«مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧١٥

الحديث رقم ٦٧١٥ من كتاب «كتاب كفارات الأيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى أو تحرير رقبة وأي الرقاب أزكى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧١٥ في صحيح البخاري

«مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.»

بَابُ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فِي الْكَفَّارَةِ وَعِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا وَقَالَ طَاوُسٌ يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ

إسناد حديث رقم ٦٧١٥ من صحيح البخاري

٦٧١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ،

⦗١٤٦⦘

حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧١٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

دُعَاءِ النَّبِيِّ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَذَا عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ - مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَخْتَصَّ هَذِهِ الدَّعْوَةُ بِالْمُدِّ الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْمُدُّ الْحَادِثُ بَعْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَعُمَّ كُلَّ مِكْيَالٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْأَبَدِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، كَذَا قَالَ، وَكَلَامُ مَالِكٍ الْمَذْكُورُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ يَجْنَحُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الْمَكَايِيلُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَإِلَى هَذَا الزَّمَانِ، وَقَدْ وُجِدَ مِصْدَاقُ الدَّعْوَةِ بِأَنْ بُورِكَ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ بِحَيْثُ اعْتَبَرَ قَدْرَهُمَا أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَمُقَلِّدُوهُمْ إِلَى الْيَوْمِ فِي غَالِبِ الْكَفَّارَاتِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُهَلَّبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟

٦٧١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ، قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ فِي آيَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةٌ بِخِلَافِ آيَةِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا حَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا: يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْكَافِرِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مُغَلَّظَةٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتُرِطَ التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ الْقَتْلِ دُونَ الْيَمِينِ.

قَوْلُهُ: وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟ يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ: قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَةِ الْكُوفِيِّينَ ; لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْفَضْلَ فِي عِتْقِ الْمُؤْمِنَةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَجَالِ النَّظَرِ، فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا وَجَبَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَانَ الْأَخْذُ بِالْأَفْضَلِ أَحْوَطَ، وَإِلَّا كَانَ الْمُكَفِّرُ بِغَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى شَكٍّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً لِسَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَيِ: ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْمُلَقَّبِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ وَعَمِلَ بِهِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سَعِيدٍ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَابِ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ وَحَتَّى هُنَا عَاطِفَةٌ لِوُجُودِ شَرَائِطِ الْعَطْفِ فِيهَا، فَيَكُونُ فَرْجُهُ بِالنَّصْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَاكَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ شَيْخِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ، فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ مُطَرِّفٍ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ فِي كِتَابِهِ رَاوِيًا وَاحِدًا كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي الصِّيَامِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَعَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ فِي الْبُيُوعِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لأنَّ أفعل التَّفضيل يقتضِي الاشتراك في أصلِ الحكمِ. وقال ابنُ المُنَيِّر: لم يترجمْ على عتق الرَّقبة في الكفَّارة؛ لأنَّه لم يجد نصًّا في اشتراطِ الإيمانِ في كفَّارة الأيمان، فأورد التَّرجمة محتملةً، وذكر أنَّ الفضل والمزيَّةَ لعتقِ المؤمنة، فنبَّه على مجالِ النَّظر، فلقائلٍ أن يقول: إذا تفاوتَ العتق وكان أفضلهُ عتق المؤمنةِ، ووجبَ علينا عتقُ الرَّقبة في اليمين، كانَ الأخذُ بالأفضلِ أحوطَ للذِّمَّة، وإلَّا كان المكفِّر بغير المؤمن على شكٍّ في براءة الذِّمَّة، قال: وهذا أوضحُ من الاستشهادِ بحمل المطلقِ على المقيَّد في كفَّارة القتلِ؛ لظهور الفرق بالتَّغليظ هنالك.

٦٧١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقةُ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بضم الراء وفتح الشين المعجمة، البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ (عَنْ أَبِي غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشدَّدة (مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشدَّدة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أبي أسامة العدويِّ، مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضم الحاء، ابنِ عليِّ بن أبي طالبٍ المعروف بزينِ العابدين (عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الجيم وبعد الألف نون اسم أمِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الله العامريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً) وفي «العتق» [خ¦٢٥١٧] «أيُّما رجلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا» (أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ) سقط: «منه» الثَّانية هنا، وفي مسلم: «عضوًا منه من النَّار» (حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) «حتَّى» هنا عاطفة بمنزلةِ الواو إلَّا أنَّها تفارقُها من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ لمعطوف «حتَّى» ثلاثةَ شروطٍ: أن يكون ظاهرًا لا مُضمرًا، وأن يكون جزءًا (١) إمَّا بعضًا من جمعٍ قبلَها كـ: قَدِمَ الحاجُّ حتَّى المشاة، أو جزءًا من كلٍّ نحو: أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رأسَها، أو كجزءٍ نحو: أعجبتْني

الجاريةُ حتَّى حديثَها، ويمتنعُ حتَّى ولدُها، والَّذي يضبطُ ذلك أنَّها تدخلُ حيث يصحُّ دخولُ الاستثناء، وتمتنعُ حيث يمتنعُ، ولذا (١) يمتنع: ضربتُ الرَّجلين حتى أفضلهُما، وإنَّما جاز: حتَّى نعلَه ألقاها؛ لأنَّ الصَّحيفة والزَّاد في معنى أَلقى ما يثقلهُ، وأن يكون غايةً لِمَا قبلها إمَّا في زيادةٍ أو نقصٍ، فالأوَّل نحو: مات النَّاس حتَّى الأنبياء، والثَّاني نحو: زارك النَّاس حتَّى الحجَّامون، قاله في «المغني». والشُّروط الثَّلاثة موجودةٌ في هذا الحديثِ فقوله: «رقبةً» ظاهر منصوب، وقولهُ: «فرجه» (٢) جزءٌ ممَّا قبله، وهو غايةٌ لِمَا قبلها، وخصَّ الفرجَ بالذِّكر؛ لأنَّه محلُّ أكبر الكبائرِ بعد الشِّرك.

والحديث سبق في «أوائل العتق» [خ¦٢٥١٧].

(٧) (باب) حكم (عِتْقِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ وَالمُكَاتَبِ فِي الكَفَّارَةِ، وَ) حكمُ (عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابنُ كيسان: (يُجْزِئُ المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي شيبة من طريقه بلفظ: «يجزئ عتقُ المدبَّر في الكفَّارة وأمّ الولد في الظِّهار». انتهى.

وقال مالكٌ: لا يجزئُ في الكفَّارة مدبَّر، ولا أمُّ ولد، ولا معلَّقٌ عتقه لأنَّه ثبتَ لهم عقد حرِّيَّة، ولا سبيلَ إلى رفعهِ (٣)، والواجبُ في الكفَّارة تحريرُ رقبةٍ وهو قول الكوفيِّين. وقال الشَّافعيُّ: يجزئ عتق المدبَّر، وعند البيهقيِّ بسندٍ صحيحٍ عن الزُّهريِّ أخبرني أبو حسن (٤) مولى عبد الله بن الحارث -وكان من أهل العلمِ والصَّلاح- أنَّه سمع امرأةً تقول لعبد الله بنِ نوفلٍ تستفتيهِ في غلامٍ لها ابنِ زنيةٍ تعتقه في رقبةٍ كانت عليها، فقال: لا أُراه يُجزئك، سمعتَ عمر يقول: لأن أُحملَ على نعلينِ في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أعتقَ ابن زنيةٍ، لكن في «الموطأ» عن أبي هريرة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

دُعَاءِ النَّبِيِّ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَكَذَا عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ - مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَخْتَصَّ هَذِهِ الدَّعْوَةُ بِالْمُدِّ الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْمُدُّ الْحَادِثُ بَعْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَعُمَّ كُلَّ مِكْيَالٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْأَبَدِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، كَذَا قَالَ، وَكَلَامُ مَالِكٍ الْمَذْكُورُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ يَجْنَحُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ تَغَيَّرَتِ الْمَكَايِيلُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَإِلَى هَذَا الزَّمَانِ، وَقَدْ وُجِدَ مِصْدَاقُ الدَّعْوَةِ بِأَنْ بُورِكَ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ بِحَيْثُ اعْتَبَرَ قَدْرَهُمَا أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَمُقَلِّدُوهُمْ إِلَى الْيَوْمِ فِي غَالِبِ الْكَفَّارَاتِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُهَلَّبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟

٦٧١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ، قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ فِي آيَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةٌ بِخِلَافِ آيَةِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا حَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا: يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْكَافِرِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مُغَلَّظَةٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتُرِطَ التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ الْقَتْلِ دُونَ الْيَمِينِ.

قَوْلُهُ: وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟ يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ: قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَةِ الْكُوفِيِّينَ ; لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَبُتَّ الْبُخَارِيُّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْفَضْلَ فِي عِتْقِ الْمُؤْمِنَةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَجَالِ النَّظَرِ، فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا وَجَبَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَانَ الْأَخْذُ بِالْأَفْضَلِ أَحْوَطَ، وَإِلَّا كَانَ الْمُكَفِّرُ بِغَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى شَكٍّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً لِسَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَيِ: ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْمُلَقَّبِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ ابْنِ مُرْجَانَةَ وَعَمِلَ بِهِ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سَعِيدٍ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَابِ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ وَحَتَّى هُنَا عَاطِفَةٌ لِوُجُودِ شَرَائِطِ الْعَطْفِ فِيهَا، فَيَكُونُ فَرْجُهُ بِالنَّصْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فَوَائِدُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ هُنَاكَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ شَيْخِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَقَدْ نَزَلَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ دَرَجَتَيْنِ، فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ مُطَرِّفٍ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ فِي كِتَابِهِ رَاوِيًا وَاحِدًا كَسَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فِي الصِّيَامِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَعَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ فِي الْبُيُوعِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لأنَّ أفعل التَّفضيل يقتضِي الاشتراك في أصلِ الحكمِ. وقال ابنُ المُنَيِّر: لم يترجمْ على عتق الرَّقبة في الكفَّارة؛ لأنَّه لم يجد نصًّا في اشتراطِ الإيمانِ في كفَّارة الأيمان، فأورد التَّرجمة محتملةً، وذكر أنَّ الفضل والمزيَّةَ لعتقِ المؤمنة، فنبَّه على مجالِ النَّظر، فلقائلٍ أن يقول: إذا تفاوتَ العتق وكان أفضلهُ عتق المؤمنةِ، ووجبَ علينا عتقُ الرَّقبة في اليمين، كانَ الأخذُ بالأفضلِ أحوطَ للذِّمَّة، وإلَّا كان المكفِّر بغير المؤمن على شكٍّ في براءة الذِّمَّة، قال: وهذا أوضحُ من الاستشهادِ بحمل المطلقِ على المقيَّد في كفَّارة القتلِ؛ لظهور الفرق بالتَّغليظ هنالك.

٦٧١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقةُ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بضم الراء وفتح الشين المعجمة، البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ (عَنْ أَبِي غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشدَّدة (مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشدَّدة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أبي أسامة العدويِّ، مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضم الحاء، ابنِ عليِّ بن أبي طالبٍ المعروف بزينِ العابدين (عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الجيم وبعد الألف نون اسم أمِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الله العامريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً) وفي «العتق» [خ¦٢٥١٧] «أيُّما رجلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا» (أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ) سقط: «منه» الثَّانية هنا، وفي مسلم: «عضوًا منه من النَّار» (حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) «حتَّى» هنا عاطفة بمنزلةِ الواو إلَّا أنَّها تفارقُها من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ لمعطوف «حتَّى» ثلاثةَ شروطٍ: أن يكون ظاهرًا لا مُضمرًا، وأن يكون جزءًا (١) إمَّا بعضًا من جمعٍ قبلَها كـ: قَدِمَ الحاجُّ حتَّى المشاة، أو جزءًا من كلٍّ نحو: أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رأسَها، أو كجزءٍ نحو: أعجبتْني

الجاريةُ حتَّى حديثَها، ويمتنعُ حتَّى ولدُها، والَّذي يضبطُ ذلك أنَّها تدخلُ حيث يصحُّ دخولُ الاستثناء، وتمتنعُ حيث يمتنعُ، ولذا (١) يمتنع: ضربتُ الرَّجلين حتى أفضلهُما، وإنَّما جاز: حتَّى نعلَه ألقاها؛ لأنَّ الصَّحيفة والزَّاد في معنى أَلقى ما يثقلهُ، وأن يكون غايةً لِمَا قبلها إمَّا في زيادةٍ أو نقصٍ، فالأوَّل نحو: مات النَّاس حتَّى الأنبياء، والثَّاني نحو: زارك النَّاس حتَّى الحجَّامون، قاله في «المغني». والشُّروط الثَّلاثة موجودةٌ في هذا الحديثِ فقوله: «رقبةً» ظاهر منصوب، وقولهُ: «فرجه» (٢) جزءٌ ممَّا قبله، وهو غايةٌ لِمَا قبلها، وخصَّ الفرجَ بالذِّكر؛ لأنَّه محلُّ أكبر الكبائرِ بعد الشِّرك.

والحديث سبق في «أوائل العتق» [خ¦٢٥١٧].

(٧) (باب) حكم (عِتْقِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ وَالمُكَاتَبِ فِي الكَفَّارَةِ، وَ) حكمُ (عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابنُ كيسان: (يُجْزِئُ المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي شيبة من طريقه بلفظ: «يجزئ عتقُ المدبَّر في الكفَّارة وأمّ الولد في الظِّهار». انتهى.

وقال مالكٌ: لا يجزئُ في الكفَّارة مدبَّر، ولا أمُّ ولد، ولا معلَّقٌ عتقه لأنَّه ثبتَ لهم عقد حرِّيَّة، ولا سبيلَ إلى رفعهِ (٣)، والواجبُ في الكفَّارة تحريرُ رقبةٍ وهو قول الكوفيِّين. وقال الشَّافعيُّ: يجزئ عتق المدبَّر، وعند البيهقيِّ بسندٍ صحيحٍ عن الزُّهريِّ أخبرني أبو حسن (٤) مولى عبد الله بن الحارث -وكان من أهل العلمِ والصَّلاح- أنَّه سمع امرأةً تقول لعبد الله بنِ نوفلٍ تستفتيهِ في غلامٍ لها ابنِ زنيةٍ تعتقه في رقبةٍ كانت عليها، فقال: لا أُراه يُجزئك، سمعتَ عمر يقول: لأن أُحملَ على نعلينِ في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أعتقَ ابن زنيةٍ، لكن في «الموطأ» عن أبي هريرة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد