الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٤٤
الحديث رقم ٦٩٤٤ من كتاب «كتاب الإكراه» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُكْرَهِ ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُدَّةُ الْمَقْدُورَةُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْمِنْشَارِ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَلِلْأَكْثَرِ مَا بَدَلَ مِنْ، وَقَوْلُهُ: هُوَ الْأَمْرُ أَيِ الْإِسْلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِصَنْعَاءَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَاخْتَارَ الْقَتْلَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اخْتَارَ الرُّخْصَةَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكُفْرِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا فَالْفِعْلُ أَوْلَى، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَلْ يَأْثَمُ إِنْ مُنِعَ مِنْ أَكْلِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَلَمْ يَأْكُلْ.
٢ - بَاب فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ
٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اسْتَدَلَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَالْحَدِيثُ بِبَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَشْبَهُ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الشَّيْءِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَالْيَهُودُ لَوْ لَمْ يَبِيعُوا أَرْضَهُمْ لَمْ يُلْزَمُوا بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَاخْتَارُوا بَيْعَهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِهَا كَمَنْ رَهِقَهُ دَيْنٌ فَاضْطُرَّ إِلَى بَيْعِ مَالَهُ فَيَكُونُ جَائِزًا وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ.
قُلْتُ: لَمْ يَقْتَصِرِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمُكْرَهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَيْعُ الْمُكْرَهِ وَنَحْوُهُ فِي الْحَقِّ فَدخل فِي تَرْجَمَتِهِ الْمُضْطَرُّ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ولو أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ، كَذَا تَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَتَوْجِيهُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْمُضْطَرِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ قِصَّةِ الْيَهُودِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَرْجَمَ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الشِّقَّ الْأَوَّلَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَقِّ الدَّيْنُ وَبِغَيْرِهِ مَا عَدَاهُ مِمَّا يَكُونُ بَيْعُهُ لَازِمًا، لِأَنَّ الْيَهُودَ أُكْرِهُوا عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ لَا لِدَيْنٍ عَلَيْهِمْ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ الْجَلَاءُ وَبِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ الْجِنَايَاتُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْحَقَّ الْمَالِيَّاتُ وَبِقَوْلِهِ غَيْرَهُ الْجَلَاءُ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَغَيْرِهِ الدَّيْنَ فَيَكُونُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَإِذَا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ سَبَبٌ غَيْرُ مَالِيٍّ فَالْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ سَبَبٌ مَالِيٌّ أَوْلَى.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ لَمْ يُسَمَّوْا وَلَمْ يُنْسَبُوا، وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَوْهَمَ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُمْ بَنُو النَّضِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَكَانَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
هذا (١) تسلية لهم … إلى آخره لا يدلُّ على أنَّه دعا لهم، بل يدلُّ على أنَّهم لا يستعجلون في إجابةِ الدُّعاء في الدُّنيا على أنَّ الظَّاهر منه تركُ الاستعجالِ (٢) في هذا الوقتِ، ولو كان يجابُ لهم فيما بَعْدُ.
والحديث مضى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٢] وفي «مبعث النَّبيِّ ﷺ» [خ¦٣٨٥٢].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي) بيان (بَيْعِ المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وهو الَّذي يحمل على بيعِ الشَّيء شاء أو (٣) أبى (وَنَحْوِهِ) أي: المضطرّ (فِي الحَقِّ) المالي (وَغَيْرِهِ) أي: الجلاء، أو المراد بالحقِّ: الدَّين، وبغيره: ما (٤) عداه ممَّا يكون بيعه لازمًا، أو المراد بقولهِ: وغيره: الدَّين، فيكون من الخاصِّ بعد العامِّ.
٦٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا) ولأبي الوقتِ: «إلينا» (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ) غير منصرفٍ (فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ (٥) المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدال المهملة آخره سين مهملة، موضعُ
قراءتهم التَّوراة، وإضافة البيت إليه من إضافةِ العامِّ إلى الخاصِّ، قاله في «الكواكب».
وقال في «الفتح»: المِدْرَاس كبيرُ اليهود، ونُسب البيت إليه؛ لأنَّه الَّذي كان صاحب دراسةِ كتبِهم، أي: قراءتها. قال: والصَّواب أنَّه على حذف الموصوفِ، والمراد: الرَّجل، وفي «كتاب الجزية» [خ¦٣١٦٧] حتَّى جئنا بيتَ المدارس. بتأخير الرَّاء عن الألف بصيغة المفاعلة، وهو من يَدْرس الكتاب ويُعلِّمه غيره (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فنادى»: (يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا) بكسر اللام (تَسْلَمُوا) بفتحها (فَقَالُوا) له ﷺ: (قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ) ﷺ: (ذَلِكَ) التَّبليغ واعترافكم به (أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ): يا معشر يَهود أسلِمُوا تسلَموا (فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ) ولأبي ذرٍّ: «في الثالثة» (فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (١) (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) يحكمُ فيها بما أراهُ الله؛ لكونه المبلِّغ عنه تعالى القائم بتنفيذِ أوامرِه (وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضم الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها وسكون الجيم وكسر اللام، أي: أخرجكم من الأرضِ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) ضمَّن «وجدَ» معنى بخل فعدَّاه بالباء، أو «وجد» من الوجدان، والباء سببيَّة، أي: فمَن وجدَ منكم بماله شيئًا من المحبَّة، أو هي للمُقابلة.
قال الخطَّابي: استدلَّ (٢) به البخاريُّ على جوازِ بيع المكرَهِ، وهو ببيع المضطرّ أشبَهُ، وإنَّما المكرَه على البيع هو الَّذي يُحْمل على البيعِ أرادَ أو لم يُرد، واليهودُ لو لم يبيعوا أرضَهم لم يلزموا بذلك، وإنَّما شحُّوا على أموالهم فاختاروا بيعَها، فصاروا كأنَّهم اضطرّوا إلى بيعِها كمَن رَهَقه دَيْنٌ فاضطرَّ إلى بيعِ ماله فيكون جائزًا، ولو أُكره عليه لم يجزْ. انتهى.
قال في «الفتح (٣)»: إنَّ البخاريَّ لم يقتصرْ في التَّرجمة على المكرَه، وإنَّما قال: بيع المكرَهِ ونحوه في الحقِّ، فدخلَ في ترجمتهِ المضطرُّ، وكأنَّه أشار إلى الرَّدِّ على من لم يصحِّح بيعَ المضطرِّ. وقوله (٤): ولو أُكره عليه لم يجزْ. مردودٌ لأنَّه إكراهٌ (٥) بحقٍّ (وَإِلَّا) بأن لم تجدوا شيئًا
(فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) وللكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).
والحديث سبقَ في «الجزيةِ» [خ¦٣١٦٧]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَراج»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يَجُوزُ نِكَاحُ المُكْرَهِ) بفتح الراء، وقوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) إمَاءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) على الزِّنا (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) تعفُّفًا عن الزِّنا، وإنَّما قيَّده بهذا الشَّرط؛ لأنَّ الإكراهَ لا يكون إلَّا معَ إرادةِ التَّحصُّن، فآمرُ الطيِّعة (١) بالبغاءِ لا يسمَّى مكرهًا ولا أمرُه إكراهًا، ولأنَّها نزلت على سبب، فوقع النَّهي عن تلك الصِّفة، وفيه توبيخٌ للموالي (٢) أي: إذا رغبنَ في التَّحصُّن (٣) فأنتُم أحقُّ بذلك (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) أي: لتبتغوا بإكراههنَّ على الزِّنا أجورهنَّ وأموالهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) لهنَّ، وإثمهنَّ على من أَكْرههنَّ، وفي «مسند البزَّار» عن الزُّهريِّ قال: كانت جاريةٌ لعبد الله ابن أُبيٍّ يقال لها: مُعَاذة يُكرهها على الزِّنا، فلمَّا جاء (٤) الإسلامُ نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء﴾ إلى قولهِ: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وعند النَّسائيِّ عن جابرٍ: أنَّه كان يُقال لها: مُسَيْكة (٥)، وكان يُكْرهها على الفجورِ، وكانت لا بأسَ بها فتأبى، فأنزلَ الله هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾ الآية إلى آخرها، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد ﴿الْبِغَاء﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
واستُشكل ذكر هذه الآية هنا. وأُجيب بأنَّه إذا نُهيَ عن الإكراهِ فيما لا يحلُّ فالنَّهي عن الإكراهِ فيما يحلُّ بالطَّريق الأولى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمُدَّةُ الْمَقْدُورَةُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْمِنْشَارِ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَلِلْأَكْثَرِ مَا بَدَلَ مِنْ، وَقَوْلُهُ: هُوَ الْأَمْرُ أَيِ الْإِسْلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِصَنْعَاءَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَاخْتَارَ الْقَتْلَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اخْتَارَ الرُّخْصَةَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكُفْرِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا فَالْفِعْلُ أَوْلَى، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَلْ يَأْثَمُ إِنْ مُنِعَ مِنْ أَكْلِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَلَمْ يَأْكُلْ.
٢ - بَاب فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ
٦٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا. فَقَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ: ذَلِكَ أُرِيدُ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اسْتَدَلَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَالْحَدِيثُ بِبَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَشْبَهُ، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الشَّيْءِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَالْيَهُودُ لَوْ لَمْ يَبِيعُوا أَرْضَهُمْ لَمْ يُلْزَمُوا بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ شَحُّوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَاخْتَارُوا بَيْعَهَا فَصَارُوا كَأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِهَا كَمَنْ رَهِقَهُ دَيْنٌ فَاضْطُرَّ إِلَى بَيْعِ مَالَهُ فَيَكُونُ جَائِزًا وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ.
قُلْتُ: لَمْ يَقْتَصِرِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمُكْرَهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَيْعُ الْمُكْرَهِ وَنَحْوُهُ فِي الْحَقِّ فَدخل فِي تَرْجَمَتِهِ الْمُضْطَرُّ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَا يُصَحِّحُ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ ولو أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ، كَذَا تَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَتَوْجِيهُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْمُضْطَرِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ قِصَّةِ الْيَهُودِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَرْجَمَ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الشِّقَّ الْأَوَّلَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَقِّ الدَّيْنُ وَبِغَيْرِهِ مَا عَدَاهُ مِمَّا يَكُونُ بَيْعُهُ لَازِمًا، لِأَنَّ الْيَهُودَ أُكْرِهُوا عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ لَا لِدَيْنٍ عَلَيْهِمْ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ الْجَلَاءُ وَبِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ الْجِنَايَاتُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْحَقَّ الْمَالِيَّاتُ وَبِقَوْلِهِ غَيْرَهُ الْجَلَاءُ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَغَيْرِهِ الدَّيْنَ فَيَكُونُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَإِذَا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ سَبَبٌ غَيْرُ مَالِيٍّ فَالْبَيْعُ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ سَبَبٌ مَالِيٌّ أَوْلَى.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ لَمْ يُسَمَّوْا وَلَمْ يُنْسَبُوا، وَقَدْ أَوْرَدَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَوْهَمَ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُمْ بَنُو النَّضِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَكَانَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
هذا (١) تسلية لهم … إلى آخره لا يدلُّ على أنَّه دعا لهم، بل يدلُّ على أنَّهم لا يستعجلون في إجابةِ الدُّعاء في الدُّنيا على أنَّ الظَّاهر منه تركُ الاستعجالِ (٢) في هذا الوقتِ، ولو كان يجابُ لهم فيما بَعْدُ.
والحديث مضى في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٢] وفي «مبعث النَّبيِّ ﷺ» [خ¦٣٨٥٢].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي) بيان (بَيْعِ المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وهو الَّذي يحمل على بيعِ الشَّيء شاء أو (٣) أبى (وَنَحْوِهِ) أي: المضطرّ (فِي الحَقِّ) المالي (وَغَيْرِهِ) أي: الجلاء، أو المراد بالحقِّ: الدَّين، وبغيره: ما (٤) عداه ممَّا يكون بيعه لازمًا، أو المراد بقولهِ: وغيره: الدَّين، فيكون من الخاصِّ بعد العامِّ.
٦٩٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا) ولأبي الوقتِ: «إلينا» (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ) غير منصرفٍ (فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ (٥) المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدال المهملة آخره سين مهملة، موضعُ
قراءتهم التَّوراة، وإضافة البيت إليه من إضافةِ العامِّ إلى الخاصِّ، قاله في «الكواكب».
وقال في «الفتح»: المِدْرَاس كبيرُ اليهود، ونُسب البيت إليه؛ لأنَّه الَّذي كان صاحب دراسةِ كتبِهم، أي: قراءتها. قال: والصَّواب أنَّه على حذف الموصوفِ، والمراد: الرَّجل، وفي «كتاب الجزية» [خ¦٣١٦٧] حتَّى جئنا بيتَ المدارس. بتأخير الرَّاء عن الألف بصيغة المفاعلة، وهو من يَدْرس الكتاب ويُعلِّمه غيره (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فنادى»: (يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا) بكسر اللام (تَسْلَمُوا) بفتحها (فَقَالُوا) له ﷺ: (قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ) ﷺ: (ذَلِكَ) التَّبليغ واعترافكم به (أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ): يا معشر يَهود أسلِمُوا تسلَموا (فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ) ولأبي ذرٍّ: «في الثالثة» (فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (١) (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) يحكمُ فيها بما أراهُ الله؛ لكونه المبلِّغ عنه تعالى القائم بتنفيذِ أوامرِه (وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضم الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بفتحها وسكون الجيم وكسر اللام، أي: أخرجكم من الأرضِ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) ضمَّن «وجدَ» معنى بخل فعدَّاه بالباء، أو «وجد» من الوجدان، والباء سببيَّة، أي: فمَن وجدَ منكم بماله شيئًا من المحبَّة، أو هي للمُقابلة.
قال الخطَّابي: استدلَّ (٢) به البخاريُّ على جوازِ بيع المكرَهِ، وهو ببيع المضطرّ أشبَهُ، وإنَّما المكرَه على البيع هو الَّذي يُحْمل على البيعِ أرادَ أو لم يُرد، واليهودُ لو لم يبيعوا أرضَهم لم يلزموا بذلك، وإنَّما شحُّوا على أموالهم فاختاروا بيعَها، فصاروا كأنَّهم اضطرّوا إلى بيعِها كمَن رَهَقه دَيْنٌ فاضطرَّ إلى بيعِ ماله فيكون جائزًا، ولو أُكره عليه لم يجزْ. انتهى.
قال في «الفتح (٣)»: إنَّ البخاريَّ لم يقتصرْ في التَّرجمة على المكرَه، وإنَّما قال: بيع المكرَهِ ونحوه في الحقِّ، فدخلَ في ترجمتهِ المضطرُّ، وكأنَّه أشار إلى الرَّدِّ على من لم يصحِّح بيعَ المضطرِّ. وقوله (٤): ولو أُكره عليه لم يجزْ. مردودٌ لأنَّه إكراهٌ (٥) بحقٍّ (وَإِلَّا) بأن لم تجدوا شيئًا
(فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ) وللكُشمِيهنيِّ: «إنَّما الأرض» (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).
والحديث سبقَ في «الجزيةِ» [خ¦٣١٦٧]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَراج»، والنَّسائيُّ في «السِّير».
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يَجُوزُ نِكَاحُ المُكْرَهِ) بفتح الراء، وقوله تعالى: (﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾) إمَاءكم (﴿عَلَى الْبِغَاء﴾) على الزِّنا (﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾) تعفُّفًا عن الزِّنا، وإنَّما قيَّده بهذا الشَّرط؛ لأنَّ الإكراهَ لا يكون إلَّا معَ إرادةِ التَّحصُّن، فآمرُ الطيِّعة (١) بالبغاءِ لا يسمَّى مكرهًا ولا أمرُه إكراهًا، ولأنَّها نزلت على سبب، فوقع النَّهي عن تلك الصِّفة، وفيه توبيخٌ للموالي (٢) أي: إذا رغبنَ في التَّحصُّن (٣) فأنتُم أحقُّ بذلك (﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) أي: لتبتغوا بإكراههنَّ على الزِّنا أجورهنَّ وأموالهنَّ (﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]) لهنَّ، وإثمهنَّ على من أَكْرههنَّ، وفي «مسند البزَّار» عن الزُّهريِّ قال: كانت جاريةٌ لعبد الله ابن أُبيٍّ يقال لها: مُعَاذة يُكرهها على الزِّنا، فلمَّا جاء (٤) الإسلامُ نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء﴾ إلى قولهِ: ﴿فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وعند النَّسائيِّ عن جابرٍ: أنَّه كان يُقال لها: مُسَيْكة (٥)، وكان يُكْرهها على الفجورِ، وكانت لا بأسَ بها فتأبى، فأنزلَ الله هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾ الآية إلى آخرها، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد ﴿الْبِغَاء﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
واستُشكل ذكر هذه الآية هنا. وأُجيب بأنَّه إذا نُهيَ عن الإكراهِ فيما لا يحلُّ فالنَّهي عن الإكراهِ فيما يحلُّ بالطَّريق الأولى.