الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١١١
الحديث رقم ٧١١١ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧١١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْتَرِسُهُ الْأَسَدُ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ فِي شِدْقِهِ فِي عِدَادِ مَنْ هَلَكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ وَصَلْتَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ مُوَاسِيًا لَكَ بِنَفْسِي.
وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ اللَّطِيفَةِ تَمْثِيلُ أُسَامَةَ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَسَدِ. وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ أَنَّ الْقَاضِيَ - يَعْنِي عِيَاضًا - ضَبَطَ الشِّدْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَكَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ غَلَطٌ عَلَى الْقَاضِي، قُلْتُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ فِي الَّذِي يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ فَإِنَّهُ ضَبَطَ الشِّدْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ. نَعَمْ هُوَ غَلَطٌ فَقَدْ ضُبِطَ فِي جَمِيعِ كُتِبِ اللُّغَةِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرْسَلَ أُسَامَةُ إِلَى عَلِيٍّ يَعْتَذِرُ عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ فِي حُرُوبِهِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ مُشَارَكَتَهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى قِتَالَ الْمُسْلِمِ، قَالَ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ - يَعْنِي الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ وَمَنْ أَحْيَاهَا فِي أَوَائِلِ الدِّيَاتِ وَلَامَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبَبِ ذَلِكَ، آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا. فَذَلِكَ سَبَبُ تَخَلُّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا مَنَعَ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِيَ رَسُولَ أُسَامَةَ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ سَأَلَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ اللَّهِ فَلَمْ يَرَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِتَخَلُّفِهِ عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجْلِسُهُ عَلَى فَخِذِهِ وَيُجْلِسُ الْحَسَنَ عَلَى الْفَخِذِ الْآخَرِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا) هَذِهِ الْفَاءُ هِيَ الْفَصِيحَةُ، وَالتَّقْدِيرُ فَذَهَبْتُ إِلَى عَلِيٍّ فَبَلَّغْتُهُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ بِهَا - أَيِ الْمَقَالَةُ - فَأَخْبَرْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي) أَيْ حَمَلُوا لِي عَلَى رَاحِلَتِي مَا أَطَاقَتْ حَمْلَهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جِنْسَ مَا أَعْطَوْهُ وَلَا نَوْعَهُ، وَالرَّاحِلَةُ الَّتِي صَلَحَتْ لِلرُّكُوبِ مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْوِقْرُ وَهُوَ بِالْكَسْرِ عَلَى مَا يَحْمِلُ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ، وَأَمَّا حِمْلُ الْبَعِيرِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَسْقُ، وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا عَوَّضُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثِيَابٍ وَنَحْوِهَا قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ رَاحِلَتُهُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا.
٢١ - بَاب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
٧١١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
٧١١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ "لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من ثيابٍ ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها.
والحديث من أفراده.
(٢١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه (إِذَا قَالَ) أحدٌ (عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ).
٧١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) وكان ابن عمر لمَّا مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته، وكان السَّبب في خلعه ما ذكره الطَّبريُّ: أنَّ يزيد بن معاوية كان أمَّر على المدينة ابن عمِّه عمَّار (١) بن محمَّد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعةً من أهل المدينة؛ منهم: عبد الله بن (٢) غسيلِ الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرٍو المخزوميُّ في آخرين، فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه، ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثمَّ وثبوا على عمَّارٍ (٣) فأخرجوه، وخلعوا يزيد، فلمَّا وقع ذلك (جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ) بالمهملة ثمَّ المعجمة المفتوحتين: جماعته الملازمين لخدمته؛ خشيةَ أن ينكثوا مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد (٤) (وَوَلَدَهُ، فَقَالَ) لهم: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة بعدها مُوحَّدةٌ (لِكُلِّ غَادِرٍ) بالغين المعجمة والدَّال المهملة، من الغدر (لِوَاءٌ) بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعل، أي: رايةٌ يُشْهَر (٥) بها على
رؤوس الأشهاد (يَوْمَ القِيَامَةِ) بقدر غدرته (وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ) يزيد بن معاوية (عَلَى بَيْعِ (١) اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام؛ وذلك أنَّ من بايع أميرًا؛ فقد أعطاه الطَّاعة، وأخذ منه العطيَّة، فكان كمن باع سلعةً وأخذ ثمنها (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ عُذْرًا) بضمِّ العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة في الفرع مُصلحًا، وفي «اليونينيَّة» وغيرها: «غَدْرًا» بفتح الغين المعجمة وسكون الدَّال المهملة (أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ) بفتح التَّحتيَّة قبل العين (رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ) وفي رواية صخر بن جُويريَة عن نافعٍ عند (٢) أحمد: «وإنَّ من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع الرَّجل رجلًا على بيع الله، ثمَّ ينكُث بيعته» (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ) أي: خلع يزيد (وَلَا بَايَعَ) أحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تابع» بالفوقيَّة والموحَّدة، بدل الموحَّدة والتَّحتيَّة (فِي هَذَا الأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ) بالفاء المفتوحة بعدها (٣) تحتيَّةٌ ساكنةٌ وصادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فلامٌ: القاطعة (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) وفيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنَّه لا ينخلع بالفسق، ولمَّا بلغ يزيد أنَّ أهل المدينة خلعوه؛ جهَّز لهم جيشًا مع مسلم بن عقبة المرِّيِّ (٥)، وأمره أن يدعوهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا؛ فيقاتلهم وأنَّه إذا ظهر؛ يبيح المدينة للجيش ثلاثًا، ثمَّ يكفُّ عنهم، فتوجَّه إليهم، فوصل في ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وستِّين (٦)، فحاربوه، وكانوا (٧) قد اتَّخذوا خندقًا، وانهزم أهل المدينة، وقُتِلَ حنظلة، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثًا فقُتِلَ جماعةٌ من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التَّابعين وهم ألفٌ وسبع مئة، وقُتِلَ من أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان، وقُتِلَ بها جماعةٌ من حَمَلة القرآن، وقُتِلَ جماعةٌ صبرًا؛ منهم: معقل بن سنان، ومحمَّد بن أبي الجهم بن حذيفة، وجالت (٨) الخيل في
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَفْتَرِسُهُ الْأَسَدُ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ فِي شِدْقِهِ فِي عِدَادِ مَنْ هَلَكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ وَصَلْتَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ مُوَاسِيًا لَكَ بِنَفْسِي.
وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ اللَّطِيفَةِ تَمْثِيلُ أُسَامَةَ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَسَدِ. وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ أَنَّ الْقَاضِيَ - يَعْنِي عِيَاضًا - ضَبَطَ الشِّدْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَكَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ غَلَطٌ عَلَى الْقَاضِي، قُلْتُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ الطَّوِيلِ فِي الَّذِي يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ فَإِنَّهُ ضَبَطَ الشِّدْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ. نَعَمْ هُوَ غَلَطٌ فَقَدْ ضُبِطَ فِي جَمِيعِ كُتِبِ اللُّغَةِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرْسَلَ أُسَامَةُ إِلَى عَلِيٍّ يَعْتَذِرُ عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ فِي حُرُوبِهِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ مُشَارَكَتَهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى قِتَالَ الْمُسْلِمِ، قَالَ: وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ - يَعْنِي الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ وَمَنْ أَحْيَاهَا فِي أَوَائِلِ الدِّيَاتِ وَلَامَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبَبِ ذَلِكَ، آلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا. فَذَلِكَ سَبَبُ تَخَلُّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا مَنَعَ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِيَ رَسُولَ أُسَامَةَ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ سَأَلَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ اللَّهِ فَلَمْ يَرَ أَنْ يُعْطِيَهُ لِتَخَلُّفِهِ عَنِ الْقِتَالِ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجْلِسُهُ عَلَى فَخِذِهِ وَيُجْلِسُ الْحَسَنَ عَلَى الْفَخِذِ الْآخَرِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا) هَذِهِ الْفَاءُ هِيَ الْفَصِيحَةُ، وَالتَّقْدِيرُ فَذَهَبْتُ إِلَى عَلِيٍّ فَبَلَّغْتُهُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ بِهَا - أَيِ الْمَقَالَةُ - فَأَخْبَرْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي) أَيْ حَمَلُوا لِي عَلَى رَاحِلَتِي مَا أَطَاقَتْ حَمْلَهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جِنْسَ مَا أَعْطَوْهُ وَلَا نَوْعَهُ، وَالرَّاحِلَةُ الَّتِي صَلَحَتْ لِلرُّكُوبِ مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْوِقْرُ وَهُوَ بِالْكَسْرِ عَلَى مَا يَحْمِلُ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ، وَأَمَّا حِمْلُ الْبَعِيرِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَسْقُ، وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا عَوَّضُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثِيَابٍ وَنَحْوِهَا قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ رَاحِلَتُهُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا.
٢١ - بَاب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
٧١١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
٧١١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ "لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
من ثيابٍ ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها.
والحديث من أفراده.
(٢١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه (إِذَا قَالَ) أحدٌ (عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ).
٧١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) وكان ابن عمر لمَّا مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته، وكان السَّبب في خلعه ما ذكره الطَّبريُّ: أنَّ يزيد بن معاوية كان أمَّر على المدينة ابن عمِّه عمَّار (١) بن محمَّد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعةً من أهل المدينة؛ منهم: عبد الله بن (٢) غسيلِ الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرٍو المخزوميُّ في آخرين، فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه، ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثمَّ وثبوا على عمَّارٍ (٣) فأخرجوه، وخلعوا يزيد، فلمَّا وقع ذلك (جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ) بالمهملة ثمَّ المعجمة المفتوحتين: جماعته الملازمين لخدمته؛ خشيةَ أن ينكثوا مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد (٤) (وَوَلَدَهُ، فَقَالَ) لهم: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة بعدها مُوحَّدةٌ (لِكُلِّ غَادِرٍ) بالغين المعجمة والدَّال المهملة، من الغدر (لِوَاءٌ) بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعل، أي: رايةٌ يُشْهَر (٥) بها على
رؤوس الأشهاد (يَوْمَ القِيَامَةِ) بقدر غدرته (وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ) يزيد بن معاوية (عَلَى بَيْعِ (١) اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام؛ وذلك أنَّ من بايع أميرًا؛ فقد أعطاه الطَّاعة، وأخذ منه العطيَّة، فكان كمن باع سلعةً وأخذ ثمنها (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ عُذْرًا) بضمِّ العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة في الفرع مُصلحًا، وفي «اليونينيَّة» وغيرها: «غَدْرًا» بفتح الغين المعجمة وسكون الدَّال المهملة (أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ) بفتح التَّحتيَّة قبل العين (رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ) وفي رواية صخر بن جُويريَة عن نافعٍ عند (٢) أحمد: «وإنَّ من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع الرَّجل رجلًا على بيع الله، ثمَّ ينكُث بيعته» (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ) أي: خلع يزيد (وَلَا بَايَعَ) أحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تابع» بالفوقيَّة والموحَّدة، بدل الموحَّدة والتَّحتيَّة (فِي هَذَا الأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ) بالفاء المفتوحة بعدها (٣) تحتيَّةٌ ساكنةٌ وصادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فلامٌ: القاطعة (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) وفيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنَّه لا ينخلع بالفسق، ولمَّا بلغ يزيد أنَّ أهل المدينة خلعوه؛ جهَّز لهم جيشًا مع مسلم بن عقبة المرِّيِّ (٥)، وأمره أن يدعوهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا؛ فيقاتلهم وأنَّه إذا ظهر؛ يبيح المدينة للجيش ثلاثًا، ثمَّ يكفُّ عنهم، فتوجَّه إليهم، فوصل في ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وستِّين (٦)، فحاربوه، وكانوا (٧) قد اتَّخذوا خندقًا، وانهزم أهل المدينة، وقُتِلَ حنظلة، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثًا فقُتِلَ جماعةٌ من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التَّابعين وهم ألفٌ وسبع مئة، وقُتِلَ من أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان، وقُتِلَ بها جماعةٌ من حَمَلة القرآن، وقُتِلَ جماعةٌ صبرًا؛ منهم: معقل بن سنان، ومحمَّد بن أبي الجهم بن حذيفة، وجالت (٨) الخيل في