«كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧١٢

الحديث رقم ٦٧١٢ من كتاب «كتاب كفارات الأيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب صاع المدينة ومد النبي وبركته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧١٢ في صحيح البخاري

«كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٦٧١٢

٦٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧١٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْقَرُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ يُعْطِي فِي الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ، أَيِ: الْمِسْكِينُ، (أَوْ بَعِيدًا) أَمَّا الْعَدَدُ فَبِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا، وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَوْلُهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ، لَكِنْ إِذَا جَازَ إِعْطَاءُ الْأَقْرِبَاءِ فَالْبُعَدَاءُ أَجْوَزُ، وَقَاسَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الصِّيَامِ فِي إِجَازَةِ الصَّرْفِ إِلَى الْأَقْرِبَاءِ. قُلْتُ: وَهُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ التَّمْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ لِيُنْفِقَهُ عَلَيْهِمْ، وَتَسْتَمِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ يُسْرَةٌ، فَلَا يَتَّجِهُ الْإِلْحَاقُ، وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ تَسْقُطُ عَنِ الْمُعْسِرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ إِعْطَاءِ الْأَقْرِبَاءِ إِلَّا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ اشْتِرَاطُ الْإِيمَانِ فِيمَنْ يُعْطِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِعْطَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُجْزِئُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ، وَعَنِ الْحَكَمِ كَالْجُمْهُورِ.

٥ - بَاب صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ، وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ

٦٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

٦٧١٣ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَارُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهْوَ سَلْمٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ الْمُدِّ الأَوَّلِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ وَلَا نَرَى الْفَضْلَ إِلاَّ فِي مُدِّ النَّبِيِّ وَقَالَ لِي مَالِكٌ لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ قُلْتُ كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ قَالَ: "أَفَلَا تَرَى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ "

٦٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ) أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ فِي الْوَاجِبَاتِ بِصَاعِ

أَهْلِ الْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ التَّشْرِيعَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْمُدِّ وَالصَّاعِ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِتَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ إِلَى زَمَنِهِ، وَبِهَذَا احْتَجَّ مَالِكُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمَا، فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي قَدْرِ الصَّاعِ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ في البابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ حِينَ حَدَّثَ بِهِ السَّائِبُ كَانَ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ، فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ وَهُوَ رِطْلٌ، وَثُلُثٌ قَامَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ، وَثُلُثٌ وَهُوَ الصَّاعُ بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّهُ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَصَاعُهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، ثُمَّ قَالَ: مِقْدَارُ مَا زِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا نَعْلَمُهُ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ. انْتَهَى. وَمِنْ لَازِمِ مَا قَالَ أَنْ يَكُونَ صَاعُهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، لَكِنْ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ الرِّطْلِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَكِيلَاتِ فَخَصَّ صَاعَ الْمَاءِ بِكَوْنِهِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، وَمُدَّهُ بِرِطْلَيْنِ فَقَصَرَ الْخِلَافَ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ مِنَ الْمَكِيلَاتِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهُوَ سَلْمٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ الشَّعِيرِيُّ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، بَصْرِيٌّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ، وَهُوَ غَيْرُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَلَدِ أَمِيرِ خُرَاسَانَ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ وَقَدْ وُلِّيَ هُوَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الشَّعِيرِيِّ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (الْمُدُّ الْأَوَّلُ) هُوَ نَعْتُ مُدِّ النَّبِيِّ وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، وَأَرَادَ نَافِعٌ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْطِي بِالْمُدِّ الَّذِي أَحْدَثَهُ هِشَامٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ بِثُلُثَيْ رِطْلٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الْمُدَّ الْهِشَامِيَّ رِطْلَانِ، وَالصَّاعَ مِنْهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَنَا مَالِكٌ) هُوَ مَقُولُ أَبِي قُتَيْبَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ.

قَوْلُهُ: (مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ) يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ، أَيْ: مُدُّ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَ مُدِّ هِشَامٍ فِي الْقَدْرِ، لَكِنَّ مُدَّ الْمَدِينَةِ مَخْصُوصٌ بِالْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ لَهَا فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ، ثُمَّ فَسَّرَ مَالِكٌ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَرَى الْفَضْلَ إِلَّا فِي مُدِّ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ إِلَخْ)، أَرَادَ مَالِكٌ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُخَالِفِهِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَوِ احْتَجَّ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالْمُدِّ الْهِشَامِيِّ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا شُرِعَ إِخْرَاجُهُ بِالْمُدِّ كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ أَوْلَى، قِيلَ: كَفَى بِاتِّبَاعِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ بَرَكَةً، فَلَوْ جَازَتِ الْمُخَالَفَةُ بِالزِّيَادَةِ لَجَازَتْ مُخَالَفَتُهُ بِالنَّقْصِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْمُخَالِفُ مِنَ الْأَخْذِ بِالنَّاقِصِ قَالَ لَهُ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْأَمْدَادُ الثَّلَاثَةُ: الْأَوَّلُ وَالْحَادِثُ وَهُوَ الْهِشَامِيُّ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثُ الْمَفْرُوضُ وُقُوعُهُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَحَقَّقَتْ شَرْعِيَّتُهُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْحُجَّةُ فِيهِ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، قَالَ: وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ بِمِثْلِ هَذَا فِي تَقْدِيرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى مَالِكٍ وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ.

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَبُو قُتَيْبَةَ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا الْمُنْذِرُ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَعَلَى أَبِي نُعَيْمٍ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجَاهُ، بَلْ ذَكَرَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْبَجَلِيِّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بِهِ دُونَ كَلَامِ مَالِكٍ، وَقَالَ: صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّمر (فَتَصَدَّقْ بِهِ) على ستِّين مسكينًا (فَقَالَ: أَعَلَى) أي: أتصدَّق به على أحدٍ (أَفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) حرَّتي المدينةِ (أَفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ) (خُذْهُ) أي: التَّمر (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ).

قال ابنُ المُنَيِّر: ليس في الحديث إلَّا قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ»، لكن إذا جاز إعطاء الأقرباءِ فالبعداءُ أجوزُ، وقاسَ كفَّارة اليمينِ على كفَّارة الجماعِ في الصِّيام في إجازةِ الصَّرف إلى الأقرباءِ. انتهى.

وهو على رأي من حمل قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ» على أنَّه في الكفَّارة، وأمَّا من حملهُ على أنَّه أعطاه التَّمر المذكور في الحديث لينفقَهُ على أهله (١)، وتستمرّ الكفَّارة في ذمَّته إلى أن يحصلَ له اليسار، فلا يتَّجه الإلحاقُ، وكذا على قولِ من يقولُ بالإسقاطِ عن المعسرِ مطلقًا قاله في «الفتح». وفي رواية ابنِ إسحاقَ: «خُذْها وكُلْها وأنفقْهَا على عيالِكَ» أي: لا عن الكفَّارة، بل هي تمليكٌ مطلقٌ (٢) بالنِّسبةِ إليه وإلى عيالهِ، وكان ذلك من مالِ الصَّدقة، وأمَّا حديث عليٍّ: «فكلْهُ أنت وعيالُكَ فقدْ كفَّرَ اللهُ عنكَ» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد وردَ الأمرُ بالقضاءِ، كما في حديث عندِ البيهقيِّ.

(٥) (باب) بيان (صَاعِ المَدِينَةِ) الَّذي يجبُ الإخراج به (٣) في الواجباتِ؛ لأنَّ التَّشريع وقع أولًا على ذلك (وَ) بيان (مُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ) أي: المدِّ أو كلٍّ منهما، أو المراد: بركتهُ في دعائهِ حيثُ دعا: «اللَّهُمَّ باركْ لهم في مِكْيالهم ومدِّهم وصَاعِهم» [خ¦٦٧١٤] (وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ).

٦٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بن محمَّد بن أبي شيبةَ، واسمه: إبراهيمُ ابنُ عثمان العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ المُزَنِيُّ) بضم الميم وفتح الزاي

وكسر النون، قال: (حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الجيم وفتح العين المهملة بعدها (١) تحتية ساكنة فدال مهملة، الكنديُّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكنديِّ، ويقال: اللَّيثيِّ، ويقال: الأزديِّ المدنيِّ، أنَّه (قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ) في الصَّاع (فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) قال ابنُ بطَّال -فيما نقلهُ في «الفتح» -: هذا يدلُّ على أنَّ مُدَّهم حين حدَّث به السَّائب كان أربعةَ أرطالٍ، فإذا زيدَ عليه ثلثه وهو رطلٌ وثلث قامَ منه خمسةُ أرطالٍ وثلث وهو (٢) الصَّاع، بدليل أنَّ مُدَّه رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعةُ أمدادٍ، ثمَّ قال: وأمَّا (٣) مقدارُ ما زيد فيه في زمنِ عمر بن عبد العزيزِ فلا (٤) نعلَمُه، وإنَّما الحديث يدلُّ على أنَّ مُدَّهم ثلاثةُ أمدادٍ بمدِّه. انتهى.

قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: ومِن لازمِ ما قال أن يكون صاعهم ستَّة عشر رِطلًا لكنَّه لعلَّه لم يعلمْ مقدارَ الرِّطل عندهم إذ ذاك. انتهى.

والمدُّ -كما مرَّ-: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، وهو مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ست مئة درهمٍ وخمسة وثمانينَ وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ، وعندَ أبي حنيفة: أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطالٍ، لنا ما نقلَ الخلفُ عن السَّلف بالمدينةِ، وهُم أعرف بمثلِ ذلك -كما قال مالكٌ- مستدلًّا به على أبي يوسفَ في مُناظرته له بحضرة الرَّشيد، فرجعَ أبو يوسف في ذلك إليهِ.

والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٠]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزَّكاة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْقَرُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.

قَوْلُهُ: بَابُ يُعْطِي فِي الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ، أَيِ: الْمِسْكِينُ، (أَوْ بَعِيدًا) أَمَّا الْعَدَدُ فَبِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا، وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَوْلُهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ، لَكِنْ إِذَا جَازَ إِعْطَاءُ الْأَقْرِبَاءِ فَالْبُعَدَاءُ أَجْوَزُ، وَقَاسَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الصِّيَامِ فِي إِجَازَةِ الصَّرْفِ إِلَى الْأَقْرِبَاءِ. قُلْتُ: وَهُوَ عَلَى رَأْيِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ التَّمْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ لِيُنْفِقَهُ عَلَيْهِمْ، وَتَسْتَمِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ يُسْرَةٌ، فَلَا يَتَّجِهُ الْإِلْحَاقُ، وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ تَسْقُطُ عَنِ الْمُعْسِرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ إِعْطَاءِ الْأَقْرِبَاءِ إِلَّا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ اشْتِرَاطُ الْإِيمَانِ فِيمَنْ يُعْطِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِعْطَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُجْزِئُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ، وَعَنِ الْحَكَمِ كَالْجُمْهُورِ.

٥ - بَاب صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ، وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ

٦٧١٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

٦٧١٣ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَارُودِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهْوَ سَلْمٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِيِّ الْمُدِّ الأَوَّلِ وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ وَلَا نَرَى الْفَضْلَ إِلاَّ فِي مُدِّ النَّبِيِّ وَقَالَ لِي مَالِكٌ لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ قُلْتُ كُنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النَّبِيِّ قَالَ: "أَفَلَا تَرَى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ "

٦٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ"

قَوْلُهُ: (بَابُ صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ) أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ فِي الْوَاجِبَاتِ بِصَاعِ

أَهْلِ الْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ التَّشْرِيعَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْمُدِّ وَالصَّاعِ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِتَوَاتُرِهِ عِنْدَهُمْ إِلَى زَمَنِهِ، وَبِهَذَا احْتَجَّ مَالِكُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمَا، فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي قَدْرِ الصَّاعِ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ في البابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ). قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ حِينَ حَدَّثَ بِهِ السَّائِبُ كَانَ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ، فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ وَهُوَ رِطْلٌ، وَثُلُثٌ قَامَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ، وَثُلُثٌ وَهُوَ الصَّاعُ بِدَلِيلِ أَنَّ مُدَّهُ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَصَاعُهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، ثُمَّ قَالَ: مِقْدَارُ مَا زِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا نَعْلَمُهُ، وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُدَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ. انْتَهَى. وَمِنْ لَازِمِ مَا قَالَ أَنْ يَكُونَ صَاعُهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، لَكِنْ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ الرِّطْلِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَكِيلَاتِ فَخَصَّ صَاعَ الْمَاءِ بِكَوْنِهِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، وَمُدَّهُ بِرِطْلَيْنِ فَقَصَرَ الْخِلَافَ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ مِنَ الْمَكِيلَاتِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ وَهُوَ سَلْمٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ الشَّعِيرِيُّ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، بَصْرِيٌّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ، وَهُوَ غَيْرُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَلَدِ أَمِيرِ خُرَاسَانَ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ وَقَدْ وُلِّيَ هُوَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الشَّعِيرِيِّ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (الْمُدُّ الْأَوَّلُ) هُوَ نَعْتُ مُدِّ النَّبِيِّ وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، وَأَرَادَ نَافِعٌ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْطِي بِالْمُدِّ الَّذِي أَحْدَثَهُ هِشَامٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ بِثُلُثَيْ رِطْلٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الْمُدَّ الْهِشَامِيَّ رِطْلَانِ، وَالصَّاعَ مِنْهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَنَا مَالِكٌ) هُوَ مَقُولُ أَبِي قُتَيْبَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ.

قَوْلُهُ: (مُدُّنَا أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ) يَعْنِي فِي الْبَرَكَةِ، أَيْ: مُدُّ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَ مُدِّ هِشَامٍ فِي الْقَدْرِ، لَكِنَّ مُدَّ الْمَدِينَةِ مَخْصُوصٌ بِالْبَرَكَةِ الْحَاصِلَةِ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ لَهَا فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ، ثُمَّ فَسَّرَ مَالِكٌ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَرَى الْفَضْلَ إِلَّا فِي مُدِّ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ إِلَخْ)، أَرَادَ مَالِكٌ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُخَالِفِهِ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَوِ احْتَجَّ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالْمُدِّ الْهِشَامِيِّ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا شُرِعَ إِخْرَاجُهُ بِالْمُدِّ كَإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِالزَّائِدِ أَوْلَى، قِيلَ: كَفَى بِاتِّبَاعِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ بَرَكَةً، فَلَوْ جَازَتِ الْمُخَالَفَةُ بِالزِّيَادَةِ لَجَازَتْ مُخَالَفَتُهُ بِالنَّقْصِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْمُخَالِفُ مِنَ الْأَخْذِ بِالنَّاقِصِ قَالَ لَهُ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْأَمْدَادُ الثَّلَاثَةُ: الْأَوَّلُ وَالْحَادِثُ وَهُوَ الْهِشَامِيُّ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثُ الْمَفْرُوضُ وُقُوعُهُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَحَقَّقَتْ شَرْعِيَّتُهُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْحُجَّةُ فِيهِ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، قَالَ: وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ بِمِثْلِ هَذَا فِي تَقْدِيرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى مَالِكٍ وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ.

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَبُو قُتَيْبَةَ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا الْمُنْذِرُ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَعَلَى أَبِي نُعَيْمٍ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجَاهُ، بَلْ ذَكَرَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْبَجَلِيِّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بِهِ دُونَ كَلَامِ مَالِكٍ، وَقَالَ: صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْمُنْذِرِ بِهِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّمر (فَتَصَدَّقْ بِهِ) على ستِّين مسكينًا (فَقَالَ: أَعَلَى) أي: أتصدَّق به على أحدٍ (أَفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) حرَّتي المدينةِ (أَفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ) (خُذْهُ) أي: التَّمر (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ).

قال ابنُ المُنَيِّر: ليس في الحديث إلَّا قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ»، لكن إذا جاز إعطاء الأقرباءِ فالبعداءُ أجوزُ، وقاسَ كفَّارة اليمينِ على كفَّارة الجماعِ في الصِّيام في إجازةِ الصَّرف إلى الأقرباءِ. انتهى.

وهو على رأي من حمل قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ» على أنَّه في الكفَّارة، وأمَّا من حملهُ على أنَّه أعطاه التَّمر المذكور في الحديث لينفقَهُ على أهله (١)، وتستمرّ الكفَّارة في ذمَّته إلى أن يحصلَ له اليسار، فلا يتَّجه الإلحاقُ، وكذا على قولِ من يقولُ بالإسقاطِ عن المعسرِ مطلقًا قاله في «الفتح». وفي رواية ابنِ إسحاقَ: «خُذْها وكُلْها وأنفقْهَا على عيالِكَ» أي: لا عن الكفَّارة، بل هي تمليكٌ مطلقٌ (٢) بالنِّسبةِ إليه وإلى عيالهِ، وكان ذلك من مالِ الصَّدقة، وأمَّا حديث عليٍّ: «فكلْهُ أنت وعيالُكَ فقدْ كفَّرَ اللهُ عنكَ» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد وردَ الأمرُ بالقضاءِ، كما في حديث عندِ البيهقيِّ.

(٥) (باب) بيان (صَاعِ المَدِينَةِ) الَّذي يجبُ الإخراج به (٣) في الواجباتِ؛ لأنَّ التَّشريع وقع أولًا على ذلك (وَ) بيان (مُدِّ النَّبِيِّ وَبَرَكَتِهِ) أي: المدِّ أو كلٍّ منهما، أو المراد: بركتهُ في دعائهِ حيثُ دعا: «اللَّهُمَّ باركْ لهم في مِكْيالهم ومدِّهم وصَاعِهم» [خ¦٦٧١٤] (وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ).

٦٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بن محمَّد بن أبي شيبةَ، واسمه: إبراهيمُ ابنُ عثمان العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ المُزَنِيُّ) بضم الميم وفتح الزاي

وكسر النون، قال: (حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الجيم وفتح العين المهملة بعدها (١) تحتية ساكنة فدال مهملة، الكنديُّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكنديِّ، ويقال: اللَّيثيِّ، ويقال: الأزديِّ المدنيِّ، أنَّه (قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ) في الصَّاع (فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) قال ابنُ بطَّال -فيما نقلهُ في «الفتح» -: هذا يدلُّ على أنَّ مُدَّهم حين حدَّث به السَّائب كان أربعةَ أرطالٍ، فإذا زيدَ عليه ثلثه وهو رطلٌ وثلث قامَ منه خمسةُ أرطالٍ وثلث وهو (٢) الصَّاع، بدليل أنَّ مُدَّه رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعةُ أمدادٍ، ثمَّ قال: وأمَّا (٣) مقدارُ ما زيد فيه في زمنِ عمر بن عبد العزيزِ فلا (٤) نعلَمُه، وإنَّما الحديث يدلُّ على أنَّ مُدَّهم ثلاثةُ أمدادٍ بمدِّه. انتهى.

قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: ومِن لازمِ ما قال أن يكون صاعهم ستَّة عشر رِطلًا لكنَّه لعلَّه لم يعلمْ مقدارَ الرِّطل عندهم إذ ذاك. انتهى.

والمدُّ -كما مرَّ-: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، وهو مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ست مئة درهمٍ وخمسة وثمانينَ وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ، وعندَ أبي حنيفة: أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطالٍ، لنا ما نقلَ الخلفُ عن السَّلف بالمدينةِ، وهُم أعرف بمثلِ ذلك -كما قال مالكٌ- مستدلًّا به على أبي يوسفَ في مُناظرته له بحضرة الرَّشيد، فرجعَ أبو يوسف في ذلك إليهِ.

والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٠]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزَّكاة».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل