةِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ مُرْسَلُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. كَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَفِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ; وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَفْظُهُ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ فَقَالَ: هُوَ الشَّفَاعَةُ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتُلِفَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الشَّفَاعَةُ وَالْإِجْلَاسُ، وَالثَّالِثُ إِعْطَاؤُهُ لِوَاءَ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا لَا يُغَايِرُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ رَابِعًا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْجَبَّارِ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ، فَيَغْبِطُهُ بِمَقَامِهِ ذَلِكَ أَهْلُ الْجَمْعِ. قُلْتُ: وَخَامِسًا هُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ ثَنَاؤُهُ عَلَى رَبِّهِ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُغَايِرُ الْأَوَّلَ أَيْضًا، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ سَادِسًا: وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ جِبْرِيلُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى ثُمَّ نَبِيُّكُمْ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ فِي أَكْثَرَ مِمَّا يَشْفَعُ فِيهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُصَرَّحْ بِرَفْعِهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: الْمَشْهُورُ قَوْلُهُ : أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُغَايِرُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي الْمُذْنِبِينَ، وَجَوَّزَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فَقَالَ بَعْدَ أَنَّ أَوْرَدَهُ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ غَيْرُ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأَقُولُ إِلَى الْمُرَاجَعَةِ فِي الشَّفَاعَةِ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ، وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا إِلَى الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ إِعْطَاءَهُ لِوَاءَ الْحَمْدِ وَثَنَاءَهُ عَلَى رَبِّهِ وَكَلَامِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجُلُوسِهِ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَقِيَامِهِ أَقْرَبَ مِنْ جِبْرِيلَ، كُلُّ ذَلِكَ صِفَاتٌ لِلْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ فِي إِخْرَاجِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ النَّارِ فَمِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي فَاعِلِ الْحَمْدِ مِنْ قَوْلِهِ: مَقَامًا مَحْمُودًا فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَقِيلَ النَّبِيُّ أَيْ أَنَّهُ هُوَ يَحْمَدُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ الْمَقَامِ بِتَهَجُّدِهِ فِي اللَّيْلِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ مَقَامًا يَحْمَدُهُ الْقَائِمُ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ عَرَفَهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ مَا يَجْلِبُ الْحَمْدَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَاسْتَحْسَنَ هَذَا أَبُو حَيَّانَ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ نَكِرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَقَامًا

مَخْصُوصًا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَلَّمَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وُقُوعَ الشَّفَاعَةِ لَكِنْ خَصَّهَا بِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ الَّذِي تَابَ مِنْهَا، وَبِصَاحِبِ الصَّغِيرَةِ الَّذِي مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ أَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ لَا يُعَذَّبُ، وَأَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ، فَيَلْزَمُ قَائِلُهُ أَنْ يُخَالِفَ أَصْلَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالشَّفَاعَةِ لَكِنْ يَحْتَاجُ مَنْ قَصَرَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى دَلِيلِ التَّخْصِيصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الدَّعَوَاتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ مَنْ تَابَ وَقَالَ عِيَاضٌ: أَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الشَّفَاعَةَ الْعَامَّةَ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَهِيَ الْخَاصَّةُ بِنَبِيِّنَا، وَالشَّفَاعَةُ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَنْكَرَتْ مَا عَدَاهُمَا.

قُلْتُ: وَفِي تَسْلِيمِ الْمُعْتَزِلَةِ الثَّانِيَةُ نَظَرٌ وقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: الشَّفَاعَةُ خَمْسٌ: فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ، وَفِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي إِدْخَالِ قَوْمٍ حُوسِبُوا فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ أَنْ لَا يُعَذَّبُوا، وَفِي إِخْرَاجِ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ، وَفِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَدَلِيلُ الْأُولَى سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَدَلِيلُ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي جَوَابِ قَوْلِهِ : أُمَّتِي أُمَّتِي، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، كَذَا قِيلَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ دَلِيلَهُ سُؤَالُهُ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَأُجِيبَ وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَدَلِيلُ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَنَبِيُّكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ، وَلَهُ شَوَاهِدُ سَأَذْكُرُهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَدَلِيلُ الرَّابِعَةِ ذَكَرْتُهُ فِيهِ أَيْضًا مَبْسُوطًا، وَدَلِيلُ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، وَقَالَ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَنَّةَ ظَرْفًا لِشَفَاعَتِهِ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنِّي سَأُبَيِّنُ أَنَّهَا ظَرْفٌ فِي شَفَاعَتِهِ الْأُولَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَالَّذِي يُطْلَبُ هُنَا أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ عَمَلُهُ دَرَجَةً عَالِيَةً أَنْ يَبْلُغَهَا بِشَفَاعَتِهِ.

وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ مِنْ خَصَائِصِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهَا، وَأَشَارَ عِيَاضٌ إِلَى اسْتِدْرَاكِ شَفَاعَةٍ سَادِسَةٍ، وَهِيَ التَّخْفِيفُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ فِي الْعَذَابِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ شَفَاعَةً سَابِعَةً؛ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لِحَدِيثِ سَعْدٍ رَفَعَهُ: لَا يَثْبُتُ عَلَى لَأْوَائِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، قُلْتُ: وَهَذِهِ غَيْرُ وَارِدَةٍ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ الْأُوَلِ، وَلَوْ عُدَّ مِثْلُ ذَلِكَ لَعُدَّ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبَّادٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ أَهْلُ الطَّائِفِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ أَهْلُ بَيْتِي، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الْأَعَاجِمُ، وَذَكَرَ الْقَزْوِينِيُّ فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى شَفَاعَتَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصُّلَحَاءِ فِي التَّجَاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهَا، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تَنْدَرِجُ فِي الْخَامِسَةِ، وَزَادَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ فِ دُخُولِ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ، وَهَذِهِ أَفْرَدَهَا النَّقَّاشُ بِالذِّكْرِ، وَهِيَ وَارِدَةٌ وَدَلِيلُهَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ، وَزَادَ النَّقَّاشُ أَيْضًا شَفَاعَتَهُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَيْسَتْ وَارِدَةً لِأَنَّهَا

تَدْخُلُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، وَظَهَرَ لِي بِالتَّتَبُّعِ شَفَاعَةً أُخْرَى، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ فِيمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ أَنْ يُدْخَلَ الْجَنَّةَ وَمُسْتَنَدُهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّابِقُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَهَا بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، وَشَفَاعَةٌ أُخْرَى وَهِيَ شَفَاعَتُهُ

فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَمُسْتَنَدُهَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عَدِّهَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ لِأَنَّ النَّفْيَ يَتَعَلَّقُ بِمُبَاشَرَةِ الْإِخْرَاجِ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ قَدْ صَدَرَتْ، وَقَبُولُهَا قَدْ وَقَعَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَثَرُهَا، فَالْوَارِدُ عَلَى الْخَمْسَةِ أَرْبَعَةٌ، وَمَا عَدَاهَا لَا يُرَدُّ كَمَا تُرَدُّ الشَّفَاعَةُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبَيِ الْقَبْرَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَاحِدُهَا ثُعْرُورٌ كَعُصْفُورٍ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: وَمَا الثَّعَارِيرُ سَقَطَتِ الْوَاوُ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.

قَوْلُهُ: قَالَ: الضَّغَابِيسُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَمَّا الثَّعَارِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ قِثَّاءٌ صِغَارٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ وَيُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ الرَّاوِي، وَكَانَ عَمْرُو ذَهَبَ فَمُهُ - أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ - فَنَطَقَ بِهَا ثَاءً مُثَلَّثَةً، وَهِيَ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ نَبْتٌ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ، كَالْقُطْنِ يَنْبُتُ فِي الرَّمَلِ يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ وَلَا يَطُولُ، وَوَقَعَ تَشْبِيهُهُمْ بِالطَّرَاثِيثِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ هِيَ الثُّمَامُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقِيلَ الثُّعْرُورُ الْأَقِطُ الرَّطْبُ، وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيُّ فَقَالَ: هُوَ الصَّدَفُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ فِيهِ الْجَوْهَرُ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ أَلْفَاظَ التَّشْبِيهِ تَخْتَلِفُ، وَالْمَقْصُودُ الْوَصْفُ بِالْبَيَاضِ وَالدِّقَّةِ، وَأَمَّا الضَّغَابِيسُ فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: شَيْءٌ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ التَّمَامِ يُشْبِهُ الْهِلْيُونَ، يُسْلَقُ ثُمَّ يُؤْكَلُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ، وَقِيلَ: يَنْبُتُ فِي أُصُولِ الشَّجَرِ، وَفِي الأذحر يَخْرُجُ قَدْرَ شِبْرٍ فِي دِقَّةِ الْأَصَابِعِ لَا وَرَقَ لَهُ، وَفِيهِ حُمُوضَةٌ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْحَرْبِيِّ: الضُّغْبُوسُ شَجَرَةٌ عَلَى طُولِ الْإِصْبَعِ، وَشُبِّهَ بِهِ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هِيَ طُيُورٌ صِغَارٌ فَوْقَ الذُّبَابِ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيمَا قَالَ.

تَنْبِيهٌ: هَذَا التَّشْبِيهُ لِصِفَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنْبُتُوا، وَأَمَّا فِي أَوَّلِ خُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ كَالْفَحْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا فَيَغْتَسِلُونَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ الْبِيضُ. وَالْمُرَادُ بَعِيدَانِ السَّمَاسِمِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ السِّمْسِمُ، فَإِنَّهُ إِذَا جُمِعَ وَرُمِيَتِ الْعِيدَانُ تَصِيرُ سُودًا دِقَاقًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَةَ مُحَرَّفَةٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ السَّاسَمُ بِمِيمٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ خَشَبٌ أَسْوَدُ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِإِثْبَاتِ الْمِيمَيْنِ وَتَوْجِيهُهُ وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو الْقَائِلُ حَمَّادٌ.

قَوْلُهُ: أَبَا مُحَمَّدٍ بِحَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ، وَثَبَتَ بِلَفْظِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَأَرَادَ الِاسْتِثْبَاتَ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْ جَابِرٍ وَسَمَاعِ جَابِرٍ لَهُ، وَلَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرٍو لَهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا، وَقَدْ حَدَّثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِالطَّرِيقَيْنِ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: عَنْ أَنَسٍ سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ نَحْوَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الشَّفَاعَةِ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ وَقَوْلُهُ: سَفْعٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ سَوَادٌ فِيهِ زُرْقَةٌ أَوْ صُفْرَةٌ يُقَالُ: سَفَعَتْهُ النَّارُ إِذَا لَفَحَتْهُ فَغَيَّرَتْ لَوْنَ بَشَرَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: قَدِ امْتُحِشُوا وَيَأْتِي ضَبْطُهُ، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّهُمْ يَصِيرُونَ فَحْمًا وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ حِمَمًا وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ، سَيَأْتِي فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيدِ، وَزَادَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ، فَيُكْتَبُ فِي رِقَابِهِمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الْجَهَنَّمِيِّينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَؤُلَاءِ

عُتَقَاءُ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فَيَدْعُونَ اللَّهَ فَيُذْهِبُ عَنْهُمْ هَذَا الِاسْمَ وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْهُ قَالَ لَهُمُ الْجَهَنَّمِيُّونَ فَذَكَرَ لِي أَنَّهُمُ اسْتَعْفَوُا اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ فَأعْفَاهُمْ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ تَنْقِيصًا لَهُمْ، بَلْ لِلِاسْتِذْكَارِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ شُكْرًا كَذَا قَالَ، وَسُؤَالُهُمْ إِذْهَابَ ذَلِكَ الِاسْمِ عَنْهُمْ يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَوُهَيْبٌ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ، وَأَبُوهُ يَحْيَى هُوَ ابْنُ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيُّ.

قَوْلُهُ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ هَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ عِمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ آخِرَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهُ، وَرَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ الرُّؤْيَةُ وَكَشْفُ السَّاقِ وَالْعَرْضُ، وَنَصْبُ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ، وَسُقُوطُ مَنْ يَسْقُطُ وَشَفَاعَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانِهِمْ، وَقَوْلُ اللَّهِ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ صُورَتَهُ، وَفِيهِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفِيهِ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ صَارُوا حِمَمًا، وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ أَكْثَرَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَسَأَذْكُرُ فَوَائِدَهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الطَّرِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَتَقَدَّمَتْ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ هُنَاكَ، وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ عَلَى نَجَاةِ مَنْ أَيْقَنَ بِذَلِكَ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّطْقِ بِهِ الْمَوْتُ، وَقَالَ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ يَحْتَمِلُ أَنَّ يكون امْتِنَاعه عَنِ النُّطْقِ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُ الثَّانِيَ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: فِي قَلْبِهِ فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُنْضَمًّا إِلَى النُّطْقِ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ:

حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الْآخَرِ لَكِنْ فِي الْعَالِي عَنْعَنَةُ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ، وَفِي النَّازِلِ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ فَانْجَبَرَ مَا فَاتَهُ مِنَ الْعُلُوِّ الْحِسِّيِّ بِالْعُلُوِّ الْمَعْنَوِيِّ، وَإِسْرَائِيلُ فِي الطَّرِيقين هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ، وَالنُّعْمَانُ هُوَ ابْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ إسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ. قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: أَخْمَصَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَزْنَ أَحْمَرَ، مَا لَا يَصِلُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ عِنْدَ الْمَشْيِ.

قَوْلُهُ: جَمْرَةً فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ جَمْرَتَانِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: عَلَى أَخْمَصَ قَدَمِهِ جَمْرَتَانِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَمْرَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأُخْرَى لِعِلْمِ السَّامِعِ بِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَدَمَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ نَحْوَهُ وَقَالَ: يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلِهِ.

قَوْلُهُ: مِنْهَا دِمَاغُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مِنْهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: لَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا، وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ

الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ قِدْرٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لِكُلِّ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَالْقُمْقُمُ مَعْرُوفٌ مِنْ آنِيَّةِ الْعَطَّارِ، وَيُقَالُ: هُوَ إِنَاءٌ ضَيِّقُ الرَّأْسِ يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ يَكُونُ مِنْ نُحَاسٍ وَغَيْرِهِ فَارِسِيٌّ، وَيُقَالُ: رُومِيٌّ وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: قَمْقَمَةٌ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ نَظَرٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الصَّوَابُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ بِوَاوِ الْعَطْفِ لَا بِالْبَاءِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ أَوِ الْقُمْقُمُ بِالشَّكِّ وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي آخِرِ بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ:

حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْرِ أَبِي طَالِبٍ، تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ السَّنَدَ الْمَذْكُورَ هُنَا، وَاخْتَصَرَ الْمَتْنَ، وَيَزِيدُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ ابْنُ الْهَادِ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ، وَاسْمُ كُلٍّ مِنَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، والدَّرَاوَرْدِيِّ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ مَشْهُورَانِ، وَكَذَا سَائِرُ رُوَاةِ هَذَا السَّنَدِ.

قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وُقُوعُ هَذَا التَّرَجِّي، وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ : تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ، وَلِذَلِكَ عَدُّوهُ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ وَقِيلَ: مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْآيَةِ يُخَالِفُ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْآيَةِ الْإِخْرَاجُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَنْفَعَةُ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ صِحَّةُ الرِّوَايَةِ فِي شَأْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ، وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الْكُفَّارِ إِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِوُجُودِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ فِي أَنَّهُ لَا يُشَفَّعُ فِيهِمْ أَحَدٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ مَنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِتَخْصِيصِهِ، قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ الْكَافِرِ مِنَ الْعَذَابِ يَقَعُ عَلَى كُفْرِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ، فَيَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يَضَعُ عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ بَعْضَ جَزَاءِ مَعَاصِيهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الشَّافِعِ، لَا ثَوَابًا لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ حَسَنَاتِهِ صَارَتْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ هَبَاءً، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَنَسٍ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطَى حَسَنَاتُهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّفَاعَةِ، هَلْ هِيَ بِلِسَانٍ قَوْلِيٍّ أَوْ بِلِسَانٍ حَالِيٍّ؟ وَالْأَوَّلُ يُشْكِلُ بِالْآيَةِ وَجَوَابُهُ جَوَازُ التَّخْصِيصِ ; وَالثَّانِي يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا بَالَغَ فِي إِكْرَامِ النَّبِيِّ وَالذَّبِّ عَنْهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ، فَأَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ شَفَاعَةً لِكَوْنِهَا بِسَبَبِهِ قَالَ: وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَفَّفَ عَنْهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ أَثَرَ التَّخْفِيفِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَيْسَ فِي النَّارِ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ لَا تُطِيقُهُ الْجِبَالُ، فَالْمُعَذَّبُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ انْتِفَاعٌ بِالتَّخْفِيفِ.

قُلْتُ: وَقَدْ يُسَاعِدُ مَا سَبَقَ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي قِصَّةِ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ قَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ أَبَا لَهَبٍ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: لَمْ أَرَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْمِيزَانِ، وَرَجَحَتْ كِفَّةُ سَيِّئَاتِهِ بِالْكُفْرِ اضْمَحَلَّتْ حَسَنَاتُهُ، فَدَخَلَ النَّارَ لَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْهُمْ حَسَنَاتٌ مِنْ عِتْقٍ وَمُوَاسَاةِ مُسْلِمٍ لَيْسَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجَازَى بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ بِمِقْدَارِ مَا عَمِلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ قُلْتُ لَكِنْ هَذَا الْبَحْثُ النَّظَرِيُّ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وَحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ

مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ قَالَ: الْمَالُ وَالْوَلَدُ وَالصِّحَّةُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قُلْنَا: وَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّخْفِيفُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَذَابِ مَعَاصِيهِ بِخِلَافِ عَذَابِ الْكُفْرِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ:

حَدِيثُ أَنَسٍ الطَّوِيلُ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَمَضَى فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لِلْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا مَضَى فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْهُ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْهُ، ومِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُخْتَصَرَةٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ مَعًا، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمَضَى فِي الزَّكَاةِ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِاخْتِصَارٍ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي جَمَعَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زَرْعةَ فِيهِ: وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُنُوُّهَا، فَيَنْطَلِقُونَ مِنَ الضَّجَرِ وَالْجَزَعِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا، وَأَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُفْظَعُ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَالْعَرَقُ كَادَ يُلَجِّمُهُمْ.

وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ: يَلْبَثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْحَبْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى تَصِيرَ مِنَ النَّاسِ قَدْرَ مِيلٍ، وَسَائِرُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْعَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ تُعْطِي الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ تَدْنُو مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ، فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَحَ الْعَرَقُ فِي الْأَرْضِ قَامَةً، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الرَّجُلُ حَتَّى يَقُولَ: عَقَّ عَقَّ، وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ، وَالْخَلْقُ مُلَجَّمُونَ بِالْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: إِنِّي لَسَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغَيْرِ فَخْرٍ، وَمَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ هُوَ تَحْتَ لِوَائِي يَنْتَظِرُ الْفَرَجَ، وَإِنَّ مَعِي لِوَاءَ الْحَمْدِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ، وَهَمَّامٍ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّاسِ أَرْجَحُ، لَكِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ وَفِي لَفْظٍ فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ حَتَّى يُهْتَمُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: عَلَى رَبِّنَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ إِلَى رَبِّنَا وَتَوَجَّهَ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنَى اسْتَشْفَعْنَا سَعَى؛ لِأَنَّ

الِاسْتِشْفَاعَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ وَهِيَ انْضِمَامُ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَا يَرُومُهُ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تَتَزَلَّفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ وَحَتَّى غَايَةٌ لِقِيَامِهِمُ الْمَذْكُورِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ طَلَبَهَمُ الشَّفَاعَةَ يَقَعُ حِينَ تَنزلفُ لَهُمُ الْجَنَّةُ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي مُسْلِمٍ رَفَعَهُ، أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ فَإِذَا زَفَرَتْ فَزِعَ النَّاسُ حِينَئِذٍ، وَجَثَوَا عَلَى رُكَبِهِمْ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُرِيحَنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُرِيحَنَا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلَجِّمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ يَطُولُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّاسِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، فَلْيَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: فَإِذَا رَأَوْا مَا هُمْ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ائْتُوا أَبَاكُمْ آدَمَ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَ آدَمَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى يَأْتُوا آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَشَيْبَانَ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا.

قَوْلُهُ: خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، وَأَنْتَ اصْطَفَاكَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عِنْدَ رَبِّكَ وَكَذَا لِشَيْبَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَّا تَرَى مَا بَلَغَنَا.

قَوْلُهُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ دُونَ الْمَنْزِلَةِ الْمَطْلُوبَةِ، قَالَهُ تَوَاضُعًا وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لِي، بَلْ لِغَيْرِي، قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَاكَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ.

قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ زَادَ مُسْلِمٌ الَّتِي أَصَابَ، وَالرَّاجِع إلى الْمَوْصُولَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَصَابَهَا، زَادَ هَمَّامٌ فِي رِوَايَتِهِ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَهُوَ بِنَصْبِ أَكْلَهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ خَطِيئَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحْيِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي قَدْ أُخْرِجْتُ بِخَطِيئَتِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: وَإِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَأُهْبِطْتُ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا: هَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: إِنِّي أَخْطَأْتُ، وَأَنَا فِي الْفِرْدَوْسِ، فَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي.

قَوْلُهُ: ائْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ انْطَلِقُوا إِلَى أَبِيكُمْ بَعْدَ أَبِيكُمْ إِلَى نُوحٍ، ائْتُوا عَبْدًا شَاكِرًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى نُوحٍ فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكَ وَاسْتَجَابَ لَكَ فِي دُعَائِكَ، وَلَمْ يَدَعْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ آدَمَ

سَبَقَ إِلَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ، فَخَاطَبَهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ بِذَلِكَ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةُ بِأَنَّ آدَمَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَكَذَا شِيثُ وَإِدْرِيسُ وَهُمْ قَبْلَ نُوحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ: أُعْطِيتُ خَمْسًا فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَفِيهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً الْحَدِيثَ، وَمُحَصَّلُ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِ: أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّ آدَمَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُرْسَلُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَيُجَابُ بِأَنَّ بَعْثَتَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ لِصِدْقِ أَنَّهُمْ قَوْمُهُ بِخِلَافِ عُمُومِ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ لِقَوْمِهِ وَلِغَيْرِ قَوْمِهِ، أَوِ الْأَوَّلِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهِ أَهْلَكَ قَوْمَهُ، أَوْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَكُونُوا رُسُلًا.

وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي حَقِّ آدَمَ وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِمَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ كَانَ مُرْسَلًا، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإِنْزَالِ الصُّحُفِ عَلَى شِيثَ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِرْسَالِ، وَأَمَّا إِدْرِيسُ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ إِلْيَاسُ وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ رِسَالَةَ آدَمَ كَانَتْ إِلَى بَنِيهِ وَهُمْ مُوَحِّدُونَ لِيُعْلِمَهُمْ شَرِيعَتَهُ، وَنُوحٌ كَانَتْ رِسَالَتُهُ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: وَيَذْكُرُ سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ سُؤَالَ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ مِثْلُ جَوَابِ آدَمَ، لَكِنْ قَالَ: وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَيَقُولُ: لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي دَعَوْتُ بِدَعْوَةٍ أَغْرَقَتْ أَهْلَ الْأَرْضِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اعْتَذَرَ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا نَهْيُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَسْأَلَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ شَفَاعَتُهُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ ذَلِكَ، ثَانِيهُمَا أَنَّ لَهُ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُحَقَّقَةَ الْإِجَابَةِ، وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا بِدُعَائِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَخَشِيَ أَنْ يَطْلُبَ فَلَا يُجَابَ.

وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: كَانَ اللَّهُ وَعَدَ نُوحًا أَنْ يُنْجِيَهُ وَأَهْلَهُ، فَلَمَّا غَرِقَ ابْنُهُ ذَكَرَ لِرَبِّهِ مَا وَعَدَهُ فَقِيلَ لَهُ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِكَ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَخَرَجَ ابْنُكَ مِنْهُمْ فَلَا تَسْأَلْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.

تَنْبِيهَانِ:

(الْأَوَّل): سَقَطَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونِ بِأَبِي هُرَيْرَةَ ذِكْرُ نُوحٍ فَقَالَ فِي قِصَّةِ آدَمَ: اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ. وَكَذَا سَقَطَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى مَنْ حَفِظَ.

(الثَّانِي): ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كَشْفِ عُلُومِ الْآخِرَةِ أَنَّ بَيْنَ إِتْيَانِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ آدَمَ وَإِتْيَانِهِمْ نُوحًا أَلْفُ سَنَةٍ، وَكَذَا بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ إِلَى نَبِيِّنَا وَلَمْ أَقِفْ لِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ، وَلَقَدْ أَكْثَرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ إِيرَادِ أَحَادِيثَ لَا أُصُولَ لَهَا، فَلَا يُغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَهُوَ خَلِيلُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قُمِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا لِآدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ وَذَكَرَهُنَّ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ زَادَ مُسْلِمٌ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: إِنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ زَادَ شَيْبَانُ فِي رِوَايَتِهِ: قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: أَخْبِرِيهِ أَنِّي أَخُوكِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا مِنْهَا كِذْبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَمَا حَلَّ بِمُهْمَلَةٍ بِمَعْنَى جَادَلَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونَةِ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَاكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، وَضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِضَمِّهَا وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَشْهَرُهُمَا الْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ وَيَجُوزُ بِنَاؤُهَا عَلَى الضَّمِّ، وَصَوَّبَهُ أَبُو الْبَقَاءِ، وَالْكِنْدِيُّ، وَصَوَّبَ ابْنُ دِحْيَةَ الْفَتْحَ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ مُرَكَّبَةٌ مِثْلُ شَذَرَ مَذَرَ، وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ وَمَعْنَاهُ لَمْ أَكُنْ فِي التَّقْرِيبِ وَالْإِدْلَالِ بِمَنْزِلَةِ الْحَبِيبِ. قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ كَلِمَةٌ تُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، أَيْ لَسْتُ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ.

قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ لِي فِيهِ مَعْنًى مَلِيحٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي أَعْطَيْتُهُ كَانَ بِسِفَارَةِ جِبْرِيلَ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَكَرَّرَ وَرَاءَ إِشَارَةً إِلَى نَبِيِّنَا لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ بِلَا وَاسِطَةٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ وَرَاءِ مُوسَى الَّذِي هُوَ مِنْ وَرَاءِ مُحَمَّدٍ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ أَشْفَقَ مِنْهَا اسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ مَعَ وُقُوعِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاللَّهِ وَأَقْرَبَ إِلَيْهِ مَنْزِلَةً كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا.

قَوْلُهُ: ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، وَزَادَ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَهُوَ كَلِيمُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَبْدًا أَعْطَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، زَادَ هَمَّامٌ فِي رِوَايَتِهِ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونَةِ اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا فَذَكَرَ مِثْلَ آدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا، لَكِنَّهُ قَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، زَادَ مُسْلِمٌ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَ النَّفْسِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنْ يُغْفَرْ لِي الْيَوْمَ حَسْبِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا وَذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ائْتُوا عِيسَى زَادَ مُسْلِمٌ رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى.

قَوْلُهُ: (فَيَأْتُونَهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ مِثْلَ آدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا لَكِنْ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي اتُّخِذْتُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي.

قَوْلُهُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَبْدٌ غُفِرَ لَهُ إِلَخْ زَادَ ثَابِتٌ مِنْ ذَنْبِهِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ انْطَلِقُوا إِلَى مَنْ جَاءَ الْيَوْمَ مَغْفُورًا لَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ أَيْضًا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ قَدْ حَضَرَ الْيَوْمَ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ مَتَاعٌ فِي وِعَاءٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ، أَكَانَ يُقْدَرُ عَلَى مَا فِي الْوِعَاءِ حَتَّى يُفَضَّ الْخَاتَمُ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى آدَمَ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتُمْ إِلَخْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنِ انْطَلِقُوا إِلَى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ الْعِصْمَةُ، وَقِيلَ: مَا وَقَعَ عَنْ سَهْوٍ أَوْ تَأْوِيلٍ. وَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ ذَنْبُ آدَمَ، وَالْمُتَأَخِّرُ ذَنْبُ أُمَّتِهِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لَوْ وَقَعَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَاللَّائِقُ بِهَذَا الْمَقَامِ الْقَوْلُ الرَّابِعُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَتَأَتَّى هُنَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عِيسَى فِي حَقِّ نَبِيِّنَا هَذَا، وَمِنْ قَوْلِ مُوسَى

فِيمَا تَقَدَّمَ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي، مَعَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ وَمَنْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ أَصْلًا، فَإِنَّ مُوسَى مَعَ وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ لَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ إِشْفَاقُهُ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ تَقْصِيرًا عَنْ مَقَامِ الشَّفَاعَةِ، مَعَ وُجُودِ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِخِلَافِ نَبِيِّنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عِيسَى بِأَنَّهُ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِذَنْبٍ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ، وَهَذَا مِنَ النَّفَائِسِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ بِهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، فَلَهُ الْحَمْدُ.

قَوْلُهُ: (فَيَأْتُونِي) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطَ إِذْ جَاءَ عِيسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَسْأَلُونَ لِتَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ جَمْعَ الْأُمَمِ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ، لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعْيِينَ مَوْقِفِ النَّبِيِّ حِينَئِذٍ، وَأَنَّ هَذَا الَّذِي وُصِفَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ كُلِّهِ يَقَعُ عِنْدَ نَصْبِ الصِّرَاطِ بَعْدَ تَسَاقُطِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَأَنَّ عِيسَى هُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ النَّبِيَّ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعًا يَسْأَلُونَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَفِيهِ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ: فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا، زَادَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ: فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِي فَأَقُومُ فَيَثُورُ مِنْ مَجْلِسِي أَطْيَبُ رِيحٍ شَمَّهَا أَحَدٌ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ يَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنْتَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِكَ وَخَتَمَ، وَغَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَجِئْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ آمِنًا، وَتَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَقُمْ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكُمْ، فَيَجُوشُ النَّاسُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ: فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَسْتَأْذِنُ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ

قَوْلُهُ: عَلَى رَبِّي زَادَ هَمَّامٌ فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي قَالَ عِيَاضٌ: أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِئْذَانَهُ الْأَوَّلَ، وَالْإِذْنَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، وَمِنْهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ هُنَا الِاسْمُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -، قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي انْتِقَالِ النَّبِيِّ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ أَنَّ أَرْضَ الْمَوْقِفِ لَمَّا كَانَتْ مَقَامَ عَرْضٍ وَحِسَابٍ كَانَتْ مَكَانَ مَخَافَةٍ وَإِشْفَاقٍ، وَمَقَامُ الشَّافِعِ يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانِ إِكْرَامٍ، وَمِنْ ثَمَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَحَرَّى لِلدُّعَاءِ الْمَكَانُ الشَّرِيفُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ سُؤَالِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ اسْتِفْتَاحَ بَابِ الْجَنَّةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَآخُذُ حَلْقَةَ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيُفْتَحُونَ لِي وَيُرَحِّبُونَ فَأَخُرُّ سَاجِدًا، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِمُحَمَّدٍ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيَأْخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقْرَعُ الْبَابَ فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيُفْتَحُ لَهُ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَأْتِي جِبْرِيلُ رَبَّهُ فَيَقُولُ: ائْذَنْ لَهُ.

قَوْلُهُ: فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَنَسٍ، فَيَتَجَلَّى لَهُ الرَّبُّ، وَلَا يَتَجَلَّى لِشَيْءٍ قَبْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى

رَفَعَهُ يُعَرِّفُنِي اللَّهُ نَفْسَهُ، فَأَسْجُدُ لَهُ سَجْدَةً يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ أَمْتَدِحُهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي.

قَوْلُهُ: فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ زَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَدَعَنِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا شَاكِرًا لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَيَخِرُّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُقَالُ لِيَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ أَنِ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى يَقُولُ لِي عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ.

قَوْلُهُ: وَسَلْ تُعْطَهُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَسَقَطَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: وَقُلْ يُسْمَعْ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ خَرَّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَادْعُ تُجَبْ.

قَوْلُهُ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ يُعَلِّمُنِيهِ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ مَا لَمْ يَفْتَحْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ وَكَأَنَّهُ يُلْهَمُ التَّحْمِيدَ قَبْلَ سُجُودِهِ وَبَعْدَهُ وَفِيهِ وَيَكُونُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَا يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ وَرَدَ مَا لَعَلَّهُ يُفَسَّرُ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ لَا جَمِيعُهُ فَفِي النَّسَائِيِّ وَمُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَفَعَهُ قَالَ: يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَبِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: هَذَا حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَثِقَةِ رُوَاتِهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أَشْفَعُ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي أُمَّتِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا يُبَيِّنُ لِي فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِ الشَّفَاعَةِ حَدًّا أَقِفُ عِنْدَهُ، فَلَا أَتَعَدَّاهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: شَفَّعْتُكَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالْجَمَاعَةِ، ثُمَّ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، ثُمَّ فِيمَنْ زَنَى، وَعَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَذَا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْأَخْبَارِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَفْضِيلُ مَرَاتِبِ الْمُخْرَجِينَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي آخِرِهِ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ثُمَّ قَالَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: فَشَفَعْتُ فِي أُمَّتِي أَنْ أُخْرِجَ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا وَاحِدًا، فَمَا زِلْتُ أَتَرَدَّدُ عَلَى رَبِّي لَا أَقُومُ مِنْهُ مَقَامًا إِلَّا شُفِّعْتُ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: فَيَشْفَعُ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ حِنْطَةٍ، ثُمَّ شَعِيرَةٍ، ثُمَّ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ رَكَّبَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَفِي آخِرِهِ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ يَعْنِي، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّحَوُّلِ مِنَ الْمَوْقِفِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُقُوطِ مَنْ يَسْقُطُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فِي النَّارِ ثُمَّ

يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفَاعَةُ فِي الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ إِشْكَالٌ قَوِيٌّ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُومُ وَيُؤْذَنُ لَهُ أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ جَنْبَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ الْحَدِيثَ. قَالَ عِيَاضٌ: فَبِهَذَا يَتَّصِلُ الْكَلَامُ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا هِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ ثُمَّ تَجِيءُ الشَّفَاعَةُ فِي الْإِخْرَاجِ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَمْعِ فِي الْمَوْقِفِ - الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ كُلِّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، ثُمَّ تَمْيِيزُ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ حُلُولُ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ وَضْعِ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورِ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ كُلِّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ هُوَ أَوَّلُ فَصْلِ الْقَضَاءِ وَالْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، قَالَ: وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ مُتُونُ الْأَحَادِيثِ وَتَتَرَتَّبُ مَعَانِيهَا.

قُلْتُ: فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِيهِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا، وَفِي جَانِبَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ؛ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوشٌ فِي النَّارِ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِمَّنْ سَقَطَ تَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ اخْتَصَرَ فِي سِيَاقِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي سَاقَهُ أَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى: ثُمَّ أَمْتَدِحُهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ تَمُرُّ أُمَّتِي عَلَى الصِّرَاطِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَيَمُرُّونَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَيَقُولُ ﷿: يَا مُحَمَّدُ، مَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ فِي أُمَّتِكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عَجِّلْ حِسَابَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى فَأَقُولُ أَنَا لَهَا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خَلْقِهِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ نَصْبِ الصِّرَاطِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَتَعَرَّضَ الطِّيبِيُّ لِلْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّارِ الْحَبْسُ وَالْكَرْبُ وَالشِّدَّةُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ فِيهَا مِنْ دُنُوِّ الشَّمْسِ إِلَى رُءُوسِهِمْ وَكَرْبِهِمْ بِحَرِّهَا وَسَفْعِهَا حَتَّى أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَأَنْ يُرَادَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا خَلَاصُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا.

قُلْتُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَقَعُ إِخْرَاجَانِ وَقَعَ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَلَاصُ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَالثَّانِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيهِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ بَعْدَ تَمَامِ الْخَلَاصِ مِنَ الْمَوْقِفِ، وَنَصْبِ الصِّرَاطِ وَالْإِذْنِ فِي الْمُرُورِ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ الْإِخْرَاجُ الثَّانِي لِمَنْ يَسْقُطُ فِي النَّارِ حَالَ الْمُرُورِ فَيَتَّحِدَا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْعَرَقِ فِي بَابُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -.

وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ آخِرَ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ، قَالَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ يُشَفَّعُ فِيمَا طَلَبَ مِنْ تَعْجِيلِ الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي إِدْخَالِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى تَأْخِيرِ مَنْ عَلَيْهِ حِسَابٌ

لِيُحَاسَبَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى فَأَقُولُ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ: وَقَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ، وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ قُلْتُ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعَرْضَ وَالْمِيزَانَ وَتَطَايُرَ الصُّحُفِ يَقَعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ثُمَّ يُنَادِي الْمُنَادِي لِيَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَنْ كَانَتْ تَعْبُدُ، فَيَسْقُطُ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُمَيَّزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِالِامْتِحَانِ بِالسُّجُودِ عِنْدَ كَشْفِ السَّاقِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي نَصْبِ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورِ عَلَيْهِ، فَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ فَيَسْقُطُونَ فِي النَّارِ أَيْضًا، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَمِنَ الْعُصَاةِ مَنْ يَسْقُطُ وَيُوقَفُ بَعْضُ مَنْ نَجَا عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ لِلْمُقَاصَصَةِ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

ثُمَّ وَقَفْتُ فِي تَفْسِيرِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ الْبَصْرِيِّ نَزِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إِفْرِيقِيَةَ - وَهُوَ فِي طَبَقَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: صَدُوقٌ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رُبَّمَا وَهِمَ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ مَعَ ضَعْفِهِ - فَنَقَلَ فِيهِ عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، بَقِيَتْ زُمْرَةٌ مِنْ آخِرِ زُمَرِ الْجَنَّةِ إِذَا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ فَيَقُولُ آخِرُ زُمْرَةٍ مِنْ زُمَرِ النَّارِ لَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَتِ النَّارُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا فِي قُلُوبِنَا مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ فَمَا نَفَعَكُمْ أَنْتُمْ تَوْحِيدُكُمْ؟ قَالَ: فَيَصْرُخُونَ عِنْدَ ذَلِكَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِتْيَانِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ الْمَذْكُورِينَ قَبْلُ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَنْطَلِقُ فَيَأْتِي رَبَّ الْعِزَّةِ فَيَسْجُدُ لَهُ حَتَّى يَأْمُرَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَسْأَلُهُ مَا تُرِيدُ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ فَيَقُولُ: رَبِّ أُنَاسٌ مِنْ عِبَادِكَ أَصْحَابُ ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَعَيَّرَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاكَ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي لَأُخْرِجَنَّهُمْ فَيُخْرِجُهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا فَيَنْضَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يَنْبُتُوا ثُمَّ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، فَيَغْبِطُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قُلْتُ: فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَرَفَعَ الْإِشْكَالَ، لَكِنَّ الْكَلْبِيَّ ضَعِيفٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسْنِدْهُ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنْ سُؤَالَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَنْبِيَاءَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ دُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ بِالِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ النَّارَ تَسْفَعُهُمْ أَوْ تَلْفَحُهُمْ، وَمَا جَاءَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ جَمِيعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَقَعُ لَهُمْ مِنَ الْكَرْبِ فِي الْمَوْقِفِ، وَهُوَ تَمَسُّكٌ بَاطِلٌ وَأَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا مِنْهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُصَاةِ بِالنَّارِ حَقِيقَةً زِيَادَةً عَلَى كَرْبِ الْمَوْقِفِ. وَوَرَدَ فِي سَبَبِ إِخْرَاجِ بَقِيَّةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقُولُونَ لَهُمْ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنْتُمْ مَعَنَا فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخْرِجُهُمْ، وَهُوَ مِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، فَأَحُدُّ لَهُمْ حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ ثَانِيًا فَأَسْتَأْذِنُ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَحُدُّ لَهُمْ حَدًّا ثَالِثًا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَلَمْ

يَشُكَّ بَلْ جَزَمَ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقَعُ فِي الرَّابِعَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الْحَسَنَ حَدَّثَ مَعْبَدًا بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَأَقُومُ الرَّابِعَةَ وَفِيهِ قَوْلُ اللَّهِ لَهُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَأَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ وَبَعْضَ الْعُصَاةِ مِمَّنْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فِي حَقِّهِ التَّخْلِيدُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْعُصَاةُ فِي الْقَبْضَةِ، وَتَبْقَى الْكُفَّارُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّخْلِيدِ فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمَذْكُورِينَ الْبَقَاءَ فِي النَّارِ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ.

قَوْلُهُ: حَتَّى مَا يَبْقَى فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَا بَقِيَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بَعْدَ الثَّالِثَةِ حَتَّى أَرْجِعَ فَأَقُولَ.

قَوْلُهُ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ؛ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ كَذَا أَبْهَمَ قَائِلُ أَيْ وَجَبَ وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهُ قَتَادَةُ، أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ: فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مُدْرَجٌ فِي الْمَرْفُوعِ لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ: مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ مَنْ أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَقُولُ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، وَقَالَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ قَالَ: فَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً الْحَدِيثَ، وَهُوَ الَّذِي فَصَّلَهُ هِشَامٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَسَبَقَ سِيَاقُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُفْرَدًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ بَعْدَ رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ثُمَّ أَقُومُ الرَّابِعَةَ

فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَقُولُ لِي: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فِي إِخْرَاجِهِمْ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْمُوَحِّدِينَ بِالْإِخْرَاجِ، وَلَعَلَّ التَّأْيِيدَ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَخَّرُ بَعْدَ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ حَتَّى يَخْرُجُوا بِقَبْضَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَكُونُ التَّأْيِيدُ مُؤَقَّتًا، وَقَالَ عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ جَوَّزَ الْخَطَايَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَقَوْلِ كُلِّ مَنْ ذُكِرَ فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ عَنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا قَبْلَهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْكَبِيرَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَيُلْتَحَقُ بِهَا مَا يُزْرِي بِفَاعِلِهِ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا يَقْدَحُ فِي الْإِبْلَاغِ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفِعْلِ، فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ حَتَّى فِي النِّسْيَانِ، وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ السَّهْوَ لَكِنْ لَا يَحْصُلُ التَّمَادِي، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الصَّغَائِرِ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ وَالْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ الصَّادِرَ عَنْهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، أَوْ بِسَهْوٍ، أَوْ

بِإِذْنٍ، لَكِنْ خَشُوا أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَقَامِهِمْ، فَأَشْفَقُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ أَوِ الْمُعَاتَبَةِ، قَالَ: وَهَذَا أَرْجَحُ الْمَقَالَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ قَالُوا بِعِصْمَتِهِمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَنْزَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّكْفِيرُ بِالذُّنُوبِ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ الْكُفْرُ، وَمَنْزَعُنَا أَنَّ أُمَّةَ النَّبِيِّ مَأْمُورَةٌ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَوْ جَازَ مِنْهُ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ لَلَزِمَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ

الْوَاحِدِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ عِيَاضٌ: وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لَا يَخْرُجُ عَمَّا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ كَانَ عَنْ سَهْوٍ، وَطَلَبَ نُوحٍ نَجَاةَ وَلَدِهِ كَانَ عَنْ تَأْوِيلٍ، وَمَقَالَاتِ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مَعَارِيضَ، وَأَرَادَ بِهَا الْخَيْرَ، وَقَتِيلَ مُوسَى كَانَ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ الْغَضَبِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُظْهِرُ مِنِ انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَمَا يُشَاهِدُهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ مِنَ الْأَهْوَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِثَالُهَا وَلَا يَكُونُ، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْغَضَبِ لَازِمُهُ، وَهُوَ إِرَادَةُ إِيصَالِ السُّوءِ لِلْبَعْضِ، وَقَوْلُ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ: نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي أَيْ نَفْسِي هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْفَعَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ إِذَا كَانَا مُتَّحِدَيْنِ فَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ اللَّوَازِمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَحْذُوفًا، وَفِيهِ تَفْضِيلُ مُحَمَّدٍ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ ظَهَرَ فَضْلُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي لَكَانَ كَافِيًا، وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لِتَأَهُّلِهِمْ لِذَلِكَ الْمَقَامِ الْعَظِيمِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا اخْتُصَّ الْمَذْكُورُونَ بِذَلِكَ لِمَزَايَا أُخْرَى لَا تَتَعَلَّقُ بِالتَّفْضِيلِ، فَآدَمُ لِكَوْنِهِ وَالِدَ الْجَمِيعِ، وَنُوحٌ لِكَوْنِهِ الْأَبَ الثَّانِيَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِ، وَمُوسَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا، وَعِيسَى لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا اخْتُصُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ شَرَائِعَ عُمِلَ بِهَا مِنْ بَيْنِ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا وَمَنْ بَعْدَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ أَنَّ مَنْ طَلَبَ مِنْ كَبِيرٍ أَمْرًا مُهِمًّا أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ سُؤَالِهِ وَصْفَ الْمَسْئُولِ بِأَحْسَنِ صِفَاتِهِ وَأَشْرَفِ مَزَايَاهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِإِجَابَتِهِ لِسُؤَالِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْئُولَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْصِيلِ مَا سُئِلَ يَعْتَذِرُ بِمَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْمُلُ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَأَنَّهُ يُثْنِي عَلَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأَوْصَافِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَهْلِيَّتِهِ، وَيَكُونُ أَدْعَى لِقَبُولِ عُذْرِهِ فِي الِامْتِنَاعِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ ظَرْفِ الْمَكَانِ فِي الزَّمَانِ لِقَوْلِهِ: لَسْتُ هُنَاكُمْ؛ لِأَنَّ هُنَا ظَرْفَ مَكَانٍ، فَاسْتُعْمِلَتْ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَسْتُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ عَلَى بَابِهِ، لَكِنَّهُ الْمَعْنَوِيُّ لَا الْحِسِّيُّ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحِسِّيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُبَاشِرُ السُّؤَالَ بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَسِّرُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ بِالْقُعُودِ عَلَى الْعَرْشِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ أَخْذًا مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ فِي طَلَبِهِ نَجَاةَ ابْنِهِ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَرَى بِعَكْسِهِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْتَصْحِبُونَ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَوَائِجِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ الْإِلْهَامُ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ.

وَفِيهِ: أَنَّهُمْ يَسْتَشِيرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُجْمِعُونَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُمْ يُغَطَّى عَنْهُمْ بَعْضُ مَا عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ فِي السَّائِلِينَ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحْضِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقَامَ يَخْتَصُّ بِهِ نَبِيُّنَا إِذْ لَوِ اسْتَحْضَرُوا ذَلِكَ لَسَأَلُوهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلَمَا احْتَاجُوا إِلَى التَّرَدُّدِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِ فَضْلِ نَبِيِّنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حديثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

قَوْلُهُ: يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ هُوَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ، تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ مَعَ تَعَنُّتِهِ فِي الرِّجَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَابَعَةٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَآخِرُهُ نُونٌ بَصْرِيٌّ أَيْضًا يُعْرَفُ بِالْمُعَلِّمِ وَبِالْمُكْتِبِ، وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ.

الْحَدِيثُ

التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَارِثَةَ، تَقَدَّمَ فِي الخامس مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْهُ

وفِيهِ: وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَفِيهِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ عِنْدَ الْبِرَازِ بِلَفْظِ: تُشْرِفُ عَلَى الْأَرْضِ لَذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.

قَوْلُهُ: وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، أَيْ: طَيِّبَةً، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ: لَمَلَأَتِ الْأَرْضَ رِيحَ مِسْكٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: وَلَنَصِيفُهَا، بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ فَاءٌ، فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالْخِمَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قُتَيْبَةَ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ بِدُونِهِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النَّصِيفُ الْخِمَارُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلْخَادِمِ. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ جَزْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: وَلَتَاجُهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ النَّصِيفَ الْمِعْجَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَا تَلْوِيهِ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ كَالْعِصَابَةِ تَلُفُّهَا الْمَرْأَةُ عَلَى اسْتِدَارَةِ رَأْسِهَا، وَاعْتَجَرَ الرَّجُلُ بِعِمَامَتِهِ لَفَّهَا عَلَى رَأْسِهِ وَرَدَّ طَرَفَهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَشَيْئًا مِنْهَا تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَقِيلَ: الْمِعْجَرُ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ أَصْغَرُ مِنَ الرِّدَاءِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: وَلَوْ أَخْرَجَتْ نَصِيفَهَا لَكَانَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ حُسْنِهَا مِثْلَ الْفَتِيلَةِ مِنَ الشَّمْسِ لَا ضَوْءَ لَهَا، وَلَوْ أَطْلَعَتْ وَجْهَهَا لَأَضَاءَ حُسْنُهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْ أَخْرَجَتْ كَفَّهَا لَافْتُتِنَ الْخَلَائِقُ بِحُسْنِهَا.

الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ

قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ وَفِيهِ: فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاقَ اللَّهُ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَاضِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ: فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ هَذَا مَنْزِلَكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ.

قَوْلُهُ: لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، أَيْ: لَوْ كَانَ عَمِلَ عَمَلًا سَيِّئًا، وَهُوَ الْكُفْرُ فَصَارَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَقَوْلُهُ: لِيَزْدَادَ شُكْرًا أَيْ فَرَحًا وَرِضًا، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَازِمِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاضِيَ بِالشَّيْءِ يَشْكُرُ مَنْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ) قَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْفَاعِلَ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا أُرِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: لَوْ أَحْسَنَ، أَيْ: لَوْ عَمِلَ عَمَلًا حَسَنًا؛ وَهُوَ الْإِسْلَامُ

قَوْلُهُ: لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً، أَيْ لِلزِّيَادَةِ فِي تَعْذِيبِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا وَأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ الْآيَةَ: الْمُرَادُ أَرْضُ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَرْضُ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا صَارَتْ خُبْزَةً فَأَكَلُوهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ فِي الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصِهِمْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ إِرْثٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: عَنْ عَمْرٍو، هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي نُسْخَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ:، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ، عَنِ اسْمَاعِيلَ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ أَبِي عَمْرٍو وَالِدِ عَمْرٍو:

مَيْسَرَةُ.

قَوْلُهُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِقَوْلِهِ: وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُهُ وَبَيَانُ أَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَمَنْ طُرُقِهِ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ، مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ.

وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ الْمَسْئُولُ عَنْهَا هُنَا بَعْضُ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَةِ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ : أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ دُونَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا مَنْ يَسْبِقُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَهُوَ مَنْ يَدْخُلُهَا بِغَيْرِ عَذَابٍ بَعْدَ أَنْ يُحَاسَبَ وَيَسْتَحِقَّ الْعَذَابَ، ثُمَّ مَنْ يُصِيبُهُ لَفْحٌ مِنَ النَّارِ وَلَا يَسْقُطُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: أَسْعَدُ إِشَارَةً إِلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي السَّبَقِ إِلَى الدُّخُولِ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْإِخْلَاصِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ قَلْبِهِ مَعَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، لَكِنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَارِحَةِ أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيدِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: أَسْعَدُ، وَأَنَّهَا عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّفْضِيلِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: الْأَسْعَدُ عنا بِمَعْنَى السَّعِيدُ، لِكَوْنِ الْكُلِّ يَشْتَرِكُونَ فِي شَرْطِيَّةِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَشْتَرِكُونَ فِيهِ لَكِنَّ مَرَاتِبَهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّحْمَةَ وَالْخَلَاصَ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَكْثَرُ وَانْتِفَاعَهُ بِهَا أَوْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَهَذَا السَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا فِيهَا) قَالَ عِيَاضٌ: جَاءَ نَحْوُ هَذَا فِي آخِرِ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ يَعْنِي كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ: فَيحْتَمِلُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ إِمَّا شَخْصَانِ وَإِمَّا نَوْعَانِ أَوْ جِنْسَانِ، وَعُبِّرَ فِيهِ بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ هُنَا بِمَعْنَى الْوُرُودِ، وَهُوَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيَتَّحِدُ الْمَعْنَى إِمَّا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ.

قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ، وَلَفْظُهُ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يَقْتَضِي الْجَمْعَ.

قَوْلُهُ: حَبْوًا بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ، أَيْ: زَحْفًا وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ: زَحْفًا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشْرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ - أَيِ الدُّنْيَا - فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى.

قَوْلُهُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي، أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي؟ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: أَتَسْخَرُ بِي وَلَمْ يَشُكَّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَتَفْسِيرُ الضَّحِكِ بِالرِّضَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادَةُ الْمُسْتَهْزِئِ أَنْ يَضْحَكَ مِنَ الَّذِي اسْتَهْزَأَ بِهِ ذَكَرَ مَعَهُ، وَأَمَّا نِسْبَةُ السُّخْرِيَةِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ لَفْظًا، لَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ عَاهَدَ مِرَارًا وَغَدَرَ حَلَّ فِعْلُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(نَوَاجِذُهُ) بنون فواو مفتوحتين وبعد الألف جيم مكسورة فذال معجمة فهاء، جمع: ناجذةٍ. قال ابنُ الأثير: النَّواجذُ من الأسنان: الضَّواحكُ وهي الَّتي تبدُو عند الضَّحك. قال الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة، أو عن غيرهم: (وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «وكان يقول ذاك» بغير لامٍ (أَدْنَى) أقلّ (أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً) ذَكَر الكِرمانيُّ أنَّ هذه المقالة ليست من تتمَّة كلامهِ بل من كلام الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة أو غيرهم. وقال في «الفتح»: قائلُ «وكان يُقال» الرَّاوي كما قال الكِرمانيُّ، وأمَّا المقالةُ فهي من قولهِ كما في أوَّل حديثِ أبي سعيدٍ -عند مسلمٍ- بلفظ: «أدنى أهل الجنَّة منزلةً رجلٌ صرفَ الله وجهَهُ عن النَّار … » وساق الحديث إلى آخرهِ (١)، واعترضه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من كونها في آخر حديث ابن مسعودٍ أن تكون من كلامهِ . وأجاب في «الانتقاض» فقال: إن أرادَ الاستلزام العقليَّ فليس مرادًا هنا بل يكفي الظَّنُّ القويُّ النَّاشئ عن الاستدلال؛ لأنَّ الأمر ليس مرجعه العقل، والصَّحابي إذا لم يكن ينظرُ في كتب أهلِ الكتاب، ولا ينقلُ عنهم كابن مسعودٍ انحصرَ أنَّه نقل عن النَّبيِّ ، سواءٌ كان ذلك بواسطةٍ أم لا، فبَطل الاعتراضُ. انتهى. ورُواتُه كلُّهم كوفيُّون.

والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وابن ماجه في «الزُّهد».

٦٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُمَير -بضم العين وفتح الميم- الكوفيِّ اللَّخميِّ، حليف بني عديٍّ، ويقال له: الفَرَسِيُّ -بفتح الفاء والراء ثمَّ سين مهملة- نسبةً إلى فرسٍ له سابق (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بفتح النون وسكون الواو بعدها فاء فلام (٢)، ابن الحارث بنِ عبد المطَّلب الهاشميِّ، أبي محمَّدٍ المدنيِّ، أمير البصرة، يلقَّب بَبَّة -بتشديد الموحدة الثانية- له رؤيةٌ، ولأبيه ولجدِّه صحبة (عَنِ العَبَّاسِ) بن عبد المطَّلب (: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ : هَلْ

نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟) لم يُذكر الجَّواب اختصارًا، وساقه في «كتاب الأدب» [خ¦٦٢٠٨] عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عَوانة بهذا السَّند بلفظ: «فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ قال: نعم هوَ في ضحضاحٍ من النَّارِ، ولولا أنا لكانَ في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ».

وسبق مبحثه، والله الموفِّق، وبه المستعان.

(٥٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (الصِّرَاطُ جِسْرُ جَهَنَّمَ) بضم الجيم وتكسر، أي: منصوبٌ عليها؛ لعبور المسلمين عليه إلى الجنَّة.

قال أبو سعيدٍ -فيما رواه مسلمٌ-: بلغني أنَّ الصِّراط أحدُّ من السَّيف، وأدقُّ من الشَّعرة. وقال سعيدُ بن أبي (٢) هلالٍ -عند ابن منده-: بَلغني … ، فذَكره. ووصلَه البيهقيُّ عن أنسٍ عن النَّبيِّ مجزومًا به لكن في سندهِ لينٌ. وفي مرسلِ عبيد بن عُمير -عند ابن المبارك-: إنَّ الصِّراط مثل السَّيف وبجنبتيهِ كلاليبُ، إنَّه ليؤخذُ بالكُلُّوب الواحد أكثر من ربيعةَ ومُضر. وعند ابنِ عساكرَ عن الفضيل بن عياضٍ قال: بلغنا: أنَّ الصِّراط مسيرةُ خمسةَ عشر (٣) ألفَ سنةٍ: خمسةُ آلافٍ صعودٌ، وخمسةُ آلافٍ هبوطٌ، وخمسةُ آلافٍ مستوى، أَدقُّ من الشَّعرة وأحدُّ من السَّيف، على متن جهنَّم،

لا يجوزُ عليه إلَّا ضامرٌ مهزولٌ من خشيةِ الله. وهذا معضلٌ لا يثبت. وعند ابن المبارك وابنِ أبي الدُّنيا عن سعيد بن أبي هلالٍ: بَلغنا: أنَّ الصِّراط أدقُّ من الشَّعرة على بعض النَّاس، ولبعض النَّاس مثل الوادي الواسع. وهو مرسلٌ أو معضلٌ، فتأمَّل نفسكَ إذا صرتَ على الصِّراط ووقعَ بَصرك على جهنَّم من تحته، ثمَّ قرع سَمعك شهيقُ النَّار وزفيرها وسوادها وسعيرها، وكيف بك إذا وَضعتَ إحدى رجليك عليه فأحسستَ بحدِّه واضطررتَ إلى أن ترفعَ القدم الثَّاني، والخلائقُ بين يديك يزلُّون ويعثرون، والزَّبانية تلتقطُهم بالخطاطيفِ والكلاليبِ، وأنت تنظرُ إلى ذلك، فيا له من مَنظرٍ ما أفظعَه، ومُرتقى ما أصعبَه، ومجازٌ ما أضيقه. نسأل الله السَّلامة والإعانة والعافية.

رأى يحيى بن اليمان رجلًا نائمًا وهو: أسود الرَّأس واللِّحية شَابَ، فاستيقظَ وهو أبيضُ شعر الرَّأس واللِّحية، فأخبرهُ أنَّه رأى في منامه كأنَّ النَّاس قد حُشروا، وإذا بنهرٍ من نار (١)، وجسرٍ يمرُّ عليه النَّاس فدُعي فدخل الجسرَ، فإذا هو كحدِّ السَّيف يمرُّ به يمينًا وشمالًا، فشابَ من ذلك.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَكَانَ يَقُولُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً"

[الحديث ٦٥٧١ - طرفه في: ٧٥١١]

٦٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ "عَنْ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ"

قَوْلُهُ: بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فِي تَرْجَمَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَأَوْرَدَ فِيهِمَا أَحَادِيثَ فِي تَثْبِيتِ كَوْنِهِمَا مَوْجُودَتَيْنِ، وَأَحَادِيثَ فِي صِفَتِهِمَا أَعَادَ بَعْضَهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: كَبِدُ الْحُوتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابُ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَذْكُورٌ هُنَا بِالْمَعْنَى، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.

قَوْلُهُ: عَدْنٍ: خُلْدٍ؛ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أَقَمْتُ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ أَيِ الِاسْتِقْرَارُ، وَعَدَنَ بِمَكَانِ كَذَا إِذَا اسْتَقَرَّ بِهِ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِكَوْنِهِ مُسْتَقِرَّ الْجَوَاهِرِ.

قَوْلُهُ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ فِي مَعْدِنٍ بَدَلَ مَقْعَدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ مِنْ أَوْصَافِهَا مَقْعَدَ صِدْقٍ كَمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْقَمَرِ ظَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِلَفْظِ: مَعْدِنِ صِدْقٍ وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى قَوْلَهُ:

فَإِنْ يَسْتَضِيفُوا إِلَى حِلْمِهِ … يُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ

أَيْ أقَامَ وَاسْتَقَرَّ نَعَمْ قَوْلُهُ: مَقْعَدَ صِدْقٍ مَعْنَاهُ مَكَانَ الْقُعُودِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمَعْدِنِ، وَلَمَحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَسْمَاءِ الْجَنَّةِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ أَوْ تَزِيدُ؛ الْفِرْدَوْسُ، وَهُوَ أَعْلَاهَا، وَدَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ الْخُلْدِ، وَدَارُ الْمُقَامَةِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَالنَّعِيمُ، وَالْمَقَامُ الْأَمِينُ، وَعَدْنُ، وَمَقْعَدُ صِدْقٍ، وَالْحُسْنَى، وَكُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فَعَدَّ بَعْضُهُمْ فِي أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ دَارَ الْحَيَوَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ مَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ فِي آخِرِ بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ فِي صَحَابِيِّهِ، وَتَقَدَّمَ بَحْثُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ، وَقَوْلُهُ: اطَّلَعْتُ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَشْرَفْتُ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي بَعْدَهُ: قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ مَنَامًا، وَهُوَ غَيْرُ رُؤْيَتِهِ النَّارَ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، أَوْ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: فَإِذَا

عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا أَكْثَرُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا.

قَوْلُهُ: (بِكُفْرِهِنَّ) أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْهَوَى وَالْمَيْلِ إِلَى عَاجِلِ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْآخِرَةِ لِنَقْصِ عَقْلِهِنَّ، وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهِنَّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ.

قَوْلُهُ: أَصْحَابُ الْجَدِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ الْغِنَى.

قَوْلُهُ: مَحْبُوسُونَ أَيْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْمَالِ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي يَتَقَاصُّونَ فِيهَا بَعْدَ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، وَمَنْ مُسْتَخْرَجَيِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَلَا ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ طَرِيقَ عُثْمَانَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَلَا طَرِيقَ مُسَدَّدٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهُمَا ثَابِتَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَصَارَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ.

قَوْلُهُ: جِيءَ بِالْمَوْتِ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ قَالَ: خَلَقَ الْمَوْتَ فِي صُورَةِ كَبْشٍ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا مَاتَ، وَخَلَقَ الْحَيَاةَ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا حَيِيَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَوْتِ هَكَذَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ حَصَلَ لَهُمُ الْفِدَاءُ لَهُ كَمَا فُدِيَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَبْشِ، وَفِي الْأَمْلَحِ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَتَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَحَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَقَعَ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيُوقَفُ عَلَى السُّورِ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُذْبَحُ لَمْ يُسَمِّ مَنْ ذَبَحَهُ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الَّذِي يَذْبَحُهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ إِشَارَةً إِلَى دَوَامِ الْحَيَاةِ، وَعَنْ بَعْضِ التَّصَانِيفِ أَنَّهُ جِبْرِيلُ. قُلْتُ: هُوَ فِي تَفْسِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيِّ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ، فَقَالَ فِيهِ: فَيُحْيِي اللَّهُ - تَعَالَى - مَلَكَ الْمَوْتِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَيَجْعَلُ الْمَوْتَ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيَذْبَحُ جِبْرِيلُ الْكَبْشَ، وَهُوَ الْمَوْتُ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الذَّبْحَ يَقَعُ بَعْدَ النِّدَاءِ، وَالَّذِي هُنَا يَقْتَضِي أَنَّ النِّدَاءَ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ النِّدَاءَ الَّذِي قَبْلَ الذَّبْحِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْكَبْشِ، وَالَّذِي بَعْدَ الذَّبْحِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى إِعْدَامِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ.

قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ زَادَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي خُلُودٌ ووَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ وَعَرَفَهُ وَذَكَرَ فِي أَهْلِ النَّارِ مِثْلُهُ قَالَ: فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ - أَيِ الْمُنَادِي -: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ حُزْنًا لَمَاتَ أَهْلُ النَّارِ وَقَوْلُهُ: فَيَشْرَئِبُّونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ ثَقِيلَةٌ، أَيْ يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ لِلنَّظَرِ.

وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ فَيُقَالُ:

يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْتَ فِيهِ أَبَدًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَيُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَرَفْنَاهُ هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ ذَبْحًا عَلَى السُّورِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ لِكَوْنِهِ يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَنْقَلِبُ جِسْمًا فَكَيْفَ يُذْبَحُ؟ فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ وَدَفَعَتْهُ وَتَأَوَّلَتْهُ طَائِفَةٌ فَقَالُوا: هَذَا تَمْثِيلٌ وَلَا ذَبْحَ هُنَاكَ حَقِيقَةً وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الذَّبْحُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَذْبُوحُ مُتَوَلِّي الْمَوْتِ، وَكُلُّهُمْ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ.

قُلْتُ: وَارْتَضَى هَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَحَمَلَ قَوْلَهُ: هُوَ الْمَوْتُ الَّذِي وُكِّلَ بِنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وُكِّلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَوِ اسْتَمَرَّ حَيًّا لَنَغَّصَ عَيْشَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا حُزْنَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ، إِنَّمَا هُوَ تَوَهُّمٌ لَا يَسْتَقِرُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الْفَرَحِ ثُبُوتُ الْحُزْنِ، بَلِ التَّعْبِيرُ بِالزِّيَادَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفَرَحَ لَمْ يَزُلْ كَمَا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ يَزْدَادُ حُزْنُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فَرَحٌ إِلَّا مُجَرَّدَ التَّوَهُّمِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ نَفْخِ الصُّورِ عِنْدَ نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ مِنْهُمْ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: رَبِّ، بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي فَمُتْ، ثُمَّ لَا تَحْيَا، فَيَمُوتُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ آخِرَ مَنْ يَمُوتُ مِنَ الْخَلَائِقِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، مُتْ مَوْتًا لَا تَحْيَا بَعْدَهُ أَبَدًا.

فَهَذَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَكَانَ حُجَّةً فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي يُذْبَحُ لِكَوْنِهِ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْتًا لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمَوْتُ عِنْدَنَا عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَيْسَ بِمَعْنًى، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبْشًا وَلَا جِسْمًا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ - تَعَالَى - هَذَا الْجِسْمَ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُجْعَلُ مِثَالًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: الْمَوْتُ مَعْنًى، وَالْمَعَانِي لَا تَنْقَلِبُ جَوْهَرًا، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ أَشْخَاصًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا الْمَوْتُ يَخْلُقُ اللَّهُ كَبْشًا يُسَمِّيهِ الْمَوْتُ، وَيُلْقِي فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ يَكُونُ ذَبْحُهُ دَلِيلًا عَلَى الْخُلُودِ فِي الدَّارَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا مَانِعَ أَنْ يُنْشِئَ اللَّهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ أَجْسَادًا يَجْعَلُهَا مَادَّةً لَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: إِنَّ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَجِيئَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا لَا إِلَى غَايَةِ أَمَدٍ وَإِقَامَتَهُمْ فِيهَا عَلَى الدَّوَامِ بِلَا مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ نَافِعَةٍ وَلَا رَاحَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا تَبْقَى خَالِيَةً أَوْ أَنَّهَا تَفْنَى وَتَزُولُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قُلْتُ: جَمَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا هَذَا الَّذِي نُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ، وَالثَّانِي يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى أَنْ تَنْقَلِبَ طَبِيعَتُهُمْ فَتَصِيرُ نَارِيَّةً حَتَّى يَتَلَذَّذُوا بِهَا لِمُوَافَقَةِ طَبْعِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّصَوُّفِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، وَالثَّالِثُ يَدْخُلُهَا قَوْمٌ وَيَخْلُفُهُمْ

آخَرُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْيَهُودِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وَالرَّابِعُ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَتَسْتَمِرُّ هِيَ عَلَى حَالِهَا، الْخَامِسُ تَفْنَى لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَكُلُّ حَادِثٍ يَفْنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ، وَالسَّادِسُ تَفْنَى حَرَكَاتُهُمْ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالسَّابِعُ يَزُولُ عَذَابُهَا، وَيَخْرُجُ أَهْلُهَا مِنْهَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ، عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَلَفْظُهُ: لَوْ لَبِثَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ لَكَانَ لَهُمْ يَوْمٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيَأْتِيَنَّ

عَلَيْهَا زَمَانٌ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ رَاوِيهِ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ يَعْنِي بِهِ الْمُوَحِّدِينَ. قُلْتُ: وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ لَوْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ، وَقَدْ مَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ السَّابِعِ وَنَصَرَهُ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ رَدِيءٌ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلهِ، وَقَدْ أَطْنَبَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ فِي بَيَانِ وَهَائِهِ، فَأَجَادَ.

الْحَدِيثُ الرابعُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ بِالْعَنْعَنَةِ.

قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي رِوَايَةِ الْحَبِيبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عَند الْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَطَّلِعُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ.

قَوْلُهُ: (فَيَقُولُونَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي يَقُولُونَ بِحَذْفِ الْفَاءِ.

قَوْلُهُ: وَسَعْدَيْكَ زَادَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: وَهَلْ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِمَّا أَعْطَيْتَنَا.

قَوْلُهُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ: أَلَا أُعْطِيكُمْ.

قَوْلُهُ: (أُحِلُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أُنْزِلُ.

قَوْلُهُ: رِضْوَانِي بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: رِضْوَانِي أَكْبَرُ وَفِيهِ تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ وَسَعَادَةٍ، وَكُلُّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ سَيِّدَهُ رَاضٍ عَنْهُ كَانَ أَقَرَّ لَعَيْنِهِ، وَأَطْيَبَ لِقَلْبِهِ، مِنْ كُلِّ نَعِيمٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي حَصَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

تَنْبِيهَانِ:

(الْأَوَّل): حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا كَأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَالْآتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ كِلَاهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي صِفَةِ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَفِيهِ قِصَّةُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ، لَكِنْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ لِلسَّابِقَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

(الثَّانِي): هَذَا الْخِطَابُ غَيْرُ الْخِطَابِ الَّذِي لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلِّهِمْ، وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَفِيهِ: فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْلِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا بِاخْتِصَارٍ.

الْحَدِيثُ الخامسُ:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَمَا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَبِوَاسِطَةٍ كَالَّذِي هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: أُصِيبَ حَارِثَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ هُوَ ابْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ، وَأُمُّهُ هِيَ الرُّبَيِّعُ بِالتَّشْدِيدِ بِنْتُ النَّضْرِ عَمَّةُ أَنَسٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهَا فِي بَابُ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَذَكَرْتُ شَرْحَ

الْحَدِيثِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَقَوْلُهُا هُنَا: وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى تَرَ مَا أَصْنَعُ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْجَزْمِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَلِغَيْرِهِ تَرَى بِالْإِشْبَاعِ أَوْ بِحَذْفِ شَيْءٍ تقديره سَوْفَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى وَالْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ صَنَعْتُ شَيْئًا مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْحُزْنِ مَشْهُورًا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ.

قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَحَذَفَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ اللَّامَ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْفِرْدَوْسُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ مَا يُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرُهُ بُسْتَانٌ فِيهِ كُرُومٌ وَثَمَرَةٌ وَغَيْرُهَا وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفَرْدَسَةِ، وَهِيَ السَّعَةُ وَقِيلَ: رُومِيٌّ نَقَلَتْهُ الْعَرَبُ وَقَالَ غَيْرُهُ: سُرْيَانِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَكَانٌ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ أَفْضَلِهَا.

الْحَدِيثُ السادسُ:

قَوْلُهُ: (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى هُوَ السِّينَانِيُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَنُونَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ.

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بِالتَّصْغِيرِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَنَسَبَهُ ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَنَسَبَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فَقَالَ: الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَرَدَّهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فَقَالَ: لَا رِوَايَةَ لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا أَدْرَكَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ رَفَعَهُ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ أَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ.

قَوْلُهُ: مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ بِكَسْرِ الْكَافِ تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ.

قَوْلُهُ: مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا: يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، يَعْظُمُونَ لِتَمْتَلِئَ مِنْهُمْ، وَلِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَوَّلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَزَادَ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ ثَالِثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ: غِلَظُ جِلْدِ الْكَافِرِ، وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، بِذِرَاعِ الْجَبَّارِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: أَرَادَ بِذَلِكَ التَّهْوِيلَ يَعْنِي بِلَفْظِ الْجَبَّارِ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ جَبَّارًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِشَارَةً إِلَى عَزْمِ الذِّرَاعِ، وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ لِمَا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ بِأَنَّ الْجَبَّارَ مَلِكٌ كَانَ بِالْيَمَنِ، وَفِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَكَثَافَةُ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ السَّبْعِينَ تُطْلَقُ لِلْمُبَالَغَةِ.

وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ، وَمَقْعَدُهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالرَّبَذَةِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَوَرْقَانُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْحِجَازِ، وَالرَّبَذَةُ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَأَنَّ اخْتِلَافَ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ تَعْذِيبِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: إِنَّمَا عَظُمَ خَلْقُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُ وَيُضَاعَفُ أَلَمُهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ: إِنَّ الْمُتَكَبِّرِينَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالُ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ، قَالَ: وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَذَابِ كما عُلِمَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،

وَلِأَنَّ نَعْلَمُ عَلَى الْقَطْعِ أَنَّ عَذَابَ مَنْ قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَفَتَكَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِعَذَابِ مَنْ كَفَرَ فَقَطْ، وَأَحْسَنَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ مَثَلًا.

قُلْتُ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، على أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْحَشْرِ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْأُخْرَى فَمَحْمُولَةٌ عَلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي النَّارِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: إِنَّ الْكَافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ، فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَأَمَّا تَفَاوُتُ الْكُفَّارِ فِي الْعَذَابِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا الْحَدِيثُ فِي أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا.

قَوْلُهُ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْبَأَنَا الْمَخْزُومِيُّ قُلْتُ: وَهُوَ الْمُغِيرَةُ الْمَذْكُورُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو هِشَامٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ سَلْمَانُ الْأَشْجَعِيُّ وَهُمَا مَدَنِيَّانِ تَابِعِيَّانِ ثِقَتَانِ، لَكِنَّ سَلَمَةَ أَصْغَرُ مِنْ سَلْمَانَ.

قَوْلُهُ: لَا يَقْطَعُهَا أَيْ لَا يَنْتَهِي إِلَى آخِرِ مَا يَمِيلُ مِنْ أَغْصَانِهَا.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو حَازِمٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ هُوَ الزُّرَقِيُّ وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَيْضًا مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَةَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي.

قَوْلُهُ: (الْجَوَاد) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ هُوَ الْفَرَسُ يُقَالُ: جَادَ الْفَرَسُ إِذَا صَارَ فَائِقًا، وَالْجَمْعُ جِيَادٌ وَأَجْوَادٌ، وَسَيَجِيءُ فِي صِفَةِ الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ أَجَاوِيدُ الْخَيْلِ وَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ.

قَوْلُهُ: أَوِ الْمُضَمَّرُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَقَوْلُهُ: السَّرِيعُ أَيْ فِي جَرْيِهِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الْجَوَادُ السَّرِيعُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الْجَوَادُ الْمُضَمَّرُ السَّرِيعُ بِحَذْفِ أَوْ، وَالْجَوَادُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ صِفَةٌ لِلرَّاكِبِ، وَضُبِطَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: يَسِيرُ الرَّاكِبُ وَزَادَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وَالْمُرَادُ بِالظِّلِّ الرَّاحَةُ وَالنَّعِيمُ وَالْجِهَةُ كما يُقَالُ: عِزٌّ ظَلِيلٌ، وَأَنَا فِي ظِلِّكَ أَيْ كَنَفِكَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الظِّلُّ أَعَمُّ مِنَ الْفَيْءِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ ظِلُّ اللَّيْلِ وَظِلُّ الْجَنَّةِ، وَلِكُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الشَّمْسُ، وَلَا يُقَالُ الْفَيْءُ إِلَّا لِمَا زَالَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ قَالَ: وَيُعَبَّرُ بِالظِّلِّ عَنِ الْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَالْحِرَاسَةِ وَيُقَالُ عَنْ غَضَارَةِ الْعَيْشِ ظِلٌّ ظَلِيلٌ.

قُلْتُ: وَقَعَ التَّعْبِيرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْفَيْءِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَيْءِ مِنْهَا مِائَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَعْيِينُ الشَّجَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: شَجَرَةُ طُوبَى مِائَةُ سَنَةٍ وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ فِي عِظَمِ أَصْلِ شَجَرَةِ طُوبَى لَوِ ارْتَحَلَتْ جَذَعَةً مَا أَحَاطَتْ بِأَصْلِهَا حَتَّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُهَا هَرَمًا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ

وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ مَضْمُومَةٌ وَوَاوٌ مَفْتُوحَةٌ هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَالْجَمْعُ تَرَاقٍ، وَلِكُلِّ شَخْصٍ تَرْقُوَتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.

الْحَدِيثُ الثامنُ، الْحَدِيثُ التاسعُ:

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَسَهْلٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ.

قَوْلُهُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حَازِمٍ هُوَ أَبُوهُ، وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْمَتْنِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (الْغُرَف) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِفَتْحِهِ، جَاءَ فِي صِفَتِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَزَادَ: مِنْ أَصْنَافِ الْجَوْهَرِ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ: (الْكَوْكَب) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الدُّرِّيُّ.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبِي الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ اللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ الْخُدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: يُحَدِّثُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُحَدِّثُهُ أَيْ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ، يُقَالُ حَدَّثْتُ كَذَا وَحَدَّثْتُ بِكَذَا.

قَوْلُهُ: (الْغَارِب) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْغَابِرُ بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الرَّاءِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَحْتَانِيَّةٍ مَهْمُوزَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ رُؤْيَةَ الرَّائِي فِي الْجَنَّةِ صَاحِبَ الْغُرْفَةِ بِرُؤْيَةِ الرَّائِي الْكَوْكَبَ الْمُضِيءَ النَّائِيَ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الِاسْتِضَاءَةِ مَعَ الْبُعْدِ، وَمَنْ رَوَاهُ الْغَائِرُ مِنَ الْغَوْرِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاقَ يَفُوتُ إِلَّا إِنْ قَدَرَ الْمُشْرِفُ عَلَى الْغَوْرِ، وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَ طَالِعًا فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَغَائِرًا فِي الْمَغْرِبِ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ بَيَانُ الرِّفْعَةِ وَشِدَّةِ الْبُعْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِيهِ شَيْءٌ مُدْرَجٌ بَيَّنْتُهُ هُنَاكَ، وَحَكَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ، وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَاغْتَرَّ بِثِقَةِ أَيُّوبَ عِنْدَهُ فَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وَقَدْ قُسِّمُوا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: إِلَى السَّابِقِينَ، وَأَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُمْ مَنْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ وَمَنْ عَدَاهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَكُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مُتَفَاوِتُونَ فِي الدَّرَجَاتِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ خَصَّ الْمُقَرَّبِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ:

حَدِيثُ أَنَسٍ يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا.

الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: أَبُو النُّعْمَانِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَجَابِرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ يَخْرُجُ قَوْمٌ وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَلَفْظُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرٌ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ: نَاسٌ مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا وَزَادَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ - يَعْنِي لِعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ - وَكَانَ الرَّجُلُ يُتَّهَمُ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ، وَيُقَالُ لَهُ هَارُونُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَاصِمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُهُ بِهِ؟ فَقَالَ:

إِلَيْكَ عَنِّي لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ بِفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ، وَزْنُ عَظِيمٍ، وَلُقِّبَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُو فَقَارَ ظَهْرِهِ، لَا أَنَّهُ ضِدُّ الْغِنَى قَالَ: خَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ، وَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ فَقُلْتُ لَهُ:

مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ بِهِ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وَ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَسَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَدَّ النَّاسِ عَلَيْهِ قَالَ: فَرَجَعْنَا وَقُلْنَا: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَوَارِجَ الطَّائِفَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمُبْتَدِعَةُ كَانُوا يُنْكِرُونَ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُنْكِرُونَ إِنْكَارَهُمْ، وَيُحَدِّثُونَ بِمَا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الشَّفَاعَةَ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنا بِأَحَادِيثَ لَا نَجِدُ لَهَا فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا، فَغَضِبَ وَذَكَرَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ.

وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهَا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالدَّجَّالِ، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ وَلَا نُكَذِّبُ بِهَا كَمَا يُكَذِّبُ بِهَا أَهْلُ حَرُورَاءَ يَعْنِي الْخَوَارِجُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ الشَّفَاعَةَ فِي إِخْرَاجِ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ، وَجَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مُتَوَاتِرَةً، وَدَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّفَاعَةُ، وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَزَيَّفَهُ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَقُومُهُ النَّبِيُّ لِيُرِيحَهُمْ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ في بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَفِي بَعْضِهَا مُطْلَقُ الشَّفَاعَةِ، فَمِنْهَا حَدِيثُ سَلْمَانَ قَالَ: فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ فَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَمِنْ طَرِيقِ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قَالَ: سُئِلَ عَنْهَا النَّبِيُّ فَقَالَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ، وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَفَعَهُ: أَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ قَتَادَةَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَكَانَ أَهْلُ

الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ.

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: إِنِّي لَأَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً وَفِيهِ: ثُمَّ يَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً فَأَلْبَسُهَا فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مَقَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ يَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَالَ لَيْثٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ وَقَالَ: الْأَوَّلُ أَوْلَى عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ لَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ كَذَلِكَ إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَبَالَغَ الْوَاحِدِيُّ

فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا النَّقَّاشُ فَنَقَلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كُرْسِيِّ الرَّبِّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ.

قُلْتُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، وَعَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الشَّفَاعَةُ، لَكِنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي الشَّفَاعَةُ فِي إِخْرَاجِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ النَّارِ. وَحَدِيثُ سَلْمَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَدِيثُ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ كما سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا مَضَى فِي الزَّكَاةِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ مُرْسَلُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. كَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَفِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ; وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَفْظُهُ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ فَقَالَ: هُوَ الشَّفَاعَةُ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتُلِفَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الشَّفَاعَةُ وَالْإِجْلَاسُ، وَالثَّالِثُ إِعْطَاؤُهُ لِوَاءَ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا لَا يُغَايِرُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ رَابِعًا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْجَبَّارِ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ، فَيَغْبِطُهُ بِمَقَامِهِ ذَلِكَ أَهْلُ الْجَمْعِ. قُلْتُ: وَخَامِسًا هُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ ثَنَاؤُهُ عَلَى رَبِّهِ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُغَايِرُ الْأَوَّلَ أَيْضًا، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ سَادِسًا: وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ جِبْرِيلُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى ثُمَّ نَبِيُّكُمْ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ فِي أَكْثَرَ مِمَّا يَشْفَعُ فِيهِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُصَرَّحْ بِرَفْعِهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: الْمَشْهُورُ قَوْلُهُ : أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُغَايِرُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي الْمُذْنِبِينَ، وَجَوَّزَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فَقَالَ بَعْدَ أَنَّ أَوْرَدَهُ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ غَيْرُ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأَقُولُ إِلَى الْمُرَاجَعَةِ فِي الشَّفَاعَةِ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ، وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا إِلَى الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ إِعْطَاءَهُ لِوَاءَ الْحَمْدِ وَثَنَاءَهُ عَلَى رَبِّهِ وَكَلَامِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجُلُوسِهِ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَقِيَامِهِ أَقْرَبَ مِنْ جِبْرِيلَ، كُلُّ ذَلِكَ صِفَاتٌ لِلْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ فِي إِخْرَاجِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ النَّارِ فَمِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي فَاعِلِ الْحَمْدِ مِنْ قَوْلِهِ: مَقَامًا مَحْمُودًا فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَقِيلَ النَّبِيُّ أَيْ أَنَّهُ هُوَ يَحْمَدُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ الْمَقَامِ بِتَهَجُّدِهِ فِي اللَّيْلِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ مَقَامًا يَحْمَدُهُ الْقَائِمُ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ عَرَفَهُ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ مَا يَجْلِبُ الْحَمْدَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَاسْتَحْسَنَ هَذَا أَبُو حَيَّانَ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ نَكِرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَقَامًا

مَخْصُوصًا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَلَّمَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وُقُوعَ الشَّفَاعَةِ لَكِنْ خَصَّهَا بِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ الَّذِي تَابَ مِنْهَا، وَبِصَاحِبِ الصَّغِيرَةِ الَّذِي مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ أَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ لَا يُعَذَّبُ، وَأَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ، فَيَلْزَمُ قَائِلُهُ أَنْ يُخَالِفَ أَصْلَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مُغَايَرَةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْفَرِيقَيْنِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالشَّفَاعَةِ لَكِنْ يَحْتَاجُ مَنْ قَصَرَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى دَلِيلِ التَّخْصِيصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الدَّعَوَاتِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَدِيثِ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ مَنْ تَابَ وَقَالَ عِيَاضٌ: أَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الشَّفَاعَةَ الْعَامَّةَ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَهِيَ الْخَاصَّةُ بِنَبِيِّنَا، وَالشَّفَاعَةُ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَنْكَرَتْ مَا عَدَاهُمَا.

قُلْتُ: وَفِي تَسْلِيمِ الْمُعْتَزِلَةِ الثَّانِيَةُ نَظَرٌ وقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: الشَّفَاعَةُ خَمْسٌ: فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ، وَفِي إِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي إِدْخَالِ قَوْمٍ حُوسِبُوا فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ أَنْ لَا يُعَذَّبُوا، وَفِي إِخْرَاجِ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ، وَفِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَدَلِيلُ الْأُولَى سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَدَلِيلُ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي جَوَابِ قَوْلِهِ : أُمَّتِي أُمَّتِي، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، كَذَا قِيلَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ دَلِيلَهُ سُؤَالُهُ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَأُجِيبَ وَقَدْ قَدَّمْتُ بَيَانَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَدَلِيلُ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَنَبِيُّكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ، وَلَهُ شَوَاهِدُ سَأَذْكُرُهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَدَلِيلُ الرَّابِعَةِ ذَكَرْتُهُ فِيهِ أَيْضًا مَبْسُوطًا، وَدَلِيلُ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، وَقَالَ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَنَّةَ ظَرْفًا لِشَفَاعَتِهِ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنِّي سَأُبَيِّنُ أَنَّهَا ظَرْفٌ فِي شَفَاعَتِهِ الْأُولَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَالَّذِي يُطْلَبُ هُنَا أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ عَمَلُهُ دَرَجَةً عَالِيَةً أَنْ يَبْلُغَهَا بِشَفَاعَتِهِ.

وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ مِنْ خَصَائِصِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهَا، وَأَشَارَ عِيَاضٌ إِلَى اسْتِدْرَاكِ شَفَاعَةٍ سَادِسَةٍ، وَهِيَ التَّخْفِيفُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ فِي الْعَذَابِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ شَفَاعَةً سَابِعَةً؛ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لِحَدِيثِ سَعْدٍ رَفَعَهُ: لَا يَثْبُتُ عَلَى لَأْوَائِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، قُلْتُ: وَهَذِهِ غَيْرُ وَارِدَةٍ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ الْأُوَلِ، وَلَوْ عُدَّ مِثْلُ ذَلِكَ لَعُدَّ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبَّادٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ أَهْلُ الطَّائِفِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ أَهْلُ بَيْتِي، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَرَبِ، ثُمَّ الْأَعَاجِمُ، وَذَكَرَ الْقَزْوِينِيُّ فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى شَفَاعَتَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصُّلَحَاءِ فِي التَّجَاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهَا، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تَنْدَرِجُ فِي الْخَامِسَةِ، وَزَادَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ فِ دُخُولِ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ، وَهَذِهِ أَفْرَدَهَا النَّقَّاشُ بِالذِّكْرِ، وَهِيَ وَارِدَةٌ وَدَلِيلُهَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ، وَزَادَ النَّقَّاشُ أَيْضًا شَفَاعَتَهُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَيْسَتْ وَارِدَةً لِأَنَّهَا

تَدْخُلُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، وَظَهَرَ لِي بِالتَّتَبُّعِ شَفَاعَةً أُخْرَى، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ فِيمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ أَنْ يُدْخَلَ الْجَنَّةَ وَمُسْتَنَدُهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّابِقُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَهَا بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، وَشَفَاعَةٌ أُخْرَى وَهِيَ شَفَاعَتُهُ

فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَمُسْتَنَدُهَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عَدِّهَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ لِأَنَّ النَّفْيَ يَتَعَلَّقُ بِمُبَاشَرَةِ الْإِخْرَاجِ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ قَدْ صَدَرَتْ، وَقَبُولُهَا قَدْ وَقَعَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَثَرُهَا، فَالْوَارِدُ عَلَى الْخَمْسَةِ أَرْبَعَةٌ، وَمَا عَدَاهَا لَا يُرَدُّ كَمَا تُرَدُّ الشَّفَاعَةُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ صَاحِبَيِ الْقَبْرَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَاحِدُهَا ثُعْرُورٌ كَعُصْفُورٍ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: وَمَا الثَّعَارِيرُ سَقَطَتِ الْوَاوُ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.

قَوْلُهُ: قَالَ: الضَّغَابِيسُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَمَّا الثَّعَارِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ قِثَّاءٌ صِغَارٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ وَيُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْمُثَلَّثَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ الرَّاوِي، وَكَانَ عَمْرُو ذَهَبَ فَمُهُ - أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ - فَنَطَقَ بِهَا ثَاءً مُثَلَّثَةً، وَهِيَ شِينٌ مُعْجَمَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ نَبْتٌ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ، كَالْقُطْنِ يَنْبُتُ فِي الرَّمَلِ يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ وَلَا يَطُولُ، وَوَقَعَ تَشْبِيهُهُمْ بِالطَّرَاثِيثِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ هِيَ الثُّمَامُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقِيلَ الثُّعْرُورُ الْأَقِطُ الرَّطْبُ، وَأَغْرَبَ الْقَابِسِيُّ فَقَالَ: هُوَ الصَّدَفُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ فِيهِ الْجَوْهَرُ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ أَلْفَاظَ التَّشْبِيهِ تَخْتَلِفُ، وَالْمَقْصُودُ الْوَصْفُ بِالْبَيَاضِ وَالدِّقَّةِ، وَأَمَّا الضَّغَابِيسُ فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: شَيْءٌ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ التَّمَامِ يُشْبِهُ الْهِلْيُونَ، يُسْلَقُ ثُمَّ يُؤْكَلُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ، وَقِيلَ: يَنْبُتُ فِي أُصُولِ الشَّجَرِ، وَفِي الأذحر يَخْرُجُ قَدْرَ شِبْرٍ فِي دِقَّةِ الْأَصَابِعِ لَا وَرَقَ لَهُ، وَفِيهِ حُمُوضَةٌ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْحَرْبِيِّ: الضُّغْبُوسُ شَجَرَةٌ عَلَى طُولِ الْإِصْبَعِ، وَشُبِّهَ بِهِ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: هِيَ طُيُورٌ صِغَارٌ فَوْقَ الذُّبَابِ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِيمَا قَالَ.

تَنْبِيهٌ: هَذَا التَّشْبِيهُ لِصِفَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنْبُتُوا، وَأَمَّا فِي أَوَّلِ خُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ كَالْفَحْمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا فَيَغْتَسِلُونَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ الْبِيضُ. وَالْمُرَادُ بَعِيدَانِ السَّمَاسِمِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ السِّمْسِمُ، فَإِنَّهُ إِذَا جُمِعَ وَرُمِيَتِ الْعِيدَانُ تَصِيرُ سُودًا دِقَاقًا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَةَ مُحَرَّفَةٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ السَّاسَمُ بِمِيمٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ خَشَبٌ أَسْوَدُ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ بِإِثْبَاتِ الْمِيمَيْنِ وَتَوْجِيهُهُ وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو الْقَائِلُ حَمَّادٌ.

قَوْلُهُ: أَبَا مُحَمَّدٍ بِحَذْفِ أَدَاةِ النِّدَاءِ، وَثَبَتَ بِلَفْظِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَأَرَادَ الِاسْتِثْبَاتَ فِي سَمَاعِهِ لَهُ مِنْ جَابِرٍ وَسَمَاعِ جَابِرٍ لَهُ، وَلَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرٍو لَهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا، وَقَدْ حَدَّثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِالطَّرِيقَيْنِ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِيَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: عَنْ أَنَسٍ سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ نَحْوَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الشَّفَاعَةِ بِلَفْظِ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ وَقَوْلُهُ: سَفْعٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ سَوَادٌ فِيهِ زُرْقَةٌ أَوْ صُفْرَةٌ يُقَالُ: سَفَعَتْهُ النَّارُ إِذَا لَفَحَتْهُ فَغَيَّرَتْ لَوْنَ بَشَرَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: قَدِ امْتُحِشُوا وَيَأْتِي ضَبْطُهُ، وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: إِنَّهُمْ يَصِيرُونَ فَحْمًا وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ حِمَمًا وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ، سَيَأْتِي فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيدِ، وَزَادَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ، فَيُكْتَبُ فِي رِقَابِهِمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الْجَهَنَّمِيِّينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. وَالنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَؤُلَاءِ

عُتَقَاءُ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ فَيَدْعُونَ اللَّهَ فَيُذْهِبُ عَنْهُمْ هَذَا الِاسْمَ وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْهُ قَالَ لَهُمُ الْجَهَنَّمِيُّونَ فَذَكَرَ لِي أَنَّهُمُ اسْتَعْفَوُا اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ فَأعْفَاهُمْ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ تَنْقِيصًا لَهُمْ، بَلْ لِلِاسْتِذْكَارِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ شُكْرًا كَذَا قَالَ، وَسُؤَالُهُمْ إِذْهَابَ ذَلِكَ الِاسْمِ عَنْهُمْ يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَوُهَيْبٌ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ، وَأَبُوهُ يَحْيَى هُوَ ابْنُ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْمَازِنِيُّ.

قَوْلُهُ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ هَكَذَا رَوَى يَحْيَى بْنُ عِمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ آخِرَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَهُ، وَرَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُطَوَّلًا وَأَوَّلُهُ الرُّؤْيَةُ وَكَشْفُ السَّاقِ وَالْعَرْضُ، وَنَصْبُ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ، وَسُقُوطُ مَنْ يَسْقُطُ وَشَفَاعَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانِهِمْ، وَقَوْلُ اللَّهِ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ صُورَتَهُ، وَفِيهِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفِيهِ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ صَارُوا حِمَمًا، وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ أَكْثَرَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَسَأَذْكُرُ فَوَائِدَهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الطَّرِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَتَقَدَّمَتْ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ طَرِيقٌ أُخْرَى فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ هُنَاكَ، وَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ عَلَى نَجَاةِ مَنْ أَيْقَنَ بِذَلِكَ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّطْقِ بِهِ الْمَوْتُ، وَقَالَ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ يَحْتَمِلُ أَنَّ يكون امْتِنَاعه عَنِ النُّطْقِ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُ الثَّانِيَ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: فِي قَلْبِهِ فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُنْضَمًّا إِلَى النُّطْقِ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ:

حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الْآخَرِ لَكِنْ فِي الْعَالِي عَنْعَنَةُ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ، وَفِي النَّازِلِ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ فَانْجَبَرَ مَا فَاتَهُ مِنَ الْعُلُوِّ الْحِسِّيِّ بِالْعُلُوِّ الْمَعْنَوِيِّ، وَإِسْرَائِيلُ فِي الطَّرِيقين هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورُ، وَالنُّعْمَانُ هُوَ ابْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنِ إسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ. قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ.

قَوْلُهُ: أَخْمَصَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَزْنَ أَحْمَرَ، مَا لَا يَصِلُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ بَاطِنِ الْقَدَمِ عِنْدَ الْمَشْيِ.

قَوْلُهُ: جَمْرَةً فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ جَمْرَتَانِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: عَلَى أَخْمَصَ قَدَمِهِ جَمْرَتَانِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَمْرَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأُخْرَى لِعِلْمِ السَّامِعِ بِأَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ قَدَمَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ نَحْوَهُ وَقَالَ: يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلِهِ.

قَوْلُهُ: مِنْهَا دِمَاغُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مِنْهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: لَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا، وَالْمِرْجَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ

الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ قِدْرٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لِكُلِّ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الْمَاءُ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ، وَالْقُمْقُمُ مَعْرُوفٌ مِنْ آنِيَّةِ الْعَطَّارِ، وَيُقَالُ: هُوَ إِنَاءٌ ضَيِّقُ الرَّأْسِ يُسَخَّنُ فِيهِ الْمَاءُ يَكُونُ مِنْ نُحَاسٍ وَغَيْرِهِ فَارِسِيٌّ، وَيُقَالُ: رُومِيٌّ وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: قَمْقَمَةٌ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ نَظَرٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الصَّوَابُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ بِوَاوِ الْعَطْفِ لَا بِالْبَاءِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ أَوِ الْقُمْقُمُ بِالشَّكِّ وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي آخِرِ بَابُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ:

حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْرِ أَبِي طَالِبٍ، تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ السَّنَدَ الْمَذْكُورَ هُنَا، وَاخْتَصَرَ الْمَتْنَ، وَيَزِيدُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ ابْنُ الْهَادِ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ، وَاسْمُ كُلٍّ مِنَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، والدَّرَاوَرْدِيِّ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ مَشْهُورَانِ، وَكَذَا سَائِرُ رُوَاةِ هَذَا السَّنَدِ.

قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وُقُوعُ هَذَا التَّرَجِّي، وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ : تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خُصَّ، وَلِذَلِكَ عَدُّوهُ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ وَقِيلَ: مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْآيَةِ يُخَالِفُ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْآيَةِ الْإِخْرَاجُ مِنَ النَّارِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَنْفَعَةُ بِالتَّخْفِيفِ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ صِحَّةُ الرِّوَايَةِ فِي شَأْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ، وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الْكُفَّارِ إِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِوُجُودِ الْخَبَرِ الصَّادِقِ فِي أَنَّهُ لَا يُشَفَّعُ فِيهِمْ أَحَدٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ كَافِرٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ مَنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِتَخْصِيصِهِ، قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ جَزَاءَ الْكَافِرِ مِنَ الْعَذَابِ يَقَعُ عَلَى كُفْرِهِ وَعَلَى مَعَاصِيهِ، فَيَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يَضَعُ عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ بَعْضَ جَزَاءِ مَعَاصِيهِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الشَّافِعِ، لَا ثَوَابًا لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّ حَسَنَاتِهِ صَارَتْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ هَبَاءً، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَنَسٍ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُعْطَى حَسَنَاتُهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّفَاعَةِ، هَلْ هِيَ بِلِسَانٍ قَوْلِيٍّ أَوْ بِلِسَانٍ حَالِيٍّ؟ وَالْأَوَّلُ يُشْكِلُ بِالْآيَةِ وَجَوَابُهُ جَوَازُ التَّخْصِيصِ ; وَالثَّانِي يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا بَالَغَ فِي إِكْرَامِ النَّبِيِّ وَالذَّبِّ عَنْهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ، فَأَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ شَفَاعَةً لِكَوْنِهَا بِسَبَبِهِ قَالَ: وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُخَفَّفَ عَنْهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ أَثَرَ التَّخْفِيفِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَيْسَ فِي النَّارِ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ لَا تُطِيقُهُ الْجِبَالُ، فَالْمُعَذَّبُ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ انْتِفَاعٌ بِالتَّخْفِيفِ.

قُلْتُ: وَقَدْ يُسَاعِدُ مَا سَبَقَ مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي قِصَّةِ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ قَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ أَبَا لَهَبٍ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: لَمْ أَرَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْمِيزَانِ، وَرَجَحَتْ كِفَّةُ سَيِّئَاتِهِ بِالْكُفْرِ اضْمَحَلَّتْ حَسَنَاتُهُ، فَدَخَلَ النَّارَ لَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْهُمْ حَسَنَاتٌ مِنْ عِتْقٍ وَمُوَاسَاةِ مُسْلِمٍ لَيْسَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجَازَى بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ بِمِقْدَارِ مَا عَمِلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ قُلْتُ لَكِنْ هَذَا الْبَحْثُ النَّظَرِيُّ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وَحَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ

مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ؟ قَالَ: الْمَالُ وَالْوَلَدُ وَالصِّحَّةُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قُلْنَا: وَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّخْفِيفُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعَذَابِ مَعَاصِيهِ بِخِلَافِ عَذَابِ الْكُفْرِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ:

حَدِيثُ أَنَسٍ الطَّوِيلُ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَمَضَى فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لِلْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا مَضَى فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْهُ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْهُ، ومِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُخْتَصَرَةٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ مَعًا، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمَضَى فِي الزَّكَاةِ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِاخْتِصَارٍ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي جَمَعَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زَرْعةَ فِيهِ: وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَرُّهَا، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ دُنُوُّهَا، فَيَنْطَلِقُونَ مِنَ الضَّجَرِ وَالْجَزَعِ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا، وَأَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُفْظَعُ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَالْعَرَقُ كَادَ يُلَجِّمُهُمْ.

وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ: يَلْبَثُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْحَبْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى تَصِيرَ مِنَ النَّاسِ قَدْرَ مِيلٍ، وَسَائِرُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْعَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ تُعْطِي الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ تَدْنُو مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ، فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَحَ الْعَرَقُ فِي الْأَرْضِ قَامَةً، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الرَّجُلُ حَتَّى يَقُولَ: عَقَّ عَقَّ، وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ، وَالْخَلْقُ مُلَجَّمُونَ بِالْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: إِنِّي لَسَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغَيْرِ فَخْرٍ، وَمَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ هُوَ تَحْتَ لِوَائِي يَنْتَظِرُ الْفَرَجَ، وَإِنَّ مَعِي لِوَاءَ الْحَمْدِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ، وَهَمَّامٍ: يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّاسِ أَرْجَحُ، لَكِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ وَفِي لَفْظٍ فَيَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ حَتَّى يُهْتَمُّوا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: عَلَى رَبِّنَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ إِلَى رَبِّنَا وَتَوَجَّهَ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنَى اسْتَشْفَعْنَا سَعَى؛ لِأَنَّ

الِاسْتِشْفَاعَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ وَهِيَ انْضِمَامُ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى مَا يَرُومُهُ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تَتَزَلَّفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ وَحَتَّى غَايَةٌ لِقِيَامِهِمُ الْمَذْكُورِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ طَلَبَهَمُ الشَّفَاعَةَ يَقَعُ حِينَ تَنزلفُ لَهُمُ الْجَنَّةُ، وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي مُسْلِمٍ رَفَعَهُ، أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ فَإِذَا زَفَرَتْ فَزِعَ النَّاسُ حِينَئِذٍ، وَجَثَوَا عَلَى رُكَبِهِمْ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُرِيحَنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُرِيحَنَا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلَجِّمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ يَطُولُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّاسِ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، فَلْيَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: فَإِذَا رَأَوْا مَا هُمْ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ائْتُوا أَبَاكُمْ آدَمَ.

قَوْلُهُ: حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَ آدَمَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى يَأْتُوا آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَشَيْبَانَ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا.

قَوْلُهُ: خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، وَأَنْتَ اصْطَفَاكَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عِنْدَ رَبِّكَ وَكَذَا لِشَيْبَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَّا تَرَى مَا بَلَغَنَا.

قَوْلُهُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ دُونَ الْمَنْزِلَةِ الْمَطْلُوبَةِ، قَالَهُ تَوَاضُعًا وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ لَيْسَ لِي، بَلْ لِغَيْرِي، قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَاكَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ.

قَوْلُهُ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ زَادَ مُسْلِمٌ الَّتِي أَصَابَ، وَالرَّاجِع إلى الْمَوْصُولَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَصَابَهَا، زَادَ هَمَّامٌ فِي رِوَايَتِهِ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَهُوَ بِنَصْبِ أَكْلَهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ خَطِيئَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحْيِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي قَدْ أُخْرِجْتُ بِخَطِيئَتِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: وَإِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَأُهْبِطْتُ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا: هَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: إِنِّي أَخْطَأْتُ، وَأَنَا فِي الْفِرْدَوْسِ، فَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي.

قَوْلُهُ: ائْتُوا نُوحًا فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ انْطَلِقُوا إِلَى أَبِيكُمْ بَعْدَ أَبِيكُمْ إِلَى نُوحٍ، ائْتُوا عَبْدًا شَاكِرًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى نُوحٍ فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكَ وَاسْتَجَابَ لَكَ فِي دُعَائِكَ، وَلَمْ يَدَعْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ آدَمَ

سَبَقَ إِلَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ، فَخَاطَبَهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ بِذَلِكَ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةُ بِأَنَّ آدَمَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَكَذَا شِيثُ وَإِدْرِيسُ وَهُمْ قَبْلَ نُوحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ: أُعْطِيتُ خَمْسًا فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ، وَفِيهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً الْحَدِيثَ، وَمُحَصَّلُ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِ: أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّ آدَمَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يُرْسَلُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَيُجَابُ بِأَنَّ بَعْثَتَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ لِصِدْقِ أَنَّهُمْ قَوْمُهُ بِخِلَافِ عُمُومِ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ لِقَوْمِهِ وَلِغَيْرِ قَوْمِهِ، أَوِ الْأَوَّلِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهِ أَهْلَكَ قَوْمَهُ، أَوْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَكُونُوا رُسُلًا.

وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي حَقِّ آدَمَ وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِمَا صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ كَانَ مُرْسَلًا، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإِنْزَالِ الصُّحُفِ عَلَى شِيثَ، وَهُوَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِرْسَالِ، وَأَمَّا إِدْرِيسُ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ إِلْيَاسُ وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّ رِسَالَةَ آدَمَ كَانَتْ إِلَى بَنِيهِ وَهُمْ مُوَحِّدُونَ لِيُعْلِمَهُمْ شَرِيعَتَهُ، وَنُوحٌ كَانَتْ رِسَالَتُهُ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: وَيَذْكُرُ سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ سُؤَالَ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ مِثْلُ جَوَابِ آدَمَ، لَكِنْ قَالَ: وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَيَقُولُ: لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي دَعَوْتُ بِدَعْوَةٍ أَغْرَقَتْ أَهْلَ الْأَرْضِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اعْتَذَرَ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا نَهْيُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَسْأَلَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ شَفَاعَتُهُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ ذَلِكَ، ثَانِيهُمَا أَنَّ لَهُ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُحَقَّقَةَ الْإِجَابَةِ، وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا بِدُعَائِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَخَشِيَ أَنْ يَطْلُبَ فَلَا يُجَابَ.

وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: كَانَ اللَّهُ وَعَدَ نُوحًا أَنْ يُنْجِيَهُ وَأَهْلَهُ، فَلَمَّا غَرِقَ ابْنُهُ ذَكَرَ لِرَبِّهِ مَا وَعَدَهُ فَقِيلَ لَهُ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِكَ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَخَرَجَ ابْنُكَ مِنْهُمْ فَلَا تَسْأَلْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.

تَنْبِيهَانِ:

(الْأَوَّل): سَقَطَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونِ بِأَبِي هُرَيْرَةَ ذِكْرُ نُوحٍ فَقَالَ فِي قِصَّةِ آدَمَ: اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ. وَكَذَا سَقَطَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى مَنْ حَفِظَ.

(الثَّانِي): ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كَشْفِ عُلُومِ الْآخِرَةِ أَنَّ بَيْنَ إِتْيَانِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ آدَمَ وَإِتْيَانِهِمْ نُوحًا أَلْفُ سَنَةٍ، وَكَذَا بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ إِلَى نَبِيِّنَا وَلَمْ أَقِفْ لِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ، وَلَقَدْ أَكْثَرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ إِيرَادِ أَحَادِيثَ لَا أُصُولَ لَهَا، فَلَا يُغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَهُوَ خَلِيلُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قُمِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا لِآدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ وَذَكَرَهُنَّ.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ زَادَ مُسْلِمٌ الَّتِي أَصَابَ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: إِنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ زَادَ شَيْبَانُ فِي رِوَايَتِهِ: قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: أَخْبِرِيهِ أَنِّي أَخُوكِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَيَقُولُ: إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا مِنْهَا كِذْبَةٌ إِلَّا مَا حَلَّ بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَمَا حَلَّ بِمُهْمَلَةٍ بِمَعْنَى جَادَلَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونَةِ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَاكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، وَضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِضَمِّهَا وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا

قَالَ النَّوَوِيُّ: أَشْهَرُهُمَا الْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ وَيَجُوزُ بِنَاؤُهَا عَلَى الضَّمِّ، وَصَوَّبَهُ أَبُو الْبَقَاءِ، وَالْكِنْدِيُّ، وَصَوَّبَ ابْنُ دِحْيَةَ الْفَتْحَ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ مُرَكَّبَةٌ مِثْلُ شَذَرَ مَذَرَ، وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ وَمَعْنَاهُ لَمْ أَكُنْ فِي التَّقْرِيبِ وَالْإِدْلَالِ بِمَنْزِلَةِ الْحَبِيبِ. قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ كَلِمَةٌ تُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، أَيْ لَسْتُ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ.

قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ لِي فِيهِ مَعْنًى مَلِيحٌ وَهُوَ أَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي أَعْطَيْتُهُ كَانَ بِسِفَارَةِ جِبْرِيلَ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَكَرَّرَ وَرَاءَ إِشَارَةً إِلَى نَبِيِّنَا لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ بِلَا وَاسِطَةٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ وَرَاءِ مُوسَى الَّذِي هُوَ مِنْ وَرَاءِ مُحَمَّدٍ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ أَشْفَقَ مِنْهَا اسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ مَعَ وُقُوعِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاللَّهِ وَأَقْرَبَ إِلَيْهِ مَنْزِلَةً كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا.

قَوْلُهُ: ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى، وَزَادَ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَهُوَ كَلِيمُ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَبْدًا أَعْطَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، زَادَ هَمَّامٌ فِي رِوَايَتِهِ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونَةِ اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى.

قَوْلُهُ: فَيَأْتُونَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا فَذَكَرَ مِثْلَ آدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا، لَكِنَّهُ قَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا.

قَوْلُهُ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، زَادَ مُسْلِمٌ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَ النَّفْسِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنْ يُغْفَرْ لِي الْيَوْمَ حَسْبِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا وَذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ائْتُوا عِيسَى زَادَ مُسْلِمٌ رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: فَإِنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى.

قَوْلُهُ: (فَيَأْتُونَهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ مِثْلَ آدَمَ قَوْلًا وَجَوَابًا لَكِنْ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي اتُّخِذْتُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي.

قَوْلُهُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَبْدٌ غُفِرَ لَهُ إِلَخْ زَادَ ثَابِتٌ مِنْ ذَنْبِهِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ انْطَلِقُوا إِلَى مَنْ جَاءَ الْيَوْمَ مَغْفُورًا لَهُ، لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ أَيْضًا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ قَدْ حَضَرَ الْيَوْمَ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ مَتَاعٌ فِي وِعَاءٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ، أَكَانَ يُقْدَرُ عَلَى مَا فِي الْوِعَاءِ حَتَّى يُفَضَّ الْخَاتَمُ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى آدَمَ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتُمْ إِلَخْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنِ انْطَلِقُوا إِلَى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ الْعِصْمَةُ، وَقِيلَ: مَا وَقَعَ عَنْ سَهْوٍ أَوْ تَأْوِيلٍ. وَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ ذَنْبُ آدَمَ، وَالْمُتَأَخِّرُ ذَنْبُ أُمَّتِهِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لَوْ وَقَعَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَاللَّائِقُ بِهَذَا الْمَقَامِ الْقَوْلُ الرَّابِعُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَتَأَتَّى هُنَا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عِيسَى فِي حَقِّ نَبِيِّنَا هَذَا، وَمِنْ قَوْلِ مُوسَى

فِيمَا تَقَدَّمَ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي، مَعَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ وَمَنْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ أَصْلًا، فَإِنَّ مُوسَى مَعَ وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ لَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ إِشْفَاقُهُ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِذَلِكَ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ تَقْصِيرًا عَنْ مَقَامِ الشَّفَاعَةِ، مَعَ وُجُودِ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِخِلَافِ نَبِيِّنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عِيسَى بِأَنَّهُ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِذَنْبٍ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ، وَهَذَا مِنَ النَّفَائِسِ الَّتِي فَتَحَ اللَّهُ بِهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، فَلَهُ الْحَمْدُ.

قَوْلُهُ: (فَيَأْتُونِي) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطَ إِذْ جَاءَ عِيسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَسْأَلُونَ لِتَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ جَمْعَ الْأُمَمِ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ، لِغَمِّ مَا هُمْ فِيهِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعْيِينَ مَوْقِفِ النَّبِيِّ حِينَئِذٍ، وَأَنَّ هَذَا الَّذِي وُصِفَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ كُلِّهِ يَقَعُ عِنْدَ نَصْبِ الصِّرَاطِ بَعْدَ تَسَاقُطِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَأَنَّ عِيسَى هُوَ الَّذِي يُخَاطِبُ النَّبِيَّ وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعًا يَسْأَلُونَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَفِيهِ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ: فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا، زَادَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ: فَيَأْذَنُ اللَّهُ لِي فَأَقُومُ فَيَثُورُ مِنْ مَجْلِسِي أَطْيَبُ رِيحٍ شَمَّهَا أَحَدٌ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ يَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنْتَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِكَ وَخَتَمَ، وَغَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَجِئْتَ فِي هَذَا الْيَوْمِ آمِنًا، وَتَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَقُمْ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكُمْ، فَيَجُوشُ النَّاسُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ: فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَسْتَأْذِنُ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ

قَوْلُهُ: عَلَى رَبِّي زَادَ هَمَّامٌ فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي قَالَ عِيَاضٌ: أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِئْذَانَهُ الْأَوَّلَ، وَالْإِذْنَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَأُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ، وَمِنْهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ هُنَا الِاسْمُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -، قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي انْتِقَالِ النَّبِيِّ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ أَنَّ أَرْضَ الْمَوْقِفِ لَمَّا كَانَتْ مَقَامَ عَرْضٍ وَحِسَابٍ كَانَتْ مَكَانَ مَخَافَةٍ وَإِشْفَاقٍ، وَمَقَامُ الشَّافِعِ يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانِ إِكْرَامٍ، وَمِنْ ثَمَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَحَرَّى لِلدُّعَاءِ الْمَكَانُ الشَّرِيفُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ سُؤَالِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ اسْتِفْتَاحَ بَابِ الْجَنَّةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَآخُذُ حَلْقَةَ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيُفْتَحُونَ لِي وَيُرَحِّبُونَ فَأَخُرُّ سَاجِدًا، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِمُحَمَّدٍ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيَأْخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقْرَعُ الْبَابَ فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيُفْتَحُ لَهُ حَتَّى يَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَأْتِي جِبْرِيلُ رَبَّهُ فَيَقُولُ: ائْذَنْ لَهُ.

قَوْلُهُ: فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَنَسٍ، فَيَتَجَلَّى لَهُ الرَّبُّ، وَلَا يَتَجَلَّى لِشَيْءٍ قَبْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى

رَفَعَهُ يُعَرِّفُنِي اللَّهُ نَفْسَهُ، فَأَسْجُدُ لَهُ سَجْدَةً يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ أَمْتَدِحُهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي.

قَوْلُهُ: فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ زَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَدَعَنِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا شَاكِرًا لَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ فَيَخِرُّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يُقَالُ لِيَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ أَنِ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى يَقُولُ لِي عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ.

قَوْلُهُ: وَسَلْ تُعْطَهُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَسَقَطَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: وَقُلْ يُسْمَعْ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ خَرَّ سَاجِدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَادْعُ تُجَبْ.

قَوْلُهُ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ يُعَلِّمُنِيهِ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ: بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ مَا لَمْ يَفْتَحْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ وَكَأَنَّهُ يُلْهَمُ التَّحْمِيدَ قَبْلَ سُجُودِهِ وَبَعْدَهُ وَفِيهِ وَيَكُونُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَا يَلِيقُ بِهِ وَقَدْ وَرَدَ مَا لَعَلَّهُ يُفَسَّرُ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ لَا جَمِيعُهُ فَفِي النَّسَائِيِّ وَمُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَفَعَهُ قَالَ: يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَبِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: هَذَا حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَثِقَةِ رُوَاتِهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أَشْفَعُ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي أُمَّتِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ.

قَوْلُهُ: فَيَحُدُّ لِي حَدًّا يُبَيِّنُ لِي فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِ الشَّفَاعَةِ حَدًّا أَقِفُ عِنْدَهُ، فَلَا أَتَعَدَّاهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: شَفَّعْتُكَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالْجَمَاعَةِ، ثُمَّ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، ثُمَّ فِيمَنْ زَنَى، وَعَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ كَذَا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْأَخْبَارِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَفْضِيلُ مَرَاتِبِ الْمُخْرَجِينَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي آخِرِهِ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ثُمَّ قَالَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: فَشَفَعْتُ فِي أُمَّتِي أَنْ أُخْرِجَ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا وَاحِدًا، فَمَا زِلْتُ أَتَرَدَّدُ عَلَى رَبِّي لَا أَقُومُ مِنْهُ مَقَامًا إِلَّا شُفِّعْتُ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: فَيَشْفَعُ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ حِنْطَةٍ، ثُمَّ شَعِيرَةٍ، ثُمَّ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ رَكَّبَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَفِي آخِرِهِ ذَكَرَ الشَّفَاعَةَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ يَعْنِي، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّحَوُّلِ مِنَ الْمَوْقِفِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُقُوطِ مَنْ يَسْقُطُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فِي النَّارِ ثُمَّ

يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفَاعَةُ فِي الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ إِشْكَالٌ قَوِيٌّ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْمَقْرُونِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُومُ وَيُؤْذَنُ لَهُ أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ جَنْبَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ الْحَدِيثَ. قَالَ عِيَاضٌ: فَبِهَذَا يَتَّصِلُ الْكَلَامُ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي لَجَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا هِيَ الْإِرَاحَةُ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ ثُمَّ تَجِيءُ الشَّفَاعَةُ فِي الْإِخْرَاجِ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَمْعِ فِي الْمَوْقِفِ - الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ كُلِّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، ثُمَّ تَمْيِيزُ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ حُلُولُ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ وَضْعِ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورِ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ كُلِّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ هُوَ أَوَّلُ فَصْلِ الْقَضَاءِ وَالْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، قَالَ: وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ مُتُونُ الْأَحَادِيثِ وَتَتَرَتَّبُ مَعَانِيهَا.

قُلْتُ: فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّتُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِيهِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا، وَفِي جَانِبَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ؛ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوشٌ فِي النَّارِ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِمَّنْ سَقَطَ تَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ اخْتَصَرَ فِي سِيَاقِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي سَاقَهُ أَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ، فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى: ثُمَّ أَمْتَدِحُهُ بِمَدْحَةٍ يَرْضَى بِهَا عَنِّي، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ تَمُرُّ أُمَّتِي عَلَى الصِّرَاطِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَيَمُرُّونَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَيَقُولُ ﷿: يَا مُحَمَّدُ، مَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ فِي أُمَّتِكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ عَجِّلْ حِسَابَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى فَأَقُولُ أَنَا لَهَا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خَلْقِهِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ نَصْبِ الصِّرَاطِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَتَعَرَّضَ الطِّيبِيُّ لِلْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّارِ الْحَبْسُ وَالْكَرْبُ وَالشِّدَّةُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ فِيهَا مِنْ دُنُوِّ الشَّمْسِ إِلَى رُءُوسِهِمْ وَكَرْبِهِمْ بِحَرِّهَا وَسَفْعِهَا حَتَّى أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، وَأَنْ يُرَادَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا خَلَاصُهُمْ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا.

قُلْتُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَقَعُ إِخْرَاجَانِ وَقَعَ ذِكْرُ أَحَدِهِمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَلَاصُ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، وَالثَّانِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيهِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ بَعْدَ تَمَامِ الْخَلَاصِ مِنَ الْمَوْقِفِ، وَنَصْبِ الصِّرَاطِ وَالْإِذْنِ فِي الْمُرُورِ عَلَيْهِ، وَيَقَعُ الْإِخْرَاجُ الثَّانِي لِمَنْ يَسْقُطُ فِي النَّارِ حَالَ الْمُرُورِ فَيَتَّحِدَا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْعَرَقِ فِي بَابُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -.

وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ آخِرَ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ، قَالَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ يُشَفَّعُ فِيمَا طَلَبَ مِنْ تَعْجِيلِ الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي إِدْخَالِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى تَأْخِيرِ مَنْ عَلَيْهِ حِسَابٌ

لِيُحَاسَبَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الطَّوِيلِ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى فَأَقُولُ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ: وَقَدْ شَفَّعْتُكَ فِيهِمْ، وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ قُلْتُ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعَرْضَ وَالْمِيزَانَ وَتَطَايُرَ الصُّحُفِ يَقَعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ثُمَّ يُنَادِي الْمُنَادِي لِيَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَنْ كَانَتْ تَعْبُدُ، فَيَسْقُطُ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُمَيَّزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ بِالِامْتِحَانِ بِالسُّجُودِ عِنْدَ كَشْفِ السَّاقِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي نَصْبِ الصِّرَاطِ وَالْمُرُورِ عَلَيْهِ، فَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ فَيَسْقُطُونَ فِي النَّارِ أَيْضًا، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ إِلَى الْجَنَّةِ فَمِنَ الْعُصَاةِ مَنْ يَسْقُطُ وَيُوقَفُ بَعْضُ مَنْ نَجَا عِنْدَ الْقَنْطَرَةِ لِلْمُقَاصَصَةِ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

ثُمَّ وَقَفْتُ فِي تَفْسِيرِ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ الْبَصْرِيِّ نَزِيلِ مِصْرَ ثُمَّ إِفْرِيقِيَةَ - وَهُوَ فِي طَبَقَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: صَدُوقٌ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رُبَّمَا وَهِمَ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ مَعَ ضَعْفِهِ - فَنَقَلَ فِيهِ عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، بَقِيَتْ زُمْرَةٌ مِنْ آخِرِ زُمَرِ الْجَنَّةِ إِذَا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ بِأَعْمَالِهِمْ فَيَقُولُ آخِرُ زُمْرَةٍ مِنْ زُمَرِ النَّارِ لَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَتِ النَّارُ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَخَذْنَا بِمَا فِي قُلُوبِنَا مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ فَمَا نَفَعَكُمْ أَنْتُمْ تَوْحِيدُكُمْ؟ قَالَ: فَيَصْرُخُونَ عِنْدَ ذَلِكَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِتْيَانِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ الْمَذْكُورِينَ قَبْلُ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى مُحَمَّدٍ فَيَنْطَلِقُ فَيَأْتِي رَبَّ الْعِزَّةِ فَيَسْجُدُ لَهُ حَتَّى يَأْمُرَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ يَسْأَلُهُ مَا تُرِيدُ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ فَيَقُولُ: رَبِّ أُنَاسٌ مِنْ عِبَادِكَ أَصْحَابُ ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرِكُوا بِكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِمْ، فَعَيَّرَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاكَ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي لَأُخْرِجَنَّهُمْ فَيُخْرِجُهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا فَيَنْضَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يَنْبُتُوا ثُمَّ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، فَيَغْبِطُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.

قُلْتُ: فَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَرَفَعَ الْإِشْكَالَ، لَكِنَّ الْكَلْبِيَّ ضَعِيفٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُسْنِدْهُ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنْ سُؤَالَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَنْبِيَاءَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ دُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ بِالِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ النَّارَ تَسْفَعُهُمْ أَوْ تَلْفَحُهُمْ، وَمَا جَاءَ فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ جَمِيعُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَقَعُ لَهُمْ مِنَ الْكَرْبِ فِي الْمَوْقِفِ، وَهُوَ تَمَسُّكٌ بَاطِلٌ وَأَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ: مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا مِنْهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُصَاةِ بِالنَّارِ حَقِيقَةً زِيَادَةً عَلَى كَرْبِ الْمَوْقِفِ. وَوَرَدَ فِي سَبَبِ إِخْرَاجِ بَقِيَّةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقُولُونَ لَهُمْ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنْتُمْ مَعَنَا فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخْرِجُهُمْ، وَهُوَ مِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَسَأَذْكُرُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، فَأَحُدُّ لَهُمْ حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ ثَانِيًا فَأَسْتَأْذِنُ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَحُدُّ لَهُمْ حَدًّا ثَالِثًا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَلَمْ

يَشُكَّ بَلْ جَزَمَ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقَعُ فِي الرَّابِعَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الْحَسَنَ حَدَّثَ مَعْبَدًا بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَأَقُومُ الرَّابِعَةَ وَفِيهِ قَوْلُ اللَّهِ لَهُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَأَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ وَبَعْضَ الْعُصَاةِ مِمَّنْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فِي حَقِّهِ التَّخْلِيدُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْعُصَاةُ فِي الْقَبْضَةِ، وَتَبْقَى الْكُفَّارُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّخْلِيدِ فِي حَقِّ الْعُصَاةِ الْمَذْكُورِينَ الْبَقَاءَ فِي النَّارِ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ.

قَوْلُهُ: حَتَّى مَا يَبْقَى فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَا بَقِيَ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بَعْدَ الثَّالِثَةِ حَتَّى أَرْجِعَ فَأَقُولَ.

قَوْلُهُ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ؛ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ كَذَا أَبْهَمَ قَائِلُ أَيْ وَجَبَ وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهُ قَتَادَةُ، أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَسَعِيدٍ: فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مُدْرَجٌ فِي الْمَرْفُوعِ لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ: مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ مَنْ أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ يَقُولُ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، وَقَالَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ قَالَ: فَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً الْحَدِيثَ، وَهُوَ الَّذِي فَصَّلَهُ هِشَامٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَسَبَقَ سِيَاقُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُفْرَدًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ بَعْدَ رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ثُمَّ أَقُومُ الرَّابِعَةَ

فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَقُولُ لِي: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ فِي إِخْرَاجِهِمْ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْعُصَاةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْمُوَحِّدِينَ بِالْإِخْرَاجِ، وَلَعَلَّ التَّأْيِيدَ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَخَّرُ بَعْدَ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ حَتَّى يَخْرُجُوا بِقَبْضَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَكُونُ التَّأْيِيدُ مُؤَقَّتًا، وَقَالَ عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ جَوَّزَ الْخَطَايَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَقَوْلِ كُلِّ مَنْ ذُكِرَ فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ عَنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا قَبْلَهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْكَبِيرَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَيُلْتَحَقُ بِهَا مَا يُزْرِي بِفَاعِلِهِ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَا يَقْدَحُ فِي الْإِبْلَاغِ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفِعْلِ، فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ حَتَّى فِي النِّسْيَانِ، وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ السَّهْوَ لَكِنْ لَا يَحْصُلُ التَّمَادِي، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الصَّغَائِرِ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ وَالْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ الصَّادِرَ عَنْهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، أَوْ بِسَهْوٍ، أَوْ

بِإِذْنٍ، لَكِنْ خَشُوا أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَقَامِهِمْ، فَأَشْفَقُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ أَوِ الْمُعَاتَبَةِ، قَالَ: وَهَذَا أَرْجَحُ الْمَقَالَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ قَالُوا بِعِصْمَتِهِمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَنْزَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّكْفِيرُ بِالذُّنُوبِ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ الْكُفْرُ، وَمَنْزَعُنَا أَنَّ أُمَّةَ النَّبِيِّ مَأْمُورَةٌ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَوْ جَازَ مِنْهُ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ لَلَزِمَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ

الْوَاحِدِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ عِيَاضٌ: وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لَا يَخْرُجُ عَمَّا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ كَانَ عَنْ سَهْوٍ، وَطَلَبَ نُوحٍ نَجَاةَ وَلَدِهِ كَانَ عَنْ تَأْوِيلٍ، وَمَقَالَاتِ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ مَعَارِيضَ، وَأَرَادَ بِهَا الْخَيْرَ، وَقَتِيلَ مُوسَى كَانَ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ الْغَضَبِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُظْهِرُ مِنِ انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَمَا يُشَاهِدُهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ مِنَ الْأَهْوَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِثَالُهَا وَلَا يَكُونُ، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْغَضَبِ لَازِمُهُ، وَهُوَ إِرَادَةُ إِيصَالِ السُّوءِ لِلْبَعْضِ، وَقَوْلُ آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ: نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي أَيْ نَفْسِي هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْفَعَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ إِذَا كَانَا مُتَّحِدَيْنِ فَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ اللَّوَازِمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَحْذُوفًا، وَفِيهِ تَفْضِيلُ مُحَمَّدٍ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ ظَهَرَ فَضْلُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَيْهِمْ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي لَكَانَ كَافِيًا، وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لِتَأَهُّلِهِمْ لِذَلِكَ الْمَقَامِ الْعَظِيمِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا اخْتُصَّ الْمَذْكُورُونَ بِذَلِكَ لِمَزَايَا أُخْرَى لَا تَتَعَلَّقُ بِالتَّفْضِيلِ، فَآدَمُ لِكَوْنِهِ وَالِدَ الْجَمِيعِ، وَنُوحٌ لِكَوْنِهِ الْأَبَ الثَّانِيَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِ، وَمُوسَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا، وَعِيسَى لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا اخْتُصُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ شَرَائِعَ عُمِلَ بِهَا مِنْ بَيْنِ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا وَمَنْ بَعْدَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ أَنَّ مَنْ طَلَبَ مِنْ كَبِيرٍ أَمْرًا مُهِمًّا أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ سُؤَالِهِ وَصْفَ الْمَسْئُولِ بِأَحْسَنِ صِفَاتِهِ وَأَشْرَفِ مَزَايَاهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِإِجَابَتِهِ لِسُؤَالِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْئُولَ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَحْصِيلِ مَا سُئِلَ يَعْتَذِرُ بِمَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْمُلُ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَأَنَّهُ يُثْنِي عَلَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأَوْصَافِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَهْلِيَّتِهِ، وَيَكُونُ أَدْعَى لِقَبُولِ عُذْرِهِ فِي الِامْتِنَاعِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ ظَرْفِ الْمَكَانِ فِي الزَّمَانِ لِقَوْلِهِ: لَسْتُ هُنَاكُمْ؛ لِأَنَّ هُنَا ظَرْفَ مَكَانٍ، فَاسْتُعْمِلَتْ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَسْتُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ عَلَى بَابِهِ، لَكِنَّهُ الْمَعْنَوِيُّ لَا الْحِسِّيُّ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحِسِّيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُبَاشِرُ السُّؤَالَ بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَسِّرُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ بِالْقُعُودِ عَلَى الْعَرْشِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ أَخْذًا مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ فِي طَلَبِهِ نَجَاةَ ابْنِهِ، وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَرَى بِعَكْسِهِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَسْتَصْحِبُونَ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ التَّوَسُّلِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَوَائِجِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ الْإِلْهَامُ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ.

وَفِيهِ: أَنَّهُمْ يَسْتَشِيرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُجْمِعُونَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُمْ يُغَطَّى عَنْهُمْ بَعْضُ مَا عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ فِي السَّائِلِينَ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحْضِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقَامَ يَخْتَصُّ بِهِ نَبِيُّنَا إِذْ لَوِ اسْتَحْضَرُوا ذَلِكَ لَسَأَلُوهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلَمَا احْتَاجُوا إِلَى التَّرَدُّدِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِ فَضْلِ نَبِيِّنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حديثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

قَوْلُهُ: يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ هُوَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ، تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ مَعَ تَعَنُّتِهِ فِي الرِّجَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَابَعَةٌ، وَفِي طَبَقَتِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَآخِرُهُ نُونٌ بَصْرِيٌّ أَيْضًا يُعْرَفُ بِالْمُعَلِّمِ وَبِالْمُكْتِبِ، وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ.

الْحَدِيثُ

التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَارِثَةَ، تَقَدَّمَ فِي الخامس مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْهُ

وفِيهِ: وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَفِيهِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ عِنْدَ الْبِرَازِ بِلَفْظِ: تُشْرِفُ عَلَى الْأَرْضِ لَذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.

قَوْلُهُ: وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، أَيْ: طَيِّبَةً، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ: لَمَلَأَتِ الْأَرْضَ رِيحَ مِسْكٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: وَلَنَصِيفُهَا، بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ فَاءٌ، فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالْخِمَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قُتَيْبَةَ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ بِدُونِهِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النَّصِيفُ الْخِمَارُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلْخَادِمِ. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ جَزْمًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: وَلَتَاجُهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ النَّصِيفَ الْمِعْجَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَا تَلْوِيهِ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ كَالْعِصَابَةِ تَلُفُّهَا الْمَرْأَةُ عَلَى اسْتِدَارَةِ رَأْسِهَا، وَاعْتَجَرَ الرَّجُلُ بِعِمَامَتِهِ لَفَّهَا عَلَى رَأْسِهِ وَرَدَّ طَرَفَهَا عَلَى وَجْهِهِ، وَشَيْئًا مِنْهَا تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَقِيلَ: الْمِعْجَرُ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ أَصْغَرُ مِنَ الرِّدَاءِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: وَلَوْ أَخْرَجَتْ نَصِيفَهَا لَكَانَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ حُسْنِهَا مِثْلَ الْفَتِيلَةِ مِنَ الشَّمْسِ لَا ضَوْءَ لَهَا، وَلَوْ أَطْلَعَتْ وَجْهَهَا لَأَضَاءَ حُسْنُهَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْ أَخْرَجَتْ كَفَّهَا لَافْتُتِنَ الْخَلَائِقُ بِحُسْنِهَا.

الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ

قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ وَفِيهِ: فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاقَ اللَّهُ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَاضِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ: فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ هَذَا مَنْزِلَكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ.

قَوْلُهُ: لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، أَيْ: لَوْ كَانَ عَمِلَ عَمَلًا سَيِّئًا، وَهُوَ الْكُفْرُ فَصَارَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَقَوْلُهُ: لِيَزْدَادَ شُكْرًا أَيْ فَرَحًا وَرِضًا، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَازِمِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاضِيَ بِالشَّيْءِ يَشْكُرُ مَنْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ) قَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْفَاعِلَ عَلَى الْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا أُرِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.

قَوْلُهُ: لَوْ أَحْسَنَ، أَيْ: لَوْ عَمِلَ عَمَلًا حَسَنًا؛ وَهُوَ الْإِسْلَامُ

قَوْلُهُ: لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً، أَيْ لِلزِّيَادَةِ فِي تَعْذِيبِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا وَأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ الْآيَةَ: الْمُرَادُ أَرْضُ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَرْضُ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا صَارَتْ خُبْزَةً فَأَكَلُوهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى الْحُصُولُ فِي الْجَنَّةِ وِرَاثَةً مِنْ حَيْثُ اخْتِصَاصِهِمْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ إِرْثٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: عَنْ عَمْرٍو، هُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبَ، وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي نُسْخَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ:، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ، عَنِ اسْمَاعِيلَ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ أَبِي عَمْرٍو وَالِدِ عَمْرٍو:

مَيْسَرَةُ.

قَوْلُهُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِقَوْلِهِ: وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُهُ وَبَيَانُ أَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَمَنْ طُرُقِهِ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ، مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: قَالَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ.

وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ الْمَسْئُولُ عَنْهَا هُنَا بَعْضُ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَةِ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ : أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ كَذَا مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ دُونَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ، فَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا مَنْ يَسْبِقُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَهُوَ مَنْ يَدْخُلُهَا بِغَيْرِ عَذَابٍ بَعْدَ أَنْ يُحَاسَبَ وَيَسْتَحِقَّ الْعَذَابَ، ثُمَّ مَنْ يُصِيبُهُ لَفْحٌ مِنَ النَّارِ وَلَا يَسْقُطُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: أَسْعَدُ إِشَارَةً إِلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي السَّبَقِ إِلَى الدُّخُولِ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْإِخْلَاصِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ قَلْبِهِ مَعَ أَنَّ الْإِخْلَاصَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، لَكِنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَارِحَةِ أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيدِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: أَسْعَدُ، وَأَنَّهَا عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّفْضِيلِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: الْأَسْعَدُ عنا بِمَعْنَى السَّعِيدُ، لِكَوْنِ الْكُلِّ يَشْتَرِكُونَ فِي شَرْطِيَّةِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَشْتَرِكُونَ فِيهِ لَكِنَّ مَرَاتِبَهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّحْمَةَ وَالْخَلَاصَ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَكْثَرُ وَانْتِفَاعَهُ بِهَا أَوْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: (جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَهَذَا السَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا فِيهَا) قَالَ عِيَاضٌ: جَاءَ نَحْوُ هَذَا فِي آخِرِ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ يَعْنِي كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ: فَيحْتَمِلُ أَنَّهُمَا اثْنَانِ إِمَّا شَخْصَانِ وَإِمَّا نَوْعَانِ أَوْ جِنْسَانِ، وَعُبِّرَ فِيهِ بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ هُنَا بِمَعْنَى الْوُرُودِ، وَهُوَ الْجَوَازُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيَتَّحِدُ الْمَعْنَى إِمَّا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ.

قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ، وَلَفْظُهُ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يَقْتَضِي الْجَمْعَ.

قَوْلُهُ: حَبْوًا بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ، أَيْ: زَحْفًا وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ: زَحْفًا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشْرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا)، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ - أَيِ الدُّنْيَا - فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى.

قَوْلُهُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي، أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي؟ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: أَتَسْخَرُ بِي وَلَمْ يَشُكَّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مُشْكِلٌ، وَتَفْسِيرُ الضَّحِكِ بِالرِّضَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادَةُ الْمُسْتَهْزِئِ أَنْ يَضْحَكَ مِنَ الَّذِي اسْتَهْزَأَ بِهِ ذَكَرَ مَعَهُ، وَأَمَّا نِسْبَةُ السُّخْرِيَةِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ لَفْظًا، لَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ عَاهَدَ مِرَارًا وَغَدَرَ حَلَّ فِعْلُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(نَوَاجِذُهُ) بنون فواو مفتوحتين وبعد الألف جيم مكسورة فذال معجمة فهاء، جمع: ناجذةٍ. قال ابنُ الأثير: النَّواجذُ من الأسنان: الضَّواحكُ وهي الَّتي تبدُو عند الضَّحك. قال الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة، أو عن غيرهم: (وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «وكان يقول ذاك» بغير لامٍ (أَدْنَى) أقلّ (أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً) ذَكَر الكِرمانيُّ أنَّ هذه المقالة ليست من تتمَّة كلامهِ بل من كلام الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة أو غيرهم. وقال في «الفتح»: قائلُ «وكان يُقال» الرَّاوي كما قال الكِرمانيُّ، وأمَّا المقالةُ فهي من قولهِ كما في أوَّل حديثِ أبي سعيدٍ -عند مسلمٍ- بلفظ: «أدنى أهل الجنَّة منزلةً رجلٌ صرفَ الله وجهَهُ عن النَّار … » وساق الحديث إلى آخرهِ (١)، واعترضه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من كونها في آخر حديث ابن مسعودٍ أن تكون من كلامهِ . وأجاب في «الانتقاض» فقال: إن أرادَ الاستلزام العقليَّ فليس مرادًا هنا بل يكفي الظَّنُّ القويُّ النَّاشئ عن الاستدلال؛ لأنَّ الأمر ليس مرجعه العقل، والصَّحابي إذا لم يكن ينظرُ في كتب أهلِ الكتاب، ولا ينقلُ عنهم كابن مسعودٍ انحصرَ أنَّه نقل عن النَّبيِّ ، سواءٌ كان ذلك بواسطةٍ أم لا، فبَطل الاعتراضُ. انتهى. ورُواتُه كلُّهم كوفيُّون.

والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وابن ماجه في «الزُّهد».

٦٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُمَير -بضم العين وفتح الميم- الكوفيِّ اللَّخميِّ، حليف بني عديٍّ، ويقال له: الفَرَسِيُّ -بفتح الفاء والراء ثمَّ سين مهملة- نسبةً إلى فرسٍ له سابق (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بفتح النون وسكون الواو بعدها فاء فلام (٢)، ابن الحارث بنِ عبد المطَّلب الهاشميِّ، أبي محمَّدٍ المدنيِّ، أمير البصرة، يلقَّب بَبَّة -بتشديد الموحدة الثانية- له رؤيةٌ، ولأبيه ولجدِّه صحبة (عَنِ العَبَّاسِ) بن عبد المطَّلب (: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ : هَلْ

نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟) لم يُذكر الجَّواب اختصارًا، وساقه في «كتاب الأدب» [خ¦٦٢٠٨] عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عَوانة بهذا السَّند بلفظ: «فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ قال: نعم هوَ في ضحضاحٍ من النَّارِ، ولولا أنا لكانَ في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ».

وسبق مبحثه، والله الموفِّق، وبه المستعان.

(٥٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (الصِّرَاطُ جِسْرُ جَهَنَّمَ) بضم الجيم وتكسر، أي: منصوبٌ عليها؛ لعبور المسلمين عليه إلى الجنَّة.

قال أبو سعيدٍ -فيما رواه مسلمٌ-: بلغني أنَّ الصِّراط أحدُّ من السَّيف، وأدقُّ من الشَّعرة. وقال سعيدُ بن أبي (٢) هلالٍ -عند ابن منده-: بَلغني … ، فذَكره. ووصلَه البيهقيُّ عن أنسٍ عن النَّبيِّ مجزومًا به لكن في سندهِ لينٌ. وفي مرسلِ عبيد بن عُمير -عند ابن المبارك-: إنَّ الصِّراط مثل السَّيف وبجنبتيهِ كلاليبُ، إنَّه ليؤخذُ بالكُلُّوب الواحد أكثر من ربيعةَ ومُضر. وعند ابنِ عساكرَ عن الفضيل بن عياضٍ قال: بلغنا: أنَّ الصِّراط مسيرةُ خمسةَ عشر (٣) ألفَ سنةٍ: خمسةُ آلافٍ صعودٌ، وخمسةُ آلافٍ هبوطٌ، وخمسةُ آلافٍ مستوى، أَدقُّ من الشَّعرة وأحدُّ من السَّيف، على متن جهنَّم،

لا يجوزُ عليه إلَّا ضامرٌ مهزولٌ من خشيةِ الله. وهذا معضلٌ لا يثبت. وعند ابن المبارك وابنِ أبي الدُّنيا عن سعيد بن أبي هلالٍ: بَلغنا: أنَّ الصِّراط أدقُّ من الشَّعرة على بعض النَّاس، ولبعض النَّاس مثل الوادي الواسع. وهو مرسلٌ أو معضلٌ، فتأمَّل نفسكَ إذا صرتَ على الصِّراط ووقعَ بَصرك على جهنَّم من تحته، ثمَّ قرع سَمعك شهيقُ النَّار وزفيرها وسوادها وسعيرها، وكيف بك إذا وَضعتَ إحدى رجليك عليه فأحسستَ بحدِّه واضطررتَ إلى أن ترفعَ القدم الثَّاني، والخلائقُ بين يديك يزلُّون ويعثرون، والزَّبانية تلتقطُهم بالخطاطيفِ والكلاليبِ، وأنت تنظرُ إلى ذلك، فيا له من مَنظرٍ ما أفظعَه، ومُرتقى ما أصعبَه، ومجازٌ ما أضيقه. نسأل الله السَّلامة والإعانة والعافية.

رأى يحيى بن اليمان رجلًا نائمًا وهو: أسود الرَّأس واللِّحية شَابَ، فاستيقظَ وهو أبيضُ شعر الرَّأس واللِّحية، فأخبرهُ أنَّه رأى في منامه كأنَّ النَّاس قد حُشروا، وإذا بنهرٍ من نار (١)، وجسرٍ يمرُّ عليه النَّاس فدُعي فدخل الجسرَ، فإذا هو كحدِّ السَّيف يمرُّ به يمينًا وشمالًا، فشابَ من ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد