«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٢٠

الحديث رقم ٦٦٢٠ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٢٠ في صحيح البخاري

«رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهْوَ يَقُولُ:

وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا.»

كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

إسناد حديث رقم ٦٦٢٠ من صحيح البخاري

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٢٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ لَنَا وَلَمْ يُعَبِّرْ بِقَوْلِهِ عَلَيْنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُنَا نَعُدُّهُ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْآيَةَ الَّتِي تَلِيهَا حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْحُ أَوِ الشَّهَادَةُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِيمَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ خَلْقِهِ وَلَمْ يُقْدِرْهُمْ عَلَى كَسْبِهَا دُونَ مَا أَصَابُوهُ مُكْتَسِبِينَ لَهُ مُخْتَارِينَ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ هُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَعَنْ إِرَادَتِهِ وَقَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: لَا يُفْتَنُونَ إِلَّا مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا تَضِلُّونَ أَنْتُمْ وَلَا أُضِلُّ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَالِ الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ سَأَلْتُ الْحَسَنَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكُمْ وَالْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا لَسْتُمْ بِالَّذِي تُفْتَنُونَ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشِّقْوَةَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هَذَا لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

قَالَ الرَّاغِبُ: هِدَايَةُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ احْتِمَالِهِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وَالثَّانِي الدُّعَاءُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ وَالثَّالِثُ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مَنِ اهْتَدَى، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وَالرَّابِعُ الْهِدَايَاتُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قَالَ: وَهَذِهِ الْهِدَايَاتُ الْأَرْبَعُ مُرَتَّبَةٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّانِيَةُ، وَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الثَّانِيَةُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الرَّابِعَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ الثَّالِثَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الثَّالِثَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ اللَّتَانِ قَبْلَهَا، وَقَدْ تَحْصُلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَهْدِي أَحَدًا إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَتَعْرِيفِ الطُّرُقِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْهِدَايَاتِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): سَنَدُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مَرَاوِزَةَ، وَقَدْ سَكَنَ يَحْيَى الْمَذْكُورُ مَرْوَ مُدَّةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ مَنْ لَيْسَ مَرْوَزِيًّا إِلَّا طَرَفَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَائِشَةُ.

١٦ - بَاب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهُوَ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبطلِ بسعي نفسِه واختيارِ نفسه، فكان يجبُ عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّلَ لنفسهِ الإيمان، وهو الَّذي أوصلَ نفسه إلى درجاتِ الجنَّة وخلَّصها من دركاتِ النِّيران، فلمَّا لم يحمدْ نفسَه البتَّة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنَا أنَّ الهادِي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾) أعطانِي الهدايةَ (﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]) من الَّذين يتَّقون الشِّرك.

قال الشَّيخ أبو منصورٍ رحمه الله تعالى: وهذَا الكافرُ أعرفُ بالهدايةِ من المعتزلةِ، وكذَا أولئك الكفرة الَّذين قالوا لأتباعِهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون: لو وفَّقنا الله للهدايةِ وأعطانا الهدَى لدعونَاكم إليه، ولكن علمَ منَّا اختيارَ الضَّلالة والغوايةِ فخذَلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلةُ يقولون: بل هداهُم وأعطاهُم التَّوفيق لكنَّهم لم يهتدوا. والحاصل: أنَّ عند الله لطفًا من أُعطي ذلك اهتدَى وهو التَّوفيق والعصمة، ومَن لم يعطه ضلَّ وغَوى، وكان استيجابُه العذاب وتضييعُه الحقَّ بعدما تمكَّن من تحصيلهِ لذلك. والحاصلُ من مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّ الله تعالى (١) أقدَرَ العبادَ على اكتسابِ ما أرادَ منهم من إيمانٍ وكفْرٍ، وأنَّ ذلك ليسَ بخلق للعبادِ، كما زعمَتْ القدريَّة.

٦٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم (هُوَ ابْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ

بْنِ عَازِبٍ) ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ) من حفرِ الخندق (وَهْوَ يَقُولُ) رجزًا من كلامِ عبد الله بنِ رواحةَ:

(وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا) وهذا موضع الترجمة (وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) العدوَّ (وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أي: ظلموا (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) بالموحدةِ، أي: الفرار.

والحديث أخرجه في «الجهاد» (١) [خ¦٢٨٣٧].

((٨٣)) (كِتَابُ الأَيمَانِ) بفتح الهمزة، جمع: يمين، واليمينُ خلاف اليسارِ، وأطلقتْ على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذَ كلٌّ بيمين صاحبهِ، وقيل: لحفظِها المحلوف عليهِ كحفظِ اليمين، وتسمَّى أَلْيَةً وحَلِفًا، وفي الشَّرع: تحقيقُ الأمر المحتمل أو توكيدُه بذكرِ اسمٍ من أسماءِ الله تعالى، أو صفةٍ من صفاتهِ، هذا إنْ قصدَ اليمين الموجبة للكفَّارة وإلَّا فيُزاد: أو ما (١) أُقيم مَقامه ليدخل نحو الحلف بالطَّلاق أو العتق، وهو ما فيه حثٌّ أو منعٌ أو تصديقٌ، وخرج بالتَّحقيق لغو اليمينِ بأنْ سبقَ لسانه إلى ما لم يقصدْه بها، أو إلى لفظِها كقولهِ في حالِ غضبه أو صلةِ كلام: «لا والله» تارةً، و «بلى والله» أُخرى، وبالمحتمل غيرُه كقولهِ: والله لأموتنَّ (٢) أو لا أصعدُ إلى السَّماء (٣)، فليس بيمين؛ لامتناعِ الحنثِ فيه بذاتهِ، بخلاف: والله لأصعدنَّ السَّماء، فإنَّه يمينٌ تلزمُ به الكفَّارة حالًا.

(و) كتاب (النُّذور) جمع: نذر، وهو مصدرُ نذَر -بفتح الذال المعجمة- ينذُِر -بضمها وكسرها-، والنَّذر في اللُّغة: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ، وشرعًا: التزامُ قُرْبة غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرع، وزادَ بعضُهم: مقصودة. وقيل: إيجابُ ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. ومنهم من قال: أن يلزمَ نفسَه بشيءٍ تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو نحوهما. وأمَّا قوله : «مَن نذَرَ أنْ يعصِي الله فَلا يعصِهِ» [خ¦٦٦٩٦] فإنَّما سمَّاه نذرًا باعتبار الصُّورة، كما قال في الخمرِ وبائعهَا معَ بُطلان البيعِ، ولذَا (٤) قال في الحديثِ الآخر: «لا (٥) نذَرَ في معصيةِ».

(١) (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع، وفي نسخة: «باب قول الله تعالى»: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾)

مصدر لغَا يَلْغو لغوًا، والباء فيه متعلِّقةٌ بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾ ومعناها السَّببيَّة، واللَّغو السَّاقط الَّذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيره، ولغو اليمين السَّاقط الَّذي لا يعتدُّ به (١) في الأيمان. قال إمامُنا الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عُرْض حديثهِ: «لا والله»، و «بلى والله» من غيرِ قصدٍ لها، وقيل: هو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنَّه صادقٌ ثمَّ يظهرُ أنَّه خلافُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى: لا يُعاقبُكم بلغو اليمين الَّذي يحلفُهُ أحدُكم (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾) أي: بتعقيدِكم الأيمان وهو توثيقُها، والمعنى: ولكنْ يُؤاخذكم بما عقَّدْتم إذا حنثتُم، فحذفَ وقت المؤاخذَةِ؛ لأنَّه كان معلومًا عندَهم، أو بنكثِ ما عقَّدْتُم، فحذفَ المضاف (﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارة الحنثِ الدَّالِّ عليه سياق الكلام وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، أو فكفَّارة (٢) نكثهِ، فتكون «ما» موصولة اسميَّة، وهو على حذفِ مضافٍ، كما قدَّره الزَّمخشريُّ، والكفَّارة الفعلة الَّتي من شأنها أنْ تسترَ الخطيئة (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾) ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدرٌ مضاف لمفعولهِ، وهو أن يملكَ كلُّ واحدٍ منهم مدًّا من حبٍّ من غالبِ قوتِ بلده (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾) عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ والمراد: ما يسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسه كعَرَقِيَّة ومنديلٍ، ولو ملبوسًا لم تذهبْ قوته، ولو لم يصلحْ للمدفوعِ إليه كقميصِ صغيرٍ وعمامته وإزاره وسراويله (٣) لكبيرٍ، وكحريرٍ لرجل، لا نحو خفٍّ ممَّا لا يسمَّى كسوةً كدرعٍ من حديدٍ ونحوه (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) عطفٌ على ﴿إِطْعَامُ﴾ وهو مصدرٌ مضاف لمفعوله، أي: أو إعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ بلا عيبٍ يخِلُّ بالعملِ والكسبِ، و «أو» للتَّخيير (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) إحدى الثَّلاث، أو كان غيرَ رشيدٍ (﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾) ولو مفرَّقة (﴿ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾) وحنثتُم (﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾) فبرُّوا فيها، ولا تحنثُوا إذا لم يكنِ الحنثُ خيرًا، أو فلا تحلفُوا أصلًا (﴿كَذَلِكَ﴾) مثلُ ذلك البيان (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾) أعلام شريعتهِ وأحكامه (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]) نعمتَهُ فيها، يُعلِّمكم ويسهّلُ عليكم المخرجَ منه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ لَنَا وَلَمْ يُعَبِّرْ بِقَوْلِهِ عَلَيْنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُنَا نَعُدُّهُ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْآيَةَ الَّتِي تَلِيهَا حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْحُ أَوِ الشَّهَادَةُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِيمَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ خَلْقِهِ وَلَمْ يُقْدِرْهُمْ عَلَى كَسْبِهَا دُونَ مَا أَصَابُوهُ مُكْتَسِبِينَ لَهُ مُخْتَارِينَ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ هُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَعَنْ إِرَادَتِهِ وَقَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: لَا يُفْتَنُونَ إِلَّا مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا تَضِلُّونَ أَنْتُمْ وَلَا أُضِلُّ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَالِ الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ سَأَلْتُ الْحَسَنَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكُمْ وَالْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا لَسْتُمْ بِالَّذِي تُفْتَنُونَ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشِّقْوَةَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هَذَا لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

قَالَ الرَّاغِبُ: هِدَايَةُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ احْتِمَالِهِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وَالثَّانِي الدُّعَاءُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ وَالثَّالِثُ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مَنِ اهْتَدَى، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وَالرَّابِعُ الْهِدَايَاتُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قَالَ: وَهَذِهِ الْهِدَايَاتُ الْأَرْبَعُ مُرَتَّبَةٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّانِيَةُ، وَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الثَّانِيَةُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الرَّابِعَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ الثَّالِثَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الثَّالِثَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ اللَّتَانِ قَبْلَهَا، وَقَدْ تَحْصُلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَهْدِي أَحَدًا إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَتَعْرِيفِ الطُّرُقِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْهِدَايَاتِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): سَنَدُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مَرَاوِزَةَ، وَقَدْ سَكَنَ يَحْيَى الْمَذْكُورُ مَرْوَ مُدَّةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ مَنْ لَيْسَ مَرْوَزِيًّا إِلَّا طَرَفَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَائِشَةُ.

١٦ - بَاب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهُوَ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبطلِ بسعي نفسِه واختيارِ نفسه، فكان يجبُ عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّلَ لنفسهِ الإيمان، وهو الَّذي أوصلَ نفسه إلى درجاتِ الجنَّة وخلَّصها من دركاتِ النِّيران، فلمَّا لم يحمدْ نفسَه البتَّة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنَا أنَّ الهادِي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾) أعطانِي الهدايةَ (﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]) من الَّذين يتَّقون الشِّرك.

قال الشَّيخ أبو منصورٍ رحمه الله تعالى: وهذَا الكافرُ أعرفُ بالهدايةِ من المعتزلةِ، وكذَا أولئك الكفرة الَّذين قالوا لأتباعِهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون: لو وفَّقنا الله للهدايةِ وأعطانا الهدَى لدعونَاكم إليه، ولكن علمَ منَّا اختيارَ الضَّلالة والغوايةِ فخذَلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلةُ يقولون: بل هداهُم وأعطاهُم التَّوفيق لكنَّهم لم يهتدوا. والحاصل: أنَّ عند الله لطفًا من أُعطي ذلك اهتدَى وهو التَّوفيق والعصمة، ومَن لم يعطه ضلَّ وغَوى، وكان استيجابُه العذاب وتضييعُه الحقَّ بعدما تمكَّن من تحصيلهِ لذلك. والحاصلُ من مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّ الله تعالى (١) أقدَرَ العبادَ على اكتسابِ ما أرادَ منهم من إيمانٍ وكفْرٍ، وأنَّ ذلك ليسَ بخلق للعبادِ، كما زعمَتْ القدريَّة.

٦٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم (هُوَ ابْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ

بْنِ عَازِبٍ) ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ) من حفرِ الخندق (وَهْوَ يَقُولُ) رجزًا من كلامِ عبد الله بنِ رواحةَ:

(وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا) وهذا موضع الترجمة (وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) العدوَّ (وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أي: ظلموا (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) بالموحدةِ، أي: الفرار.

والحديث أخرجه في «الجهاد» (١) [خ¦٢٨٣٧].

((٨٣)) (كِتَابُ الأَيمَانِ) بفتح الهمزة، جمع: يمين، واليمينُ خلاف اليسارِ، وأطلقتْ على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذَ كلٌّ بيمين صاحبهِ، وقيل: لحفظِها المحلوف عليهِ كحفظِ اليمين، وتسمَّى أَلْيَةً وحَلِفًا، وفي الشَّرع: تحقيقُ الأمر المحتمل أو توكيدُه بذكرِ اسمٍ من أسماءِ الله تعالى، أو صفةٍ من صفاتهِ، هذا إنْ قصدَ اليمين الموجبة للكفَّارة وإلَّا فيُزاد: أو ما (١) أُقيم مَقامه ليدخل نحو الحلف بالطَّلاق أو العتق، وهو ما فيه حثٌّ أو منعٌ أو تصديقٌ، وخرج بالتَّحقيق لغو اليمينِ بأنْ سبقَ لسانه إلى ما لم يقصدْه بها، أو إلى لفظِها كقولهِ في حالِ غضبه أو صلةِ كلام: «لا والله» تارةً، و «بلى والله» أُخرى، وبالمحتمل غيرُه كقولهِ: والله لأموتنَّ (٢) أو لا أصعدُ إلى السَّماء (٣)، فليس بيمين؛ لامتناعِ الحنثِ فيه بذاتهِ، بخلاف: والله لأصعدنَّ السَّماء، فإنَّه يمينٌ تلزمُ به الكفَّارة حالًا.

(و) كتاب (النُّذور) جمع: نذر، وهو مصدرُ نذَر -بفتح الذال المعجمة- ينذُِر -بضمها وكسرها-، والنَّذر في اللُّغة: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ، وشرعًا: التزامُ قُرْبة غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرع، وزادَ بعضُهم: مقصودة. وقيل: إيجابُ ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. ومنهم من قال: أن يلزمَ نفسَه بشيءٍ تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو نحوهما. وأمَّا قوله : «مَن نذَرَ أنْ يعصِي الله فَلا يعصِهِ» [خ¦٦٦٩٦] فإنَّما سمَّاه نذرًا باعتبار الصُّورة، كما قال في الخمرِ وبائعهَا معَ بُطلان البيعِ، ولذَا (٤) قال في الحديثِ الآخر: «لا (٥) نذَرَ في معصيةِ».

(١) (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع، وفي نسخة: «باب قول الله تعالى»: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾)

مصدر لغَا يَلْغو لغوًا، والباء فيه متعلِّقةٌ بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾ ومعناها السَّببيَّة، واللَّغو السَّاقط الَّذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيره، ولغو اليمين السَّاقط الَّذي لا يعتدُّ به (١) في الأيمان. قال إمامُنا الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عُرْض حديثهِ: «لا والله»، و «بلى والله» من غيرِ قصدٍ لها، وقيل: هو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنَّه صادقٌ ثمَّ يظهرُ أنَّه خلافُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى: لا يُعاقبُكم بلغو اليمين الَّذي يحلفُهُ أحدُكم (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾) أي: بتعقيدِكم الأيمان وهو توثيقُها، والمعنى: ولكنْ يُؤاخذكم بما عقَّدْتم إذا حنثتُم، فحذفَ وقت المؤاخذَةِ؛ لأنَّه كان معلومًا عندَهم، أو بنكثِ ما عقَّدْتُم، فحذفَ المضاف (﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارة الحنثِ الدَّالِّ عليه سياق الكلام وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، أو فكفَّارة (٢) نكثهِ، فتكون «ما» موصولة اسميَّة، وهو على حذفِ مضافٍ، كما قدَّره الزَّمخشريُّ، والكفَّارة الفعلة الَّتي من شأنها أنْ تسترَ الخطيئة (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾) ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدرٌ مضاف لمفعولهِ، وهو أن يملكَ كلُّ واحدٍ منهم مدًّا من حبٍّ من غالبِ قوتِ بلده (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾) عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ والمراد: ما يسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسه كعَرَقِيَّة ومنديلٍ، ولو ملبوسًا لم تذهبْ قوته، ولو لم يصلحْ للمدفوعِ إليه كقميصِ صغيرٍ وعمامته وإزاره وسراويله (٣) لكبيرٍ، وكحريرٍ لرجل، لا نحو خفٍّ ممَّا لا يسمَّى كسوةً كدرعٍ من حديدٍ ونحوه (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) عطفٌ على ﴿إِطْعَامُ﴾ وهو مصدرٌ مضاف لمفعوله، أي: أو إعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ بلا عيبٍ يخِلُّ بالعملِ والكسبِ، و «أو» للتَّخيير (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) إحدى الثَّلاث، أو كان غيرَ رشيدٍ (﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾) ولو مفرَّقة (﴿ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾) وحنثتُم (﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾) فبرُّوا فيها، ولا تحنثُوا إذا لم يكنِ الحنثُ خيرًا، أو فلا تحلفُوا أصلًا (﴿كَذَلِكَ﴾) مثلُ ذلك البيان (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾) أعلام شريعتهِ وأحكامه (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]) نعمتَهُ فيها، يُعلِّمكم ويسهّلُ عليكم المخرجَ منه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل