«أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٨٩

الحديث رقم ٦٨٨٩ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٨٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا». فَقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.

بَابٌ إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ

إسناد حديث رقم ٦٨٨٩ من صحيح البخاري

٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٨٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

[الحديث ٦٨٨٨ - طرفه في: ٦٩٠٢]

٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ "أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا" فَقُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ) أَيْ مِنْ جِهَةِ غَرِيمِهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ (أَوِ اقْتَصَّ) أَيْ إِذَا وَجَبَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ دُونَ الْحَاكِمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ فِي التَّرْجَمَةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ حَقِّهِ دُونَ السُّلْطَانِ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ. قَالَ: وَأَمَّا أَخْذُ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْمَالِ خَاصَّةً إِذَا جَحَدَهُ إِيَّاهُ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ عَنِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ، انْتَهَى.

قُلْتُ: فَأَمَّا مَنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ فَكَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي نُسْخَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَنْتَهِي إِلَى قَوْلِهِمْ وَمِنْهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ شَيْئًا مِنَ الْحُدُودِ دُونَ السُّلْطَانِ، إِلَّا أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا عَلَى عَبْدِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَبِإِسْنَادِهِ لَوِ اطَّلَعَ إِلَخْ) هُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَّةِ التَّرْجَمَةِ، وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ حَدِيثٍ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَسُقِ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ هُنَا بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى أَوَّلِهِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ، وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْبُخَارِيِّ صَنِيعٌ فِي ذَلِكَ وَاطَّرَدَ صَنِيعُ مُسْلِمٍ فِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ بِأَنْ يَسُوقَ السَّنَدَ ثُمَّ يَقُولُ: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا ثُمَّ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُمَا فَاسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدِهِ عَلَى ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِلَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا.

قَوْلُهُ: (لَوِ اطَّلَعَ) الْفَاعِلُ مُؤَخَّرٌ وَهُوَ أَحَدٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ) احْتِرَازٌ مِمَّنِ اطَّلَعَ بِإِذْنٍ.

قَوْلُهُ: (حَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ) كَذَا هُنَا بِغَيْرِ فَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ فَحَذَفْتَهُ وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ.

وَقَوْلُهُ حَذَفْتَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَابِسِيِّ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ وَنَحْوِهِمَا إِمَّا بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَإِمَّا بَيْنَ السَّبَّابَتَيْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ بِالْمُعْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِالْمُهْمَلَةِ خَطَأٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَنَّهُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ جَزْمًا.

قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُهْمَلَةِ فِي ذَلِكَ مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) بِقَافٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ شَقَقْتَ عَيْنَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: فَقَأَ عَيْنَهُ أَطْفَأَ ضَوْءَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّ رَجُلًا) هو: الحكمُ بن أبي (١) العاص (اطَّلَعَ) بتشديد الطاء (فِي بَيْتِ النَّبِيِّ فَسَدَّدَ) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، أي: صوَّب (إِلَيْهِ) النَّبيُّ (٢) (مِشْقَصًا) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة بعدها قاف مفتوحة فصاد مهملة، منصوب على المفعوليَّة، النَّصل العريض، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والباقين: «فشدَّد» بالشين المعجمة. قال عياض: هو وهمٌ. قال يحيى: (فَقُلْتُ) لحُمَيدٍ: (مَنْ حَدَّثَكَ بهذا) الحديث؟ (قَالَ): حَدَّثني به (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) .

وهذا الحديث صُوْرته في الأوَّل مرسل؛ لأنَّ حُمَيدًا لم يدرك القصَّة، وقوله: «فقلت: من حدَّثك بهذا؟ قال: أنس»، يدلُّ على أنَّه مسندٌ موصولٌ.

(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا مَاتَ) شخصٌ (فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ) ولابن بطَّال زيادة: به، أي: بالزِّحام.

٦٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حَدَّثنا» ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: هِشَامٌ أَخْبَرَنَا) هو من تقديمِ اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، أي: قال أبو أسامة: أخبرنا هشام (عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ) بضم الهاء وكسر الزاي مبنيًّا للمفعول (فَصَاحَ إِبْلِيسُ) في المسلمين: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) قاتلوا (أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) لأجلِ قتال أُخراهم، ظانِّين أنَّهم من

المشركين (فَاجْتَلَدَتْ) بالجيم الساكنة فالفوقية فاللام فالدال المهملة المفتوحات ففوقية، فاقتتلتْ (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ) يقتله المسلمون يظنُّونه من المشركين (فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ (١)) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) لا تقتلوه (قَالَتْ) عائشة: (فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا) بالحاء المهملة الساكنة ثم الفوقية والجيم المفتوحتين والزاي، أي: ما انفصلوا، أو ما انكفُّوا عنه، أو ما تركوهُ (حَتَّى قَتَلُوهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ) معتذرًا عنهم؛ لكونهم قتلوه ظانِّين أنَّه من المشركين: (غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بالسَّند المذكور: (فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ) أي: من ذلك الفعل وهو العفو، أو من قتلهم لأبيه (بَقِيَّةٌ) أي: من حزنٍ على أبيه، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بقيَّة خير» أي: من دعاءٍ واستغفارٍ لقاتل أبيه (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) ﷿.

وعند السَّراج في «تاريخه» من طريق عكرمة: أنَّ والد حذيفة قتلَ يوم أحدٍ قتلَه بعضُ المسلمين وهو يظن أنَّه من المشركين، فودَاه رسولُ الله . ورجاله ثقاتٌ مع إرساله، وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب ديتُه في بيت المال؛ لأنَّه مات بفعل قومٍ من المسلمين، فوجبت ديتُه في بيت مالِ المسلمين، وقيل: تجب على جميعِ من حضرَ؛ لأنَّه مات بفعلِهم، فلا يتعدَّاهم إلى غيرِهم، وقال الشَّافعيُّ: يُقال لوليِّه: ادَّعِ على من شئتَ واحلف فإن حلفتَ استحقَّيت الدِّية، وإن نكلْتَ حلفَ المدَّعى عليه على النَّفي، وسقطَتِ المطالبةُ، وتوجيهه أنَّ الدَّم لا يجبُ إلَّا بالطَّلب، وقال مالكٌ: دمه هدرٌ؛ لأنَّه إذا لم يُعلم قاتلهُ بعينهِ استحالَ أن يؤخذَ به أحدٌ.

(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَتَلَ) شخصٌ (نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ). قال الإسماعيليُّ: ولا إذا قتلَها عمدًا، أي: فلا مفهومَ لقولهِ: «خطأ». قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ أنَّ البخاريَّ إنَّما قيَّد بالخطأ؛ لأنَّه محلُّ الخلاف.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

[الحديث ٦٨٨٨ - طرفه في: ٦٩٠٢]

٦٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ "أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ، فَسَدَّدَ إِلَيْهِ مِشْقَصًا" فَقُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ) أَيْ مِنْ جِهَةِ غَرِيمِهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ (أَوِ اقْتَصَّ) أَيْ إِذَا وَجَبَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ دُونَ الْحَاكِمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ فِي التَّرْجَمَةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ حَقِّهِ دُونَ السُّلْطَانِ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ. قَالَ: وَأَمَّا أَخْذُ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنَ الْمَالِ خَاصَّةً إِذَا جَحَدَهُ إِيَّاهُ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ عَنِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ، انْتَهَى.

قُلْتُ: فَأَمَّا مَنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ فَكَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي نُسْخَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَنْتَهِي إِلَى قَوْلِهِمْ وَمِنْهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ شَيْئًا مِنَ الْحُدُودِ دُونَ السُّلْطَانِ، إِلَّا أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا عَلَى عَبْدِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَبِإِسْنَادِهِ لَوِ اطَّلَعَ إِلَخْ) هُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَّةِ التَّرْجَمَةِ، وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ حَدِيثٍ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَسُقِ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ هُنَا بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى أَوَّلِهِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ، وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْبُخَارِيِّ صَنِيعٌ فِي ذَلِكَ وَاطَّرَدَ صَنِيعُ مُسْلِمٍ فِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ بِأَنْ يَسُوقَ السَّنَدَ ثُمَّ يَقُولُ: فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا ثُمَّ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُمَا فَاسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدِهِ عَلَى ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِلَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا.

قَوْلُهُ: (لَوِ اطَّلَعَ) الْفَاعِلُ مُؤَخَّرٌ وَهُوَ أَحَدٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ) احْتِرَازٌ مِمَّنِ اطَّلَعَ بِإِذْنٍ.

قَوْلُهُ: (حَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ) كَذَا هُنَا بِغَيْرِ فَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ فَحَذَفْتَهُ وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَحَذَفْتَهُ.

وَقَوْلُهُ حَذَفْتَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَابِسِيِّ وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ وَنَحْوِهِمَا إِمَّا بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَإِمَّا بَيْنَ السَّبَّابَتَيْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ بِالْمُعْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِالْمُهْمَلَةِ خَطَأٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَنَّهُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ جَزْمًا.

قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُهْمَلَةِ فِي ذَلِكَ مَجَازًا.

قَوْلُهُ: (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) بِقَافٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، أَيْ شَقَقْتَ عَيْنَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: فَقَأَ عَيْنَهُ أَطْفَأَ ضَوْءَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّ رَجُلًا) هو: الحكمُ بن أبي (١) العاص (اطَّلَعَ) بتشديد الطاء (فِي بَيْتِ النَّبِيِّ فَسَدَّدَ) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، أي: صوَّب (إِلَيْهِ) النَّبيُّ (٢) (مِشْقَصًا) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة بعدها قاف مفتوحة فصاد مهملة، منصوب على المفعوليَّة، النَّصل العريض، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والباقين: «فشدَّد» بالشين المعجمة. قال عياض: هو وهمٌ. قال يحيى: (فَقُلْتُ) لحُمَيدٍ: (مَنْ حَدَّثَكَ بهذا) الحديث؟ (قَالَ): حَدَّثني به (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) .

وهذا الحديث صُوْرته في الأوَّل مرسل؛ لأنَّ حُمَيدًا لم يدرك القصَّة، وقوله: «فقلت: من حدَّثك بهذا؟ قال: أنس»، يدلُّ على أنَّه مسندٌ موصولٌ.

(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا مَاتَ) شخصٌ (فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ) ولابن بطَّال زيادة: به، أي: بالزِّحام.

٦٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حَدَّثنا» ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: هِشَامٌ أَخْبَرَنَا) هو من تقديمِ اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، أي: قال أبو أسامة: أخبرنا هشام (عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ) بضم الهاء وكسر الزاي مبنيًّا للمفعول (فَصَاحَ إِبْلِيسُ) في المسلمين: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) قاتلوا (أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) لأجلِ قتال أُخراهم، ظانِّين أنَّهم من

المشركين (فَاجْتَلَدَتْ) بالجيم الساكنة فالفوقية فاللام فالدال المهملة المفتوحات ففوقية، فاقتتلتْ (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ) يقتله المسلمون يظنُّونه من المشركين (فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ (١)) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) لا تقتلوه (قَالَتْ) عائشة: (فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا) بالحاء المهملة الساكنة ثم الفوقية والجيم المفتوحتين والزاي، أي: ما انفصلوا، أو ما انكفُّوا عنه، أو ما تركوهُ (حَتَّى قَتَلُوهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ) معتذرًا عنهم؛ لكونهم قتلوه ظانِّين أنَّه من المشركين: (غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بالسَّند المذكور: (فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ) أي: من ذلك الفعل وهو العفو، أو من قتلهم لأبيه (بَقِيَّةٌ) أي: من حزنٍ على أبيه، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بقيَّة خير» أي: من دعاءٍ واستغفارٍ لقاتل أبيه (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) ﷿.

وعند السَّراج في «تاريخه» من طريق عكرمة: أنَّ والد حذيفة قتلَ يوم أحدٍ قتلَه بعضُ المسلمين وهو يظن أنَّه من المشركين، فودَاه رسولُ الله . ورجاله ثقاتٌ مع إرساله، وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب ديتُه في بيت المال؛ لأنَّه مات بفعل قومٍ من المسلمين، فوجبت ديتُه في بيت مالِ المسلمين، وقيل: تجب على جميعِ من حضرَ؛ لأنَّه مات بفعلِهم، فلا يتعدَّاهم إلى غيرِهم، وقال الشَّافعيُّ: يُقال لوليِّه: ادَّعِ على من شئتَ واحلف فإن حلفتَ استحقَّيت الدِّية، وإن نكلْتَ حلفَ المدَّعى عليه على النَّفي، وسقطَتِ المطالبةُ، وتوجيهه أنَّ الدَّم لا يجبُ إلَّا بالطَّلب، وقال مالكٌ: دمه هدرٌ؛ لأنَّه إذا لم يُعلم قاتلهُ بعينهِ استحالَ أن يؤخذَ به أحدٌ.

(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَتَلَ) شخصٌ (نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ). قال الإسماعيليُّ: ولا إذا قتلَها عمدًا، أي: فلا مفهومَ لقولهِ: «خطأ». قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ أنَّ البخاريَّ إنَّما قيَّد بالخطأ؛ لأنَّه محلُّ الخلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر