«قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٥

الحديث رقم ٧٠٨٥ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٠٨٥ في صحيح البخاري

«قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.»

بَابٌ: إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ

إسناد حديث رقم ٧٠٨٥ من صحيح البخاري

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، وَقَالَ اللَّيْثُ : عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٠٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةَ الْأَخِيرَةَ بِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ: تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ. ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ، وَفِيهِ سِعَةُ صَدْرِ النَّبِيِّ وَمَعْرِفَتُهُ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمَ التِّلْمِيذُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَى تَفَهُّمِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَفِيهِ وُجُوبُ رَدِّ الْبَاطِلِ وَكُلِّ مَا خَالَفَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ.

١٢ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بِالتَّشْدِيدِ (سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ)؛ أَيْ أَهْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّوَادِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ - الْأَشْخَاصُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على تأميره، فمن نكث بيعته؛ خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثَّمَ إمامٌ وافترق النَّاس فِرَقًا؛ فليعتزلِ الجميع إن استطاع؛ خشية الوقوع في الشَّرِّ، وهل الأمر للنَّدب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحدٍ من المسلمين خلافه؟ لحديث ابن ماجه عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النَّار إلَّا واحدةً؛ وهي الجماعة»، والجماعة التي أمر الشَّارع بلزومها جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّةً على خلْقه، وإليهم تفزع العامَّة في أمر (١) دينها، وهم المعنيُّون بقوله: «إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على ضلالةٍ»، وقال آخرون: هم جماعة الصَّحابة الذين قاموا بالدِّين وقوَّموا (٢) عماده، وثبَّتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهل المِلل اتِّباعه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم؛ فليسوا مجتمعين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وكذا ابن ماجه.

(١٢) (بابُ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بتشديد المثلَّثة (سَوَادَ) أي: أشخاص أهل (الفِتَنِ وَ) أشخاص أهل (الظُّلْمِ).

٧٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ التَّجِيبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شريح (وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن

عبد الرَّحمن الأسديُّ، يتيم عروة (١)، وأمَّا المبهم في قوله: «وغيره»؛ فقال (٢) في «الفتح»: كأنَّه يريد ابنَ لهيعة؛ فإنَّه رواه عن أبي الأسود (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ) أي: أبو (٣) الأسود: (قُطِعَ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء المهملة، أي: أفرد (عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة: جيشٌ منهم ومن (٤) غيرهم للغزو؛ ليقاتلوا أهل الشَّام في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) في البعث، و «اكْتُتِبْتُ» بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (فَأَخْبَرْتُهُ): أنِّي اكتتبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي) عن ذلك (أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ أُنَاسًا) بالهمزة (مِنَ المُسْلِمِينَ) منهم عمرو بن أميَّة بن خلفٍ، والحارث بن زَمْعة (٥) وغيرهما ممَّا ذكرته في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى) -بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم- به، قيل: هو من المقلوب، أي: فيُرمى بالسَّهم فيأتي، ويُحتَمل أن تكون الفاء الثَّانية زائدةً؛ كما في «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] فيأتي السَّهم يُرمَى به (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ) وقوله: «أو يضربه» عطفٌ على «فيأتي»، لا على «فيصيب»، والمعنى: يقتل إمَّا بالسَّهم، وإمَّا بضرب السَّيف ظالمًا؛ بسبب تكثيره سواد الكفَّار، وإنَّما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين؛ فلذا حصلت لهم المؤاخذة، فرأى عكرمة أنَّ من خرج في جيشٍ يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل، ولا نوى ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم (٦) مع المشركين، وتكثير (٧) سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم، وهذا الحديث -كما قاله مغلطاي المصريُّ فيما نقله في «الكواكب» - مرفوعٌ؛ لأنَّ تفسير

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةَ الْأَخِيرَةَ بِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ: تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ. ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ، وَفِيهِ سِعَةُ صَدْرِ النَّبِيِّ وَمَعْرِفَتُهُ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمَ التِّلْمِيذُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَى تَفَهُّمِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ.

وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَفِيهِ وُجُوبُ رَدِّ الْبَاطِلِ وَكُلِّ مَا خَالَفَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ.

١٢ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بِالتَّشْدِيدِ (سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ)؛ أَيْ أَهْلَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّوَادِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ - الْأَشْخَاصُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على تأميره، فمن نكث بيعته؛ خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثَّمَ إمامٌ وافترق النَّاس فِرَقًا؛ فليعتزلِ الجميع إن استطاع؛ خشية الوقوع في الشَّرِّ، وهل الأمر للنَّدب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحدٍ من المسلمين خلافه؟ لحديث ابن ماجه عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النَّار إلَّا واحدةً؛ وهي الجماعة»، والجماعة التي أمر الشَّارع بلزومها جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّةً على خلْقه، وإليهم تفزع العامَّة في أمر (١) دينها، وهم المعنيُّون بقوله: «إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على ضلالةٍ»، وقال آخرون: هم جماعة الصَّحابة الذين قاموا بالدِّين وقوَّموا (٢) عماده، وثبَّتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهل المِلل اتِّباعه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم؛ فليسوا مجتمعين.

والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وكذا ابن ماجه.

(١٢) (بابُ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بتشديد المثلَّثة (سَوَادَ) أي: أشخاص أهل (الفِتَنِ وَ) أشخاص أهل (الظُّلْمِ).

٧٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ التَّجِيبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شريح (وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن

عبد الرَّحمن الأسديُّ، يتيم عروة (١)، وأمَّا المبهم في قوله: «وغيره»؛ فقال (٢) في «الفتح»: كأنَّه يريد ابنَ لهيعة؛ فإنَّه رواه عن أبي الأسود (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ) أي: أبو (٣) الأسود: (قُطِعَ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء المهملة، أي: أفرد (عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة: جيشٌ منهم ومن (٤) غيرهم للغزو؛ ليقاتلوا أهل الشَّام في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) في البعث، و «اكْتُتِبْتُ» بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (فَأَخْبَرْتُهُ): أنِّي اكتتبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي) عن ذلك (أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) : (أَنَّ أُنَاسًا) بالهمزة (مِنَ المُسْلِمِينَ) منهم عمرو بن أميَّة بن خلفٍ، والحارث بن زَمْعة (٥) وغيرهما ممَّا ذكرته في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى) -بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم- به، قيل: هو من المقلوب، أي: فيُرمى بالسَّهم فيأتي، ويُحتَمل أن تكون الفاء الثَّانية زائدةً؛ كما في «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] فيأتي السَّهم يُرمَى به (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ) وقوله: «أو يضربه» عطفٌ على «فيأتي»، لا على «فيصيب»، والمعنى: يقتل إمَّا بالسَّهم، وإمَّا بضرب السَّيف ظالمًا؛ بسبب تكثيره سواد الكفَّار، وإنَّما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين؛ فلذا حصلت لهم المؤاخذة، فرأى عكرمة أنَّ من خرج في جيشٍ يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل، ولا نوى ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم (٦) مع المشركين، وتكثير (٧) سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم، وهذا الحديث -كما قاله مغلطاي المصريُّ فيما نقله في «الكواكب» - مرفوعٌ؛ لأنَّ تفسير

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر