الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٩٢
الحديث رقم ٦٨٩٢ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٨٩٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ صِفَةُ قَتْلِ عَامِرٍ نَفْسَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فَفِيهِ: وَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ فَرَجَعَ ذُبَابُهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ.
قُلْتُ: وَنَقَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، وَالْبَابُ مُتَرْجَمٌ بِمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَظَنَّ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِنَّمَا سَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هُنَا، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ عَدَلَ هُنَا عَنْ رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِوُضُوحِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَعْتَمِدُ هَذِهِ الطَّرِيقَ كَثِيرًا فَيُتَرْجِمُ بِالْحُكْمِ وَيَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي مَكَانٍ آخَرَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُعِيدَهُ فَيُورِدَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ أَصْلًا أَوْ فِيهَا دَلَالَةٌ خَفِيَّةٌ، كُلُّ ذَلِكَ لِلْفِرَارِ مِنَ التَّكْرَارِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَلِيَبْعَثَ النَّاظِرَ فِيهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ وَمِنَ الْجَزْمِ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ مَثَلًا، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَإِنَّمَا أُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا بَعُدَ الْعَهْدُ بِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ شَيْخٍ مَكِّيٍّ بِلَفْظٍ فِيهِ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ أُصِيبَ عَامِرٌ بِقَائِمَةِ سَيْفِهِ فَمَاتَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: فَلَا دِيَةَ لَهُ لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ اللَّائِقُ بِهِ التَّرْجَمَةُ السَّابِقَةُ إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ فَلَا دِيَةَ لَهُ عَلَى الْمُزَاحِمِينَ لِظُهُورِ أَنَّ قَاتِلَ نَفْسَهُ لَا دِيَةَ لَهُ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ عَنْ نُسْخَةِ الْأَصْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ: دِيَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ.
قُلْتُ: نَعَمْ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنْ عَلَى قَائِلِهِ قَبْلَ الظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَمَا أَظُنُّ مَذْهَبَ الظَّاهِرِيَّةِ اشْتَهَرَ عِنْدَ تَصْنِيفِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَهُ فَإِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَهُ فِي حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ رَأْسَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ طَالِبًا وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمئِذٍ دُونَ الْعِشْرِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ بِأَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ: فَلَا دِيَةَ لَهُ يَلِيقُ بِتَرْجَمَةِ مَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ فَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَلْيَقُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ قَوِيٌّ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْزِمْ فِي التَّرْجَمَةِ بِنَفْيِ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ضَعِيفٌ فَجَزَمَ فِيهِ بِالنَّفْيِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ، فَظَهَرَ أَنَّ النَّقَلَةَ لَمْ يُخَالِفُوا تَصَرُّفَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَأَيُّ قَتِيلٍ، وَصَوَّبَهَا ابْنُ بَطَّالٍ وَكَذَا عِيَاضٌ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى خَطَأً مَحْضًا بَلْ يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى مَعْنَى الْأُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
٦٨٩٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَهُ".
٦٨٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى "عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ) أَيْ هَلْ يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ زُرَارَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، هُوَ الْعَامِرِيُّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ أَنَّهُ سَمِعَ زُرَارَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي يَعْلَى - يَعْنِي صَفْوَانَ -، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ مِثْلَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا السَّنَدِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ بِمِثْلِ الَّذِي قَبْلَهُ يَعْنِي حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قُلْتُ: وَلِشُعْبَةَ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ إِلَى يَعْلَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَعْلَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ يَدَهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَعْيِينُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ وَأَنَّهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى هَذِهِ الْقِصَّةَ وَهِيَ الْحَدِيثُ الثَّانِي فِي الْبَابِ، فَبَيَّنَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ أَجِيرًا لَهُ، وَلَفْظُهُ فِي الْجِهَادِ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَعُرِفَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ يَعْلَى وَأَجِيرُهُ وَأَنَّ يَعْلَى أَبْهَمَ نَفْسَهُ لَكِنْ عَيَّنَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَجِيرِهِ.
وَأَمَّا تَمْيِيزُ الْعَاضِّ مِنَ الْمَعْضُوضِ فَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ يَعْلَى قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى أَيُّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ فَنَسِيتُهُ فَظَنَّ أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْإِبْهَامِ، وَلَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: فَقَاتَلَ أَجِيرِي رَجُلًا فَعَضَّهُ الْآخَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمَّيْهِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا فَقَاتَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ عُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا مِنْ عِنْدِ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَضَّ فَإِنَّ يَعْلَى تَمِيمِيٌّ وَأَمَّا أَجِيرُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ تَمِيمِيٌّ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ رِوَايَةِ سَلَمَةَ وَلَفْظُهُ: فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ فَأَوْجَعَهُ وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْعَاضَّ هُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِهِ نَفْسَهُ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنْ يَكُونَ يَعْلَى هُوَ الْعَاضَّ فَقَالَ: يَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ يَعْلَى هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْأَجِيرَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ يَدَ رَجُلٍ وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَلْيَقُ إِذْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ الْفِعْلُ بِيَعْلَى مَعَ جَلَالَتِهِ وَفَضْلِهِ.
قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ الْأَجِيرَ هُوَ الْعَاضُّ وَإِنَّمَا الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ فَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْعَاضُّ غَيْرَ يَعْلَى، وَأَمَّا اسْتِبْعَادُهُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ يَعْلَى مَعَ جَلَالَتِهِ فَلَا مَعْنَى لَهُ مَعَ ثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ إِسْلَامِهِ فَلَا اسْتِبْعَادَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوضُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: الْمَعْضُوضُ هُوَ أَجِيرُ يَعْلَى لَا يَعْلَى فَقَالَ الْحُفَّاظُ: الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَعْضُوضَ أَجِيرُ يَعْلَى لَا يَعْلَى.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا لِيَعْلَى وَلِأَجِيرِهِ فِي وَقْتٍ أَوْ وَقْتَيْنِ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَا رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا غَيْرِهَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوضُ لَا صَرِيحًا وَلَا إِشَارَةً، وَقَالَ شَيْخُنَا: فَيَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْعَاضُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ
عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِي الْعَاضِّ هَلْ هُوَ يَعْلَى أَوْ آخَرُ أَجْنَبِيٌّ كَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ) وَكَذَا فِي حَدِيثِ يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْجِهَادِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ فَمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَجَذَبَهُ.
وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْإِجَارَةِ: فَعَضَّ إِصْبَعَ صَاحِبِهِ فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الذِّرَاعِ وَالْأصْبَعِ عُسْرٌ، وَيَبْعُدُ الْحَمْلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ إِصْبَعَهُ، وَهَذِهِ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهَا.
وَفِي رِوَايَةِ بديل بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: ذِرَاعَهُ، وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ عَنْهُ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ الذِّرَاعُ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَانْفِرَادُ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ الْأصْبَعِ لَا يُقَاوِمُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَعَاضِدَةَ عَلَى الذِّرَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ثَنَايَاهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ: فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بِلَفْظِ: فَجَذَبَ صَاحِبُهُ يَدَهُ فَطَرَحَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَدْ تَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ التَّثْنِيَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ فِي الِاثْنَيْنِ صِيغَةَ الْجَمْعِ، وَرَدُّ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ إِلَيْهَا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَهَذِهِ أَصْرَحُ فِي الْوَحْدَةِ، وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِي هَذَا بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ بَعِيدٌ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمُرَادُ يَعْلَى وَأَجِيرُهُ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ: فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى: فَانْطَلَقَ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَأَتَى، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الْمَغَازِي: فَأَتَيَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَعَضُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ فَيَعَضُّهُ وَأَصْلُ عَضَّ عَضِضَ بِكَسْرِ الْأُولَى يَعْضَضُ بِفَتْحِهَا فَأُدْغِمَتْ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ) وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ: كَعَضَاضِ الْفَحْلِ أَيِ الذَّكَرِ مِنَ الْإِبِلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ذُكُورِ الدَّوَابِّ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ هِشَامٍ: وَيَقْضَمُهَا بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ مِنَ الْقَضْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَالْخَضْمُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْقَافِ الْأَكْلُ بِأَقْصَاهَا وَبِأَدْنَى الْأَضْرَاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّقِّ وَالْكَسْرِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الصُّلْبِ؛ حَكَاهُ صَاحِبُ الرَّاعِي فِي اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا دِيَةَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا دِيَةَ لَكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَأَبْطَلَهُ وَقَالَ أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ: ثُمَّ تَأْتِي تَلْتَمِسُ الْعَقْلَ، لَا عَقْلَ لَهَا فَأَبْطَلَهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ: فَقَالَ مَا تَأْمُرنِي؟ أَتَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَقْضَمَهَا ثُمَّ انْزِعْهَا، كَذَا لِمُسْلِمٍ وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: إِنْ شِئْتَ أَمَرْنَاهُ فَعَضَّ يَدَكَ ثُمَّ انْتَزِعْهَا أَنْتَ، وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: فَأَهْدَرَهَا، وَفِي هَذَا الْبَابِ فَأَبْطَلَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِعُلُوِّ دَرَجَةٍ، وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْجِهَادِ وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنُزُولٍ لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِيهَا أَتَمُّ مِمَّا هُنَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْإِجَارَةِ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَغَازِي: سَمِعْتُ عَطَاءً، أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ: عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ كَذَلِكَ، وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ مُخْتَصَرَةٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَفِيهَا مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ، بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ.
وَقَدِ اعْتَرَضَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي تَخْرِيجِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَتَخْرِيجِهِ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُتَابَعَاتِ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَمُنْيَةُ الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا يَعْلَى هُنَا هِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَأَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا بَعْدَهَا كَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ، وَمُنْيَةُ أُمُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ هِيَ بِنْتُ جَابِرٍ عَمَّةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَقِيلَ أُخْتُهُ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ صَحَّفَهَا وَقَالَ: مُنَبِّهٌ بِفَتَخِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَأَغْرَبَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَقَالَ: منبه بِسُكُونِ النُّونِ أُمُّهُ، وَبِفَتْحِهَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَبُوهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي غَزَاةٍ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ بِلَفْظِ: جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ بِأَنَّ فِي بَابِ مَنْ أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ صُفْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ، وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَانَ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فَأَوْرَدَهُمَا مَعًا عَاطِفًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَا بِهَذَا الِاخْتِصَارِ الْمُجْحِفِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ: قَاتَلَ رَجُلٌ آخَرَ فَعَضَّ يَدَهُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَانْتَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ طُرُقِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَرَ سِلَاحًا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَذَا لَا يَضْمَنُ سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا، قَالُوا وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوضُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَشَرْطُ الْإِهْدَارِ أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَعْضُوضُ وَأَنْ لَا يُمْكِنَهُ تَخْلِيصُ يَدِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ فِي شِدْقَيْهِ أَوْ فَكِّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلَهَا، وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيصُ بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَلِ لَمْ يُهْدَرْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ.
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِنْذَارِ شِدَّةَ الْعَضِّ لَا النَّزْعَ فَيَكُونُ سُقُوطُ ثَنِيَّةِ الْعَاضِّ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمَعْضُوضِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِ الْيَدِ لَأَمْكَنَهُ أَنْ يُخَلِّصَ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ قَلْعٍ، وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْأَثْقَلِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَخَفِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَاضُّ قَصَدَ الْعُضْوَ نَفْسَهُ وَالَّذِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) العامريَّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) اسمه: يعلى بن أميَّة (عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) هو أجيرُ يعلى العاضِّ، كما عند النَّسائيِّ مصرَّحًا به من رواية يعلى نفسه، ولم يُسمَّ الأجيرُ (فَنَزَعَ) المعضوضُ (يَدَهُ مِنْ فَمِهِ) من فم العاضِّ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من فيه» بالتحتية بدل الميم، وهو الأكثرُ في اللُّغة، وإن كانت الأولى فاشيةً كثيرةً (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) بالفوقية بعد التحتية بالتَّثنية، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «ثناياهُ» بلفظ الجمعِ على رأي من يجيزُ في الاثنين صيغة الجمع، وليس للإنسانِ إلَّا ثنيَّتان (١) (فَاخْتَصَمُوا) بلفظ الجمع؛ لأنَّ لكلِّ مخاصمٍ جماعةٌ يخاصِمون معه، أو لأنَّ ضمير الجمع يقع على المثنَّى كقولهِ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) يتعلَّق بـ «اختصموا»، وتعدَّى بـ «إلى» وإن كان اختصمَ لا يتعدَّى بـ «إلى»؛ لأنَّه ملموحٌ فيه معنى: تحاكموا (فَقَالَ) ﷺ: (يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) بحذف همزةِ الاستفهام، والأصل: أيعضُّ على طريق الإنكارِ، وحذفتْ كما حذفت من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] التَّقدير: أو تلك نعمة، والمعنى: أيعضُّ أحدُكم يد أخيهِ (كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟) أي: الذَّكر من الإبل، والكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أيعضُّ أحدُكم أخاهُ عضًّا مثل ما يعضُّ الفحلُ (لَا دِيَةَ لَكَ) «لا» نافيةٌ، و «ديةٌ» مَبنيٌّ مع «لا»، ومحلُّ «لا» مع اسمها رفعٌ بالابتداء، والخبر في المجرور، أو محذوفٌ على مذهب الأكثرين، فيكون «لك» في محلِّ صفة، والتَّقدير: لا ديةَ كائنةً لك موجودة، وفي روايةِ ابن عساكرَ في نسخة وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» بالهاء بدل كاف «لك». قال النَّوويُّ: ولو عُضَّت يده خلَّصها بالأسهلِ من فكِّ لحييهِ وضرب شدقيهِ (٢)، فإن عجز فسلَّها فندرتْ أسنانُه، أي: سقطَتْ، فهدَرٌ، أي: لأنَّ العضَّ لا يجوزُ بحالٍ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «القِصاص»، وابن ماجه في «الدِّيات» أيضًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ صِفَةُ قَتْلِ عَامِرٍ نَفْسَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فَفِيهِ: وَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ فَرَجَعَ ذُبَابُهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ.
قُلْتُ: وَنَقَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، وَالْبَابُ مُتَرْجَمٌ بِمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَظَنَّ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ وَإِنَّمَا سَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هُنَا، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ عَدَلَ هُنَا عَنْ رِوَايَةِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِوُضُوحِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَعْتَمِدُ هَذِهِ الطَّرِيقَ كَثِيرًا فَيُتَرْجِمُ بِالْحُكْمِ وَيَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا فِي مَكَانٍ آخَرَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُعِيدَهُ فَيُورِدَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ أَصْلًا أَوْ فِيهَا دَلَالَةٌ خَفِيَّةٌ، كُلُّ ذَلِكَ لِلْفِرَارِ مِنَ التَّكْرَارِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَلِيَبْعَثَ النَّاظِرَ فِيهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ وَمِنَ الْجَزْمِ بِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ مَثَلًا، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَإِنَّمَا أُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا بَعُدَ الْعَهْدُ بِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ شَيْخٍ مَكِّيٍّ بِلَفْظٍ فِيهِ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ أُصِيبَ عَامِرٌ بِقَائِمَةِ سَيْفِهِ فَمَاتَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: فَلَا دِيَةَ لَهُ لَا وَجْهَ لَهُ هُنَا، وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ اللَّائِقُ بِهِ التَّرْجَمَةُ السَّابِقَةُ إِذَا مَاتَ فِي الزِّحَامِ فَلَا دِيَةَ لَهُ عَلَى الْمُزَاحِمِينَ لِظُهُورِ أَنَّ قَاتِلَ نَفْسَهُ لَا دِيَةَ لَهُ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ عَنْ نُسْخَةِ الْأَصْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ: دِيَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ.
قُلْتُ: نَعَمْ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنْ عَلَى قَائِلِهِ قَبْلَ الظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَمَا أَظُنُّ مَذْهَبَ الظَّاهِرِيَّةِ اشْتَهَرَ عِنْدَ تَصْنِيفِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَهُ فَإِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَهُ فِي حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ رَأْسَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ طَالِبًا وَكَانَ سِنُّهُ يَوْمئِذٍ دُونَ الْعِشْرِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ بِأَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ: فَلَا دِيَةَ لَهُ يَلِيقُ بِتَرْجَمَةِ مَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ فَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَلْيَقُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ قَوِيٌّ فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْزِمْ فِي التَّرْجَمَةِ بِنَفْيِ الدِّيَةِ، بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ضَعِيفٌ فَجَزَمَ فِيهِ بِالنَّفْيِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ، فَظَهَرَ أَنَّ النَّقَلَةَ لَمْ يُخَالِفُوا تَصَرُّفَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَأَيُّ قَتْلٍ يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَأَيُّ قَتِيلٍ، وَصَوَّبَهَا ابْنُ بَطَّالٍ وَكَذَا عِيَاضٌ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى خَطَأً مَحْضًا بَلْ يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى مَعْنَى الْأُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨ - بَاب إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
٦٨٩٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَهُ".
٦٨٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى "عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ، فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ) أَيْ هَلْ يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ زُرَارَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، هُوَ الْعَامِرِيُّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ أَنَّهُ سَمِعَ زُرَارَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْحَدِيثَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي يَعْلَى - يَعْنِي صَفْوَانَ -، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ مِثْلَهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا السَّنَدِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ بِمِثْلِ الَّذِي قَبْلَهُ يَعْنِي حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قُلْتُ: وَلِشُعْبَةَ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ إِلَى يَعْلَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَعْلَى، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ يَدَهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَعْيِينُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ وَأَنَّهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى هَذِهِ الْقِصَّةَ وَهِيَ الْحَدِيثُ الثَّانِي فِي الْبَابِ، فَبَيَّنَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ أَجِيرًا لَهُ، وَلَفْظُهُ فِي الْجِهَادِ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَعُرِفَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ الْمُبْهَمَيْنِ يَعْلَى وَأَجِيرُهُ وَأَنَّ يَعْلَى أَبْهَمَ نَفْسَهُ لَكِنْ عَيَّنَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَجِيرِهِ.
وَأَمَّا تَمْيِيزُ الْعَاضِّ مِنَ الْمَعْضُوضِ فَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ يَعْلَى قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى أَيُّهُمَا عَضَّ الْآخَرَ فَنَسِيتُهُ فَظَنَّ أَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْإِبْهَامِ، وَلَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: فَقَاتَلَ أَجِيرِي رَجُلًا فَعَضَّهُ الْآخَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمَّيْهِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا فَقَاتَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ عُبَيْدِ بْنِ عُقَيْلٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا مِنْ عِنْدِ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَضَّ فَإِنَّ يَعْلَى تَمِيمِيٌّ وَأَمَّا أَجِيرُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ تَمِيمِيٌّ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ رِوَايَةِ سَلَمَةَ وَلَفْظُهُ: فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ فَأَوْجَعَهُ وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْعَاضَّ هُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِهِ نَفْسَهُ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنْ يَكُونَ يَعْلَى هُوَ الْعَاضَّ فَقَالَ: يَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ يَعْلَى هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْأَجِيرَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ يَدَ رَجُلٍ وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَلْيَقُ إِذْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ الْفِعْلُ بِيَعْلَى مَعَ جَلَالَتِهِ وَفَضْلِهِ.
قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ الْأَجِيرَ هُوَ الْعَاضُّ وَإِنَّمَا الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ فَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْعَاضُّ غَيْرَ يَعْلَى، وَأَمَّا اسْتِبْعَادُهُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ يَعْلَى مَعَ جَلَالَتِهِ فَلَا مَعْنَى لَهُ مَعَ ثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ إِسْلَامِهِ فَلَا اسْتِبْعَادَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوضُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: الْمَعْضُوضُ هُوَ أَجِيرُ يَعْلَى لَا يَعْلَى فَقَالَ الْحُفَّاظُ: الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَعْضُوضَ أَجِيرُ يَعْلَى لَا يَعْلَى.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا لِيَعْلَى وَلِأَجِيرِهِ فِي وَقْتٍ أَوْ وَقْتَيْنِ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَا رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا غَيْرِهَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوضُ لَا صَرِيحًا وَلَا إِشَارَةً، وَقَالَ شَيْخُنَا: فَيَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْعَاضُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ
عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِي الْعَاضِّ هَلْ هُوَ يَعْلَى أَوْ آخَرُ أَجْنَبِيٌّ كَمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ) وَكَذَا فِي حَدِيثِ يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْجِهَادِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ فَمِهِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَجَذَبَهُ.
وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى الْمَاضِي فِي الْإِجَارَةِ: فَعَضَّ إِصْبَعَ صَاحِبِهِ فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الذِّرَاعِ وَالْأصْبَعِ عُسْرٌ، وَيَبْعُدُ الْحَمْلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ إِصْبَعَهُ، وَهَذِهِ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهَا.
وَفِي رِوَايَةِ بديل بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: ذِرَاعَهُ، وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ عَنْهُ، فَالَّذِي يَتَرَجَّحُ الذِّرَاعُ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وَانْفِرَادُ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ الْأصْبَعِ لَا يُقَاوِمُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَعَاضِدَةَ عَلَى الذِّرَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ثَنَايَاهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمَذْكُورَةِ: فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَكَذَا لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بِلَفْظِ: فَجَذَبَ صَاحِبُهُ يَدَهُ فَطَرَحَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَدْ تَتَرَجَّحَ رِوَايَةُ التَّثْنِيَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ فِي الِاثْنَيْنِ صِيغَةَ الْجَمْعِ، وَرَدُّ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْإِفْرَادِ إِلَيْهَا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَهَذِهِ أَصْرَحُ فِي الْوَحْدَةِ، وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِي هَذَا بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ بَعِيدٌ أَيْضًا لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَنَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمُرَادُ يَعْلَى وَأَجِيرُهُ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا مِمَّنْ يَلُوذُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ: فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى: فَانْطَلَقَ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَأَتَى، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الْمَغَازِي: فَأَتَيَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ يَعَضُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ فَيَعَضُّهُ وَأَصْلُ عَضَّ عَضِضَ بِكَسْرِ الْأُولَى يَعْضَضُ بِفَتْحِهَا فَأُدْغِمَتْ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ) وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ: كَعَضَاضِ الْفَحْلِ أَيِ الذَّكَرِ مِنَ الْإِبِلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ذُكُورِ الدَّوَابِّ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْجِهَادِ وَكَذَا فِي حَدِيثِ هِشَامٍ: وَيَقْضَمُهَا بِسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ مِنَ الْقَضْمِ وَهُوَ الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ، وَالْخَضْمُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْقَافِ الْأَكْلُ بِأَقْصَاهَا وَبِأَدْنَى الْأَضْرَاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّقِّ وَالْكَسْرِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الصُّلْبِ؛ حَكَاهُ صَاحِبُ الرَّاعِي فِي اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا دِيَةَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا دِيَةَ لَكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَأَبْطَلَهُ وَقَالَ أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ: ثُمَّ تَأْتِي تَلْتَمِسُ الْعَقْلَ، لَا عَقْلَ لَهَا فَأَبْطَلَهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ: فَقَالَ مَا تَأْمُرنِي؟ أَتَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَقْضَمَهَا ثُمَّ انْزِعْهَا، كَذَا لِمُسْلِمٍ وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: إِنْ شِئْتَ أَمَرْنَاهُ فَعَضَّ يَدَكَ ثُمَّ انْتَزِعْهَا أَنْتَ، وَفِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: فَأَهْدَرَهَا، وَفِي هَذَا الْبَابِ فَأَبْطَلَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِعُلُوِّ دَرَجَةٍ، وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْجِهَادِ وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنُزُولٍ لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِيهَا أَتَمُّ مِمَّا هُنَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْإِجَارَةِ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَغَازِي: سَمِعْتُ عَطَاءً، أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ: عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ عَطَاءٍ كَذَلِكَ، وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ مُخْتَصَرَةٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ وَفِيهَا مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ، بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى: أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ.
وَقَدِ اعْتَرَضَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي تَخْرِيجِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَتَخْرِيجِهِ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُتَابَعَاتِ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَمُنْيَةُ الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا يَعْلَى هُنَا هِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَأَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا بَعْدَهَا كَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ، وَمُنْيَةُ أُمُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ هِيَ بِنْتُ جَابِرٍ عَمَّةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَقِيلَ أُخْتُهُ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ صَحَّفَهَا وَقَالَ: مُنَبِّهٌ بِفَتَخِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَأَغْرَبَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَقَالَ: منبه بِسُكُونِ النُّونِ أُمُّهُ، وَبِفَتْحِهَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَبُوهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي غَزَاةٍ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ بِلَفْظِ: جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ بِأَنَّ فِي بَابِ مَنْ أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ صُفْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ، وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَانَ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فَأَوْرَدَهُمَا مَعًا عَاطِفًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَا بِهَذَا الِاخْتِصَارِ الْمُجْحِفِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ: قَاتَلَ رَجُلٌ آخَرَ فَعَضَّ يَدَهُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَانْتَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ طُرُقِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَرَ سِلَاحًا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَذَا لَا يَضْمَنُ سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا، قَالُوا وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوضُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَشَرْطُ الْإِهْدَارِ أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَعْضُوضُ وَأَنْ لَا يُمْكِنَهُ تَخْلِيصُ يَدِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ فِي شِدْقَيْهِ أَوْ فَكِّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلَهَا، وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيصُ بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَلِ لَمْ يُهْدَرْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ.
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِنْذَارِ شِدَّةَ الْعَضِّ لَا النَّزْعَ فَيَكُونُ سُقُوطُ ثَنِيَّةِ الْعَاضِّ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمَعْضُوضِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِ الْيَدِ لَأَمْكَنَهُ أَنْ يُخَلِّصَ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ قَلْعٍ، وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْأَثْقَلِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَخَفِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَاضُّ قَصَدَ الْعُضْوَ نَفْسَهُ وَالَّذِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) العامريَّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) اسمه: يعلى بن أميَّة (عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) هو أجيرُ يعلى العاضِّ، كما عند النَّسائيِّ مصرَّحًا به من رواية يعلى نفسه، ولم يُسمَّ الأجيرُ (فَنَزَعَ) المعضوضُ (يَدَهُ مِنْ فَمِهِ) من فم العاضِّ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من فيه» بالتحتية بدل الميم، وهو الأكثرُ في اللُّغة، وإن كانت الأولى فاشيةً كثيرةً (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) بالفوقية بعد التحتية بالتَّثنية، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «ثناياهُ» بلفظ الجمعِ على رأي من يجيزُ في الاثنين صيغة الجمع، وليس للإنسانِ إلَّا ثنيَّتان (١) (فَاخْتَصَمُوا) بلفظ الجمع؛ لأنَّ لكلِّ مخاصمٍ جماعةٌ يخاصِمون معه، أو لأنَّ ضمير الجمع يقع على المثنَّى كقولهِ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ) يتعلَّق بـ «اختصموا»، وتعدَّى بـ «إلى» وإن كان اختصمَ لا يتعدَّى بـ «إلى»؛ لأنَّه ملموحٌ فيه معنى: تحاكموا (فَقَالَ) ﷺ: (يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) بحذف همزةِ الاستفهام، والأصل: أيعضُّ على طريق الإنكارِ، وحذفتْ كما حذفت من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] التَّقدير: أو تلك نعمة، والمعنى: أيعضُّ أحدُكم يد أخيهِ (كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟) أي: الذَّكر من الإبل، والكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أيعضُّ أحدُكم أخاهُ عضًّا مثل ما يعضُّ الفحلُ (لَا دِيَةَ لَكَ) «لا» نافيةٌ، و «ديةٌ» مَبنيٌّ مع «لا»، ومحلُّ «لا» مع اسمها رفعٌ بالابتداء، والخبر في المجرور، أو محذوفٌ على مذهب الأكثرين، فيكون «لك» في محلِّ صفة، والتَّقدير: لا ديةَ كائنةً لك موجودة، وفي روايةِ ابن عساكرَ في نسخة وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» بالهاء بدل كاف «لك». قال النَّوويُّ: ولو عُضَّت يده خلَّصها بالأسهلِ من فكِّ لحييهِ وضرب شدقيهِ (٢)، فإن عجز فسلَّها فندرتْ أسنانُه، أي: سقطَتْ، فهدَرٌ، أي: لأنَّ العضَّ لا يجوزُ بحالٍ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «القِصاص»، وابن ماجه في «الدِّيات» أيضًا.