«إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا، أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٠٨

الحديث رقم ٧١٠٨ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أنزل الله بقوم عذابا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧١٠٨ في صحيح البخاري

«إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا، أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

إسناد حديث رقم ٧١٠٨ من صحيح البخاري

٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧١٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٩ - بَاب: إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا

٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَاب: إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) حُذِفَ الْجَوَابُ اكْتِفَاءً بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) هُوَ عَبَدَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا)؛ أَيْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَصَابَ بِهِ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْيِهِمْ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ) أَيْ بُعِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ إِنْ كَانَ صَالِحًا فَعُقْبَاهُ صَالِحَةٌ وَإِلَّا فَسَيِّئَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَذَابُ طُهْرَةً لِلصَّالِحَيْنِ وَنِقْمَةٌ عَلَى الْفَاسِقِينَ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ نِقْمَتِهِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ قُبِضُوا مَعَهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْهَا مَرْفُوعًا: إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ أَنْزَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ فِيهِمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيهِمْ أَهْلُ طَاعَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ حَدِيثَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَيْثُ قَالَتْ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ. فَيَكُونُ إِهْلَاكُ الْجَمِيعِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمُنْكَرِ وَالْإِعْلَانِ بِالْمَعَاصِي. قُلْتُ: الَّذِي يُنَاسِبُ كَلَامَهُ الْأَخِيرَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَمُتَنَاسِبَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَهُ، وَيَجْمَعُهُمَا أَنَّ الْهَلَاكَ يَعُمُّ الطَّائِعَ مَعَ الْعَاصِي، وَزَادَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الطَّائِعَ عِنْدَ الْبَعْثِ يُجَازَى بِعَمَلِهِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الْعَجَبُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ.

فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ تَجْمَعُ النَّاسَ، قَالَ: نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تُعَذَّبُ عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَهْلُ أَسْوَاقِهِمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيُصَابُ جَمِيعُهُمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيُقَالُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَذَابَ أُمَّةٍ أَعْقَمَ نِسَاءَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُصَابُوا لِئَلَّا يُصَابَ الْوِلْدَانُ الَّذِينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الْقَلَمُ انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، وَعُمُومُ حَدِيثِ عَائِشَةَ يَرُدُّهُ، وَقَدْ شُوهِدَتِ السَّفِينَةُ مَلْأَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ تَغْرَقُ فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا، وَمِثْلُهُ الدَّارُ الْكَبِيرَةُ تُحْرَقُ، وَالرُّفْقَةُ الْكَثِيرَةُ تَخْرُجُ عَلَيْهَا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَالْبَلَدُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمُهَا الْكُفَّارُ فَيَبْذُلُونَ السَّيْفَ فِي أَهْلِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنَ الْخَوَارِجِ قَدِيمًا ثُمَّ مِنَ الْقَرَامِطَةِ ثُمَّ مِنَ الطَّطَرِ أَخِيرًا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَوْرَدَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ جَابِرٍ: يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ تعَقِبَ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا، رَفَعَهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فعقروه، فنزلتُ أنا وأخوها محمَّدٌ، فاحتملنا هودجها، فوضعناه بين يدي عليٍّ، فأَمَر بها، فأُدخلت بيتًا، وعند ابن أبي شيبة والطَّبريِّ (١) من طريق عمر بن جاوان عن الأحنف: فكان أوَّل قتيلٍ طلحة، ورجع الزُّبير فقُتل، وقال الزُّهري: ما شوهدت وقعةٌ مثلها؛ فني فيها الكماة من فرسان مضرَ، فهرب الزُّبير، فقُتِل (٢) بوادي السِّباع، وجاء طلحةَ سهم غربٍ، فحملوه إلى البصرة ومات، وحكى سيفٌ (٣): كان قتلى الجمل عشرة آلافٍ؛ نصفهم من أصحاب عليٍّ، ونصفهم من أصحاب عائشة، وقيل: قُتِلَ من أصحاب عائشة ثمانية آلافٍ، وقيل: ثلاثة عشر ألفًا، ومن أصحاب عليٍّ ألفٌ، وقيل (٤): من أهل البصرة عشرة آلافٍ، ومن أهل الكوفة خمسة آلافٍ.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) لم يذكر جواب «إذا»؛ اكتفاءً بما في الحديث.

٧١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) الملقَّب عبدان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي: (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) أي: عقوبةً لهم على سيِّئ أعمالهم (أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) ممَّن ليس هو على منهاجهم، و «مَن» مِن صيغ العموم؛ فالمعنى: أنَّ العذاب يُصيب حتَّى الصَّالحين منهم، وعند الإسماعيليِّ من طريق أبي النُّعمان عن ابن المبارك: «أصاب به مَنْ بين أظهرهم» (ثُمَّ بُعِثُوا) بضمِّ الموحَّدة (عَلَى) حسب

(أَعْمَالِهِمْ) إن كانت صالحةً؛ فعقباهم صالحةٌ، وإلَّا فسيِّئةٌ، فذلك العذاب طُهْرةٌ للصَّالح، ونقمةٌ على الفاسق، وعن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصَّالحون؛ قُبِضُوا معهم، ثمَّ بُعِثُوا على نيَّاتهم وأعمالهم» صحَّحه ابن حبَّان، وأخرجه البيهقيُّ في «شُعَبه»، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثَّواب أو العقاب، بل يُجازى كلُّ أحدٍ بعمله على حسب نيَّته، وهذا من الحكم العدل؛ لأنَّ أعمالهم الصَّالحة إنَّما يُجازَون بها في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا؛ فمهما أصابهم من بلاءٍ؛ كان تكفيرًا لما قدَّموه من عملٍ سيِّئٍ؛ كترك الأمر بالمعروف، وفي «السُّنن الأربعة» من حديث أبي بكر الصِّدِّيق : سمع رسول الله يقول: «إنَّ النَّاس إذا رأَوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعذابٍ»، وكذا رواه ابن حِبَّان وصحَّحه، فكان العذاب المرسل في الدُّنيا على الذين ظلموا يتناول مَن كان معهم ولم ينكِر عليهم؛ فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثمَّ يوم القيامة يُبْعَثُ كلٌّ منهم فيُجازى بعمله (١)، فأمَّا من أمرَ ونَهَى، فلا يُرسِل الله عليهم العذاب، بل يدفع الله بهم العذاب، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] ويدلُّ على التَّعميم لمَنْ لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتعاطاه قولُه: ﴿فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ (٢) حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ويُستفاد منه (٣) مشروعيَّة الهرب (٤) من الظَّلَمة؛ لأنَّ الإقامة معهم من إلقاء النَّفس إلى الهلكة (٥)، قاله في «بهجة النُّفوس» قال: وفي الحديث تحذيرٌ عظيمٌ لمن سكت عن النَّهي، فكيف بمن داهن؟! فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ نسأل الله العافية والسَّلامة، وعند ابن أبي الدُّنيا في «كتاب الأمر بالمعروف» عن إبراهيم بن عمرٍو الصَّنعانيِّ قال: أوحى الله إلى يوشع بن نونٍ أنِّي مهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستِّين ألفًا من شرارهم، قال: يا ربِّ؛ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فقال: إنَّهم (٦) لم يغضبوا

لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم (١)، وقال مالك بن دينارٍ: أوحى الله تعالى إلى ملَكٍ من الملائكة أنِ اقلِب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال: يا ربُّ؛ إنَّ فيهم عبدك فلانًا، ولم يعصكِ طرفة عينٍ، فقال: اقلبها عليه وعليهم؛ فإنَّ وجهه لم يتمعَّر فيَّ ساعةً قطُّ، ورواه الطَّبرانيُّ وغيره من حديث جابرٍ مرفوعًا، والمحفوظ -كما قال البيهقيُّ- ما ذُكِر، واعلم: أنَّه قد تقوم كثرة رؤية المُنْكَرات مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التَّمييز والإنكار؛ لأنَّ المنكراتِ إذا كثُر (٢) على القلب ورودُها، وتكرَّر في العين شهودها؛ ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان، فلا يخطر بباله أنَّها منكَراتٌ، ولا يمرُّ بفكره أنَّها معاصٍ؛ لما أحدث تكرارها من تألُّف القلوب (٣) بها، وفي «القوت» لأبي طالب المكِّيِّ عن بعضهم: أنَّه مرَّ يومًا في السُّوق، فرأى بدعةً، فبال الدَّمَ من شدَّة إنكاره لها بقلبه، وتغيَّر مزاجه لرؤيتها، فلمَّا كان اليوم الثَّاني؛ مرَّ فرآها، فبال دمًا صافيًا، فلمَّا كان اليوم الثَّالث؛ مرَّ فرآها، فبال بوله المعتاد؛ لأنَّ حدَّة الإنكار التي أثَّرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حاله الأوَّل، وصارت البدعة كأنَّها مألوفةٌ عنده معروفة، وهذا أمرٌ مستقِرٌّ (٤) لا يمكن جحوده، والله تعالى أعلم.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ.

(٢٠) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) : (إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ) بلام التَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «سيِّدٌ» بإسقاطها (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٩ - بَاب: إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا

٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (بَاب: إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) حُذِفَ الْجَوَابُ اكْتِفَاءً بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) هُوَ عَبَدَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا)؛ أَيْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَصَابَ بِهِ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْيِهِمْ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ) أَيْ بُعِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ إِنْ كَانَ صَالِحًا فَعُقْبَاهُ صَالِحَةٌ وَإِلَّا فَسَيِّئَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَذَابُ طُهْرَةً لِلصَّالِحَيْنِ وَنِقْمَةٌ عَلَى الْفَاسِقِينَ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ نِقْمَتِهِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ قُبِضُوا مَعَهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْهَا مَرْفُوعًا: إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ أَنْزَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ فِيهِمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِيهِمْ أَهْلُ طَاعَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ حَدِيثَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَيْثُ قَالَتْ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ. فَيَكُونُ إِهْلَاكُ الْجَمِيعِ عِنْدَ ظُهُورِ الْمُنْكَرِ وَالْإِعْلَانِ بِالْمَعَاصِي. قُلْتُ: الَّذِي يُنَاسِبُ كَلَامَهُ الْأَخِيرَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ وَحَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَمُتَنَاسِبَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَهُ، وَيَجْمَعُهُمَا أَنَّ الْهَلَاكَ يَعُمُّ الطَّائِعَ مَعَ الْعَاصِي، وَزَادَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الطَّائِعَ عِنْدَ الْبَعْثِ يُجَازَى بِعَمَلِهِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: الْعَجَبُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ.

فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ تَجْمَعُ النَّاسَ، قَالَ: نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تُعَذَّبُ عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَهْلُ أَسْوَاقِهِمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيُصَابُ جَمِيعُهُمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيُقَالُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَذَابَ أُمَّةٍ أَعْقَمَ نِسَاءَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُصَابُوا لِئَلَّا يُصَابَ الْوِلْدَانُ الَّذِينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الْقَلَمُ انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، وَعُمُومُ حَدِيثِ عَائِشَةَ يَرُدُّهُ، وَقَدْ شُوهِدَتِ السَّفِينَةُ مَلْأَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ تَغْرَقُ فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا، وَمِثْلُهُ الدَّارُ الْكَبِيرَةُ تُحْرَقُ، وَالرُّفْقَةُ الْكَثِيرَةُ تَخْرُجُ عَلَيْهَا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَالْبَلَدُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمُهَا الْكُفَّارُ فَيَبْذُلُونَ السَّيْفَ فِي أَهْلِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنَ الْخَوَارِجِ قَدِيمًا ثُمَّ مِنَ الْقَرَامِطَةِ ثُمَّ مِنَ الطَّطَرِ أَخِيرًا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَوْرَدَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ جَابِرٍ: يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ تعَقِبَ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا، رَفَعَهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فعقروه، فنزلتُ أنا وأخوها محمَّدٌ، فاحتملنا هودجها، فوضعناه بين يدي عليٍّ، فأَمَر بها، فأُدخلت بيتًا، وعند ابن أبي شيبة والطَّبريِّ (١) من طريق عمر بن جاوان عن الأحنف: فكان أوَّل قتيلٍ طلحة، ورجع الزُّبير فقُتل، وقال الزُّهري: ما شوهدت وقعةٌ مثلها؛ فني فيها الكماة من فرسان مضرَ، فهرب الزُّبير، فقُتِل (٢) بوادي السِّباع، وجاء طلحةَ سهم غربٍ، فحملوه إلى البصرة ومات، وحكى سيفٌ (٣): كان قتلى الجمل عشرة آلافٍ؛ نصفهم من أصحاب عليٍّ، ونصفهم من أصحاب عائشة، وقيل: قُتِلَ من أصحاب عائشة ثمانية آلافٍ، وقيل: ثلاثة عشر ألفًا، ومن أصحاب عليٍّ ألفٌ، وقيل (٤): من أهل البصرة عشرة آلافٍ، ومن أهل الكوفة خمسة آلافٍ.

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) لم يذكر جواب «إذا»؛ اكتفاءً بما في الحديث.

٧١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) الملقَّب عبدان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي: (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) أي: عقوبةً لهم على سيِّئ أعمالهم (أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) ممَّن ليس هو على منهاجهم، و «مَن» مِن صيغ العموم؛ فالمعنى: أنَّ العذاب يُصيب حتَّى الصَّالحين منهم، وعند الإسماعيليِّ من طريق أبي النُّعمان عن ابن المبارك: «أصاب به مَنْ بين أظهرهم» (ثُمَّ بُعِثُوا) بضمِّ الموحَّدة (عَلَى) حسب

(أَعْمَالِهِمْ) إن كانت صالحةً؛ فعقباهم صالحةٌ، وإلَّا فسيِّئةٌ، فذلك العذاب طُهْرةٌ للصَّالح، ونقمةٌ على الفاسق، وعن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصَّالحون؛ قُبِضُوا معهم، ثمَّ بُعِثُوا على نيَّاتهم وأعمالهم» صحَّحه ابن حبَّان، وأخرجه البيهقيُّ في «شُعَبه»، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثَّواب أو العقاب، بل يُجازى كلُّ أحدٍ بعمله على حسب نيَّته، وهذا من الحكم العدل؛ لأنَّ أعمالهم الصَّالحة إنَّما يُجازَون بها في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا؛ فمهما أصابهم من بلاءٍ؛ كان تكفيرًا لما قدَّموه من عملٍ سيِّئٍ؛ كترك الأمر بالمعروف، وفي «السُّنن الأربعة» من حديث أبي بكر الصِّدِّيق : سمع رسول الله يقول: «إنَّ النَّاس إذا رأَوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعذابٍ»، وكذا رواه ابن حِبَّان وصحَّحه، فكان العذاب المرسل في الدُّنيا على الذين ظلموا يتناول مَن كان معهم ولم ينكِر عليهم؛ فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثمَّ يوم القيامة يُبْعَثُ كلٌّ منهم فيُجازى بعمله (١)، فأمَّا من أمرَ ونَهَى، فلا يُرسِل الله عليهم العذاب، بل يدفع الله بهم العذاب، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] ويدلُّ على التَّعميم لمَنْ لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتعاطاه قولُه: ﴿فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ (٢) حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ويُستفاد منه (٣) مشروعيَّة الهرب (٤) من الظَّلَمة؛ لأنَّ الإقامة معهم من إلقاء النَّفس إلى الهلكة (٥)، قاله في «بهجة النُّفوس» قال: وفي الحديث تحذيرٌ عظيمٌ لمن سكت عن النَّهي، فكيف بمن داهن؟! فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ نسأل الله العافية والسَّلامة، وعند ابن أبي الدُّنيا في «كتاب الأمر بالمعروف» عن إبراهيم بن عمرٍو الصَّنعانيِّ قال: أوحى الله إلى يوشع بن نونٍ أنِّي مهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستِّين ألفًا من شرارهم، قال: يا ربِّ؛ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فقال: إنَّهم (٦) لم يغضبوا

لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم (١)، وقال مالك بن دينارٍ: أوحى الله تعالى إلى ملَكٍ من الملائكة أنِ اقلِب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال: يا ربُّ؛ إنَّ فيهم عبدك فلانًا، ولم يعصكِ طرفة عينٍ، فقال: اقلبها عليه وعليهم؛ فإنَّ وجهه لم يتمعَّر فيَّ ساعةً قطُّ، ورواه الطَّبرانيُّ وغيره من حديث جابرٍ مرفوعًا، والمحفوظ -كما قال البيهقيُّ- ما ذُكِر، واعلم: أنَّه قد تقوم كثرة رؤية المُنْكَرات مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التَّمييز والإنكار؛ لأنَّ المنكراتِ إذا كثُر (٢) على القلب ورودُها، وتكرَّر في العين شهودها؛ ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان، فلا يخطر بباله أنَّها منكَراتٌ، ولا يمرُّ بفكره أنَّها معاصٍ؛ لما أحدث تكرارها من تألُّف القلوب (٣) بها، وفي «القوت» لأبي طالب المكِّيِّ عن بعضهم: أنَّه مرَّ يومًا في السُّوق، فرأى بدعةً، فبال الدَّمَ من شدَّة إنكاره لها بقلبه، وتغيَّر مزاجه لرؤيتها، فلمَّا كان اليوم الثَّاني؛ مرَّ فرآها، فبال دمًا صافيًا، فلمَّا كان اليوم الثَّالث؛ مرَّ فرآها، فبال بوله المعتاد؛ لأنَّ حدَّة الإنكار التي أثَّرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حاله الأوَّل، وصارت البدعة كأنَّها مألوفةٌ عنده معروفة، وهذا أمرٌ مستقِرٌّ (٤) لا يمكن جحوده، والله تعالى أعلم.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ.

(٢٠) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) : (إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ) بلام التَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «سيِّدٌ» بإسقاطها (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده