الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٧٩
الحديث رقم ٦٩٧٩ من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب احتيال العامل ليهدى له.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ الْبَخُارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقًّا لِلْجَارِ لَا يَحِلُّ لَهُ إِبْطَالُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَسَاقَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحِيَلِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) أَيْ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلْكَبِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَتَحَيَّلَ فِي إِسْقَاطِهَا بِجَعْلِهَا لِلصَّغِيرِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِابْنِهِ شَيْئًا فَعَلَ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْهِبَةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ يَقْبَلُهَا الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ إِلَى مَا لَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُحَلِّفَ الْأَجْنَبِيَّ أَنَّ الْهِبَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَّهَا جَرَتْ بِشُرُوطِهَا، وَالصَّغِيرُ لَا يُحَلَّفُ لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَبَاهُ الَّذِي يَقْبَلُ لَهُ يُحَلَّفُ بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَ لِلْغَرِيبِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا تَدْخُلُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَوْهُوبِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.
١٥ - بَاب احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.
٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدار، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَا. قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّد القرشيُّ، الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه عبدُ الله، وعُبيد لقبٌ غلب عليه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء، عبد الرَّحمن أو المنذر (١) (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام (يُدْعَى) الرَّجل (ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية، عبد الله، واللُّتبيَّة اسمُ أمِّه. قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تسميتها (فَلَمَّا جَاءَ) وفي «الأحكام»: فلمَّا قدم [خ¦٧١٩٧] (حَاسَبَهُ) النَّبيُّ ﷺ، أي: أمر من حاسبَه (قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ) أُهديت لي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فهل» بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا) ﷺ (فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) من الصَّدقة (بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة وبعد اللام همزة، أي (٢): والله لأعرفنَّ، وفي نسخة «فلا أعرفنَّ» بألف بعد اللَّام ثمَّ همزة «فلا» ناهية للمتكلِّم صورةً، وفي المعنى نهيٌّ لقولهِ: أحدًا (مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ) حال كونه (يَحْمِلُ بَعِيرًا) على عُنقه حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (أَوْ) يحمل (بَقَرَةً) على عُنقه (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، صوت أيضًا (أَوْ) يحملُ على عُنقه (شَاةً تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيهِ) بالتَّثنية، والَّذي في «اليونينيَّة»: «يده» بالإفراد (حَتَّى رُئِيَ) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «رِيء» بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بَيَاضُ إِبْطِهِ) بالإفراد، وفي
نسخة: «إبطيهِ» بالتَّثنية، حال كونه (يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرتني به (بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء، و «سَمْعَ»: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين، كذا في الفرع كأصله (١)، وضبطَه أكثرُهم كذلك فيما قاله القاضِي عياضٌ. قال سيبويه: العربُ تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا ورأيُ عَيني. تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأمَّا الَّذي في «كتاب الحيل» فوجهه النَّصب (٢) على المصدر؛ لأنَّه لم يذكر المفعول بعده. وقال في «الفتح»: و «بَصُر» -بفتح الموحدة وضم الصاد-، و «سَمِع» -بفتح السين وكسر الميم-، أي: بلفظ الماضي فيهما، أي: أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه، وسمعتُ كلامَه. فيكون من قول أبي حُميد، وعلى القول بأنَّهما مصدران مضافان فمفعول بلَّغْتُ، ويكون من قولِ رسولِ الله ﷺ، لكن عند أبي عَوَانة من رواية ابن جُريج (٣)، عن هشام: بصُرَ عينَا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون بضم الصاد وكسر الميم. وفي رواية مسلم من طريق أبي الزِّناد عن عروة: قلتُ لأبي حميد: أسمعتَه من رسولِ الله ﷺ؟ قال: من فيهِ إلى أُذني.
وقولُه: «عَيني وأُذني»، بالإفراد فيهما. وفي مسلمٍ من طريق أبي أسامة: بصْر وسمْع -بالسكون فيهما-، والتَّثنية في: أذنيَّ وعينَيَّ. وعنده من روايةِ ابنِ نمير: بصُرَ عينَاي وسَمِع أُذُناي.
قال المهلَّب: حيلةُ العاملِ ليُهدى له تقعُ بأن يسامحَ بعض من عليه الحقُّ، فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيتِ أبيهِ وأمِّه لينظرَ هل يُهدى له».
وقال في «فتح الباري»: ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ تملُّكَه ما أُهدي له (٤) إنَّما كان لعلَّة كونهِ عاملًا، فاعتقدَ أنَّ الَّذي أُهدي له يستبدُّ به دون أصحابِ الحقوق الَّتي عمل فيها، فبيَّن له ﷺ أنَّ الحقوقَ الَّتي عملَ لأجلها هي السَّبب في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقامَ في منزلهِ لم يُهدَ له شيءٌ، فلا ينبغِي له أن يستحلَّها بمجرَّد كونها وصلتْ إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذلك إنَّما يكون حيث يتمحَّض الحقُّ له.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ الْبَخُارِيُّ أَنَّ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَقًّا لِلْجَارِ لَا يَحِلُّ لَهُ إِبْطَالُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَسَاقَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحِيَلِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وَهَبَ) أَيْ مَا اشْتَرَاهُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ) أَيْ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَوْ كَانَتْ لِلْكَبِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَتَحَيَّلَ فِي إِسْقَاطِهَا بِجَعْلِهَا لِلصَّغِيرِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِابْنِهِ شَيْئًا فَعَلَ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ، وَالْهِبَةُ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ يَقْبَلُهَا الْأَبُ لِوَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ إِلَى مَا لَوْ وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُحَلِّفَ الْأَجْنَبِيَّ أَنَّ الْهِبَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَّهَا جَرَتْ بِشُرُوطِهَا، وَالصَّغِيرُ لَا يُحَلَّفُ لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَبَاهُ الَّذِي يَقْبَلُ لَهُ يُحَلَّفُ بِخِلَافِ مَا إِذَا وَهَبَ لِلْغَرِيبِ. وَعَنْ مَالِكٍ: لَا تَدْخُلُ الشُّفْعَةُ فِي الْمَوْهُوبِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.
١٥ - بَاب احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ
٦٩٧٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي.
٦٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ فَإِنْ اسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدار، فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَا. قَالَ: فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٩٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمَّد القرشيُّ، الهَبَّاريُّ الكوفيُّ، من ولد هبَّار بن الأسود، واسمه عبدُ الله، وعُبيد لقبٌ غلب عليه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء، عبد الرَّحمن أو المنذر (١) (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضم السين وفتح اللام (يُدْعَى) الرَّجل (ابْنَ اللُّتَبِيَّةِ) بضم اللام وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية، عبد الله، واللُّتبيَّة اسمُ أمِّه. قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تسميتها (فَلَمَّا جَاءَ) وفي «الأحكام»: فلمَّا قدم [خ¦٧١٩٧] (حَاسَبَهُ) النَّبيُّ ﷺ، أي: أمر من حاسبَه (قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ) أُهديت لي (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فهل» بإسقاط الألف وتخفيف اللام (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنَا) ﷺ (فَحَمِدَ اللهَ) ﷿ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهله (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) من الصَّدقة (بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا) بنون التَّوكيد الثَّقيلة وبعد اللام همزة، أي (٢): والله لأعرفنَّ، وفي نسخة «فلا أعرفنَّ» بألف بعد اللَّام ثمَّ همزة «فلا» ناهية للمتكلِّم صورةً، وفي المعنى نهيٌّ لقولهِ: أحدًا (مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ) حال كونه (يَحْمِلُ بَعِيرًا) على عُنقه حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة وبالهمزة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (أَوْ) يحمل (بَقَرَةً) على عُنقه (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة بعدها ألف فراء، صوت أيضًا (أَوْ) يحملُ على عُنقه (شَاةً تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيهِ) بالتَّثنية، والَّذي في «اليونينيَّة»: «يده» بالإفراد (حَتَّى رُئِيَ) براء مضمومة فهمزة مكسورة فتحتية، ولأبي ذرٍّ: «رِيء» بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فهمزة (بَيَاضُ إِبْطِهِ) بالإفراد، وفي
نسخة: «إبطيهِ» بالتَّثنية، حال كونه (يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرتني به (بَصْرَ عَيْنِي، وَسَمْعَ أُذُنِي) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة وفتح الراء، و «سَمْعَ»: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين، كذا في الفرع كأصله (١)، وضبطَه أكثرُهم كذلك فيما قاله القاضِي عياضٌ. قال سيبويه: العربُ تقول: سَمْعُ أُذُني زيدًا ورأيُ عَيني. تقول ذلك بضم آخرهما. قال القاضي عياض: وأمَّا الَّذي في «كتاب الحيل» فوجهه النَّصب (٢) على المصدر؛ لأنَّه لم يذكر المفعول بعده. وقال في «الفتح»: و «بَصُر» -بفتح الموحدة وضم الصاد-، و «سَمِع» -بفتح السين وكسر الميم-، أي: بلفظ الماضي فيهما، أي: أبصرتْ عينايَ رسولَ الله ﷺ ناطقًا رافعًا يديه، وسمعتُ كلامَه. فيكون من قول أبي حُميد، وعلى القول بأنَّهما مصدران مضافان فمفعول بلَّغْتُ، ويكون من قولِ رسولِ الله ﷺ، لكن عند أبي عَوَانة من رواية ابن جُريج (٣)، عن هشام: بصُرَ عينَا أبي حُميدٍ وسَمِعَ أُذُناه. وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون بضم الصاد وكسر الميم. وفي رواية مسلم من طريق أبي الزِّناد عن عروة: قلتُ لأبي حميد: أسمعتَه من رسولِ الله ﷺ؟ قال: من فيهِ إلى أُذني.
وقولُه: «عَيني وأُذني»، بالإفراد فيهما. وفي مسلمٍ من طريق أبي أسامة: بصْر وسمْع -بالسكون فيهما-، والتَّثنية في: أذنيَّ وعينَيَّ. وعنده من روايةِ ابنِ نمير: بصُرَ عينَاي وسَمِع أُذُناي.
قال المهلَّب: حيلةُ العاملِ ليُهدى له تقعُ بأن يسامحَ بعض من عليه الحقُّ، فلذلك قال: «هلَّا جلس في بيتِ أبيهِ وأمِّه لينظرَ هل يُهدى له».
وقال في «فتح الباري»: ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ تملُّكَه ما أُهدي له (٤) إنَّما كان لعلَّة كونهِ عاملًا، فاعتقدَ أنَّ الَّذي أُهدي له يستبدُّ به دون أصحابِ الحقوق الَّتي عمل فيها، فبيَّن له ﷺ أنَّ الحقوقَ الَّتي عملَ لأجلها هي السَّبب في الإهداءِ له، وأنَّه لو أقامَ في منزلهِ لم يُهدَ له شيءٌ، فلا ينبغِي له أن يستحلَّها بمجرَّد كونها وصلتْ إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذلك إنَّما يكون حيث يتمحَّض الحقُّ له.