الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٣٠
الحديث رقم ٦٧٣٠ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي لا نورث ما تركنا صدقة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ
٦٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) هُوَ بِالرَّفْعِ أَيِ الْمَتْرُوكُ عَنَّا صَدَقَةٌ، وَادَّعَى الشِّيعَةُ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ مَا نَافِيَةٌ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ بِالرَّفْعِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ مَا تَرَكْنَا مَبْذُولٌ صَدَقَةً؛ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَيَنْبَغِي الْإِضْرَابُ عَنْهُ وَالْوُقُوفُ مَعَ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ. وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ وَقِصَّتُهُ مَعَ فَاطِمَةَ، قَدْ مَضَى فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مَشْرُوحًا وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا.
وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ كَذَا وَقَعَ وَظَاهِرُهُ الْحَصْرُ وَأَيُّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْعَكْسُ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ بَعْضَ هَذَا الْمَالِ، يَعْنِي بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَبَقِيَّتُهُ لِلْمَصَالِحِ. ثانيها حديث عائشة بلفظ الترجمة، وأورده آخر الباب بزيادة فيه.
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ مَعَ عُمَرَ فِي مُنَازَعَتِهِمَا فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ، لِعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ نَفْسَهُ؟ فَقَالُوا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَهُ لِعَلِيٍّ، وَلِلْعَبَّاسِ فَقَالَا كَذَلِكَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَذِكْرُ شَرْحِهِ هُنَاكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ):
الرَّاءُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا نُورَثُ بِالْفَتْحِ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْكَسْرِ لَصَحَّ الْمَعْنَى أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ خَاصَّةً، وَقَوْلُهُ: لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ أَيِ الْمَالَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْطَاكُمُوهَا أَيِ الْخَالِصَةَ لَهُ، وَقَوْلُهُ: فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْجَلَالَةِ.
رابعها: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ ابْنُ أُخْتِ مَالِكٍ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ شَيْخُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِحَدِيثٍ فَلَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (لَا يُقْتَسَمُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ لَا يُقْسَمُ بِحَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الرِّوَايَةُ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَذَا قَرَأْتُهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ يُقْسَمُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْجَزْمِ كَأَنَّهُ نَهَاهُمْ إِنْ خَلَّفَ شَيْئًا لَا يُقْسَمُ بَعْدَهُ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيِّ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَيَتَّحِدَ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِسْمَتِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بَلْ تُقْسَمُ مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَرَثَتِي) أَيْ بِالْقُوَّةِ لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يُورَثُ، أَوِ الْمُرَادُ لَا يُقْسَمُ مَالٌ تَرَكَهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ فَأَتَى بِلَفْظِ: وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ الْإِرْثُ، فَالْمَنْفِيُّ اقْتِسَامُهُمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ؛ قَالَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ.
قَوْلُهُ: (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: عَامِلِي فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَحَكَيْتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ دِحْيَةَ حِكَايَةَ قَوْلٍ رَابِعٍ أَنَّ الْمُرَادَ خَادِمُهُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْعَامِلِ عَلَى النَّخْلِ وَزَادَ أَيْضًا وَقِيلَ: الْأَجِيرُ،
وَيَتَحَصَّلُ مِنَ الْمَجْمُوعِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْخَلِيفَةُ، وَالصَّانِعُ، وَالنَّاظِرُ، وَالْخَادِمُ، وَحَافِرُ قَبْرِهِ ﵊، وَهَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْخَادِمِ الْجِنْسَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلنَّخْلِ فَيَتَّحِدُ مَعَ الصَّانِعِ أَوِ النَّاظِرِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْوَصَايَا بَابُ نَفَقَةِ قَيِّمِ الْوَقْفِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ حَمْلِ الْعَامِلِ عَلَى النَّاظِرِ.
وَمِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ تَخْصِيصُ النِّسَاءِ بِالنَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ بِالْعَامِلِ وَهَلْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ بِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي اللُّغَةِ الْقِيَامُ بِالْكِفَايَةِ وَالْإِنْفَاقَ بَذْلُ الْقُوتِ، قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ، وَالسِّرُّ فِي التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ ﷺ لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ كَانَ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنَ الْقُوتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْأَجِيرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَكْفِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: إِنَّ حِرْفَتِي كَانَتْ تَكْفِي عَائِلَتِي فَاشْتَغَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلُوا لَهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ. ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ: لَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ فَضَّلَ عَائِشَةَ فِي الْعَطَاءِ ; لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِمَزِيدِ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا. قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا بَدَأَ بِهِ لِأَنَّ قِسْمَةَ عُمَرَ كَانَتْ مِنَ الْفُتُوحِ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْهُ بِمَا ذُكِرَ، وَأَفَادَ ﵀ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي لَفْظِ: نَفَقَةِ نِسَائِي كِسْوَتُهُنَّ وَسَائِرُ اللَّوَازِمِ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَمَرَّتِ الْمَسَاكِنُ الَّتِي كُنَّ فِيهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِاسْمِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ فَرْضِ الْخُمُسِ، وَإِذَا انْضَمَّ قَوْلُهُ: إن الَّذِي نُخَلِّفُهُ صَدَقَةٌ إِلَى أَنَّ آلَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ تَحَقَّقَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ، وَفِي قَوْلِ عُمَرَ: يُرِيدُ نَفْسَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ: نُورَثُ لِلْمُتَكَلِّمِ خَاصَّةً لَا لِلْجَمْعِ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ بِلَفْظِ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظِ: نَحْنُ لَكِنْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ.
وَأَوْرَدَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ فَاطِمَةَ ﵍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِلَفْظِ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: وَوَجْهُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ مُبَلِّغِينَ رِسَالَتَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وَقَالَ نُوحٌ وَهُودٌ وَغَيْرُهُمَا نَحْوَ ذَلِكَ، فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ فِي أَنْ لَا يُورَثُوا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَالَ لِوَارِثِهِمْ، قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ حَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَكَذَا قَوْلُ زَكَرِيَّا ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾
وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ، وَذَكَرَ أَنَّ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ قَالَ: الْعَصَبَةُ. وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ قَالَ: يَرِثُ مَالِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْمَالَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ مُرْسَلًا رَحِمَ اللَّهُ أَخِي زَكَرِيَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ.
قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَلَا مُعَارِضَ مِنَ الْقُرْآنِ لِقَوْلِ نَبِيِّنَا ﵊: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٧٦] و «الخمس» [خ¦٣٠٩٦].
٦٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ) بن عفَّان (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ) أي: من رسولِ الله ﷺ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قد قال»: (رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع كما مرَّ، وقيل: إنَّ الحكمةَ في كونهِ لا يُورث حسمُ المادَّة في تمنِّي الوارث موتَ المورِّثِ من أجلِ المال، وقيل: لكون النَّبيِّ (١) كالأبِ لأمَّته، فيكون مِيراثه للجميع، وهو مَعنى الصَّدقة العامَّة.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والنَّسائيُّ في «الفرائض».
(٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ).
٦٧٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بن عثمانَ بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: أحقُّ بهم في كلِّ شيءٍ من أمور الدِّين والدُّنيا، وحكمه أنفذُ عليهم من حكمها (فَمَنْ مَاتَ) منهم (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) الواو للحال (وَلَمْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٧٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) هُوَ بِالرَّفْعِ أَيِ الْمَتْرُوكُ عَنَّا صَدَقَةٌ، وَادَّعَى الشِّيعَةُ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ مَا نَافِيَةٌ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ بِالرَّفْعِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ مَا تَرَكْنَا مَبْذُولٌ صَدَقَةً؛ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَيَنْبَغِي الْإِضْرَابُ عَنْهُ وَالْوُقُوفُ مَعَ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ. وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
أَحَدُهَا: حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ وَقِصَّتُهُ مَعَ فَاطِمَةَ، قَدْ مَضَى فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مَشْرُوحًا وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا.
وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ كَذَا وَقَعَ وَظَاهِرُهُ الْحَصْرُ وَأَيُّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْعَكْسُ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ بَعْضَ هَذَا الْمَالِ، يَعْنِي بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَبَقِيَّتُهُ لِلْمَصَالِحِ. ثانيها حديث عائشة بلفظ الترجمة، وأورده آخر الباب بزيادة فيه.
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ مَعَ عُمَرَ فِي مُنَازَعَتِهِمَا فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ، لِعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ يُرِيدُ نَفْسَهُ؟ فَقَالُوا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَهُ لِعَلِيٍّ، وَلِلْعَبَّاسِ فَقَالَا كَذَلِكَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا فِي فَرْضِ الْخُمُسِ وَذِكْرُ شَرْحِهِ هُنَاكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ):
الرَّاءُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا نُورَثُ بِالْفَتْحِ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْكَسْرِ لَصَحَّ الْمَعْنَى أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: فَكَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، والْكُشْمِيهَنِيِّ خَاصَّةً، وَقَوْلُهُ: لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ أَيِ الْمَالَ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْطَاكُمُوهَا أَيِ الْخَالِصَةَ لَهُ، وَقَوْلُهُ: فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْجَلَالَةِ.
رابعها: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ الْمَدَنِيُّ ابْنُ أُخْتِ مَالِكٍ وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ شَيْخُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِحَدِيثٍ فَلَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (لَا يُقْتَسَمُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلِلْبَاقِينَ لَا يُقْسَمُ بِحَذْفِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الرِّوَايَةُ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَذَا قَرَأْتُهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ يُقْسَمُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْجَزْمِ كَأَنَّهُ نَهَاهُمْ إِنْ خَلَّفَ شَيْئًا لَا يُقْسَمُ بَعْدَهُ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيِّ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَيَتَّحِدَ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِسْمَتِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ بَلْ تُقْسَمُ مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَرَثَتِي) أَيْ بِالْقُوَّةِ لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يُورَثُ، أَوِ الْمُرَادُ لَا يُقْسَمُ مَالٌ تَرَكَهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ فَأَتَى بِلَفْظِ: وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ الْإِرْثُ، فَالْمَنْفِيُّ اقْتِسَامُهُمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ؛ قَالَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ.
قَوْلُهُ: (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: عَامِلِي فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَحَكَيْتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْخَصَائِصِ لِابْنِ دِحْيَةَ حِكَايَةَ قَوْلٍ رَابِعٍ أَنَّ الْمُرَادَ خَادِمُهُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْعَامِلِ عَلَى النَّخْلِ وَزَادَ أَيْضًا وَقِيلَ: الْأَجِيرُ،
وَيَتَحَصَّلُ مِنَ الْمَجْمُوعِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْخَلِيفَةُ، وَالصَّانِعُ، وَالنَّاظِرُ، وَالْخَادِمُ، وَحَافِرُ قَبْرِهِ ﵊، وَهَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْخَادِمِ الْجِنْسَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلنَّخْلِ فَيَتَّحِدُ مَعَ الصَّانِعِ أَوِ النَّاظِرِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْوَصَايَا بَابُ نَفَقَةِ قَيِّمِ الْوَقْفِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ حَمْلِ الْعَامِلِ عَلَى النَّاظِرِ.
وَمِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ تَخْصِيصُ النِّسَاءِ بِالنَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ بِالْعَامِلِ وَهَلْ بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ بِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي اللُّغَةِ الْقِيَامُ بِالْكِفَايَةِ وَالْإِنْفَاقَ بَذْلُ الْقُوتِ، قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ، وَالسِّرُّ فِي التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ ﷺ لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ كَانَ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنَ الْقُوتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْأَجِيرِ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَكْفِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: إِنَّ حِرْفَتِي كَانَتْ تَكْفِي عَائِلَتِي فَاشْتَغَلْتُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلُوا لَهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ. ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ: لَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ فَضَّلَ عَائِشَةَ فِي الْعَطَاءِ ; لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِمَزِيدِ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا. قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا بَدَأَ بِهِ لِأَنَّ قِسْمَةَ عُمَرَ كَانَتْ مِنَ الْفُتُوحِ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْهُ بِمَا ذُكِرَ، وَأَفَادَ ﵀ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي لَفْظِ: نَفَقَةِ نِسَائِي كِسْوَتُهُنَّ وَسَائِرُ اللَّوَازِمِ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَمَرَّتِ الْمَسَاكِنُ الَّتِي كُنَّ فِيهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِاسْمِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ فَرْضِ الْخُمُسِ، وَإِذَا انْضَمَّ قَوْلُهُ: إن الَّذِي نُخَلِّفُهُ صَدَقَةٌ إِلَى أَنَّ آلَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ تَحَقَّقَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ، وَفِي قَوْلِ عُمَرَ: يُرِيدُ نَفْسَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ: نُورَثُ لِلْمُتَكَلِّمِ خَاصَّةً لَا لِلْجَمْعِ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ بِلَفْظِ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظِ: نَحْنُ لَكِنْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ أَتْقَنِ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ.
وَأَوْرَدَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ فَاطِمَةَ ﵍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِلَفْظِ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: وَوَجْهُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ مُبَلِّغِينَ رِسَالَتَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وَقَالَ نُوحٌ وَهُودٌ وَغَيْرُهُمَا نَحْوَ ذَلِكَ، فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ فِي أَنْ لَا يُورَثُوا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَالَ لِوَارِثِهِمْ، قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ حَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَكَذَا قَوْلُ زَكَرِيَّا ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾
وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ، وَذَكَرَ أَنَّ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ قَالَ: الْعَصَبَةُ. وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ قَالَ: يَرِثُ مَالِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْمَالَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ مُرْسَلًا رَحِمَ اللَّهُ أَخِي زَكَرِيَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ.
قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فَلَا مُعَارِضَ مِنَ الْقُرْآنِ لِقَوْلِ نَبِيِّنَا ﵊: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٧٦] و «الخمس» [خ¦٣٠٩٦].
٦٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ) بن عفَّان (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ) أي: من رسولِ الله ﷺ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قد قال»: (رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع كما مرَّ، وقيل: إنَّ الحكمةَ في كونهِ لا يُورث حسمُ المادَّة في تمنِّي الوارث موتَ المورِّثِ من أجلِ المال، وقيل: لكون النَّبيِّ (١) كالأبِ لأمَّته، فيكون مِيراثه للجميع، وهو مَعنى الصَّدقة العامَّة.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والنَّسائيُّ في «الفرائض».
(٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ).
٦٧٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بن عثمانَ بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: أحقُّ بهم في كلِّ شيءٍ من أمور الدِّين والدُّنيا، وحكمه أنفذُ عليهم من حكمها (فَمَنْ مَاتَ) منهم (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) الواو للحال (وَلَمْ