«كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٢١

الحديث رقم ٦٧٢١ من كتاب «كتاب كفارات الأيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الكفارة قبل الحنث وبعده.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧٢١ في صحيح البخاري

«كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ، قَالَ: فَقُدِّمَ طَعَامٌ، قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى، قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: ادْنُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا، فَقَالَ: ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَهْوَ غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟، فَأَتَيْنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَانْدَفَعْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا، نَسِيَ رَسُولُ اللهِ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، فَظَنَنَّا، أَوْ: فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قَالَ: انْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ، إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا. حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.

إسناد حديث رقم ٦٧٢١ من صحيح البخاري

٦٧٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السِّيَاقِ لِقَوْلِهِ: مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُغَايَرَةٌ فِي مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا عِنْدَ شَرْحِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

١٠ - بَاب الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ

٦٧٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ، قَالَ: فَقُدِّمَ طَعَامُهُ، قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى، قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: ادْنُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ ألَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا. فَقَالَ: ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَهُوَ غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا.

فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ، أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَانْدَفَعْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فأَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا، نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا - أَوْ: فَعَرَفْنَا - أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ، إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا.

تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، بِهَذَا. حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.

٦٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قال رسول الله : "لَا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"

تَابَعَهُ أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ.

وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُورٌ وَهِشَامٌ وَالرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّةِ سُؤَالِهِمُ الْحُمْلَانَ، وَفِيهِ: إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ، وَفِيهِ: وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَأْى رَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَهْلِ الرَّأْيِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُجْزِئُ قَبْلَ الْحِنْثِ. إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّة اسْتَثْنَى الصِّيَامَ، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ.

قُلْتُ: وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ، عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ رِوَايَتَيْنِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ الصَّدَقَةَ وَالْعِتْقَ، وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ وَخَالَفَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فَإِذًا الْمُرَادُ: إِذَا حَلَفْتُمْ فَحَنِثْتُمْ، وَرَدَّهُ مُخَالِفُوهُ فَقَالُوا: بَلِ التَّقْدِيرُ: فَأَرَدْتُمُ الْحِنْثَ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ أَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْيَمِينِ، وَرَدَّهُ مَنْ أَجَازَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِنَفْسِ الْيَمِينِ لَمْ تَسْقُطْ عَمَّنْ لَمْ يَحْنَثِ اتِّفَاقًا. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْحِنْثِ فَرْضٌ، وَإِخْرَاجُهَا قَبْلَهُ تَطَوُّعٌ، فَلَا يَقُومُ التَّطَوُّعُ مَقَامَ الْفَرْضِ. وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ أَجَازَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِرَادَةُ الْحِنْثِ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ كَمَا فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْحِنْثِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ تَأْخِيرَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ حِنْثِ الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَرَدَّهُ الْجُمْهُورُ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ حَدِيثَيْ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ الْحَالِفَ بِأَمْرَيْنِ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا جَمِيعًا فَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ الْخَبَرُ عَلَى الْمَنْعِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا طَرِيقُ النَّظَرِ، فَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ لَمَّا كَانَ يَحُلُّهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ كَلَامٌ فَلَأَنْ تَحُلَّهُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ فِعْلٌ مَالِيٌّ أَوْ بَدَنِيٌّ أَوْلَى، وَيُرَجَّحُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا بِالْكَثْرَةِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَتَبِعَهُمْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، ثُمَّ مَاتَتْ فِي يَدِهِ هِيَ وَأَوْلَادُهَا أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهَا وَجَزَاءَ أَوْلَادِهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَ حِينَ إِخْرَاجِهَا أَدَّى جَزَاءَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي أَوْلَادِهَا شَيْءٌ مَعَ أَنَّ الْجَزَاءَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ أَوْلَادَهَا فَيُحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ، بَلِ الْجَوَازُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْلَى.

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَقْدِيمَ زَكَاةِ الزَّرْعِ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَاحْتُجَّ لِلشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ حُقُوقِ الْأَبَدَانِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ فَإِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا كَالزَّكَاةِ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ إِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ قَبْلَ الْحِنْثِ رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا لِأَنَّ حُقُوقَ الْمَالِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَذَا لَوْ حَجَّ الصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا إِذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ حَلَفَ فَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُكَفِّرَ حَتَّى يَحْنَثَ فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَجْزَأَ، وَسَاقَ نَحْوَهُ مَبْسُوطًا. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ إِلْحَاقَ الْكَفَّارَةِ بِالْكَفَّارَةِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِ الْإِطْعَامِ بِالزَّكَاةِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ. وَأَيْضًا فَالْفَرْقُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ حَقِّ الْمَالِ وَحَقِّ الْبَدَنِ ظَاهِرٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا خَصَّ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ الصِّيَامَ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْحِنْثِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَفِي مَذْهَبِهِ وَجْهٌ اخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيحُ أَنَّ كَفَّارَةَ الْمَعْصِيَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْخِلَافُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ رُخْصَةٌ لِحَلِّ الْيَمِينِ أَوْ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِهَا بِالْحِنْثِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا رُخْصَةٌ شَرَعَهَا اللَّهُ لِحَلِّ مَا عُقِدَ مِنَ الْيَمِينِ فَلِذَلِكَ تُجْزِئُ قَبْلُ وَبَعْدُ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: لِلْكَفَّارَةِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: أَحَدُهَا قَبْلَ الْحَلِفِ فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا. ثَانِيهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ فَتُجْزِئُ اتِّفَاقًا. ثَالِثُهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ فَفِيهَا الْخِلَافُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فَقَدَّمَ الْكَفَّارَةَ مَرَّةً وَأَخَّرَهَا أُخْرَى لَكِنْ بِحَرْفِ الْوَاوِ الَّذِي لَا يُوجِبُ رُتْبَةً، وَمَنْ مَنَعَ رَأَى أَنَّهَا لَمْ تَجْزِ فَصَارَتْ كَالتَّطَوُّعِ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ، وَابْنُ التِّينِ وَجَمَاعَةٌ: الرِّوَايَتَانِ دَالَّتَانِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَلَوْ كَانَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ لَا يُجْزِئُ لَأَبَانَهُ، وَلَقَالَ: فَلْيَأْتِ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَلَمَّا تَرَكَهُمْ عَلَى مُقْتَضَى اللِّسَانِ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. قَالَ: وَأَمَّا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ كَالْفَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ الثَّانِيَةُ لَمَا دَلَّتِ الْفَاءُ عَلَى التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهَا أَبَانَتْ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَهُمَا شَيْئَانِ كَفَّارَةٌ وَحِنْثٌ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِمَا، وَهُوَ كَمَنْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَكُلْ وَاشْرَبْ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ: ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بِهِ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ أَحَالَ بِلَفْظِ الْمَتْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، كَأَبِي دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلُهُ. لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِالْوَاوِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا بِلَفْظِ: ثُمَّ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ، وَلَفْظُهُ: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ وَحْدَهُ أَيْضًا، وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَمَضَى فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ جَمِيعًا عَنْ زَهْدَمٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ حَمَّادٍ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الْعَتَكِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، قَالَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ عَنْ زَهْدَمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَتَكِيِّ وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ أَيُّوبُ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) أَيِ الْأَشْعَرِيِّ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هَذَا الْحَيِّ إِلَخْ، وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ زَادَ الضَّمِيرَ، وَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يَعُودُ عَلَيْهِ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، أَيْ: أَبِي مُوسَى يَعْنِي لِأَنَّ زَهْدَمًا مِنْ جَرْمٍ، فَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ لَاسْتَقَامَ الْكَلَامُ، قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَابِ فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ حَيْثُ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، ثُمَّ حَمَلَ مَا وَقَعَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ قَوْمِ أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَرَادَ

بِقَوْلِهِ: بَيْنَنَا أَبَا مُوسَى وَأَتْبَاعَهُ وَأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَرْمِيِّينَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْإِخَاءِ وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ فِي الذَّبَائِحِ بِلَفْظِ هَذَا الْبَابِ إِلَى قَوْلِهِ: إِخَاءٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَدَّمَ طَعَامَهُ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِقِصَّةِ الدَّجَاجِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ وَلَمْ يَسُقْ بَقِيَّتَهُ، وَقَوْلُهُ: إِخَاءٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: صَدَاقَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَعْرُوفٌ، أَيْ: إِحْسَانٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا: وُدٌّ وَإِخَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرَ بَيَانَ سَبَبِ ذَلِكَ فِي بَابُ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْكُوفَةَ أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ نَسَبَ جَرْمٍ إِلَى قُضَاعَةَ.

قَوْلُهُ: (فَقُدِّمَ طَعَامُهُ)، أَيْ: وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: طَعَامٌ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَمَضَى فِي بَابُ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِلَفْظِ: وَهُوَ يَتَغَذَّى لَحْمَ دَجَاجٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ عَلَى الْمَوَائِدِ وَاسْتِخْدَامِ الْكَبِيرِ مَنْ يُبَاشِرُ لَهُ نَقْلَ طَعَامِهِ وَوَضْعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ الزُّهْدَ وَلَا يُنْقِصُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَقَشِّفَةِ. قُلْتُ: وَالْجَوَازُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَنْقُصُ الزُّهْدَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ) ذُكِرَ ضَبْطُهُ فِي بَابُ لَحْمِ الدَّجَاجِ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَكَلَامُ الْحَرْبِيِّ فِي ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ بِلَفْظِ: دَجَاجَةٍ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْنُ التِّينِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ) هُوَ اسْمُ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: تَيْمُ الْلَاتِ، وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا قِيلَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.

قَوْلُهُ: (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ سَبْيِ الرُّومِ، كَذَا قَالَ فَإِنْ كَانَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرُّومِ دُونَ الْفُرْسِ أَوِ النَّبَطِ أَوِ الدَّيْلَمِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَدْنُ)، أَيْ: لَمْ يَقْرَبْ مِنَ الطَّعَامِ فَيَأْكُلَ مِنْهُ، زَادَ عَبْدُ الْوَارِثِ فِي رِوَايَتِهِ فِي الذَّبَائِحِ: فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ.

قَوْلُهُ: (ادْنُ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: هَلُمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى ادْنُ، كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ بِمُثَنَّاةٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدٍ، أَيْ: تَمَنَّعَ وَتَوَقَّفَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَنِ الطَّرِيقِ فِي حَلِّ الْيَمِينِ، فَقَصَّ قِصَّةَ طَلَبِهِمُ الْحُمْلَانَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا، وَمَعْنَى: تَحَلَّلْتُهَا فَعَلْتُ مَا يَنْقُلُ الْمَنْعَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِلَى الْإِذْنِ فَيَصِيرُ حَلَالًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَحَلَّلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَإِمَّا الْكَفَّارَةُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَقِ الْيَمِينِ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ قَبْلَ كَمَالِهَا وَانْعِقَادِهَا وَالْكَفَّارَةُ تَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: تَحَلَّلْتُهَا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ السَّلَامِ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ: إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ لِصِحَّةِ قَوْلِ الْأَخْفَشِ يَجُوزُ أَنْ يُبْدَلَ مِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَاحْتَرَزْتُ بِقَوْلِي بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ عَنِ الْبَعْضِ وَالِاشْتِمَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ

اتِّفَاقًا، وَلَمَّا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ أَقَرَّهُ وَقَالَ: هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّجْرِيدُ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ إِلَّا لَوِ اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِإِثْبَاتِ فِي، فَقَالَ فِي مُعْظَمِهَا: فِي رَهْطٍ، كَمَا هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ هُنَا، وَفِي بَعْضِهَا: فِي نَفَرٍ كَمَا هِيَ رِوَايَةُ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ.

قَوْلُهُ: يَسْتَحْمِلُهُ، أَيْ: يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَرْكَبُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّلِيلِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى: كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَسْتَحْمِلُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَيُّوبُ: أَحْسَبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ)، هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ: فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ. وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عوانة في صحيحه: وهو يقسم ذودا من إبل الصدقة، وفي رواية بريد بن أبي بردة الماضية قريبا في باب اليمين فيما لا يملك عن أبي موسى: أرسلني أصحابي إلى النبي أسأله الحملان، فقال: لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَضَرَ هُوَ وَالرَّهْطُ فَبَاشَرَ الْكَلَامَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمَنْعِ وَرَدُّ السَّائِلِ الْمُلْحِفِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِسْعَافِ وَتَأْدِيبِهِ بِنَوْعٍ مِنَ الْإِغْلَاظِ بِالْقَوْلِ.

قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، أَيْ: غَنِيمَةٌ وَأَصْلُهُ مَا يُؤْخَذُ اخْتِطَافًا بِحَسَبِ السَّبْقِ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ تَسْوِيَةٍ بَيْنَ الْآخِذِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي ال بَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ: فَأُتِيَ بِإِبِلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: شَائِلٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْإِبِلَ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ سَعْدٍ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ عُسْرٌ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ لَمَّا حَصَلَتْ حَصَلَ لِسَعْدٍ مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ، فَابْتَاعَ النَّبِيُّ مِنْهُ نَصِيبَهُ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا). فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ: ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ أُتِيَ النَّبِيُّ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: وَأُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ. وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ؟ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: خُذْ.

قَوْلُهُ: فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَانْدَفَعْنَا)، أَيْ: سِرْنَا مُسْرِعِينَ، وَالدَّفْعُ السَّيْرُ بِسُرْعَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ: فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ: قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ الْبَادِئُ بِالْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا). فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمَعْنَى: تَغَفَّلْنَا أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَعْطَانَا فِي حَالِ غَفْلَتِهِ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نُذَكِّرَهُ بِهَا، وَلِذَلِكَ خَشَوْا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ لَا يُبَارَكُ لَنَا، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسْيَانَ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ: لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، وَخَلَتْ رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَمَا خَلَتْ عَمَّا بَعْدَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَوْلُ أَبِي مُوسَى لِأَصْحَابِهِ: لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ

إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، يَعْنِي: فِي مَنْعِهِمْ أَوَّلًا وَإِعْطَائِهِمْ ثَانِيًا إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ … إِلَخْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ اسْتِدْرَاكُ جَبْرِ خَاطِرِ السَّائِلِ الَّذِي يُؤَدَّبُ عَلَى الحاجة بِمَطْلُوبِهِ إِذَا تَيَسَّرَ، وَأَنَّ مَنْ أَخْذَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُعْطِيَ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِعْطَائِهِ لَا يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَظَنَنَّا أَوْ فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَنَسِيتَ. قَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ: أَجَلْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ: مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ فِطْرٍ، عَنْ زَهْدَمٍ: فَكَرِهْنَا أَنْ نُمْسِكَهَا، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو يَعْلَى وَلَمْ يَسُقْ مِنْهُ إِلَّا قَوْلَهُ: قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا.

قَوْلُهُ: إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَخْ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ

قَوْلُهُ: (لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أَيْ: مَحْلُوفِ يَمِينٍ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ يَمِينٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَادُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ ; فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الِاسْتِعَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَضْمِينٌ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: عَلَى أَمْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: إِذَا حَلَفْتُ بِيَمِينٍ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْحَلِفُ هُوَ الْيَمِينُ، فَقَوْلُهُ: أَحْلِفُ، أَيْ: أَعْقِدُ شَيْئًا بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى يَمِينٍ تَأْكِيدٌ لِعَقْدِهِ وَإِعْلَامٌ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَغْوًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: مَا عَلَى الْأَرْضِ يَمِينٌ أَحْلِفُ عَلَيْهَا. الْحَدِيثَ، قَالَ: فَقَوْلُهُ: أَحْلِفُ عَلَيْهَا صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْيَمِينِ، قَالَ: وَالْمَعْنَى لَا أَحْلِفُ يَمِينًا جَزْمًا لَا لَغْوَ فِيهَا، ثُمَّ يَظْهَرُ لِي أَمْرٌ آخَرُ يَكُونُ فِعْلُهُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُضِيِّ فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا فَعَلْتُهُ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَى يَمِينٍ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: أَحْلِفُ.

تَكْمِلَةٌ: اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيُّ عَنْ يَمِينِهِ الْمَذْكُورِ كَمَا اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ عَلَى شُرْبِ الْعَسَلِ أَوْ عَلَى غِشْيَانِ مَارِيَةَ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُكَفِّرْ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ عَلَى الْعَسَلِ أَوْ مَارِيَةَ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ وَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَفَّرَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ نَصًّا فِي رَدِّ مَا ادَّعَاهُ الْحَسَنُ، وَظَاهِرٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ، وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلتَّشْرِيعِ بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ: (وَتَحَلَّلْتهَا)، كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ كُلِّهِمْ عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَتَحَلَّلْتُهَا، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي بَدَلَ وَتَحَلَّلْتُهَا وَهُوَ يُرَجِّحُ أَحَدَ احْتِمَالَيْنِ أَبْدَاهُمَا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ثَانِيهِمَا إِتْيَانُ مَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ، فَإِنَّ التَّحَلُّلَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مِنْ مُوَافَقَةِ مُقْتَضَاهَا، فَيَكُونُ التَّحَلُّلُ الْإِتْيَانُ بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكْرَارٌ لِوُجُودِ قَوْلِهِ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ إِتْيَانَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ تَحْصُلُ بِهِ مُخَالَفَةُ الْيَمِينِ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ التَّصْرِيحَ بِالتَّحَلُّلِ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يُنَاسِبُ الْجَوَازَ صَرِيحًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: مَعْنَى: تَحَلَّلْتُهَا خَرَجْتُ مِنْ حُرْمَتِهَا إِلَى مَا يَحِلُّ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْكَفَّارَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَا يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَّا إِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ كَأَنْ يَكُونَ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَثَلًا، أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ إِلَّا إِنْ حَصَلَ

شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، الْمَعْنَى بِذَلِكَ إِزَالَةُ الْمِنَّةِ عَنْهُمْ وَإِضَافَةُ النِّعْمَةِ لِمَالِكِهَا الْأَصْلِيِّ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ أَصْلًا فِي حَمْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ مَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ يَمِينَهُ وَالنَّاسِي لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْفِعْلُ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا، وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ عَنْهُ وَالْإِثْبَاتُ لِلَّهِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِتَسَبُّبٍ مِنَ النَّبِيِّ وَلَا كَانَ مُتَطَلِّعًا إِلَيْهَا وَلَا مُنْتَظِرًا لَهَا، فَكَانَ الْمَعْنَى: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ لِعَدَمِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ بِمَا سَاقَهُ إِلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنُ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ). قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ تَابَعَهُ أَوَّلًا وَبِـ حَدَّثَنَا ثَانِيًا وَثَالِثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ حَدَّثَاهُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالْأَوَّلَ مَعَ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِهِمَا. قُلْتُ: لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مَعَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ عَدَمَ التَّعْلِيقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُدْرِكْ حَمَّادًا، وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّفُ مُتَابَعَةَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ وَقَعَتْ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ الْقَاسِمِ فَقَطْ، وَلَكِنْ زَادَ حَمَّادٌ ذِكْرَ أَبِي قِلَابَةَ مَضْمُومًا إِلَى الْقَاسِمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) أَيْ بِجَمِيعِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ حَمَّادٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ مُتَّفِقَتَانِ فِي السِّيَاقِ، وَقَدْ سَاقَ رِوَايَةَ قُتَيْبَةَ هَذِهِ فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ تَامَّةً، وَقَدْ سَاقَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجْبِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ وَلَيْسَ بَعْدَ الْبَابِ الَّذِي سَاقَهَا فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ سِوَى بَابَيْنِ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) تَقَدَّمَ سِيَاقُ رِوَايَتِهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مِنَ التَّخَالُفِ مُفَصَّلًا، وَفِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ التَّمَادِي، وَأَنَّ تَعَمُّدَ الْحِنْثِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ طَاعَةً لَا مَعْصِيَةً، وَجَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَرْجِيحِ الْحِنْثِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ تَطْيِيبُ قُلُوبِ الْأَتْبَاعِ، وَفِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِـ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَرُّكًا، فَإِنْ قَصَدَ بِهَا حَلَّ الْيَمِينِ صَحَّ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ.

وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُورٌ وَهِشَامٌ وَالرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسِ بْنِ ذُؤَيْبٍ الذُّهْلِيُّ الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَقَالَ: نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، وَهُمَا مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَرَوَى أَيْضًا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ وَهُمْ أَعْلَى مِنْ طَبَقَةِ الْمَخْرَمِيِّ وَمَنْ مَعَهُ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ تَارَةً وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ أَعْلَى مِنْ طَبَقَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ شَيْخِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَابْنُ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: تَابَعَهُ أَشْهَلُ بِالْمُعْجَمَةِ وَزْنُ أَحْمَرَ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَقَعَتْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةً عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَحُمَيْدٌ،

وَقَتَادَةُ، وَمَنْصُورٌ، وَهِشَامٌ، وَالرَّبِيعُ)، يُرِيدُ أَنَّ الثَّمَانِيَةَ تَابَعُوا ابْنَ عَوْنٍ فَرَوَوْهُ، عَنِ الْحَسَنِ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَوَّلًا: تَابَعَهُ أَشْهَلُ لِعُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ثَانِيًا: وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَمَا بَعْدَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ شَيْخِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَحُمَيْدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ: وَحُمَيْدٌ، وَقَتَادَةُ بِالْوَاوِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَنْ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ فَسَتَأْتِي مَوْصُولَةً فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ وَعَنْ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْبَزَّارُ: مَا رَوَاهُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ إِلَّا حَمَّادٌ، وَلَا رَوَى سِمَاكُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ فَوَصَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُمَيْدٍ وَهُوَ الطَّوِيلُ، وَمَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ زَاذَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْهُمَا، قَالَ الْبَزَّارُ وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ إِلَّا هُشَيْمٌ، وَلَا رَوَى مَنْصُورٌ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِمَنْصُورٍ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا: لَمْ يَرْوِ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ فَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَوَقَعَ لَنَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ، وَمَطَرٍ الْوَرَّاقِ جَمِيعًا عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّبِيعِ فَقَدْ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ بِأَنَّهُ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ ابْنُ صُبَيْحٍ، فَقَدْ وَقَعَ لَنَا فِي الشَّرَّانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَال ةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بِهِ، وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ عَنِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّبِيعَ بْنَ صَبِيحٍ الْمَذْكُورَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّبِيعَ بْنَ مُسْلِمٍ.

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ. وَلَمَّا أَخْرَجَ طَرِيقَ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ قَرَنَهَا بِيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَقَالَ: فِي آخَرِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيِرِ عَنْ نَحْوِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ، وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَخُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ، وَعَرْفَطَةُ، وَالْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَزِيَادٌ مَوْلَى مُصْعَبٍ، وَسَهْلٌ السَّرَّاجُ، وَشُبَيْبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَالسُّرِّيُّ بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو عُقَيْلٍ الدَّوْرَقِيُّ، وَعَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا.

وَقَدْ خَرَّجَ طُرُقَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ

الْبُلْدَانِيَّةِ لَهُ عَنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الرُّوَاةِ عَنِ الْحَسَنِ، فِيهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَإِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى، وَوَائِلُ بْنُ دَاوُدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْجَزَّارُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْبَاجِيُّ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ، وَعَلِيُّ بْنُ رِفَاعَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ أَبِي الذَّيَّالِ، وَالْعَوَّامُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، وَعُقَيْلُ بْنُ صَبِيحٍ، وَكَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ، وَسَوْدَةُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ، وَلَعَلَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْخَمْسِينَ، ثُمَّ خَرَّجَ طُرُقَهُ الْحَافِظُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ نَفْسًا عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَسَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ فِي تَذْكِرَتِهِ أَسْمَاءَ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ، فَبَلَغُوا مِائَةً وَثَمَانِينَ نَفْسًا وَزِيَادَةً، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، انْتَهَى.

وَلَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: وَفِي الْبَابِ، فَذَكَرَ الثَّمَانِيَّةَ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا، وَأَهْمَلَ خَمْسَةً، وَاسْتَدْرَكَهُمْ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَزَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ، وَعَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ وَالِدَ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَأُذَيْنَةَ وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَكَمَّلُوا سِتَّةَ عَشَرَ نَفْسًا، قُلْتُ: أَحَادِيثُ الْمَذْكُورِينَ كُلُّهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ لَكِنْ سَأَذْكُرُ مَنْ رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ غَيْرَ الْحُسَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَادِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخَرَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مَا كَتَبْتُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، انْتَهَى.

وَهَذَا مَعَ مَا فِي سَنَدِهِ مِنْ ضَعْفٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِرِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْرَجَهُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ الْحَافِظُ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَوْرَدَهُ مِنَ الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَهُوَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ اسْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَبْدَ كَلُّوبٍ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: تَعَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَطْلُبِ الْإِمَارَةَ، الْحَدِيثَ. وَهَذَا لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ عِكْرِمَةُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا ابْنُهُ إِسْحَاقُ، تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُنِيبٍ. قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَيْسَانَ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَابْنُهُ إِسْحَاقُ لَيَّنَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ)، فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَانَ غَزَا مَعَهُ كَإِبِلِ شَنُوءَةَ أَوْ شَنُوءَتَيْنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، إِسْحَاقَ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ لَكِنْ بِلَفْظِ: غَزَوْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ:، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، هَلْ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ تَعَلُّقٌ بِالْآخَرِ أَوْ لَا؟ فَقِيلَ: لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الشِّقَّيْنِ

أَنْ يُعْطَى الْإِمَارَةَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَرَبٌ فَيَمْتَنِعُ فَيَلْزَمُ فَيَحْلِفُ، فَأُمِرَ أَنْ يَنْظُرَ ثُمَّ يَفْعَلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ فِي الْجَانِبِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ، وَيَأْتِي مِثْلَهُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا) أَيْ: غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْيَمِينِ، وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِينِ بِمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ، بَلْ بِمَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنَا الِاعْتِقَادِيَّةُ لَا الْبَصَرِيَّةُ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ خَيْرٌ لَهُ فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ أَوْ أَوْفَقُ لِمُرَادِهِ وَشَهْوَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: فَرَأَى غَيْرَهَا أَتْقَى لِلَّهِ فَلْيَأْتِ التَّقْوَى، وَهُوَ يُشْعِرُ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ طَاعَةٌ. وَيَنْقَسِمُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، إِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِعْلًا فَكَانَ التَّرْكُ أَوْلَى، أَوْ كَانَ مَحْلُوفُ عَلَيْهِ تَرْكًا فَكَانَ الْفِعْلُ أَوْلَى، أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِعْلًا وَتَرْكًا لَكِنْ يَدْخُلُ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ; لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ فِعْلِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ تَرْكِهِ تَرْكَ الْآخَرِ أَوْ فِعْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ). هَكَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكَثِيرِ مِنْهُمْ: فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَإِنَّ كَفَّارَتَهَا تَرْكُهَا، فَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى ضَعْفِهِ، وَقَالَ: الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَّا شَيْئًا لَا يُعْبَأُ بِهِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَفَعَهُ -: مَنْ حَلَفَ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ. وَيَحْيَى ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُوهِمُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ. هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَفَّارَةَ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَمَدَارُهُ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرِيفَةَ، عَنْ عَدِيٍّ وَالَّذِي زَادَ ذَلِكَ حَافِظٌ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْأَمْرِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ تَعَمُّدِ الْحِنْثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ حَانِثَةٌ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الْمُضِيِّ فِي حَلِفِهِ أَوِ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ، وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ قَالَ.

إِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ بِمَا مَضَى فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْحِنْثِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّ حَلِفَهُ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِهَا.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْمُلْحَقَةِ بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا فِيهِ، وَفِيمَا مَضَى سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْخَالِصُ اثْنَا عَشَرَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدِيثِهَا: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَحَدِيثِهِ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي نَذْرٍ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَشَرَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٠) (باب) جواز (الكَفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ وَبَعْدَهُ).

٦٧٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بحاء مهملة مضمومة فجيم ساكنة فراء، السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بأمِّه (١) عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيسٍ الأشعريِّ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيَّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الراء، و «الحيَّ» بالفتح، ولغير أبي ذرٍّ بالكسرِ (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة في أوله وفتح الخاء المعجمة والمدّ؛ أي: صداقة (وَمَعْرُوفٌ) أي: إحسانٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وكانَ بينَنَا وبينَهُم هَذَا الحيَّ» فزاد الضَّمير (٢) وقدَّمه على ما يعودُ عليه.

وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الظَّاهر أن يقال: «بينه» يعني: أبا موسى؛ أي (٣): لأنَّ

زَهْدَمًا من جَرْم، فلو كان من الأشعريِّين لاستقامَ الكلامُ، قال: وقد تقدَّم على الصَّواب في «باب لا تحلفوا بآبائكم»، حيثُ قال: «كان بين هذا الحيِّ وبين الأشعريين ودٌّ» [خ¦٦٦٤٩] وأجابَ باحتمال أنَّه جعل نفسَه من أتباعِ أبي موسى كواحدٍ من الأشاعرةِ، فأراد بقولهِ: «بيننَا» أبا موسى وأتباعَه، وكأنَّه مولى؛ أي: لم يكن من العربِ الخُلَّص.

(قَالَ) زَهْدَم: (فَقُدِّمَ طَعَامٌ) بين يدي أبي مُوسى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «طعامه»؛ أي: طعامُ أبي موسى (قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) قبيلةٌ معروفةٌ من قضاعة (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «المقدّمة»: لم أعرفْ اسمه، وقد قيل (١): إنَّه زَهْدمٌ الرَّاوي (قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ) أي: فلم يقرُب من الطَّعام (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (ادْنُ) اقرَبْ (فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَأْكُلُ مِنْهُ) أي: من جنس الدَّجاج (قَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) قَذِرًا (قَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي: كرهتهُ (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا، فَقَالَ) أبو موسى للرَّجل: (ادْنُ) اقرَبْ (أُخْبِرْكَ) بضم الهمزة، والجزم جواب الأمر (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ (٢)) أطلبُ منه ما يحملنَا وأثقالنَا لغزوةِ العُسْرة (وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ) بفتح النون والعين المهملة فيهما.

(قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ -بالسَّند السَّابق-: (أَحْسِبُهُ) أي: أحسبُ القاسم التَّميميَّ (قَالَ: وَهْوَ) أي: النَّبيّ (غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) زاد الكُشمِيهنيُّ: «عليه» (قَالَ) أبو موسى: (فَانْطَلَقْنَا، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بإضافةِ نهبٍ لما بعده، من غنيمةٍ، وفي رواية أبي بُردة [خ¦٤٤١٥] أنَّه ابتاعَ الإبلَ الَّتي حملهُم عليها من سعدٍ، فيجمعُ باحتمال أن تكون الغنيمةُ لمَّا حصلتْ حصل لسعدٍ منها ذلك فاشتراهُ منه وحملهُم عليه (فَقِيلَ (٣): أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ، أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ؟) بالتِّكرار مرَّتين في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية أبي يزيد [خ¦٤٤١٥] (٤) «فلمْ ألبثْ إلَّا سُوَيعةً؛ إذ سمعتُ بلالًا

يُنادي: أي (١) عبد الله بنَ قيسٍ، فأجبتُه فقال: أجبْ رسولَ الله يدعوكَ» (فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا) (بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بالإضافةِ، وفي «المغازي» [خ¦٤٤١٥] «بستَّةِ أبعِرة» وذكرُ القليلِ لا ينفي (٢) الكثيرَ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء؛ أي: الأسنِمَة (قَالَ: فَانْدَفَعْنَا) أي: سِرنا مُسرعين (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا) بفتحات (نَسِيَ رَسُولُ اللهِ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا) بسكون اللام (رَسُولَ اللهِ (٣) يَمِينَهُ) أي: أخذنا منه ما أعطَانا في حال غفلتهِ عن يمينهِ من غير أنْ نُذَكِّره بها (لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَلْنُذَكِّرْهُ) بسكون اللام والجزم (يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا) إليهِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا -أَوْ: فَعَرَفْنَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ) ولأبي يَعلى من رواية مطَر، عن زَهْدَم: «فكرهنا أن نُنْسيكَها، فقال: واللهِ إنِّي (٤) ما نسيتُهَا» وأخرجه مسلمٌ عن الشَّيخ الَّذي أخرجه عنه أبو يَعلى ولم يسقْ منه إلَّا قوله: قال: «والله ما نَسيتُها» (قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ) ﷿، فيه إزالةُ المِنَّة عنهم وإضافة النِّعمة لمالكِها الأصليِّ، ولم يردْ أنَّه لا صنعَ له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك ما قال: (إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ -كما مرَّ- فأطلقَ عليه لفظ يمين للملابسة، والمراد: ما شأنهُ أن يكون محلوفًا عليه، فهو من مجازِ الاستعارة، ويجوزُ أن يكون فيه تضمينٌ، ففي النَّسائيِّ: «إذا حلفتَ بيمينٍ»، ورجح الأوَّل بقولهِ: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) لأنَّ الضَّمير في «غيرها» لا يصحُّ عَوْدُه على اليمينِ. وأُجيب بأنَّه يعود على معناها المجازي للملابسة أيضًا. وقال في «النهاية»: الحلفُ هو اليمين، فقوله: «أحلفُ» أي: أعقِدُ شيئًا بالعزم (٥)، وقوله: «على يمين» تأكيدٌ لعقدِه وإعلامٌ بأنَّها ليست لغوًا.

قال في «شرح المشكاة»: ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ: «مَا علَى الأرضِ يمينٌ أحلفُ عليهَا … » الحديث. قال: فقوله: «أحلف عليها» صفةٌ مؤكِّدة لليمين، قال: والمعنى: لا أحلفُ يمينًا

جزمًا لا لغوَ فيها، ثمَّ يظهرُ لي أمرٌ آخر يكون فعله خيرًا من المضيِّ في اليمين المذكورة (١) (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا) أي: كفَّرتها.

واختُلِف هل كفَّرَ عن يمينهِ المذكورة، كما اختُلِف هل كفَّرَ في قصَّةِ حلفهِ على شربِ العسل، أو على غشيان ماريةَ، فعن الحسن البصريِّ أنَّه لم يكفِّر أصلًا؛ لأنَّه مغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين تعليمًا للأمَّة، وتعقِّب بحديث التِّرمذيِّ عن عمر في قصَّةِ حلفهِ على العسلِ أو ماريةَ: «فعاتبهُ اللهُ وجعلَ له كفَّارة يمينٍ» وهذا ظاهرٌ في أنَّه كفَّرَ، وإن كان ليس نصًّا في ردِّ ما ادَّعاه الحسن، ودعوى أنَّ ذلك كلَّه تشريعٌ بعيدٌ (٢)، وفي «تفسير القرطبي» عن زيد بن أسلم: أنَّه كفَّر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أنَّه أعتق رقبةً (٣) في تحريم ماريةَ، وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم لفظ الكفَّارة مرَّةً وأخَّرها أُخرى لكن بحرف الواو الَّذي لا يوجب ترتيبًا، نعم ورد في بعض الطُّرق بلفظ «ثمَّ» الَّتي تقتضِي التَّرتيب عند أبي داود والنَّسائيِّ في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن: «فكفِّر عن يمينكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خير»، وفي حديث عائشة عند الحاكم بلفظ «ثمَّ» وفي حديث أمِّ سلمة عند الطَّبرانيِّ نحوه، ولفظه: «فليكفِّرْ عن يمينهِ، ثمَّ ليفعلْ الَّذي هو خير».

وإذا عُلِم هذا فليعلمْ أنَّ للكفَّارة ثلاث حالاتٍ: إحداها: قبل الحلفِ فلا يجزئُ (٤) اتِّفاقًا، ثانيها (٥): بعد الحلف والحنثِ فيُجزئ اتِّفاقًا، ثالثها (٦): بعد الحلفِ وقبل الحنثِ، فاختلفَ فيها فقال مالكٌ وسائرُ فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفةَ: تجزئُ قبله، لكن استثنى الشَّافعيُّ الصِّيام فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث؛ لأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوزُ تقديمُها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتقِ والكسوةِ والإطعام، فإنَّها من حقوقِ الأموال فيجوز تقديمُها (٧) كالزَّكاة، واحتُجَّ للحنفيَّة بأنَّها لمَّا لم تجبْ صارت كالتَّطوُّع، والتَّطوُّع لا يجزئ عن الواجب، وبقوله

تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإنَّ المراد: إذا حلفتُم فحنثتُم، وأجاب المخالفون بأنَّ التَّقدير: فإذا أردتُم الحنث، والخلاف -كما قال القاضي عياض- مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة لحلِّ اليمين أو لتكفيرِ مأثمها بالحنثِ، فعند الجمهور أنَّها رخصةٌ شرَعَها الله تعالى لحلِّ ما عقدَ من اليمين، فلذلك تجزئُ قَبْلُ وبَعْدُ. نعم استحبَّ مالكٌ والشَّافعيُّ تأخيرَها.

والحديث مرَّ في مواضعَ كثيرةٍ كـ «الخمس» [خ¦٣١٣٣] و «المغازي» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٨] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥].

(تَابَعَهُ) أي: تابعَ إسماعيلَ بن إبراهيم المعروف بابنِ عُلَيَّة (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فيما وصلَه المؤلِّف في «فرض الخُمُس» [خ¦٣١٣٣] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (وَالقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيِّ) بضم الكاف وفتح اللام. قال في «الفتح»: وهذه المتابعة وقعتْ في الرِّواية عن القاسم فقط، ولكن زاد حمَّاد ذكر أبي قلابة مضمومًا إلى القاسم. قال: والبخاريُّ لم يدرِك حمَّادًا، فالحديثُ من المعلَّقات (١).

وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٢) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق.

وبه قال (٣) (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) وبه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ القَاسِمِ) التَّميميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السِّيَاقِ لِقَوْلِهِ: مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَبَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُغَايَرَةٌ فِي مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا عِنْدَ شَرْحِهِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

١٠ - بَاب الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ

٦٧٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ الْقَاسِمِ الْتَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ، قَالَ: فَقُدِّمَ طَعَامُهُ، قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى، قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: ادْنُ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ ألَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا. فَقَالَ: ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: أَحْسِبُهُ قَالَ: وَهُوَ غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا.

فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ، أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، قَالَ: فَانْدَفَعْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فأَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا، نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا - أَوْ: فَعَرَفْنَا - أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ، إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا.

تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، بِهَذَا. حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.

٦٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الْحَسَنِ "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قال رسول الله : "لَا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"

تَابَعَهُ أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ.

وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُورٌ وَهِشَامٌ وَالرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّةِ سُؤَالِهِمُ الْحُمْلَانَ، وَفِيهِ: إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ، وَفِيهِ: وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَأْى رَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَهْلِ الرَّأْيِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُجْزِئُ قَبْلَ الْحِنْثِ. إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّة اسْتَثْنَى الصِّيَامَ، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ.

قُلْتُ: وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ، عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ رِوَايَتَيْنِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ الصَّدَقَةَ وَالْعِتْقَ، وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ وَخَالَفَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَاحْتَجَّ لَهُمُ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فَإِذًا الْمُرَادُ: إِذَا حَلَفْتُمْ فَحَنِثْتُمْ، وَرَدَّهُ مُخَالِفُوهُ فَقَالُوا: بَلِ التَّقْدِيرُ: فَأَرَدْتُمُ الْحِنْثَ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ أَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْيَمِينِ، وَرَدَّهُ مَنْ أَجَازَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِنَفْسِ الْيَمِينِ لَمْ تَسْقُطْ عَمَّنْ لَمْ يَحْنَثِ اتِّفَاقًا. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْحِنْثِ فَرْضٌ، وَإِخْرَاجُهَا قَبْلَهُ تَطَوُّعٌ، فَلَا يَقُومُ التَّطَوُّعُ مَقَامَ الْفَرْضِ. وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ أَجَازَ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِرَادَةُ الْحِنْثِ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ كَمَا فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالْحِنْثِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ تَأْخِيرَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ حِنْثِ الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَرَدَّهُ الْجُمْهُورُ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ حَدِيثَيْ أَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ الْحَالِفَ بِأَمْرَيْنِ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا جَمِيعًا فَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ الْخَبَرُ عَلَى الْمَنْعِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا طَرِيقُ النَّظَرِ، فَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ لَمَّا كَانَ يَحُلُّهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ كَلَامٌ فَلَأَنْ تَحُلَّهُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ فِعْلٌ مَالِيٌّ أَوْ بَدَنِيٌّ أَوْلَى، وَيُرَجَّحُ قَوْلُهُمْ أَيْضًا بِالْكَثْرَةِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَتَبِعَهُمْ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا، ثُمَّ مَاتَتْ فِي يَدِهِ هِيَ وَأَوْلَادُهَا أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهَا وَجَزَاءَ أَوْلَادِهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَ حِينَ إِخْرَاجِهَا أَدَّى جَزَاءَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي أَوْلَادِهَا شَيْءٌ مَعَ أَنَّ الْجَزَاءَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ أَوْلَادَهَا فَيُحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ، بَلِ الْجَوَازُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْلَى.

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَقْدِيمَ زَكَاةِ الزَّرْعِ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَاحْتُجَّ لِلشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ حُقُوقِ الْأَبَدَانِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ فَإِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا كَالزَّكَاةِ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ إِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ قَبْلَ الْحِنْثِ رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا لِأَنَّ حُقُوقَ الْمَالِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَذَا لَوْ حَجَّ الصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا إِذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ حَلَفَ فَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُكَفِّرَ حَتَّى يَحْنَثَ فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ أَجْزَأَ، وَسَاقَ نَحْوَهُ مَبْسُوطًا. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ إِلْحَاقَ الْكَفَّارَةِ بِالْكَفَّارَةِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِ الْإِطْعَامِ بِالزَّكَاةِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ. وَأَيْضًا فَالْفَرْقُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ حَقِّ الْمَالِ وَحَقِّ الْبَدَنِ ظَاهِرٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا خَصَّ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ الصِّيَامَ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْحِنْثِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَفِي مَذْهَبِهِ وَجْهٌ اخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيحُ أَنَّ كَفَّارَةَ الْمَعْصِيَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْخِلَافُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ رُخْصَةٌ لِحَلِّ الْيَمِينِ أَوْ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِهَا بِالْحِنْثِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا رُخْصَةٌ شَرَعَهَا اللَّهُ لِحَلِّ مَا عُقِدَ مِنَ الْيَمِينِ فَلِذَلِكَ تُجْزِئُ قَبْلُ وَبَعْدُ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: لِلْكَفَّارَةِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: أَحَدُهَا قَبْلَ الْحَلِفِ فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا. ثَانِيهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ فَتُجْزِئُ اتِّفَاقًا. ثَالِثُهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ فَفِيهَا الْخِلَافُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فَقَدَّمَ الْكَفَّارَةَ مَرَّةً وَأَخَّرَهَا أُخْرَى لَكِنْ بِحَرْفِ الْوَاوِ الَّذِي لَا يُوجِبُ رُتْبَةً، وَمَنْ مَنَعَ رَأَى أَنَّهَا لَمْ تَجْزِ فَصَارَتْ كَالتَّطَوُّعِ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ، وَابْنُ التِّينِ وَجَمَاعَةٌ: الرِّوَايَتَانِ دَالَّتَانِ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَلَوْ كَانَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ لَا يُجْزِئُ لَأَبَانَهُ، وَلَقَالَ: فَلْيَأْتِ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَلَمَّا تَرَكَهُمْ عَلَى مُقْتَضَى اللِّسَانِ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ. قَالَ: وَأَمَّا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ كَالْفَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ الثَّانِيَةُ لَمَا دَلَّتِ الْفَاءُ عَلَى التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهَا أَبَانَتْ مَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَهُمَا شَيْئَانِ كَفَّارَةٌ وَحِنْثٌ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِمَا، وَهُوَ كَمَنْ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الدَّارَ فَكُلْ وَاشْرَبْ. قُلْتُ: قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ: ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بِهِ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ أَحَالَ بِلَفْظِ الْمَتْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، كَأَبِي دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلُهُ. لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِالْوَاوِ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا بِلَفْظِ: ثُمَّ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ، وَلَفْظُهُ: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابُ الْيَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ وَحْدَهُ أَيْضًا، وَاقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَمَضَى فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ جَمِيعًا عَنْ زَهْدَمٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَحْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ حَمَّادٍ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الْعَتَكِيِّ، عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْقَاسِمُ التَّمِيمِيُّ الْمَذْكُورُ قَبْلُ، قَالَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ عَنْ زَهْدَمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْعَتَكِيِّ وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ أَيُّوبُ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) أَيِ الْأَشْعَرِيِّ، وَنُسِبَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إِخَاءٌ وَمَعْرُوفٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هَذَا الْحَيِّ إِلَخْ، وَهُوَ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ زَادَ الضَّمِيرَ، وَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يَعُودُ عَلَيْهِ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، أَيْ: أَبِي مُوسَى يَعْنِي لِأَنَّ زَهْدَمًا مِنْ جَرْمٍ، فَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ لَاسْتَقَامَ الْكَلَامُ، قَالَ: وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الصَّوَابِ فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ حَيْثُ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، ثُمَّ حَمَلَ مَا وَقَعَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ قَوْمِ أَبِي مُوسَى لِكَوْنِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَرَادَ

بِقَوْلِهِ: بَيْنَنَا أَبَا مُوسَى وَأَتْبَاعَهُ وَأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَرْمِيِّينَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْإِخَاءِ وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ فِي الذَّبَائِحِ بِلَفْظِ هَذَا الْبَابِ إِلَى قَوْلِهِ: إِخَاءٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَدَّمَ طَعَامَهُ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِقِصَّةِ الدَّجَاجِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ وَلَمْ يَسُقْ بَقِيَّتَهُ، وَقَوْلُهُ: إِخَاءٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ، أَيْ: صَدَاقَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَمَعْرُوفٌ، أَيْ: إِحْسَانٌ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا: وُدٌّ وَإِخَاءٌ، وَقَدْ ذَكَرَ بَيَانَ سَبَبِ ذَلِكَ فِي بَابُ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْكُوفَةَ أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ نَسَبَ جَرْمٍ إِلَى قُضَاعَةَ.

قَوْلُهُ: (فَقُدِّمَ طَعَامُهُ)، أَيْ: وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: طَعَامٌ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، وَمَضَى فِي بَابُ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِلَفْظِ: وَهُوَ يَتَغَذَّى لَحْمَ دَجَاجٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ عَلَى الْمَوَائِدِ وَاسْتِخْدَامِ الْكَبِيرِ مَنْ يُبَاشِرُ لَهُ نَقْلَ طَعَامِهِ وَوَضْعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ الزُّهْدَ وَلَا يُنْقِصُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَقَشِّفَةِ. قُلْتُ: وَالْجَوَازُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَنْقُصُ الزُّهْدَ فَفِيهِ وَقْفَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ) ذُكِرَ ضَبْطُهُ فِي بَابُ لَحْمِ الدَّجَاجِ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَكَلَامُ الْحَرْبِيِّ فِي ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ بِلَفْظِ: دَجَاجَةٍ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَاسْتَغْرَبَهُ ابْنُ التِّينِ.

قَوْلُهُ: (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ) هُوَ اسْمُ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: تَيْمُ الْلَاتِ، وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا قِيلَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا الرَّجُلِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.

قَوْلُهُ: (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ سَبْيِ الرُّومِ، كَذَا قَالَ فَإِنْ كَانَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالرُّومِ دُونَ الْفُرْسِ أَوِ النَّبَطِ أَوِ الدَّيْلَمِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَدْنُ)، أَيْ: لَمْ يَقْرَبْ مِنَ الطَّعَامِ فَيَأْكُلَ مِنْهُ، زَادَ عَبْدُ الْوَارِثِ فِي رِوَايَتِهِ فِي الذَّبَائِحِ: فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ.

قَوْلُهُ: (ادْنُ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: هَلُمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى ادْنُ، كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ بِمُثَنَّاةٍ وَلَامٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَتَشْدِيدٍ، أَيْ: تَمَنَّعَ وَتَوَقَّفَ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ: (يَأْكُلُ شَيْئًا قَذِرْتُهُ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ: عَنِ الطَّرِيقِ فِي حَلِّ الْيَمِينِ، فَقَصَّ قِصَّةَ طَلَبِهِمُ الْحُمْلَانَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا، وَمَعْنَى: تَحَلَّلْتُهَا فَعَلْتُ مَا يَنْقُلُ الْمَنْعَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِلَى الْإِذْنِ فَيَصِيرُ حَلَالًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَحَلَّلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَإِمَّا الْكَفَّارَةُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَقِ الْيَمِينِ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ قَبْلَ كَمَالِهَا وَانْعِقَادِهَا وَالْكَفَّارَةُ تَحْصُلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: تَحَلَّلْتُهَا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ السَّلَامِ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ: إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ لِصِحَّةِ قَوْلِ الْأَخْفَشِ يَجُوزُ أَنْ يُبْدَلَ مِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَاحْتَرَزْتُ بِقَوْلِي بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ عَنِ الْبَعْضِ وَالِاشْتِمَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ

اتِّفَاقًا، وَلَمَّا حَكَاهُ الطِّيبِيُّ أَقَرَّهُ وَقَالَ: هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّجْرِيدُ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ إِلَّا لَوِ اتَّفَقَتِ الرُّوَاةُ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ السَّلَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِإِثْبَاتِ فِي، فَقَالَ فِي مُعْظَمِهَا: فِي رَهْطٍ، كَمَا هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ هُنَا، وَفِي بَعْضِهَا: فِي نَفَرٍ كَمَا هِيَ رِوَايَةُ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ.

قَوْلُهُ: يَسْتَحْمِلُهُ، أَيْ: يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَرْكَبُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّلِيلِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى: كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَسْتَحْمِلُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَيُّوبُ: أَحْسَبُهُ قَالَ وَهُوَ غَضْبَانُ)، هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ: فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ. وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عوانة في صحيحه: وهو يقسم ذودا من إبل الصدقة، وفي رواية بريد بن أبي بردة الماضية قريبا في باب اليمين فيما لا يملك عن أبي موسى: أرسلني أصحابي إلى النبي أسأله الحملان، فقال: لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ أَبَا مُوسَى حَضَرَ هُوَ وَالرَّهْطُ فَبَاشَرَ الْكَلَامَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمَنْعِ وَرَدُّ السَّائِلِ الْمُلْحِفِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِسْعَافِ وَتَأْدِيبِهِ بِنَوْعٍ مِنَ الْإِغْلَاظِ بِالْقَوْلِ.

قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، أَيْ: غَنِيمَةٌ وَأَصْلُهُ مَا يُؤْخَذُ اخْتِطَافًا بِحَسَبِ السَّبْقِ إِلَيْهِ عَلَى غَيْرِ تَسْوِيَةٍ بَيْنَ الْآخِذِينَ، وَتَقَدَّمَ فِي ال بَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ: فَأُتِيَ بِإِبِلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: شَائِلٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْإِبِلَ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ سَعْدٍ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ عُسْرٌ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ لَمَّا حَصَلَتْ حَصَلَ لِسَعْدٍ مِنْهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ، فَابْتَاعَ النَّبِيُّ مِنْهُ نَصِيبَهُ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا). فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَيُّوبَ: ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ أُتِيَ النَّبِيُّ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: وَأُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ. وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ؟ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: خُذْ.

قَوْلُهُ: فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ، تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَانْدَفَعْنَا)، أَيْ: سِرْنَا مُسْرِعِينَ، وَالدَّفْعُ السَّيْرُ بِسُرْعَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ: فَلَبِثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ: قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ الْبَادِئُ بِالْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا). فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمَعْنَى: تَغَفَّلْنَا أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَعْطَانَا فِي حَالِ غَفْلَتِهِ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نُذَكِّرَهُ بِهَا، وَلِذَلِكَ خَشَوْا، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ لَا يُبَارَكُ لَنَا، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسْيَانَ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ: لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، وَخَلَتْ رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَمَا خَلَتْ عَمَّا بَعْدَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَوْلُ أَبِي مُوسَى لِأَصْحَابِهِ: لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ

إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، يَعْنِي: فِي مَنْعِهِمْ أَوَّلًا وَإِعْطَائِهِمْ ثَانِيًا إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ … إِلَخْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ اسْتِدْرَاكُ جَبْرِ خَاطِرِ السَّائِلِ الَّذِي يُؤَدَّبُ عَلَى الحاجة بِمَطْلُوبِهِ إِذَا تَيَسَّرَ، وَأَنَّ مَنْ أَخْذَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُعْطِيَ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِعْطَائِهِ لَا يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَظَنَنَّا أَوْ فَعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللَّهُ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ: فَنَسِيتَ. قَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ: أَجَلْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ: مَا أَنَا حَمَلْتكُمْ بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ فِطْرٍ، عَنْ زَهْدَمٍ: فَكَرِهْنَا أَنْ نُمْسِكَهَا، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ أَبُو يَعْلَى وَلَمْ يَسُقْ مِنْهُ إِلَّا قَوْلَهُ: قَالَ: وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا.

قَوْلُهُ: إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَخْ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ

قَوْلُهُ: (لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أَيْ: مَحْلُوفِ يَمِينٍ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ يَمِينٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَادُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ ; فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الِاسْتِعَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَضْمِينٌ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: عَلَى أَمْرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: إِذَا حَلَفْتُ بِيَمِينٍ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْحَلِفُ هُوَ الْيَمِينُ، فَقَوْلُهُ: أَحْلِفُ، أَيْ: أَعْقِدُ شَيْئًا بِالْعَزْمِ وَالنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى يَمِينٍ تَأْكِيدٌ لِعَقْدِهِ وَإِعْلَامٌ بِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَغْوًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: مَا عَلَى الْأَرْضِ يَمِينٌ أَحْلِفُ عَلَيْهَا. الْحَدِيثَ، قَالَ: فَقَوْلُهُ: أَحْلِفُ عَلَيْهَا صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْيَمِينِ، قَالَ: وَالْمَعْنَى لَا أَحْلِفُ يَمِينًا جَزْمًا لَا لَغْوَ فِيهَا، ثُمَّ يَظْهَرُ لِي أَمْرٌ آخَرُ يَكُونُ فِعْلُهُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُضِيِّ فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا فَعَلْتُهُ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: عَلَى يَمِينٍ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: أَحْلِفُ.

تَكْمِلَةٌ: اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيُّ عَنْ يَمِينِهِ الْمَذْكُورِ كَمَا اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ عَلَى شُرْبِ الْعَسَلِ أَوْ عَلَى غِشْيَانِ مَارِيَةَ، فَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُكَفِّرْ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ حَلِفِهِ عَلَى الْعَسَلِ أَوْ مَارِيَةَ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ وَجَعَلَ لَهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَفَّرَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ نَصًّا فِي رَدِّ مَا ادَّعَاهُ الْحَسَنُ، وَظَاهِرٌ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَابِ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ، وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلتَّشْرِيعِ بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ: (وَتَحَلَّلْتهَا)، كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ كُلِّهِمْ عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَتَحَلَّلْتُهَا، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَبُو السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي بَدَلَ وَتَحَلَّلْتُهَا وَهُوَ يُرَجِّحُ أَحَدَ احْتِمَالَيْنِ أَبْدَاهُمَا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ثَانِيهِمَا إِتْيَانُ مَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ، فَإِنَّ التَّحَلُّلَ يَقْتَضِي سَبْقَ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ مِنْ مُوَافَقَةِ مُقْتَضَاهَا، فَيَكُونُ التَّحَلُّلُ الْإِتْيَانُ بِخِلَافِ مُقْتَضَاهَا، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكْرَارٌ لِوُجُودِ قَوْلِهِ: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ إِتْيَانَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ تَحْصُلُ بِهِ مُخَالَفَةُ الْيَمِينِ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ التَّصْرِيحَ بِالتَّحَلُّلِ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يُنَاسِبُ الْجَوَازَ صَرِيحًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ مِمَّا لَوْ ذَكَرَهُ بِالِاسْتِلْزَامِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: مَعْنَى: تَحَلَّلْتُهَا خَرَجْتُ مِنْ حُرْمَتِهَا إِلَى مَا يَحِلُّ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْكَفَّارَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَا يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَّا إِنْ كَانَ وَقَعَ مِنْهُ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ كَأَنْ يَكُونَ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَثَلًا، أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ إِلَّا إِنْ حَصَلَ

شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، الْمَعْنَى بِذَلِكَ إِزَالَةُ الْمِنَّةِ عَنْهُمْ وَإِضَافَةُ النِّعْمَةِ لِمَالِكِهَا الْأَصْلِيِّ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ أَصْلًا فِي حَمْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ مَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ يَمِينَهُ وَالنَّاسِي لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْفِعْلُ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا، وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ عَنْهُ وَالْإِثْبَاتُ لِلَّهِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِتَسَبُّبٍ مِنَ النَّبِيِّ وَلَا كَانَ مُتَطَلِّعًا إِلَيْهَا وَلَا مُنْتَظِرًا لَهَا، فَكَانَ الْمَعْنَى: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ لِعَدَمِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ بِمَا سَاقَهُ إِلَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنُ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ). قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ تَابَعَهُ أَوَّلًا وَبِـ حَدَّثَنَا ثَانِيًا وَثَالِثًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ حَدَّثَاهُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالْأَوَّلَ مَعَ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِهِمَا. قُلْتُ: لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مَعَ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ عَدَمَ التَّعْلِيقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُدْرِكْ حَمَّادًا، وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّفُ مُتَابَعَةَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ وَقَعَتْ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ الْقَاسِمِ فَقَطْ، وَلَكِنْ زَادَ حَمَّادٌ ذِكْرَ أَبِي قِلَابَةَ مَضْمُومًا إِلَى الْقَاسِمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) أَيْ بِجَمِيعِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ حَمَّادٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ مُتَّفِقَتَانِ فِي السِّيَاقِ، وَقَدْ سَاقَ رِوَايَةَ قُتَيْبَةَ هَذِهِ فِي بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ تَامَّةً، وَقَدْ سَاقَهَا أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجْبِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ وَلَيْسَ بَعْدَ الْبَابِ الَّذِي سَاقَهَا فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ سِوَى بَابَيْنِ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) تَقَدَّمَ سِيَاقُ رِوَايَتِهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مِنَ التَّخَالُفِ مُفَصَّلًا، وَفِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَ خَيْرًا مِنَ التَّمَادِي، وَأَنَّ تَعَمُّدَ الْحِنْثِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ طَاعَةً لَا مَعْصِيَةً، وَجَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُبَالَغَةَ فِي تَرْجِيحِ الْحِنْثِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ تَطْيِيبُ قُلُوبِ الْأَتْبَاعِ، وَفِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِـ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَرُّكًا، فَإِنْ قَصَدَ بِهَا حَلَّ الْيَمِينِ صَحَّ بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ.

وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَحُمَيْدٌ وَقَتَادَةُ وَمَنْصُورٌ وَهِشَامٌ وَالرَّبِيعُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسِ بْنِ ذُؤَيْبٍ الذُّهْلِيُّ الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ، وَقَالَ: نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، وَهُمَا مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَرَوَى أَيْضًا فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ وَهُمْ أَعْلَى مِنْ طَبَقَةِ الْمَخْرَمِيِّ وَمَنْ مَعَهُ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ تَارَةً وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ أَعْلَى مِنْ طَبَقَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ شَيْخِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَابْنُ عَوْنٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: تَابَعَهُ أَشْهَلُ بِالْمُعْجَمَةِ وَزْنُ أَحْمَرَ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَقَعَتْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةً عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَحُمَيْدٌ،

وَقَتَادَةُ، وَمَنْصُورٌ، وَهِشَامٌ، وَالرَّبِيعُ)، يُرِيدُ أَنَّ الثَّمَانِيَةَ تَابَعُوا ابْنَ عَوْنٍ فَرَوَوْهُ، عَنِ الْحَسَنِ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَوَّلًا: تَابَعَهُ أَشْهَلُ لِعُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ثَانِيًا: وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَمَا بَعْدَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ شَيْخِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَحُمَيْدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ: وَحُمَيْدٌ، وَقَتَادَةُ بِالْوَاوِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مَنْ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَاتِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ فَسَتَأْتِي مَوْصُولَةً فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ وَعَنْ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ الْبَزَّارُ: مَا رَوَاهُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ إِلَّا حَمَّادٌ، وَلَا رَوَى سِمَاكُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ فَوَصَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ حُمَيْدٍ وَهُوَ الطَّوِيلُ، وَمَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ زَاذَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْهُمَا، قَالَ الْبَزَّارُ وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ إِلَّا هُشَيْمٌ، وَلَا رَوَى مَنْصُورٌ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ.

قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِمَنْصُورٍ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا: لَمْ يَرْوِ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنِ الْحَسَنِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ قَتَادَةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ فَأَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَوَقَعَ لَنَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ، وَمَطَرٍ الْوَرَّاقِ جَمِيعًا عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّبِيعِ فَقَدْ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ بِأَنَّهُ ابْنُ مُسْلِمٍ، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ ابْنُ صُبَيْحٍ، فَقَدْ وَقَعَ لَنَا فِي الشَّرَّانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ شَبَابَةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَال ةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بِهِ، وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ غَيْرِ مَنْسُوبٍ عَنِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ. وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّبِيعَ بْنَ صَبِيحٍ الْمَذْكُورَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّبِيعَ بْنَ مُسْلِمٍ.

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ. وَلَمَّا أَخْرَجَ طَرِيقَ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ قَرَنَهَا بِيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَقَالَ: فِي آخَرِينَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيِرِ عَنْ نَحْوِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ، وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَخُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجُ، وَعَرْفَطَةُ، وَالْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَزِيَادٌ مَوْلَى مُصْعَبٍ، وَسَهْلٌ السَّرَّاجُ، وَشُبَيْبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ سِوَارٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَالسُّرِّيُّ بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو عُقَيْلٍ الدَّوْرَقِيُّ، وَعَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا.

وَقَدْ خَرَّجَ طُرُقَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ

الْبُلْدَانِيَّةِ لَهُ عَنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الرُّوَاةِ عَنِ الْحَسَنِ، فِيهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَإِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى، وَوَائِلُ بْنُ دَاوُدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْجَزَّارُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْبَاجِيُّ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ، وَعَلِيُّ بْنُ رِفَاعَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ أَبِي الذَّيَّالِ، وَالْعَوَّامُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، وَعُقَيْلُ بْنُ صَبِيحٍ، وَكَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ، وَسَوْدَةُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ، وَلَعَلَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْخَمْسِينَ، ثُمَّ خَرَّجَ طُرُقَهُ الْحَافِظُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ نَفْسًا عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَسَرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ فِي تَذْكِرَتِهِ أَسْمَاءَ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ، فَبَلَغُوا مِائَةً وَثَمَانِينَ نَفْسًا وَزِيَادَةً، ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، انْتَهَى.

وَلَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: وَفِي الْبَابِ، فَذَكَرَ الثَّمَانِيَّةَ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا، وَأَهْمَلَ خَمْسَةً، وَاسْتَدْرَكَهُمْ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إِلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَزَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ، وَعَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ وَالِدَ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَأُذَيْنَةَ وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَكَمَّلُوا سِتَّةَ عَشَرَ نَفْسًا، قُلْتُ: أَحَادِيثُ الْمَذْكُورِينَ كُلُّهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ لَكِنْ سَأَذْكُرُ مَنْ رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ غَيْرَ الْحُسَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَادِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخَرَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، الْحَدِيثَ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مَا كَتَبْتُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، انْتَهَى.

وَهَذَا مَعَ مَا فِي سَنَدِهِ مِنْ ضَعْفٍ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِرِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْرَجَهُ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ الْحَافِظُ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَوْرَدَهُ مِنَ الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَهُوَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ اسْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَبْدَ كَلُّوبٍ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: تَعَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَطْلُبِ الْإِمَارَةَ، الْحَدِيثَ. وَهَذَا لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ عِكْرِمَةُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا ابْنُهُ إِسْحَاقُ، تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُنِيبٍ. قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَيْسَانَ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَابْنُهُ إِسْحَاقُ لَيَّنَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ)، فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَانَ غَزَا مَعَهُ كَإِبِلِ شَنُوءَةَ أَوْ شَنُوءَتَيْنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ، إِسْحَاقَ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ لَكِنْ بِلَفْظِ: غَزَوْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ:، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، هَلْ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ تَعَلُّقٌ بِالْآخَرِ أَوْ لَا؟ فَقِيلَ: لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الشِّقَّيْنِ

أَنْ يُعْطَى الْإِمَارَةَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهَا أَرَبٌ فَيَمْتَنِعُ فَيَلْزَمُ فَيَحْلِفُ، فَأُمِرَ أَنْ يَنْظُرَ ثُمَّ يَفْعَلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ فِي الْجَانِبِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ، وَيَأْتِي مِثْلَهُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا) أَيْ: غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْيَمِينِ، وَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ عَلَى الْيَمِينِ بِمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ، بَلْ بِمَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ هُنَا الِاعْتِقَادِيَّةُ لَا الْبَصَرِيَّةُ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ خَيْرٌ لَهُ فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ أَوْ أَوْفَقُ لِمُرَادِهِ وَشَهْوَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: فَرَأَى غَيْرَهَا أَتْقَى لِلَّهِ فَلْيَأْتِ التَّقْوَى، وَهُوَ يُشْعِرُ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ طَاعَةٌ. وَيَنْقَسِمُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، إِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِعْلًا فَكَانَ التَّرْكُ أَوْلَى، أَوْ كَانَ مَحْلُوفُ عَلَيْهِ تَرْكًا فَكَانَ الْفِعْلُ أَوْلَى، أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِعْلًا وَتَرْكًا لَكِنْ يَدْخُلُ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ; لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ فِعْلِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ تَرْكِهِ تَرْكَ الْآخَرِ أَوْ فِعْلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ). هَكَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكَثِيرِ مِنْهُمْ: فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَإِنَّ كَفَّارَتَهَا تَرْكُهَا، فَأَشَارَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى ضَعْفِهِ، وَقَالَ: الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَّا شَيْئًا لَا يُعْبَأُ بِهِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَفَعَهُ -: مَنْ حَلَفَ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ. وَيَحْيَى ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُوهِمُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ. هَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَفَّارَةَ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. وَمَدَارُهُ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرِيفَةَ، عَنْ عَدِيٍّ وَالَّذِي زَادَ ذَلِكَ حَافِظٌ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْأَمْرِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ تَعَمُّدِ الْحِنْثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ حَانِثَةٌ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الْمُضِيِّ فِي حَلِفِهِ أَوِ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ، وَانْفَصَلَ عَنْهُ مَنْ قَالَ.

إِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ بِمَا مَضَى فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْحِنْثِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّ حَلِفَهُ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِهَا.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْمُلْحَقَةِ بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا فِيهِ، وَفِيمَا مَضَى سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْخَالِصُ اثْنَا عَشَرَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدِيثِهَا: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، وَحَدِيثِهِ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي نَذْرٍ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَشَرَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٠) (باب) جواز (الكَفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ وَبَعْدَهُ).

٦٧٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بحاء مهملة مضمومة فجيم ساكنة فراء، السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بأمِّه (١) عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيسٍ الأشعريِّ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيَّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الراء، و «الحيَّ» بالفتح، ولغير أبي ذرٍّ بالكسرِ (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة في أوله وفتح الخاء المعجمة والمدّ؛ أي: صداقة (وَمَعْرُوفٌ) أي: إحسانٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وكانَ بينَنَا وبينَهُم هَذَا الحيَّ» فزاد الضَّمير (٢) وقدَّمه على ما يعودُ عليه.

وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الظَّاهر أن يقال: «بينه» يعني: أبا موسى؛ أي (٣): لأنَّ

زَهْدَمًا من جَرْم، فلو كان من الأشعريِّين لاستقامَ الكلامُ، قال: وقد تقدَّم على الصَّواب في «باب لا تحلفوا بآبائكم»، حيثُ قال: «كان بين هذا الحيِّ وبين الأشعريين ودٌّ» [خ¦٦٦٤٩] وأجابَ باحتمال أنَّه جعل نفسَه من أتباعِ أبي موسى كواحدٍ من الأشاعرةِ، فأراد بقولهِ: «بيننَا» أبا موسى وأتباعَه، وكأنَّه مولى؛ أي: لم يكن من العربِ الخُلَّص.

(قَالَ) زَهْدَم: (فَقُدِّمَ طَعَامٌ) بين يدي أبي مُوسى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «طعامه»؛ أي: طعامُ أبي موسى (قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) قبيلةٌ معروفةٌ من قضاعة (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «المقدّمة»: لم أعرفْ اسمه، وقد قيل (١): إنَّه زَهْدمٌ الرَّاوي (قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ) أي: فلم يقرُب من الطَّعام (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (ادْنُ) اقرَبْ (فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَأْكُلُ مِنْهُ) أي: من جنس الدَّجاج (قَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) قَذِرًا (قَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي: كرهتهُ (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا، فَقَالَ) أبو موسى للرَّجل: (ادْنُ) اقرَبْ (أُخْبِرْكَ) بضم الهمزة، والجزم جواب الأمر (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ (٢)) أطلبُ منه ما يحملنَا وأثقالنَا لغزوةِ العُسْرة (وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ) بفتح النون والعين المهملة فيهما.

(قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ -بالسَّند السَّابق-: (أَحْسِبُهُ) أي: أحسبُ القاسم التَّميميَّ (قَالَ: وَهْوَ) أي: النَّبيّ (غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) زاد الكُشمِيهنيُّ: «عليه» (قَالَ) أبو موسى: (فَانْطَلَقْنَا، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بإضافةِ نهبٍ لما بعده، من غنيمةٍ، وفي رواية أبي بُردة [خ¦٤٤١٥] أنَّه ابتاعَ الإبلَ الَّتي حملهُم عليها من سعدٍ، فيجمعُ باحتمال أن تكون الغنيمةُ لمَّا حصلتْ حصل لسعدٍ منها ذلك فاشتراهُ منه وحملهُم عليه (فَقِيلَ (٣): أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ، أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ؟) بالتِّكرار مرَّتين في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية أبي يزيد [خ¦٤٤١٥] (٤) «فلمْ ألبثْ إلَّا سُوَيعةً؛ إذ سمعتُ بلالًا

يُنادي: أي (١) عبد الله بنَ قيسٍ، فأجبتُه فقال: أجبْ رسولَ الله يدعوكَ» (فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا) (بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بالإضافةِ، وفي «المغازي» [خ¦٤٤١٥] «بستَّةِ أبعِرة» وذكرُ القليلِ لا ينفي (٢) الكثيرَ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء؛ أي: الأسنِمَة (قَالَ: فَانْدَفَعْنَا) أي: سِرنا مُسرعين (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا) بفتحات (نَسِيَ رَسُولُ اللهِ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا) بسكون اللام (رَسُولَ اللهِ (٣) يَمِينَهُ) أي: أخذنا منه ما أعطَانا في حال غفلتهِ عن يمينهِ من غير أنْ نُذَكِّره بها (لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَلْنُذَكِّرْهُ) بسكون اللام والجزم (يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا) إليهِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا -أَوْ: فَعَرَفْنَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ) ولأبي يَعلى من رواية مطَر، عن زَهْدَم: «فكرهنا أن نُنْسيكَها، فقال: واللهِ إنِّي (٤) ما نسيتُهَا» وأخرجه مسلمٌ عن الشَّيخ الَّذي أخرجه عنه أبو يَعلى ولم يسقْ منه إلَّا قوله: قال: «والله ما نَسيتُها» (قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ) ﷿، فيه إزالةُ المِنَّة عنهم وإضافة النِّعمة لمالكِها الأصليِّ، ولم يردْ أنَّه لا صنعَ له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك ما قال: (إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ -كما مرَّ- فأطلقَ عليه لفظ يمين للملابسة، والمراد: ما شأنهُ أن يكون محلوفًا عليه، فهو من مجازِ الاستعارة، ويجوزُ أن يكون فيه تضمينٌ، ففي النَّسائيِّ: «إذا حلفتَ بيمينٍ»، ورجح الأوَّل بقولهِ: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) لأنَّ الضَّمير في «غيرها» لا يصحُّ عَوْدُه على اليمينِ. وأُجيب بأنَّه يعود على معناها المجازي للملابسة أيضًا. وقال في «النهاية»: الحلفُ هو اليمين، فقوله: «أحلفُ» أي: أعقِدُ شيئًا بالعزم (٥)، وقوله: «على يمين» تأكيدٌ لعقدِه وإعلامٌ بأنَّها ليست لغوًا.

قال في «شرح المشكاة»: ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ: «مَا علَى الأرضِ يمينٌ أحلفُ عليهَا … » الحديث. قال: فقوله: «أحلف عليها» صفةٌ مؤكِّدة لليمين، قال: والمعنى: لا أحلفُ يمينًا

جزمًا لا لغوَ فيها، ثمَّ يظهرُ لي أمرٌ آخر يكون فعله خيرًا من المضيِّ في اليمين المذكورة (١) (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا) أي: كفَّرتها.

واختُلِف هل كفَّرَ عن يمينهِ المذكورة، كما اختُلِف هل كفَّرَ في قصَّةِ حلفهِ على شربِ العسل، أو على غشيان ماريةَ، فعن الحسن البصريِّ أنَّه لم يكفِّر أصلًا؛ لأنَّه مغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين تعليمًا للأمَّة، وتعقِّب بحديث التِّرمذيِّ عن عمر في قصَّةِ حلفهِ على العسلِ أو ماريةَ: «فعاتبهُ اللهُ وجعلَ له كفَّارة يمينٍ» وهذا ظاهرٌ في أنَّه كفَّرَ، وإن كان ليس نصًّا في ردِّ ما ادَّعاه الحسن، ودعوى أنَّ ذلك كلَّه تشريعٌ بعيدٌ (٢)، وفي «تفسير القرطبي» عن زيد بن أسلم: أنَّه كفَّر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أنَّه أعتق رقبةً (٣) في تحريم ماريةَ، وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم لفظ الكفَّارة مرَّةً وأخَّرها أُخرى لكن بحرف الواو الَّذي لا يوجب ترتيبًا، نعم ورد في بعض الطُّرق بلفظ «ثمَّ» الَّتي تقتضِي التَّرتيب عند أبي داود والنَّسائيِّ في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن: «فكفِّر عن يمينكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خير»، وفي حديث عائشة عند الحاكم بلفظ «ثمَّ» وفي حديث أمِّ سلمة عند الطَّبرانيِّ نحوه، ولفظه: «فليكفِّرْ عن يمينهِ، ثمَّ ليفعلْ الَّذي هو خير».

وإذا عُلِم هذا فليعلمْ أنَّ للكفَّارة ثلاث حالاتٍ: إحداها: قبل الحلفِ فلا يجزئُ (٤) اتِّفاقًا، ثانيها (٥): بعد الحلف والحنثِ فيُجزئ اتِّفاقًا، ثالثها (٦): بعد الحلفِ وقبل الحنثِ، فاختلفَ فيها فقال مالكٌ وسائرُ فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفةَ: تجزئُ قبله، لكن استثنى الشَّافعيُّ الصِّيام فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث؛ لأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوزُ تقديمُها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتقِ والكسوةِ والإطعام، فإنَّها من حقوقِ الأموال فيجوز تقديمُها (٧) كالزَّكاة، واحتُجَّ للحنفيَّة بأنَّها لمَّا لم تجبْ صارت كالتَّطوُّع، والتَّطوُّع لا يجزئ عن الواجب، وبقوله

تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإنَّ المراد: إذا حلفتُم فحنثتُم، وأجاب المخالفون بأنَّ التَّقدير: فإذا أردتُم الحنث، والخلاف -كما قال القاضي عياض- مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة لحلِّ اليمين أو لتكفيرِ مأثمها بالحنثِ، فعند الجمهور أنَّها رخصةٌ شرَعَها الله تعالى لحلِّ ما عقدَ من اليمين، فلذلك تجزئُ قَبْلُ وبَعْدُ. نعم استحبَّ مالكٌ والشَّافعيُّ تأخيرَها.

والحديث مرَّ في مواضعَ كثيرةٍ كـ «الخمس» [خ¦٣١٣٣] و «المغازي» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٨] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥].

(تَابَعَهُ) أي: تابعَ إسماعيلَ بن إبراهيم المعروف بابنِ عُلَيَّة (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فيما وصلَه المؤلِّف في «فرض الخُمُس» [خ¦٣١٣٣] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (وَالقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيِّ) بضم الكاف وفتح اللام. قال في «الفتح»: وهذه المتابعة وقعتْ في الرِّواية عن القاسم فقط، ولكن زاد حمَّاد ذكر أبي قلابة مضمومًا إلى القاسم. قال: والبخاريُّ لم يدرِك حمَّادًا، فالحديثُ من المعلَّقات (١).

وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٢) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق.

وبه قال (٣) (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) وبه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ القَاسِمِ) التَّميميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله