«اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6979

الحديث رقم 6979 من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب احتيال العامل ليهدى له.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم…

«اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا. ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُؤِىَ بَيَاضُ إِبْطِهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.»

سند حديث: ٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ…

٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم…

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقال له: ابن اللتبية بجمع الزكاة من قبيلة بني سليم، فلما رجع إلى المدينة حاسبه على ما قبض وما صرف، فقال ابن اللتبية:

هذا مالكم الذي جمعته من الزكاة، وهذا المال أهدي إلي.

فقال له صلى الله عليه وسلم:

أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تنظر هل يُهدى لك إن كنت صادقًا؛ فإن الحقوق التي عملت لأجلها هي السبب في الإهداء لك، وأنه لو أقمت في منزلك لم يهد لك شيء، فلا ينبغي لك أن تستحلها بمجرد كونها وصلت إليك على طريق الهدية.

ثم صعد صلى الله عليه وسلم المنبر خطيبًا وهو مغضب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أما بعد فإني أجعل الرجل منكم عاملًا موظفًا على الذي جعل الله لي التصرف فيه من الزكوات والغنائم، فيأتي من عمله، فيقول:

هذا لكم وهذه هدية أهديت لي!

أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد شيئًا مما يعطاه بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة على عنقه، إن كان الذي أخذه بعير له صوت رغاء، أو بقرة لها صوت خوار، أو شاة لها يُعار تصيح.

ثم رفع يديه شديدًا حتى رأى الجالسون بياض إبطيه، ثم قال: اللهم بلغت حكم الله إليكم.

ثم أخبر أبو حميد الساعدي رضي الله عنه: أن هذا مما أبصرته عينه وسمعته أذنه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تبين الحاكم للعاملين معه المطلوب منهم والمحظور في أعمالهم.
  • الوعيد لمن يأخذ أموال الناس ظلمًا.
  • ما من ظالم إلا ويأتي بما ظلم به يوم القيامة.
  • الواجب على الموظف في أي عمل من أعمال الدولة أن يؤدي ما وكل إليه، وليس له أن يأخذ هدايا فيما يتعلق بعمله، وإذا أخذها فليضعها في بيت المال، ولا يجوز له أخذها لنفسه، ولأنها وسيلة للشر والإخلال بالأمانة.
  • قال ابن بطال: دل الحديث على أن الهدية للعامل تكون لشكر معروفه، أو للتحبب إليه، أو للطمع في وضعه من الحق، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه فيما يهدى له من ذلك كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه، وأنه لا يجوز الاستئثار به.
  • قال النووي: وفي هذا الحديث: بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بين صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة.
  • قال ابن المنير: يؤخذ من قوله: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه" جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، قال ابن حجر: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة.
  • الأسلوب النبوي في النصيحة هو التعميم لا التشهير.
  • قال ابن حجر: فيه مشروعية محاسبة المؤتمن.
  • قال ابن حجر: وفيه جواز توبيخ المخطئ.
  • استحباب رفع اليدين في الدعاء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ الْبَخُارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقًّا لِلْجَارِ لَا يَحِلُّ لَهُ إِبْطَالُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَسَاقَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحِيَلِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) أَيْ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلْكَبِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَتَحَيَّلَ فِي إِسْقَاطِهَا بِجَعْلِهَا لِلصَّغِيرِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِابْنِهِ شَيْئًا فَعَلَ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْهِبَةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ يَقْبَلُهَا الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ إِلَى مَا لَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُحَلِّفَ الْأَجْنَبِيَّ أَنَّ الْهِبَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَّهَا جَرَتْ بِشُرُوطِهَا، وَالصَّغِيرُ لَا يُحَلَّفُ لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَبَاهُ الَّذِي يَقْبَلُ لَهُ يُحَلَّفُ بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَ لِلْغَرِيبِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا تَدْخُلُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَوْهُوبِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.

١٥ - بَاب احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ

٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.

٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدار، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَا. قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّد القرشيُّ، الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه عبدُ الله، وعُبيد لقبٌ غلب عليه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء، عبد الرَّحمن أو المنذر (١) (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام (يُدْعَى) الرَّجل (ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية، عبد الله، واللُّتبيَّة اسمُ أمِّه. قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تسميتها (فَلَمَّا جَاءَ) وفي «الأحكام»: فلمَّا قدم [خ¦٧١٩٧] (حَاسَبَهُ) النَّبيُّ ﷺ، أي: أمر من حاسبَه (قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ) أُهديت لي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فهل» بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا) ﷺ (فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) من الصَّدقة (بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة وبعد اللام همزة، أي (٢): والله لأعرفنَّ، وفي نسخة «فلا أعرفنَّ» بألف بعد اللَّام ثمَّ همزة «فلا» ناهية للمتكلِّم صورةً، وفي المعنى نهيٌّ لقولهِ: أحدًا (مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ) حال كونه (يَحْمِلُ بَعِيرًا) على عُنقه حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (أَوْ) يحمل (بَقَرَةً) على عُنقه (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، صوت أيضًا (أَوْ) يحملُ على عُنقه (شَاةً تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيهِ) بالتَّثنية، والَّذي في «اليونينيَّة»: «يده» بالإفراد (حَتَّى رُئِيَ) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «رِيء» بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بَيَاضُ إِبْطِهِ) بالإفراد، وفي

نسخة: «إبطيهِ» بالتَّثنية، حال كونه (يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرتني به (بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء، و «سَمْعَ»: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين، كذا في الفرع كأصله (١)، وضبطَه أكثرُهم كذلك فيما قاله القاضِي عياضٌ. قال سيبويه: العربُ تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا ورأيُ عَيني. تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأمَّا الَّذي في «كتاب الحيل» فوجهه النَّصب (٢) على المصدر؛ لأنَّه لم يذكر المفعول بعده. وقال في «الفتح»: و «بَصُر» -بفتح الموحدة وضم الصاد-، و «سَمِع» -بفتح السين وكسر الميم-، أي: بلفظ الماضي فيهما، أي: أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه، وسمعتُ كلامَه. فيكون من قول أبي حُميد، وعلى القول بأنَّهما مصدران مضافان فمفعول بلَّغْتُ، ويكون من قولِ رسولِ الله ﷺ، لكن عند أبي عَوَانة من رواية ابن جُريج (٣)، عن هشام: بصُرَ عينَا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون بضم الصاد وكسر الميم. وفي رواية مسلم من طريق أبي الزِّناد عن عروة: قلتُ لأبي حميد: أسمعتَه من رسولِ الله ﷺ؟ قال: من فيهِ إلى أُذني.

وقولُه: «عَيني وأُذني»، بالإفراد فيهما. وفي مسلمٍ من طريق أبي أسامة: بصْر وسمْع -بالسكون فيهما-، والتَّثنية في: أذنيَّ وعينَيَّ. وعنده من روايةِ ابنِ نمير: بصُرَ عينَاي وسَمِع أُذُناي.

قال المهلَّب: حيلةُ العاملِ ليُهدى له تقعُ بأن يسامحَ بعض من عليه الحقُّ، فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيتِ أبيهِ وأمِّه لينظرَ هل يُهدى له».

وقال في «فتح الباري»: ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ تملُّكَه ما أُهدي له (٤) إنَّما كان لعلَّة كونهِ عاملًا، فاعتقدَ أنَّ الَّذي أُهدي له يستبدُّ به دون أصحابِ الحقوق الَّتي عمل فيها، فبيَّن له ﷺ أنَّ الحقوقَ الَّتي عملَ لأجلها هي السَّبب في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقامَ في منزلهِ لم يُهدَ له شيءٌ، فلا ينبغِي له أن يستحلَّها بمجرَّد كونها وصلتْ إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذلك إنَّما يكون حيث يتمحَّض الحقُّ له.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من غير إِدْرَاك وَلَا فهم، لِأَنَّهُ لَا جَار فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الَّذِي فِيهَا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع وَالْجَار لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَحق الْجَار الشُّفْعَة إِلَّا بعده بل وَبعد الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع أَيْضا فَكيف يحل لهَذَا الْقَائِل أَن يفتري على هَذَا الإِمَام الَّذِي سبق إِمَامه وَإِمَام غَيره وينسب إِلَيْهِ أبطال السّنة.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنِ اشْتَراى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.

هَذَا أَيْضا تشنيع على الْحَنَفِيَّة. قَوْله: وهب أَي: مَا اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يكون عَلَيْهِ يَمِين فِي تحقق الْهِبَة، وَلَا فِي جَرَيَان شُرُوطهَا. وَقيد بالصغير لِأَن الْهِبَة لَو كَانَت للكبير وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فتحيل إِلَى إِسْقَاطهَا بجعلها للصَّغِير، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ أَيْضا إِلَى أَن لَو وهب لأَجْنَبِيّ فَإِن للشَّفِيع أَن يحلف الْأَجْنَبِيّ أَن الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جرت بشروطها: وَالصَّغِير لَا يحلف لَكِن عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَن أَبَاهُ الَّذِي يقبل لَهُ يحلف، وَعَن مَالك: لَا تدخل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطلقًا، كَذَا ذكره فِي الْمُدَوَّنَة

١٥ - (بابُ احْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَى لهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة حِيلَة الْعَامِل لأجل أَن يهدى لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أُمُور الرجل فِي مَاله وَملكه وَعَمله وَمِنْه قيل للَّذي يسْتَخْرج الزَّكَاة: عَامل.

٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أَبُو أسامةَ عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعاى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قَالَ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا ولَاّني الله، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، أُهْدِيَتْ لِي، أفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالله لَا يأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَا أعْرفَنَّ أحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبِطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بصْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَهَذَا هَدِيَّة قَالَ الْمُهلب حِيلَة الْعَامِل ليهدى لَهُ تقع بِأَن يسامح بعض من عَلَيْهِ الْحق فَلذَلِك قَالَ: هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه لينْظر هَل يهدى لَهُ؟ وَيُقَال: احتيال الْعَامِل هُوَ بِأَن مَا أهدي لَهُ فِي عمالته يستأثر بِهِ وَلَا يَضَعهُ فِي بَيت المَال، وهدايا الْعمَّال والأمراء هِيَ من جملَة حُقُوق الْمُسلمين.

وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي حميد بِضَم الْحَاء عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الزَّكَاة.

قَوْله: ابْن اللتبيه بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وياء النِّسْبَة، وَقيل: بفح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِالْهَمْزَةِ المضمومة بدل اللَّام واسْمه عبد الله. قَوْله: فَلَا أَعرفن نهي للمتكلم صُورَة وَفِي الْمَعْنى نهي لقَوْله: أحدا ويروى فلأعرفن أَي: وَالله لأعرفن. قَوْله: رُغَاء هُوَ صَوت ذَات الْخُف. قَوْله: تَيْعر بِالْكَسْرِ وَقيل بِالْفَتْح من اليعار بِضَم الْيَاء آخر

الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة. قَوْله: بَيَاض إبطَيْهِ ويروى بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: بصر عَيْني بِلَفْظ الْمَاضِي وَكَذَلِكَ لفظ: سمع أَي: أَبْصرت عَيْنَايَ رَسُول الله ناطقاً ورافعاً يَدَيْهِ وَسمعت كَلَامه، وَهُوَ قَول أبي حميد الرَّاوِي لَهُ. وَقَالَ عِيَاض: ضبط أَكْثَرهم بِسُكُون الصَّاد وبسكون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين مصدرين مضافين وَهُوَ مفعول: بلغت، وَهُوَ مقول رَسُول الله

٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عنْ أبي رافِعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ.

هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب يتعلقان بِبَاب الْهِبَة وَالشُّفْعَة، فَلَا وَجه لذكرهما فِي هَذَا الْبَاب. وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ موضعهما الْمُنَاسب قيل: بَاب احتيال الْعَامِل، لِأَنَّهُ من بَقِيَّة مسَائِل الشُّفْعَة، وتوسيط هَذَا الْبَاب بَينهمَا أَجْنَبِي، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّه من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة عَن الأَصْل. وَلَعَلَّه كَانَ فِي الْحَاشِيَة وَنَحْوهَا فنقلوه إِلَى غير مَكَانَهُ، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب، وَكَذَلِكَ شَرحه.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن اشْتَرَى دَارا بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأسَ أنْ يَحْتالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وتِسْعَمِائَةِ درْهَمٍ، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ويَنْقُدَهُ دِيناراً بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرينَ الألْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أخْذَها بِعِشْرينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإلاّ فَلا سَبِيلَ لهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِما دَفَعَ إلَيْه، وهْو تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَمِ وتِسْعُمِائَةٍ وتسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لِأَن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينارِ، فإنْ وَجَدَ بِهاذِهِ الدِّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ لَا داءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غائِلَةَ

هَذَا أَيْضا تشنيع بعد تشنيع بِلَا وَجه. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: أَرَادَ اشْتِرَاء دَار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: فَلَا بَأْس أَن يحتال أَي: على إِسْقَاط الشُّفْعَة حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: وينقده أَي: ينْقد البَائِع تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينقده دِينَارا بِمَا بَقِي أَي: بِمُقَابلَة مَا بَقِي من الْعشْرين الْألف، ويروى: من الْعشْرين ألفا يَعْنِي: مصارفه عَنْهَا. قَوْله: فَإِن طلب الشَّفِيع أَي: أَخذهَا بِالشُّفْعَة. قَوْله: أَخذهَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَي: أَخذهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم يَعْنِي: بِثمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: وإلَاّ فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار يَعْنِي: وَإِن لم يرض أَخذهَا بِعشْرين ألفا فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار لسُقُوط الشُّفْعَة لكَونه امْتنع من بدل الثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: فَإِن اسْتحقَّت على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: إِذا ظَهرت الدَّار مُسْتَحقَّة لغير البَائِع. قَوْله: لِأَن البيع أَي: لِأَن الْمَبِيع. قَوْله: حِين اسْتحق أَي: للْغَيْر. قَوْله: انْتقض الصّرْف أَي: الَّذِي وَقع بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة بالدينار، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني أَعنِي فِي الدِّينَار، وَفِي رِوَايَة غَيره فِي الدَّار وَالْأول أوجه. قَوْله: فَإِن وجد بِهَذِهِ الدَّار أَي: الدَّار الْمَذْكُورَة عَيْبا. قَوْله: وَلم تسْتَحقّ الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تخرج مُسْتَحقَّة فَإِنَّهُ يردهَا، أَي: الدَّار عَلَيْهِ أَي: على البَائِع بِعشْرين ألفا. قَالَ: وَهَذَا تنَاقض بيّن لِأَن الْأمة مجمعة وَأَبُو حنيفَة مَعَهم على أَن البَائِع لَا يرد فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَاّ مَا قبض، فَكَذَلِك الشَّفِيع لَا يشفع إلَاّ بِمَا نقد المُشْتَرِي وَمَا قَبضه من البَائِع لَا بِمَا عقد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: قَالَ: فَأجَاز هَذَا الخداع بَين الْمُسلمين أَي: أجَاز الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْعين إِن أَخذ الشُّفْعَة وَإِبْطَال حَقه بِسَبَب الزِّيَادَة فِي الثّمن بِاعْتِبَار العقد لَو تَركهَا، وَالضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ الْبَخُارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقًّا لِلْجَارِ لَا يَحِلُّ لَهُ إِبْطَالُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَسَاقَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحِيَلِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) أَيْ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلْكَبِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَتَحَيَّلَ فِي إِسْقَاطِهَا بِجَعْلِهَا لِلصَّغِيرِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِابْنِهِ شَيْئًا فَعَلَ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْهِبَةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ يَقْبَلُهَا الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ إِلَى مَا لَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُحَلِّفَ الْأَجْنَبِيَّ أَنَّ الْهِبَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَّهَا جَرَتْ بِشُرُوطِهَا، وَالصَّغِيرُ لَا يُحَلَّفُ لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَبَاهُ الَّذِي يَقْبَلُ لَهُ يُحَلَّفُ بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَ لِلْغَرِيبِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا تَدْخُلُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَوْهُوبِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.

١٥ - بَاب احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ

٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.

٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدار، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَا. قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّد القرشيُّ، الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه عبدُ الله، وعُبيد لقبٌ غلب عليه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء، عبد الرَّحمن أو المنذر (١) (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام (يُدْعَى) الرَّجل (ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية، عبد الله، واللُّتبيَّة اسمُ أمِّه. قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تسميتها (فَلَمَّا جَاءَ) وفي «الأحكام»: فلمَّا قدم [خ¦٧١٩٧] (حَاسَبَهُ) النَّبيُّ ﷺ، أي: أمر من حاسبَه (قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ) أُهديت لي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فهل» بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا) ﷺ (فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) من الصَّدقة (بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة وبعد اللام همزة، أي (٢): والله لأعرفنَّ، وفي نسخة «فلا أعرفنَّ» بألف بعد اللَّام ثمَّ همزة «فلا» ناهية للمتكلِّم صورةً، وفي المعنى نهيٌّ لقولهِ: أحدًا (مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ) حال كونه (يَحْمِلُ بَعِيرًا) على عُنقه حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (أَوْ) يحمل (بَقَرَةً) على عُنقه (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، صوت أيضًا (أَوْ) يحملُ على عُنقه (شَاةً تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيهِ) بالتَّثنية، والَّذي في «اليونينيَّة»: «يده» بالإفراد (حَتَّى رُئِيَ) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «رِيء» بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بَيَاضُ إِبْطِهِ) بالإفراد، وفي

نسخة: «إبطيهِ» بالتَّثنية، حال كونه (يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرتني به (بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء، و «سَمْعَ»: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين، كذا في الفرع كأصله (١)، وضبطَه أكثرُهم كذلك فيما قاله القاضِي عياضٌ. قال سيبويه: العربُ تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا ورأيُ عَيني. تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأمَّا الَّذي في «كتاب الحيل» فوجهه النَّصب (٢) على المصدر؛ لأنَّه لم يذكر المفعول بعده. وقال في «الفتح»: و «بَصُر» -بفتح الموحدة وضم الصاد-، و «سَمِع» -بفتح السين وكسر الميم-، أي: بلفظ الماضي فيهما، أي: أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه، وسمعتُ كلامَه. فيكون من قول أبي حُميد، وعلى القول بأنَّهما مصدران مضافان فمفعول بلَّغْتُ، ويكون من قولِ رسولِ الله ﷺ، لكن عند أبي عَوَانة من رواية ابن جُريج (٣)، عن هشام: بصُرَ عينَا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون بضم الصاد وكسر الميم. وفي رواية مسلم من طريق أبي الزِّناد عن عروة: قلتُ لأبي حميد: أسمعتَه من رسولِ الله ﷺ؟ قال: من فيهِ إلى أُذني.

وقولُه: «عَيني وأُذني»، بالإفراد فيهما. وفي مسلمٍ من طريق أبي أسامة: بصْر وسمْع -بالسكون فيهما-، والتَّثنية في: أذنيَّ وعينَيَّ. وعنده من روايةِ ابنِ نمير: بصُرَ عينَاي وسَمِع أُذُناي.

قال المهلَّب: حيلةُ العاملِ ليُهدى له تقعُ بأن يسامحَ بعض من عليه الحقُّ، فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيتِ أبيهِ وأمِّه لينظرَ هل يُهدى له».

وقال في «فتح الباري»: ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ تملُّكَه ما أُهدي له (٤) إنَّما كان لعلَّة كونهِ عاملًا، فاعتقدَ أنَّ الَّذي أُهدي له يستبدُّ به دون أصحابِ الحقوق الَّتي عمل فيها، فبيَّن له ﷺ أنَّ الحقوقَ الَّتي عملَ لأجلها هي السَّبب في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقامَ في منزلهِ لم يُهدَ له شيءٌ، فلا ينبغِي له أن يستحلَّها بمجرَّد كونها وصلتْ إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذلك إنَّما يكون حيث يتمحَّض الحقُّ له.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

من غير إِدْرَاك وَلَا فهم، لِأَنَّهُ لَا جَار فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الَّذِي فِيهَا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع وَالْجَار لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَحق الْجَار الشُّفْعَة إِلَّا بعده بل وَبعد الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع أَيْضا فَكيف يحل لهَذَا الْقَائِل أَن يفتري على هَذَا الإِمَام الَّذِي سبق إِمَامه وَإِمَام غَيره وينسب إِلَيْهِ أبطال السّنة.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنِ اشْتَراى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.

هَذَا أَيْضا تشنيع على الْحَنَفِيَّة. قَوْله: وهب أَي: مَا اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يكون عَلَيْهِ يَمِين فِي تحقق الْهِبَة، وَلَا فِي جَرَيَان شُرُوطهَا. وَقيد بالصغير لِأَن الْهِبَة لَو كَانَت للكبير وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فتحيل إِلَى إِسْقَاطهَا بجعلها للصَّغِير، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ أَيْضا إِلَى أَن لَو وهب لأَجْنَبِيّ فَإِن للشَّفِيع أَن يحلف الْأَجْنَبِيّ أَن الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جرت بشروطها: وَالصَّغِير لَا يحلف لَكِن عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَن أَبَاهُ الَّذِي يقبل لَهُ يحلف، وَعَن مَالك: لَا تدخل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطلقًا، كَذَا ذكره فِي الْمُدَوَّنَة

١٥ - (بابُ احْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَى لهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة حِيلَة الْعَامِل لأجل أَن يهدى لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أُمُور الرجل فِي مَاله وَملكه وَعَمله وَمِنْه قيل للَّذي يسْتَخْرج الزَّكَاة: عَامل.

٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أَبُو أسامةَ عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعاى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قَالَ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا ولَاّني الله، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، أُهْدِيَتْ لِي، أفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالله لَا يأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَا أعْرفَنَّ أحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبِطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بصْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَهَذَا هَدِيَّة قَالَ الْمُهلب حِيلَة الْعَامِل ليهدى لَهُ تقع بِأَن يسامح بعض من عَلَيْهِ الْحق فَلذَلِك قَالَ: هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه لينْظر هَل يهدى لَهُ؟ وَيُقَال: احتيال الْعَامِل هُوَ بِأَن مَا أهدي لَهُ فِي عمالته يستأثر بِهِ وَلَا يَضَعهُ فِي بَيت المَال، وهدايا الْعمَّال والأمراء هِيَ من جملَة حُقُوق الْمُسلمين.

وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي حميد بِضَم الْحَاء عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الزَّكَاة.

قَوْله: ابْن اللتبيه بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وياء النِّسْبَة، وَقيل: بفح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِالْهَمْزَةِ المضمومة بدل اللَّام واسْمه عبد الله. قَوْله: فَلَا أَعرفن نهي للمتكلم صُورَة وَفِي الْمَعْنى نهي لقَوْله: أحدا ويروى فلأعرفن أَي: وَالله لأعرفن. قَوْله: رُغَاء هُوَ صَوت ذَات الْخُف. قَوْله: تَيْعر بِالْكَسْرِ وَقيل بِالْفَتْح من اليعار بِضَم الْيَاء آخر

الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة. قَوْله: بَيَاض إبطَيْهِ ويروى بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: بصر عَيْني بِلَفْظ الْمَاضِي وَكَذَلِكَ لفظ: سمع أَي: أَبْصرت عَيْنَايَ رَسُول الله ناطقاً ورافعاً يَدَيْهِ وَسمعت كَلَامه، وَهُوَ قَول أبي حميد الرَّاوِي لَهُ. وَقَالَ عِيَاض: ضبط أَكْثَرهم بِسُكُون الصَّاد وبسكون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين مصدرين مضافين وَهُوَ مفعول: بلغت، وَهُوَ مقول رَسُول الله

٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عنْ أبي رافِعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ.

هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب يتعلقان بِبَاب الْهِبَة وَالشُّفْعَة، فَلَا وَجه لذكرهما فِي هَذَا الْبَاب. وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ موضعهما الْمُنَاسب قيل: بَاب احتيال الْعَامِل، لِأَنَّهُ من بَقِيَّة مسَائِل الشُّفْعَة، وتوسيط هَذَا الْبَاب بَينهمَا أَجْنَبِي، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّه من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة عَن الأَصْل. وَلَعَلَّه كَانَ فِي الْحَاشِيَة وَنَحْوهَا فنقلوه إِلَى غير مَكَانَهُ، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب، وَكَذَلِكَ شَرحه.

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن اشْتَرَى دَارا بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأسَ أنْ يَحْتالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وتِسْعَمِائَةِ درْهَمٍ، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ويَنْقُدَهُ دِيناراً بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرينَ الألْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أخْذَها بِعِشْرينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإلاّ فَلا سَبِيلَ لهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِما دَفَعَ إلَيْه، وهْو تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَمِ وتِسْعُمِائَةٍ وتسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لِأَن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينارِ، فإنْ وَجَدَ بِهاذِهِ الدِّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ لَا داءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غائِلَةَ

هَذَا أَيْضا تشنيع بعد تشنيع بِلَا وَجه. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: أَرَادَ اشْتِرَاء دَار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: فَلَا بَأْس أَن يحتال أَي: على إِسْقَاط الشُّفْعَة حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: وينقده أَي: ينْقد البَائِع تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينقده دِينَارا بِمَا بَقِي أَي: بِمُقَابلَة مَا بَقِي من الْعشْرين الْألف، ويروى: من الْعشْرين ألفا يَعْنِي: مصارفه عَنْهَا. قَوْله: فَإِن طلب الشَّفِيع أَي: أَخذهَا بِالشُّفْعَة. قَوْله: أَخذهَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَي: أَخذهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم يَعْنِي: بِثمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: وإلَاّ فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار يَعْنِي: وَإِن لم يرض أَخذهَا بِعشْرين ألفا فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار لسُقُوط الشُّفْعَة لكَونه امْتنع من بدل الثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: فَإِن اسْتحقَّت على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: إِذا ظَهرت الدَّار مُسْتَحقَّة لغير البَائِع. قَوْله: لِأَن البيع أَي: لِأَن الْمَبِيع. قَوْله: حِين اسْتحق أَي: للْغَيْر. قَوْله: انْتقض الصّرْف أَي: الَّذِي وَقع بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة بالدينار، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني أَعنِي فِي الدِّينَار، وَفِي رِوَايَة غَيره فِي الدَّار وَالْأول أوجه. قَوْله: فَإِن وجد بِهَذِهِ الدَّار أَي: الدَّار الْمَذْكُورَة عَيْبا. قَوْله: وَلم تسْتَحقّ الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تخرج مُسْتَحقَّة فَإِنَّهُ يردهَا، أَي: الدَّار عَلَيْهِ أَي: على البَائِع بِعشْرين ألفا. قَالَ: وَهَذَا تنَاقض بيّن لِأَن الْأمة مجمعة وَأَبُو حنيفَة مَعَهم على أَن البَائِع لَا يرد فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَاّ مَا قبض، فَكَذَلِك الشَّفِيع لَا يشفع إلَاّ بِمَا نقد المُشْتَرِي وَمَا قَبضه من البَائِع لَا بِمَا عقد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: قَالَ: فَأجَاز هَذَا الخداع بَين الْمُسلمين أَي: أجَاز الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْعين إِن أَخذ الشُّفْعَة وَإِبْطَال حَقه بِسَبَب الزِّيَادَة فِي الثّمن بِاعْتِبَار العقد لَو تَركهَا، وَالضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 9 / 29.5
الإضاءة 67%
البدر بعد 6 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56