الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٦
الحديث رقم ٧٠٨٦ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا بقي في حثالة من الناس.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ شَرِيكَ مَنْ عَمِلَ بِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْوَاوِ بَيْنَهُمَا يَاءُ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ لَهِيعَةَ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا اللَّيْثُ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُوَرةِ النِّسَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا بِسَنَدِهِ هَذَا، وَقَالَ بَعْدَهُ: رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. قُلْتُ: وَوَهِمَ فِي هَذَا الْحَصْرِ لِوُجُودِ رِوَايَةِ حَيْوَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ حَيْوَةَ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ وَصَلَ رِوَايَةَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: (فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) قِيلَ: هُوَ مِنَ الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَيُرْمَى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ الثَّانِيَةُ زَائِدَةً، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: فَيَأْتِي السَّهْمُ يَرْمِي بِهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ يَضْرِبُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى: فَيَأْتِي، لَا عَلَى: فَيُصِيبُ؛ أَيْ يَقْتُلُ إِمَّا بِالسَّهْمِ، وَإِمَّا بِالسَّيْفِ.
وَفِيهِ تَخْطِئَةُ مَنْ يُقِيمُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ بِاخْتِيَارِهِ لَا لِقَصْدٍ صَحِيحٍ مِنْ إِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مَثَلًا أَوْ رَجَاءِ إِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ هَلَكَةٍ، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُمْ لَا يُعْذَرُ كَمَا وَقَعَ لِلَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِهِمْ مِنَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَا لِقَصْدِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِإِيهَامِ كَثْرَتِهِمْ فِي عُيُونِ الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْمُؤَاخَذَةُ بِذَلِكَ، فَرَأَى عِكْرِمَةُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي جَيْشٍ يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا نَوَى ذَلِكَ ; وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ فِي عَكْسِهِ بِحَدِيثِ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، كَمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
١٣ - بَاب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ
٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَقِيَ)؛ أَيِ الْمُسْلِمُ (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أَيْ: مَاذَا يَصْنَعُ؟ وَالْحُثَالَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ
الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَدَعْ عَنْكَ عَوَامَّهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ لِأَنَّ الْعَلَاءَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَأَدْخَلَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ.
قُلْتُ: يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَشِدَّةِ الِاخْتِلَافِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ وَاقِدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى هُنَا انْتَهَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَبَقِيَّتُهُ عِنْدَ حَنْبَلٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ: قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ بِمَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ، وَتُقْبِلُ عَلَى خَاصَّتِكَ وَتَدَعُ عَوَامَّهُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفْسِهِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِلْبَاءَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَمَدٌّ - رَفَعَهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى حُثَالَةِ النَّاسِ الْحَدِيثَ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنَاهُ، فَقَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْجِذْرَ الْأَصْلُ وَتُفْتَحُ جِيمُهُ وَتُكْسَرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِإِعَادَةِ ثُمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَنَ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَنِ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا) هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِرَ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ يُنْسَبُ لِلْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْأَوَّلِينَ، فَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَدْرَكَهُ، وَالْأَمَانَةُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَدُ الْأَمَانَةُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا النَّادِرَ.
قَوْلُهُ: (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا)؛ أَيْ: يَصِيرُ، وَأَصْلُ ظَلَّ مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ، وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ وَهِيَ غَالِبًا تَقَعُ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ تَذْهَبُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ الْمَوْصُوفُ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الرِّقَاقِ وَأَنَّهُ سَوَادٌ فِي اللَّوْنِ، وَكَذَا الْمَجْلُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (فَنَفِطَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَ النُّونَ الْمَفْتُوحَةِ؛ أَيْ صَارَ مُنْتَفِطًا، وَهُوَ الْمُنْتَبِرُ - بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - يُقَالُ: انْتَبَرَ الْجَرْحُ وَانْتَفَطَ؛ إِذَا وَرِمَ وَامْتَلَأَ مَاءً. وَحَاصِلُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِرَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْأَمَانَةِ يُسْلَبُهَا حَتَّى يَصِيرَ خَائِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمِينًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ شَاهِدٌ لِمَنْ خَالَطَ أَهْلَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ خَائِنًا لِأَنَّ الْقَرِينَ يَقْتَدِي بِقَرِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ حَالَ الْأَمَانَةِ أُخِذَ فِي النَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ حُذَيْفَةَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك.
والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟
٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) ﷺ: (أَنَّ
الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.
قال حذيفة ﵁: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير.
وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧].
(١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَانَ شَرِيكَ مَنْ عَمِلَ بِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْوَاوِ بَيْنَهُمَا يَاءُ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ لَهِيعَةَ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا اللَّيْثُ، لَكِنْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُوَرةِ النِّسَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا بِسَنَدِهِ هَذَا، وَقَالَ بَعْدَهُ: رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. قُلْتُ: وَوَهِمَ فِي هَذَا الْحَصْرِ لِوُجُودِ رِوَايَةِ حَيْوَةَ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ حَيْوَةَ وَحْدَهُ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ وَصَلَ رِوَايَةَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: (فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ) قِيلَ: هُوَ مِنَ الْقَلْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَيُرْمَى بِالسَّهْمِ فَيَأْتِي. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ الثَّانِيَةُ زَائِدَةً، وَثَبَتَ كَذَلِكَ لِأَبِي ذَرٍّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: فَيَأْتِي السَّهْمُ يَرْمِي بِهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ يَضْرِبُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى: فَيَأْتِي، لَا عَلَى: فَيُصِيبُ؛ أَيْ يَقْتُلُ إِمَّا بِالسَّهْمِ، وَإِمَّا بِالسَّيْفِ.
وَفِيهِ تَخْطِئَةُ مَنْ يُقِيمُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ بِاخْتِيَارِهِ لَا لِقَصْدٍ صَحِيحٍ مِنْ إِنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مَثَلًا أَوْ رَجَاءِ إِنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ هَلَكَةٍ، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْهُمْ لَا يُعْذَرُ كَمَا وَقَعَ لِلَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِهِمْ مِنَ الْهِجْرَةِ ثُمَّ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَا لِقَصْدِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِإِيهَامِ كَثْرَتِهِمْ فِي عُيُونِ الْمُسْلِمِينَ فَحَصَلَتْ لَهُمُ الْمُؤَاخَذَةُ بِذَلِكَ، فَرَأَى عِكْرِمَةُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ فِي جَيْشٍ يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ يَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا نَوَى ذَلِكَ ; وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ فِي عَكْسِهِ بِحَدِيثِ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ، كَمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
١٣ - بَاب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ
٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَقِيَ)؛ أَيِ الْمُسْلِمُ (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ)؛ أَيْ: مَاذَا يَصْنَعُ؟ وَالْحُثَالَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ
الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَارُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَدَعْ عَنْكَ عَوَامَّهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ لِأَنَّ الْعَلَاءَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَأَدْخَلَ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ.
قُلْتُ: يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي قِلَّةِ الْأَمَانَةِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَشِدَّةِ الِاخْتِلَافِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ وَاقِدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ وَاقِدٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى هُنَا انْتَهَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَبَقِيَّتُهُ عِنْدَ حَنْبَلٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَوَاءٌ، وَزَادَ: قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ بِمَا تَعْرِفُ وَتَدَعُ مَا تُنْكِرُ، وَتُقْبِلُ عَلَى خَاصَّتِكَ وَتَدَعُ عَوَامَّهُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفْسِهِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِلْبَاءَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَمَدٌّ - رَفَعَهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى حُثَالَةِ النَّاسِ الْحَدِيثَ.
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنَاهُ، فَقَالَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) تَقَدَّمَ بِهَذَا السَّنَدِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْجِذْرَ الْأَصْلُ وَتُفْتَحُ جِيمُهُ وَتُكْسَرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِإِعَادَةِ ثُمَّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا السُّنَنَ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَنِ مَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا) هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ أَصْلًا حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُوصَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا النَّادِرَ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ يُنْسَبُ لِلْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الْأَوَّلِينَ، فَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: مَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَدْرَكَهُ، وَالْأَمَانَةُ فِيهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُفْقَدُ الْأَمَانَةُ مِنَ الْجَمِيعِ إِلَّا النَّادِرَ.
قَوْلُهُ: (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا)؛ أَيْ: يَصِيرُ، وَأَصْلُ ظَلَّ مَا عُمِلَ بِالنَّهَارِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ، وَهِيَ هُنَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ وَهِيَ غَالِبًا تَقَعُ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَمَانَةَ تَذْهَبُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا الْأَثَرُ الْمَوْصُوفُ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الرِّقَاقِ وَأَنَّهُ سَوَادٌ فِي اللَّوْنِ، وَكَذَا الْمَجْلُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (فَنَفِطَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بَعْدَ النُّونَ الْمَفْتُوحَةِ؛ أَيْ صَارَ مُنْتَفِطًا، وَهُوَ الْمُنْتَبِرُ - بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ - يُقَالُ: انْتَبَرَ الْجَرْحُ وَانْتَفَطَ؛ إِذَا وَرِمَ وَامْتَلَأَ مَاءً. وَحَاصِلُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَنْذَرَ بِرَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْأَمَانَةِ يُسْلَبُهَا حَتَّى يَصِيرَ خَائِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمِينًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ شَاهِدٌ لِمَنْ خَالَطَ أَهْلَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ خَائِنًا لِأَنَّ الْقَرِينَ يَقْتَدِي بِقَرِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ. . . إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ حَالَ الْأَمَانَةِ أُخِذَ فِي النَّقْصِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ حُذَيْفَةَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك.
والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟
٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) ﷺ: (أَنَّ
الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.
قال حذيفة ﵁: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير.
وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧].
(١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.