«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٤

الحديث رقم ٦٨٤ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ : أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ. فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.»

بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ

إسناد حديث رقم ٦٨٤ من صحيح البخاري

٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ

⦗١٣٨⦘

بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٨ - بَاب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلَاتُهُ

فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ

٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.

[الحديث ٦٨٤ - أطرافه في: ٧١٩٠، ٢٦٩٣، ٢٦٩٠، ١٢٣٤، ١٢١٨، ١٢٠٤، ١٢٠١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ دَخَلَ) أَيْ: إِلَى الْمِحْرَابِ مَثَلًا (لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ) أَيِ: الرَّاتِبُ (فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ) أَيِ: الدَّاخِلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَوَّلٌ بِاعْتِبَارٍ، وَالْمَعْرِفَةُ إِذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى إِلَّا بِقَرِينَةٍ، وَقَرِينَةُ كَوْنِهَا غَيْرَهَا هُنَا ظَاهِرَةٌ.

قَوْلُهُ: (فِيهِ عَائِشَةُ) يُشِيرُ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إِذَا تَأَخَّرَ إِلَى رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، حَيْثُ قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ اسْتَأْخَرَ وَبِالثَّانِي وَهُوَ: مَا إِذَا لَمْ يَسْتَأْخِرْ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ وَالْجَوَازُ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّقْرِيرِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ وَقَعَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: سَمِعْتُ سَهْلًا.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) أَيِ: ابْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَالْأَوْسُ أَحَدُ قَبِيلَتَيِ الْأَنْصَارِ؛ وَهُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَوْسِ فِيهِ عِدَّةُ أَحْيَاءٍ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءٍ، مِنْهُمْ: بَنُو أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَبَنُو ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالسَّبَبُ فِي ذَهَابِهِ إِلَيْهِمْ مَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: وَقَعَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلَامٌ وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، وَلَهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَخَرَجَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ تَوَجُّهَهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ.

قَوْلُهُ: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ

أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ، وَلَمْ يُسَمَّ فَاعِلُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ، فَبَيَّنَ الْفَاعِلَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ لِبِلَالٍ: إِنْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ بِلَالٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَلَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ هَلْ يُبَادِرُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، أَوْ يَنْتَظِرُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ النَّبِيُّ ؟ وَرُجِّحَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْمُبَادَرَةُ؛ لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِفَضِيلَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَأُقِيمَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: نَعَمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ إِنْ شِئْتَ وَهُوَ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ ذَلِكَ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَفْظُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورُ: وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ حَيْثُ امْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ هُنَا أَنْ يَسْتَمِرَّ إِمَامًا، وَحَيْثُ اسْتَمَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ حِينَ صَلَّى خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَنْ مَضَى مُعْظَمُ الصَّلَاةِ حَسُنَ الِاسْتِمْرَارُ، وَلَمَّا أَنْ لَمْ يَمْضِ مِنْهَا إِلَّا الْيَسِيرُ لَمْ يَسْتَمِرَّ. وَكَذَا وَقَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَيْثُ صَلَّى النَّبِيُّ خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ إِمَامًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (فَتَخَلَّصَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَجَاءَ النَّبِيُّ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ. وَلِمُسْلِمٍ: فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُتَقَدِّمِ.

قَوْلُهُ: (فَصَفَّقَ النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ. قَالَ سَهْلٌ: أَتَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِهِمَا عِنْدَهُ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ) قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ؛ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ.

قَوْلُهُ: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَى.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْحَمْدِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ شُكْرًا لِلَّهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَادَّعَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ بِيَدِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ تَلَفَّظَ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ رَفَعْتَ يَدَيْكَ؟ وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: رَفَعْتُ يَدَيَّ لِأَنِّي حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْكَ، زَادَ الْمَسْعُودِيُّ: فَلَمَّا تَنَحَّى تَقَدَّمَ النَّبِيُّ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَّادَيْنِ وَالْمَاجِشُونِ: أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ .

قَوْلُهُ: (أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِنْكَارَ إِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلَهُ: (مَنْ نَابَهُ) أَيْ: أَصَابَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيُسَبِّحْ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الْتُفِتَ إِلَيْهِ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا الْتَفَتَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَقَدْ رَوَى

الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَلَفْظُهُ إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْقَبِيلَةِ وَحَسْمُ مَادَّةِ الْقَطِيعَةِ، وَتَوَجُّهُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ إِلَى بَعْضِ رَعِيَّتِهِ لِذَلِكَ، وَتَقْدِيمُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَصْلَحَةِ الْإِمَامَةِ بِنَفْسِهِ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ تَوَجُّهُ الْحَاكِمِ لِسَمَاعِ دَعْوَى بَعْضِ الْخُصُومِ إِذَا رَجَحَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْضَارِهمْ. وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ بِإِمَامَيْنِ أَحَدُهمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إِذَا غَابَ يَسْتَخْلِفُ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ نَائِبُهُ فِي الصَّلَاةِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ أَوْ يَؤُمَّ هُوَ وَيَصِيرُ النَّائِبُ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةَ أَحَدٍ مِنَ الْمَأْمُومِينَ.

وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ يُحْدِثُ فَيَسْتَخْلِفُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَخْلِفُ وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِحْرَامِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ إِمَامًا وَفِي بَعْضِهَا مَأْمُومًا، وَأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِصَلَاتِهِ، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَازِمِ جَوَازِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْمَأْمُومِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الشُّرَّاحِ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ كَالرُّويَانِيِّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلَهُمْ؛ لِكَوْنِهِمُ اخْتَارُوهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ إِذَا غَابَ إِمَامُهُمْ، قَالُوا: وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ وَالْإِنْكَارُ مِنَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَدَّمُ نِيَابَةً عَنِ الْإِمَامِ يَكُونُ أَصْلَحَهُمْ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَأَقْوَمَهُمْ بِهِ، وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ وَغَيْرَهُ يَعْرِضُ التَّقَدُّمَ عَلَى الْفَاضِلِ، وَأَنَّ الْفَاضِلَ يُوَافِقُهُ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِرِضَا الْجَمَاعَةِ. اهـ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ وَاسْتِدْعَاءَ الْإِمَامِ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَأَنَّهُ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ - لَا سِيَّمَا الْعَصْرَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُقَدَّمٌ عَلَى انْتِظَارِ الْإِمَامِ الْأَفْضَلِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُسَبِّحِ إِعْلَامَ غَيْرِهِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَفِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حَمْدِ اللَّهِ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِفَاتِ لِلْحَاجَةِ وَأَنَّ مُخَاطَبَةَ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ أَوْلَى مِنْ مُخَاطَبَتِهِ بِالْعِبَارَةِ. وَأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ لِمُعَاتَبَةِ النَّبِيِّ أَبَا بَكْرٍ عَلَى مُخَالَفَةِ إِشَارَتِهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ شَقِّ الصُّفُوفِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ لِقَصْدِ الْوُصُولِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ كَالْإِمَامِ أَوْ مَنْ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى اسْتِخْلَافِهِ، أَوْ مَنْ أَرَادَ سَدَّ فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ مَا يَلِيهِ مَعَ تَرْكِ مَنْ يَلِيهِ سَدَّهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعْدُودًا مِنَ الْأَذَى. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَطِّي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِسَبَبِ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَقَدْ أَشَارَ هُوَ إِلَى الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْجَفَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ التَّخَطِّي، وَلَيْسَ كَمَنْ شَقَّ الصُّفُوفَ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخَطِّي رِقَابِهِمْ. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَفِيهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى الْوَجَاهَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ مَنْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالتَّرْكِ إِذَا فَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ اللُّزُومِ، وَكَأَنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي بَيَّنَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ هِيَ كَوْنُهُ شَقَّ الصُّفُوفَ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٤ - وبالسَّند قال (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) بالحاء المُهْمَلَة والزَّاي، واسمه: سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ) في أناسٍ من أصحابه بعد أن صلَّى الظُّهر (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما، ابن مالك بن (١) الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وكانت منازلهم بقباء (لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) لأنَّهم اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة (فَحَانَتِ الصَّلاة)، أي: صلاة العصر (فَجَاءَ المُؤَذِّنُ) بلال (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) بأمر النَّبيِّ ، حيث قال له -كما عند الطَّبرانيِّ-: «إن حضرت صلاة (٢) العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ) له: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ) باللَّام، وللأَصيليِّ: «بالنَّاس» في أوَّل الوقت، أو تنتظر قليلًا ليأتي النَّبيُّ ؟ فرجح عند أبي بكر المبادرة لأنَّها فضيلةٌ مُتحقِّقَةٌ (٣) فلا تُتْرَك لفضيلةٍ متوهَّمةٍ (فَأُقِيمَُ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أقيم، أو بالنَّصب جواب الاستفهام (قَالَ) أبو بكرٍ : (نَعَمْ) أَقِمِ الصَّلاة إن شئتَ (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي: دخل في الصَّلاة (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ) دخلوا مع أبي بكر (فِي الصَّلاة) جملةٌ حاليَّةٌ (فَتَخَلَّصَ) من شقِّ الصُّفوف (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) الأوَّل، وهو جائزٌ للإمام، مكروهٌ لغيره، وفي رواية مسلمٍ: «فخرق الصُّفوف حتَّى قام عند الصَّف»، وفي رواية عبد العزيز [خ¦١٢٠١]: «يمشي في الصُّفوف» (فَصَفَّقَ النَّاسُ) أي: ضرب كلٌّ يدَه بالأخرى حتَّى سُمِعَ لها صوتٌ، لكن في رواية عبد العزيز (٤): «فأخذ النَّاس في

التَّصفيح» (١) بالحاء المُهْمَلَة، قال سهلٌ: «أتدرون ما التَّصفيح؟ هو التَّصفيق»، وهو يدلُّ على ترادُفِهِمَا عندَه (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) (لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ) «لأنَّه اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة الرَّجل» رواه ابنُ خزيمةَ (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاس التَّصْفِيقَ التَفَتَ) رضي الله تعالى عنه (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) أي: أشار إليه بالمكث (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) بالتَّثنيَّة (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى بلسانه (عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ (٢)) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقتِ: «على ما أَمَرَ به» (رَسُولُ اللهِ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الوجاهة في الدِّين، وليس في رواية الحُمَيْديِّ عن سفيانَ -حيث قال: فرفع أبو بكرٍ رأسه إلى السَّماء (٣) شكرًا لله تعالى- ما يمنع ظاهر قولِه: «فحمد الله» من (٤) تلفُّظه بالحمد (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ) أي: تأخَّر (أَبُو بَكْرٍ) من غير استدبارٍ للقِبْلَةِ ولا انحرافٍ عنها (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ فَصَلَّى) بالنَّاس.

واستُنبِطَ منه أنَّ الإمام الرَّاتب إذا حضرَ بعدَ أنْ دخلَ نائبُه في الصَّلاة يتخيَّر بين أن يَأْتَمَّ به أو يَؤُمَّ هو، ويصيرُ النَّائب مأمومًا من غير أن يقطع الصَّلاة، ولا تبطل بشيء من ذلك صلاةُ أحدٍ من المَأمُومِين، والأصلُ عدم الخصوصيَّة خلافًا للمالكيَّة، وفيه: جواز إحرامِ المأموم قبل الإمام، وأنَّ المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا وفي بعضها مأمومًا (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الصَّلاة (قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) في مكانك (إِذْ) أي: حين (أَمَرْتُكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) : (مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الحاء المُهْمَلَة (١) وبعد الألف فاء، عثمان بن عامر، أسلم في الفتح، وتوفي سنة أربع عشرة في خلافة عمر ، وعبر بذلك دون أن يقول: ما كان لي أو لأبي بكر تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته (أَنْ يصلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ) أي: قدَّامه إمامًا به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ :) ويحكم (٢) (مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ) بالرَّاء،

وللأربعة: «من (١) نابه» أي: أصابه (شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ) أي: فليقل: سبحان الله، كما في رواية يعقوب بن أبي حازم (فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) زاد الحُميديُّ: «والتسبيح للرِّجال»، وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: متى أتى بالذِّكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنَّه في الصَّلاة لم تبطل، فحملا التَّسبيح المذكور على قصد الإعلام بأنَّه في الصَّلاة، وحملا قوله: «من نابه» على نائبٍ مخصوصٍ وهو إرادة الإعلام بأنَّه في الصَّلاة، والأصل عدمُ هذا التَّخصيص لأنَّه عامٌّ؛ لكونه (٢) في سياق الشَّرط فيتناول كلًّا منهما، فالحمل على أحدهما من غير دليلٍ لا يُصَار إليه، لا سيَّما الَّتي هي سبب الحديث، لم يكن القصد فيها إِلَّا تنبيه الصِّدِّيق على حضوره ، فأرشدهم صلوات الله عليه وسلامه إلى أنَّه كان حقُّهم عند هذا النَّائب التَّسبيح، ولو خالف الرَّجل المشروع في حقِّه وصفَّق لم تبطل صلاته لأنَّ الصَّحابة صفَّقوا في صلاتهم (٣) ولم يأمرهم النَّبيُّ بالإعادة، لكن ينبغي أن يقيَّدَ بالقليل، فلو فعل ذلك ثلاث مرات متواليات بطُلَت صلاته لأنَّه ليس مأذونًا فيه، وأمَّا قوله : «ما لي رأيتكم أكثرتم التَّصفيق؟» مع كونه لم يأمرهم بالإعادة فلأنَّهم لم يكونوا علموا امتناعه، وقد لا يكون حينئذٍ ممتنعًا، أو أراد (٤) إكثار التَّصفيق من مجموعهم، ولا يضرُّ ذلك إذا كان كلُّ واحدٍ منهم لم يفعله ثلاثًا.

واستُنبِطَ منه أنَّ التَّابع إذا أمره المتبُوعُ بشيءٍ يُفهَمُ منه إكرامه به لأنَّه (٥) لا يتحتَّم عليه، ولا يكون تركه مخالفةً للأمر، بل أدبًا وتحرِّيًا (٦) في فهم المقاصد، وبقيَّة ما يُستنبَط منه يأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواته الأربعة ما بين تنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٨ - بَاب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلَاتُهُ

فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ

٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ.

[الحديث ٦٨٤ - أطرافه في: ٧١٩٠، ٢٦٩٣، ٢٦٩٠، ١٢٣٤، ١٢١٨، ١٢٠٤، ١٢٠١]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ دَخَلَ) أَيْ: إِلَى الْمِحْرَابِ مَثَلًا (لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ) أَيِ: الرَّاتِبُ (فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ) أَيِ: الدَّاخِلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَوَّلٌ بِاعْتِبَارٍ، وَالْمَعْرِفَةُ إِذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى إِلَّا بِقَرِينَةٍ، وَقَرِينَةُ كَوْنِهَا غَيْرَهَا هُنَا ظَاهِرَةٌ.

قَوْلُهُ: (فِيهِ عَائِشَةُ) يُشِيرُ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إِذَا تَأَخَّرَ إِلَى رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، حَيْثُ قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ اسْتَأْخَرَ وَبِالثَّانِي وَهُوَ: مَا إِذَا لَمْ يَسْتَأْخِرْ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ وَالْجَوَازُ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّقْرِيرِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ وَقَعَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: سَمِعْتُ سَهْلًا.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) أَيِ: ابْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، وَالْأَوْسُ أَحَدُ قَبِيلَتَيِ الْأَنْصَارِ؛ وَهُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَوْسِ فِيهِ عِدَّةُ أَحْيَاءٍ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءٍ، مِنْهُمْ: بَنُو أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَبَنُو ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالسَّبَبُ فِي ذَهَابِهِ إِلَيْهِمْ مَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: وَقَعَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلَامٌ وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، وَلَهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَخَرَجَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ تَوَجُّهَهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ.

قَوْلُهُ: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَأَمَرَ

أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ، وَلَمْ يُسَمَّ فَاعِلُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ، فَبَيَّنَ الْفَاعِلَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ لِبِلَالٍ: إِنْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ بِلَالٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَلَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ هَلْ يُبَادِرُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، أَوْ يَنْتَظِرُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ النَّبِيُّ ؟ وَرُجِّحَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْمُبَادَرَةُ؛ لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِفَضِيلَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَأُقِيمَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: نَعَمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ إِنْ شِئْتَ وَهُوَ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ ذَلِكَ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ مِنَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَفْظُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورُ: وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ حَيْثُ امْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ هُنَا أَنْ يَسْتَمِرَّ إِمَامًا، وَحَيْثُ اسْتَمَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ حِينَ صَلَّى خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَنْ مَضَى مُعْظَمُ الصَّلَاةِ حَسُنَ الِاسْتِمْرَارُ، وَلَمَّا أَنْ لَمْ يَمْضِ مِنْهَا إِلَّا الْيَسِيرُ لَمْ يَسْتَمِرَّ. وَكَذَا وَقَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَيْثُ صَلَّى النَّبِيُّ خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ إِمَامًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (فَتَخَلَّصَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَجَاءَ النَّبِيُّ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ. وَلِمُسْلِمٍ: فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُتَقَدِّمِ.

قَوْلُهُ: (فَصَفَّقَ النَّاسُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ. قَالَ سَهْلٌ: أَتَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ. انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِهِمَا عِنْدَهُ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ) قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ؛ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ.

قَوْلُهُ: (فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَى.

قَوْلُهُ: (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْحَمْدِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ شُكْرًا لِلَّهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَادَّعَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ بِيَدِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ تَلَفَّظَ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ رَفَعْتَ يَدَيْكَ؟ وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: رَفَعْتُ يَدَيَّ لِأَنِّي حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْكَ، زَادَ الْمَسْعُودِيُّ: فَلَمَّا تَنَحَّى تَقَدَّمَ النَّبِيُّ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَّادَيْنِ وَالْمَاجِشُونِ: أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ .

قَوْلُهُ: (أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِنْكَارَ إِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلَهُ: (مَنْ نَابَهُ) أَيْ: أَصَابَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلْيُسَبِّحْ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ: فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الْتُفِتَ إِلَيْهِ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا الْتَفَتَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَقَدْ رَوَى

الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَلَفْظُهُ إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْقَبِيلَةِ وَحَسْمُ مَادَّةِ الْقَطِيعَةِ، وَتَوَجُّهُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ إِلَى بَعْضِ رَعِيَّتِهِ لِذَلِكَ، وَتَقْدِيمُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَصْلَحَةِ الْإِمَامَةِ بِنَفْسِهِ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ تَوَجُّهُ الْحَاكِمِ لِسَمَاعِ دَعْوَى بَعْضِ الْخُصُومِ إِذَا رَجَحَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْضَارِهمْ. وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ بِإِمَامَيْنِ أَحَدُهمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إِذَا غَابَ يَسْتَخْلِفُ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ نَائِبُهُ فِي الصَّلَاةِ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ أَوْ يَؤُمَّ هُوَ وَيَصِيرُ النَّائِبُ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةَ أَحَدٍ مِنَ الْمَأْمُومِينَ.

وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ يُحْدِثُ فَيَسْتَخْلِفُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَخْلِفُ وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِحْرَامِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ إِمَامًا وَفِي بَعْضِهَا مَأْمُومًا، وَأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِصَلَاتِهِ، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَازِمِ جَوَازِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْمَأْمُومِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الشُّرَّاحِ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ كَالرُّويَانِيِّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلَهُمْ؛ لِكَوْنِهِمُ اخْتَارُوهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ إِذَا غَابَ إِمَامُهُمْ، قَالُوا: وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ وَالْإِنْكَارُ مِنَ الْإِمَامِ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَدَّمُ نِيَابَةً عَنِ الْإِمَامِ يَكُونُ أَصْلَحَهُمْ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَأَقْوَمَهُمْ بِهِ، وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ وَغَيْرَهُ يَعْرِضُ التَّقَدُّمَ عَلَى الْفَاضِلِ، وَأَنَّ الْفَاضِلَ يُوَافِقُهُ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِرِضَا الْجَمَاعَةِ. اهـ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ وَاسْتِدْعَاءَ الْإِمَامِ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَأَنَّهُ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ - لَا سِيَّمَا الْعَصْرَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُقَدَّمٌ عَلَى انْتِظَارِ الْإِمَامِ الْأَفْضَلِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُسَبِّحِ إِعْلَامَ غَيْرِهِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَفِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حَمْدِ اللَّهِ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِفَاتِ لِلْحَاجَةِ وَأَنَّ مُخَاطَبَةَ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ أَوْلَى مِنْ مُخَاطَبَتِهِ بِالْعِبَارَةِ. وَأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ لِمُعَاتَبَةِ النَّبِيِّ أَبَا بَكْرٍ عَلَى مُخَالَفَةِ إِشَارَتِهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ شَقِّ الصُّفُوفِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ لِقَصْدِ الْوُصُولِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ كَالْإِمَامِ أَوْ مَنْ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى اسْتِخْلَافِهِ، أَوْ مَنْ أَرَادَ سَدَّ فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ مَا يَلِيهِ مَعَ تَرْكِ مَنْ يَلِيهِ سَدَّهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعْدُودًا مِنَ الْأَذَى. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَطِّي؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِسَبَبِ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَقَدْ أَشَارَ هُوَ إِلَى الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْجَفَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ التَّخَطِّي، وَلَيْسَ كَمَنْ شَقَّ الصُّفُوفَ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخَطِّي رِقَابِهِمْ. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَفِيهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى الْوَجَاهَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ مَنْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالتَّرْكِ إِذَا فَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ اللُّزُومِ، وَكَأَنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي بَيَّنَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ هِيَ كَوْنُهُ شَقَّ الصُّفُوفَ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٤ - وبالسَّند قال (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) بالحاء المُهْمَلَة والزَّاي، واسمه: سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ) في أناسٍ من أصحابه بعد أن صلَّى الظُّهر (إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما، ابن مالك بن (١) الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وكانت منازلهم بقباء (لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ) لأنَّهم اقتتلوا حتَّى تراموا بالحجارة (فَحَانَتِ الصَّلاة)، أي: صلاة العصر (فَجَاءَ المُؤَذِّنُ) بلال (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) بأمر النَّبيِّ ، حيث قال له -كما عند الطَّبرانيِّ-: «إن حضرت صلاة (٢) العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» (فَقَالَ) له: (أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ) باللَّام، وللأَصيليِّ: «بالنَّاس» في أوَّل الوقت، أو تنتظر قليلًا ليأتي النَّبيُّ ؟ فرجح عند أبي بكر المبادرة لأنَّها فضيلةٌ مُتحقِّقَةٌ (٣) فلا تُتْرَك لفضيلةٍ متوهَّمةٍ (فَأُقِيمَُ) بالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فأنا أقيم، أو بالنَّصب جواب الاستفهام (قَالَ) أبو بكرٍ : (نَعَمْ) أَقِمِ الصَّلاة إن شئتَ (فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ) أي: دخل في الصَّلاة (فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ) دخلوا مع أبي بكر (فِي الصَّلاة) جملةٌ حاليَّةٌ (فَتَخَلَّصَ) من شقِّ الصُّفوف (حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ) الأوَّل، وهو جائزٌ للإمام، مكروهٌ لغيره، وفي رواية مسلمٍ: «فخرق الصُّفوف حتَّى قام عند الصَّف»، وفي رواية عبد العزيز [خ¦١٢٠١]: «يمشي في الصُّفوف» (فَصَفَّقَ النَّاسُ) أي: ضرب كلٌّ يدَه بالأخرى حتَّى سُمِعَ لها صوتٌ، لكن في رواية عبد العزيز (٤): «فأخذ النَّاس في

التَّصفيح» (١) بالحاء المُهْمَلَة، قال سهلٌ: «أتدرون ما التَّصفيح؟ هو التَّصفيق»، وهو يدلُّ على ترادُفِهِمَا عندَه (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) (لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ) «لأنَّه اختلاسٌ يختلسه الشَّيطان من صلاة الرَّجل» رواه ابنُ خزيمةَ (فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاس التَّصْفِيقَ التَفَتَ) رضي الله تعالى عنه (فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ) أي: أشار إليه بالمكث (فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ) بالتَّثنيَّة (فَحَمِدَ اللهَ) تعالى بلسانه (عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ (٢)) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ وأبي الوقتِ: «على ما أَمَرَ به» (رَسُولُ اللهِ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الوجاهة في الدِّين، وليس في رواية الحُمَيْديِّ عن سفيانَ -حيث قال: فرفع أبو بكرٍ رأسه إلى السَّماء (٣) شكرًا لله تعالى- ما يمنع ظاهر قولِه: «فحمد الله» من (٤) تلفُّظه بالحمد (ثُمَّ اسْتَأْخَرَ) أي: تأخَّر (أَبُو بَكْرٍ) من غير استدبارٍ للقِبْلَةِ ولا انحرافٍ عنها (حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ فَصَلَّى) بالنَّاس.

واستُنبِطَ منه أنَّ الإمام الرَّاتب إذا حضرَ بعدَ أنْ دخلَ نائبُه في الصَّلاة يتخيَّر بين أن يَأْتَمَّ به أو يَؤُمَّ هو، ويصيرُ النَّائب مأمومًا من غير أن يقطع الصَّلاة، ولا تبطل بشيء من ذلك صلاةُ أحدٍ من المَأمُومِين، والأصلُ عدم الخصوصيَّة خلافًا للمالكيَّة، وفيه: جواز إحرامِ المأموم قبل الإمام، وأنَّ المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا وفي بعضها مأمومًا (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الصَّلاة (قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ) في مكانك (إِذْ) أي: حين (أَمَرْتُكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) : (مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الحاء المُهْمَلَة (١) وبعد الألف فاء، عثمان بن عامر، أسلم في الفتح، وتوفي سنة أربع عشرة في خلافة عمر ، وعبر بذلك دون أن يقول: ما كان لي أو لأبي بكر تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته (أَنْ يصلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ) أي: قدَّامه إمامًا به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ :) ويحكم (٢) (مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ رَابَهُ) بالرَّاء،

وللأربعة: «من (١) نابه» أي: أصابه (شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ) أي: فليقل: سبحان الله، كما في رواية يعقوب بن أبي حازم (فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ) زاد الحُميديُّ: «والتسبيح للرِّجال»، وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: متى أتى بالذِّكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنَّه في الصَّلاة لم تبطل، فحملا التَّسبيح المذكور على قصد الإعلام بأنَّه في الصَّلاة، وحملا قوله: «من نابه» على نائبٍ مخصوصٍ وهو إرادة الإعلام بأنَّه في الصَّلاة، والأصل عدمُ هذا التَّخصيص لأنَّه عامٌّ؛ لكونه (٢) في سياق الشَّرط فيتناول كلًّا منهما، فالحمل على أحدهما من غير دليلٍ لا يُصَار إليه، لا سيَّما الَّتي هي سبب الحديث، لم يكن القصد فيها إِلَّا تنبيه الصِّدِّيق على حضوره ، فأرشدهم صلوات الله عليه وسلامه إلى أنَّه كان حقُّهم عند هذا النَّائب التَّسبيح، ولو خالف الرَّجل المشروع في حقِّه وصفَّق لم تبطل صلاته لأنَّ الصَّحابة صفَّقوا في صلاتهم (٣) ولم يأمرهم النَّبيُّ بالإعادة، لكن ينبغي أن يقيَّدَ بالقليل، فلو فعل ذلك ثلاث مرات متواليات بطُلَت صلاته لأنَّه ليس مأذونًا فيه، وأمَّا قوله : «ما لي رأيتكم أكثرتم التَّصفيق؟» مع كونه لم يأمرهم بالإعادة فلأنَّهم لم يكونوا علموا امتناعه، وقد لا يكون حينئذٍ ممتنعًا، أو أراد (٤) إكثار التَّصفيق من مجموعهم، ولا يضرُّ ذلك إذا كان كلُّ واحدٍ منهم لم يفعله ثلاثًا.

واستُنبِطَ منه أنَّ التَّابع إذا أمره المتبُوعُ بشيءٍ يُفهَمُ منه إكرامه به لأنَّه (٥) لا يتحتَّم عليه، ولا يكون تركه مخالفةً للأمر، بل أدبًا وتحرِّيًا (٦) في فهم المقاصد، وبقيَّة ما يُستنبَط منه يأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، ورواته الأربعة ما بين تنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله