«شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهْوَ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٢

الحديث رقم ٧١٥٢ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من شاق شق الله عليه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧١٥٢ في صحيح البخاري

«شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهْوَ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ» قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ، جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.

بَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الطَّرِيقِ وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ

إسناد حديث رقم ٧١٥٢ من صحيح البخاري

٧١٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧١٥٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرًا أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ غُلَامًا سَفِيهًا يَسْفِكُ الدِّمَاءَ سَفْكًا شَدِيدًا وَفِينَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ: انْتَهِ عَمَّا أَرَاكَ تَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْنَا لَهُ: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِكَلَامِ هَذَا السَّفِيهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أَقُولَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، ثُمَّ قَامَ فَمَا لَبِثَ أَنْ مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابِيَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ زَائِدَةُ ذَكَرَهُ هِشَامٌ) هُوَ بِحَذْفٍ قَالَ الثَّانِيَةِ وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الْحُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ: قَالَ زَائِدَةُ: ذَكَرَهُ؛ أَيِ: الْحَدِيثَ الَّذِي سَيَأْتِي هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ، وَحَاصِلُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْبَتَ الْغِشَّ فِي إِحْدَاهُمَا، وَنَفَى النَّصِيحَةَ فِي الْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِظُلْمِهِ لَهُمْ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ سَفْكِ دِمَائِهِمْ أَوِ انْتَهَاكِ أَعْرَاضِهِمْ وَحَبْسِ حُقُوقِهِمْ وَتَرْكِ تَعْرِيفِهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَبِإِهْمَالِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِمْ، وَرَدْعِ الْمُفْسِدِينَ مِنْهُمْ وَتَرْكِ حِمَايَتِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا) قَدْ ذَكَرْتُ زِيَادَةَ أَبِي الْمَلِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ: مَا مِنْ أَمِيرٍ بَدَلَ وَالٍ وَقَالَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَجِدُّ لَهُ بِجِيمٍ وَدَالٍ مُشَدَّدَةٍ مِنَ الْجِدِّ بِالْكَسْرِ ضِدِّ الْهَزْلِ، وَقَالَ فِيهِ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَلِي جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ مَاضِيَهِ وَلِيَ بِالْكَسْرِ وَمُسْتَقْبَلُهُ يَوْلِي بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِثْلُ وَرِثَ يَرِثُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، فَمَنْ ضَيَّعَ مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَوْ خَانَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ فَقَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الطَّلَبُ بِمَظَالِمِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَلُّلِ مِنْ ظُلْمِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمَعْنَى حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أَيْ أَنْفَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْوَعِيدَ وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ الْمَظْلُومِينَ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَقِّ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَصِيحَةٍ. قُلْتُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالتَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ، فَالْكَافِرُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ نَاصِحًا فِيمَا تَوَلَّاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْكُفْرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِلِّ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَحُطَّهَا وَفِي قَوْلِهِ فَيَمُوتُ مِثْلُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ غَاشٌّ؛ قَيْدٌ لِلْفِعْلِ مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَلَّاهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ لَا لِيَغُشَّهُمْ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ.

٩ - بَاب مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ

٧١٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ، وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَمَنْ شاق شقق اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا ينْتَنُ

مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ مَنْ شَقَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالْمَعْنَى مَنْ أَدْخَلَ عَلَى النَّاسِ الْمَشَقَّةَ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ فَهُوَ مِنَ الْجَزَاءِ بِجِنْسِ الْعَمَلِ.

قَوْلُهُ: (خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ.

قَوْلُهُ (عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِلْعَبَّاسِ الْجُرَيْرِيِّ شَيْئًا وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَخَالِدٌ الطَّحَّانُ مَعْدُودٌ فِيمَنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ الْجُرَيْرِيِّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَاخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرِّيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ: مَنْ أَدْرَكَ أَيُّوبَ فَسَمَاعُهُ مِنَ الْجُرَيْرِيِّ جَيِّدٌ. قُلْتُ: وَخَالِدٌ قَدْ أَدْرَكَ أَيُّوبَ فَإِنَّ أَيُّوبَ لَمَّا مَاتَ كَانَ خَالِدٌ الْمَذْكُورُ ابْنَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ طَرِيفٍ) بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزْنُ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (أَبِي تَمِيمَةَ) بِالْمُثَنَّاةِ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، هُوَ ابْنُ مُجَالِدٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ الْهُجَيْمِيِّ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْهُجَيْمِ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ وَكَانَ مَوْلَاهُمْ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ صَفْوَانَ) هُوَ ابْنُ مُحْرِزِ بْنِ زِيَادٍ التَّابِعِيُّ الثِّقَةُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

قَوْلُهُ (وَجُنْدُبًا) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ. قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابَهُ) أَيْ أَصْحَابَ صَفْوَانَ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ جُنْدُبٌ (يُوصِيهِمْ) ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِلَفْظِ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدُبًا يُوصِيهِمْ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ عَمِّهِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ جُنْدُبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسَ بْنِ سَلَامَةَ زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي تَحْدِيثِهِ لَهُمْ بِقِصَّةِ الَّذِي حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ، وَأَظُنُّ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَيَجْمَعُهُمَا أَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَزَمَنُ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَتْ عَقِبَ مَوْتِ يَزِيدَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِنَفَرٍ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَلْيَكُونُوا شُيُوخًا، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِنَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَأَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسٍ، وَنَفَرٍ مَعَهُمَا سِتَّةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ جُنْدُبٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ تُدَارِسُ أَحَدًا الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَائْتِنِي بِهِمْ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِنَافِعٍ، وَأَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسٍ، وَنَجْدَةَ، وَصَالِحِ بْنِ مِشْرَحٍ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُ.

قُلْتُ: وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ لِنَصْرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا جَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُيُوشَ، فَشَهِدُوا مَعَهُ الْحِصَارَ الْأَوَّلَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَأَلُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ قَوْلِهِ فِي عُثْمَانَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فَغَضِبُوا وَفَارَقُوهُ، فَحَجُّوا. وَخَرَجَ نَجْدَةُ بِالْيَمَامَةِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى بَعْضِ بِلَادِ الْحِجَازِ، وَخَرَجَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ بِالْعِرَاقِ فَدَامَتْ فِتْنَتُهُ مُدَّةً. وَأَمَّا أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسٌ فَكَانَ خَرَجَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قُلْتُ: تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَفِيهِ وَمَنْ رَايَا وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ مَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ

اللَّهُ عَلَيْهِ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلسَّرْخَسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ وَبِفَكِّ الْقَافِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ التَّسَتُّرِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ شَاهِينَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشُقُّ اللَّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ) يَعْنِي بَعْدَ الْمَوْتِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ جُنْدُبٍ وَلَفْظُهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا مَاتَ بَطْنُهُ.

قَوْلُهُ (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ فَلَا يُدْخِلْ بَطْنَهُ إِلَّا طَيِّبًا هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، وَسِيَاقُهُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ وَالْوَقْفَ، فَإِنَّهُ صُدِّرَ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ. . الْحَدِيثَ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ وَيُنْتِنُ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ وَضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَمَاضِيهِ: أَنْتَنَ، وَنَتَنَ، وَالنَّتْنُ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ.

قَوْلُهُ (وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفٍّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَحُولَ وَبِلَفْظِ مِلْءِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ: كَفِّهِ.

قَوْلُهُ (مِنْ دَمٍ هَرَاقَهُ) أَيْ صَبَّهُ (فَلْيَفْعَلْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا أَهْرَاقَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: هِيَ لِمَنْ عَدَا أَبَا ذَرٍّ، كَذَا وَقَعَ هَذَا الْمَتْنُ أَيْضًا مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفًا، وَزَادَ الْحَسَنُ بَعْدَ قَوْلِهِ يُهْرِيقُهُ: كَأَنَّمَا يَذْبَحُ دَجَاجَةً، كُلَّمَا تَقَدَّمَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَوَقَعَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ وَلَفْظُهُ: تَعْلَمُونَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَرَاهَا مِلْءُ كَفِّ دَمٍ مِنْ مُسْلِمٍ أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ. وَهَذَا لَوْ لَمْ يَرِدْ مُصَرَّحًا بِرَفْعِهِ لَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي مَعْنَى قَوْلِهِ مِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مِقْدَارِ دَمِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، كَذَا قَالَ وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْحَصْرُ؟ وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّ ذِكْرَ مِلْءِ الْكَفِّ كَالْمِثَالِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ. فَذَكَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ الْجُرَيْرِيِّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، فَقَالَ جُنْدُبٌ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ قَوْمًا أَحَقَّ بِالنَّجَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ.

قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَصْدِيرِهِ كَلَامِهِ بِحَدِيثِ مَنْ سَمَّعَ وَكَأَنَّهُ تَفَرَّسَ فِيهِمْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ وَلَقَدْ صَدَقَتْ فِرَاسَتُهُ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بَذَلُوا السَّيْفَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَالْأَطْفَالَ، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ بِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُشَاقَّةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشِّقَاقِ وَهُوَ الْخِلَافُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَكَشْفِ مسَاوِيهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، وَتَرْكُ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، وَالنَّهْيُ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: شَقَّ الْأَمْرُ عَلَيْكَ مَشَقَّةً أَضَرَّ بِكَ، انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ وَالْمُشَاقَّةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ جَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ مِنَ الْإِضْرَارِ فَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الشِّقَاقِ وَهُوَ الْخِلَافُ وَمُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي شِقٍّ أَيْ نَاحِيَةٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ الثَّانِي، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لا ليغشَّهم (١) فيموت عليه، فلمَّا قلب القضية؛ استحقَّ ألَّا يجد رائحة الجنَّة، وقال القاضي عياضٌ: المعنى: من قلَّده الله تعالى شيئًا من أمر المسلمين، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم؛ فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم ينصح؛ فقد غشَّهم؛ حرَّم الله عليه الجنَّة. انتهى. وهذا وعيدٌ شديدٌ على أئمَّة الجَور، فمن ضيَّع مَنِ استرعاه الله؛ توجَّه إليه (٢) الطَّلب بمظالم العباد يوم القيامة، وكيف يقدر على التَّحلُّل؟ نعم؛ يجوز أن يتفضَّل الله تعالى عليه، فيُرضي عنه أخصامه، فهو الجواد الكريم، الرؤوف الرَّحيم.

(٩) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه: (مَنْ شَاقَّ) على النَّاس (٣) بأن أدخل عليهم المشقَّة (شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ) جزاءً وفاقًا لأعمالهم.

٧١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين أبو بشرٍ (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نسبةً إلى جُرَير بن عبَّادٍ، واسمه: سعيد بن إِياسٍ (عَنِ طَرِيفٍ) بالطَّاء المهملة آخره فاءُ، بوزن «عَظيم» (أَبِي تَمِيمَةَ) بالفوقيَّة، بوزن «عَظيمة»، ابن مُجَالدٍ (٤) -بضمِّ الميم وتخفيف الجيم- الجُهَيْمِيِّ (٥) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، نسبةً إلى بني الجُهَيم بطنٍ من تميمٍ، وكان مولاهم، أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ) بن مُحْرِز بن

زيادٍ التَّابعيَّ البصريَّ (وَجُنْدُبًا) بضمِّ الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ، ابن عبد الله البَجَليَّ الصَّحابيَّ المشهور (وَأَصْحَابَهُ) أي: أصحاب صفوان (وَهْوَ) أي: صفوان بن مُحْرِزٍ (يُوْصِيهِمْ) بسكون الواو، وعند الكِرمانيِّ: الضَّمير راجعٌ إلى «جندبٍ»، وكذا هو في «الأطراف» للمِزِّيِّ، ولفظه: شهدت صفوان وأصحابه وجُندبًا يوصيهم (فَقَالُوا) أي: صفوان وأصحابه لجندبٍ: (هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ): نعم (سَمِعْتُهُ) (يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بفتح السِّين والميم المشدَّدة، أي: من عمل للسُّمعة؛ يُظهِر الله سريرته للنَّاس، ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل: سمَّع الله به، أي: يفضحه يوم القيامة، وقيل: معناه: من سمَّع بعيوب النَّاس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه، وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إيَّاه؛ ليكون حسرةً عليه، وقيل: من أراد أن يعلمه النَّاس؛ أسمعه الله النَّاس، وكان ذلك حظَّه (قَالَ) : (وَمَنْ يُشَاقِقْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ بإسقاط إحدى القافين، أي: يضرَّ النَّاس، ويحملهم على ما يشقُّ من الأمر، أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا، ويكشف عن عيوبهم ومساوئهم (يَشْقُقِ اللهُ عَلَيْهِ) يعذِّبْه (يَوْمَ القِيَامَةِ) و «يشاقق» و «يشقُقِ» بلفظ المضارع وفكِّ (١) القاف فيهما (فَقَالُوا) له: (أَوْصِنَا، فَقَالَ) جندبٌ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وكسر الفوقيَّة، قال في «الصِّحاح»: نتنَ الشَّيءُ وأنتنَ بمعنًى، فهو مُنْتِنٌ ومِنتِن؛ بكسر الميم؛ إتباعًا لكسرة التَّاء، والنَّتْنُ: الرَّائحة الكريهة (مِنَ الإِنْسَانِ) بعد موته (بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا) أي: حلالًا (فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يُحَالَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ألَّا يحولَ» (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفِّهِ) كذا للكشميهنيِّ: «ملْءُ» بغير حرف الجرِّ، ورفع «ملء» على أنَّه فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه المتقدِّم، أي: يحول بينه وبين الجنَّة ملءُ كفِّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بِملْءِ كفٍّ» (مِنْ دَمٍ) بغير ضميرٍ، و «من» بيانيَّةٌ (أَهْرَاقَهُ) بفتح الهمزة وسكون الهاء (٢) صبَّه بغير حقِّه (فَلْيَفْعَلْ).

وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنَّه موقوفٌ؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي. نعم؛

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرًا أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ غُلَامًا سَفِيهًا يَسْفِكُ الدِّمَاءَ سَفْكًا شَدِيدًا وَفِينَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ: انْتَهِ عَمَّا أَرَاكَ تَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْنَا لَهُ: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِكَلَامِ هَذَا السَّفِيهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أَقُولَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، ثُمَّ قَامَ فَمَا لَبِثَ أَنْ مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابِيَّيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ زَائِدَةُ ذَكَرَهُ هِشَامٌ) هُوَ بِحَذْفٍ قَالَ الثَّانِيَةِ وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ الْحُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ: قَالَ زَائِدَةُ: ذَكَرَهُ؛ أَيِ: الْحَدِيثَ الَّذِي سَيَأْتِي هِشَامٌ وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ، وَحَاصِلُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْبَتَ الْغِشَّ فِي إِحْدَاهُمَا، وَنَفَى النَّصِيحَةَ فِي الْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِظُلْمِهِ لَهُمْ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ سَفْكِ دِمَائِهِمْ أَوِ انْتَهَاكِ أَعْرَاضِهِمْ وَحَبْسِ حُقُوقِهِمْ وَتَرْكِ تَعْرِيفِهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَبِإِهْمَالِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِمْ، وَرَدْعِ الْمُفْسِدِينَ مِنْهُمْ وَتَرْكِ حِمَايَتِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا) قَدْ ذَكَرْتُ زِيَادَةَ أَبِي الْمَلِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ: مَا مِنْ أَمِيرٍ بَدَلَ وَالٍ وَقَالَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَجِدُّ لَهُ بِجِيمٍ وَدَالٍ مُشَدَّدَةٍ مِنَ الْجِدِّ بِالْكَسْرِ ضِدِّ الْهَزْلِ، وَقَالَ فِيهِ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَلِي جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ مَاضِيَهِ وَلِيَ بِالْكَسْرِ وَمُسْتَقْبَلُهُ يَوْلِي بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِثْلُ وَرِثَ يَرِثُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، فَمَنْ ضَيَّعَ مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَوْ خَانَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ فَقَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الطَّلَبُ بِمَظَالِمِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَلُّلِ مِنْ ظُلْمِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمَعْنَى حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أَيْ أَنْفَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْوَعِيدَ وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ الْمَظْلُومِينَ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَقِّ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَصِيحَةٍ. قُلْتُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالتَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ، فَالْكَافِرُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ نَاصِحًا فِيمَا تَوَلَّاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْكُفْرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِلِّ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يَحُطَّهَا وَفِي قَوْلِهِ فَيَمُوتُ مِثْلُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ غَاشٌّ؛ قَيْدٌ لِلْفِعْلِ مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا وَلَّاهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ لَهُمُ النَّصِيحَةَ لَا لِيَغُشَّهُمْ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ.

٩ - بَاب مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ

٧١٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ، وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَمَنْ شاق شقق اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا ينْتَنُ

مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ مَنْ شَقَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَالْمَعْنَى مَنْ أَدْخَلَ عَلَى النَّاسِ الْمَشَقَّةَ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ فَهُوَ مِنَ الْجَزَاءِ بِجِنْسِ الْعَمَلِ.

قَوْلُهُ: (خَالِدٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ.

قَوْلُهُ (عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِلْعَبَّاسِ الْجُرَيْرِيِّ شَيْئًا وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَخَالِدٌ الطَّحَّانُ مَعْدُودٌ فِيمَنْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ الْجُرَيْرِيِّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَاخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرِّيُّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ: مَنْ أَدْرَكَ أَيُّوبَ فَسَمَاعُهُ مِنَ الْجُرَيْرِيِّ جَيِّدٌ. قُلْتُ: وَخَالِدٌ قَدْ أَدْرَكَ أَيُّوبَ فَإِنَّ أَيُّوبَ لَمَّا مَاتَ كَانَ خَالِدٌ الْمَذْكُورُ ابْنَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ طَرِيفٍ) بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزْنُ عَظِيمٍ.

قَوْلُهُ: (أَبِي تَمِيمَةَ) بِالْمُثَنَّاةِ وَزْنُ عَظِيمَةٍ، هُوَ ابْنُ مُجَالِدٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ الْهُجَيْمِيِّ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْهُجَيْمِ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ وَكَانَ مَوْلَاهُمْ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ صَفْوَانَ) هُوَ ابْنُ مُحْرِزِ بْنِ زِيَادٍ التَّابِعِيُّ الثِّقَةُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

قَوْلُهُ (وَجُنْدُبًا) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ. قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابَهُ) أَيْ أَصْحَابَ صَفْوَانَ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ جُنْدُبٌ (يُوصِيهِمْ) ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بِلَفْظِ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدُبًا يُوصِيهِمْ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ عَمِّهِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ جُنْدُبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسَ بْنِ سَلَامَةَ زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي تَحْدِيثِهِ لَهُمْ بِقِصَّةِ الَّذِي حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ، وَأَظُنُّ أَنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَيَجْمَعُهُمَا أَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَزَمَنُ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَتْ عَقِبَ مَوْتِ يَزِيدَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِنَفَرٍ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَلْيَكُونُوا شُيُوخًا، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِنَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَأَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسٍ، وَنَفَرٍ مَعَهُمَا سِتَّةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ أَنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ جُنْدُبٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ تُدَارِسُ أَحَدًا الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَائْتِنِي بِهِمْ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِنَافِعٍ، وَأَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسٍ، وَنَجْدَةَ، وَصَالِحِ بْنِ مِشْرَحٍ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُ.

قُلْتُ: وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ لِنَصْرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا جَهَّزَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُيُوشَ، فَشَهِدُوا مَعَهُ الْحِصَارَ الْأَوَّلَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَأَلُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ قَوْلِهِ فِي عُثْمَانَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فَغَضِبُوا وَفَارَقُوهُ، فَحَجُّوا. وَخَرَجَ نَجْدَةُ بِالْيَمَامَةِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى بَعْضِ بِلَادِ الْحِجَازِ، وَخَرَجَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ بِالْعِرَاقِ فَدَامَتْ فِتْنَتُهُ مُدَّةً. وَأَمَّا أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسٌ فَكَانَ خَرَجَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قُلْتُ: تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَفِيهِ وَمَنْ رَايَا وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ مَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ

اللَّهُ عَلَيْهِ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلسَّرْخَسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ وَبِفَكِّ الْقَافِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ التَّسَتُّرِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ شَاهِينَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشُقُّ اللَّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ) يَعْنِي بَعْدَ الْمَوْتِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ جُنْدُبٍ وَلَفْظُهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا مَاتَ بَطْنُهُ.

قَوْلُهُ (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ فَلَا يُدْخِلْ بَطْنَهُ إِلَّا طَيِّبًا هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ - هُوَ الْبَصْرِيُّ - عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، وَسِيَاقُهُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ وَالْوَقْفَ، فَإِنَّهُ صُدِّرَ بِقَوْلِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ. . الْحَدِيثَ وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ وَيُنْتِنُ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ وَضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَمَاضِيهِ: أَنْتَنَ، وَنَتَنَ، وَالنَّتْنُ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ.

قَوْلُهُ (وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفٍّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَحُولَ وَبِلَفْظِ مِلْءِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ: كَفِّهِ.

قَوْلُهُ (مِنْ دَمٍ هَرَاقَهُ) أَيْ صَبَّهُ (فَلْيَفْعَلْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا أَهْرَاقَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا. قُلْتُ: هِيَ لِمَنْ عَدَا أَبَا ذَرٍّ، كَذَا وَقَعَ هَذَا الْمَتْنُ أَيْضًا مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفًا، وَزَادَ الْحَسَنُ بَعْدَ قَوْلِهِ يُهْرِيقُهُ: كَأَنَّمَا يَذْبَحُ دَجَاجَةً، كُلَّمَا تَقَدَّمَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَوَقَعَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ وَلَفْظُهُ: تَعْلَمُونَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَرَاهَا مِلْءُ كَفِّ دَمٍ مِنْ مُسْلِمٍ أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ. وَهَذَا لَوْ لَمْ يَرِدْ مُصَرَّحًا بِرَفْعِهِ لَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي مَعْنَى قَوْلِهِ مِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مِقْدَارِ دَمِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، كَذَا قَالَ وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْحَصْرُ؟ وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّ ذِكْرَ مِلْءِ الْكَفِّ كَالْمِثَالِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ. فَذَكَرَ نَحْوَ رِوَايَةِ الْجُرَيْرِيِّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، فَقَالَ جُنْدُبٌ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ قَوْمًا أَحَقَّ بِالنَّجَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ.

قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَصْدِيرِهِ كَلَامِهِ بِحَدِيثِ مَنْ سَمَّعَ وَكَأَنَّهُ تَفَرَّسَ فِيهِمْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ وَلَقَدْ صَدَقَتْ فِرَاسَتُهُ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بَذَلُوا السَّيْفَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَالْأَطْفَالَ، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ بِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُشَاقَّةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشِّقَاقِ وَهُوَ الْخِلَافُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَكَشْفِ مسَاوِيهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، وَتَرْكُ مُخَالَفَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، وَالنَّهْيُ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ: شَقَّ الْأَمْرُ عَلَيْكَ مَشَقَّةً أَضَرَّ بِكَ، انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ وَالْمُشَاقَّةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ جَوَّزَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ مِنَ الْإِضْرَارِ فَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الشِّقَاقِ وَهُوَ الْخِلَافُ وَمُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي شِقٍّ أَيْ نَاحِيَةٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ الثَّانِي، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لا ليغشَّهم (١) فيموت عليه، فلمَّا قلب القضية؛ استحقَّ ألَّا يجد رائحة الجنَّة، وقال القاضي عياضٌ: المعنى: من قلَّده الله تعالى شيئًا من أمر المسلمين، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم؛ فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم ينصح؛ فقد غشَّهم؛ حرَّم الله عليه الجنَّة. انتهى. وهذا وعيدٌ شديدٌ على أئمَّة الجَور، فمن ضيَّع مَنِ استرعاه الله؛ توجَّه إليه (٢) الطَّلب بمظالم العباد يوم القيامة، وكيف يقدر على التَّحلُّل؟ نعم؛ يجوز أن يتفضَّل الله تعالى عليه، فيُرضي عنه أخصامه، فهو الجواد الكريم، الرؤوف الرَّحيم.

(٩) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه: (مَنْ شَاقَّ) على النَّاس (٣) بأن أدخل عليهم المشقَّة (شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ) جزاءً وفاقًا لأعمالهم.

٧١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين أبو بشرٍ (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نسبةً إلى جُرَير بن عبَّادٍ، واسمه: سعيد بن إِياسٍ (عَنِ طَرِيفٍ) بالطَّاء المهملة آخره فاءُ، بوزن «عَظيم» (أَبِي تَمِيمَةَ) بالفوقيَّة، بوزن «عَظيمة»، ابن مُجَالدٍ (٤) -بضمِّ الميم وتخفيف الجيم- الجُهَيْمِيِّ (٥) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، نسبةً إلى بني الجُهَيم بطنٍ من تميمٍ، وكان مولاهم، أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ) بن مُحْرِز بن

زيادٍ التَّابعيَّ البصريَّ (وَجُنْدُبًا) بضمِّ الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ، ابن عبد الله البَجَليَّ الصَّحابيَّ المشهور (وَأَصْحَابَهُ) أي: أصحاب صفوان (وَهْوَ) أي: صفوان بن مُحْرِزٍ (يُوْصِيهِمْ) بسكون الواو، وعند الكِرمانيِّ: الضَّمير راجعٌ إلى «جندبٍ»، وكذا هو في «الأطراف» للمِزِّيِّ، ولفظه: شهدت صفوان وأصحابه وجُندبًا يوصيهم (فَقَالُوا) أي: صفوان وأصحابه لجندبٍ: (هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ): نعم (سَمِعْتُهُ) (يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بفتح السِّين والميم المشدَّدة، أي: من عمل للسُّمعة؛ يُظهِر الله سريرته للنَّاس، ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل: سمَّع الله به، أي: يفضحه يوم القيامة، وقيل: معناه: من سمَّع بعيوب النَّاس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه، وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إيَّاه؛ ليكون حسرةً عليه، وقيل: من أراد أن يعلمه النَّاس؛ أسمعه الله النَّاس، وكان ذلك حظَّه (قَالَ) : (وَمَنْ يُشَاقِقْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ بإسقاط إحدى القافين، أي: يضرَّ النَّاس، ويحملهم على ما يشقُّ من الأمر، أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا، ويكشف عن عيوبهم ومساوئهم (يَشْقُقِ اللهُ عَلَيْهِ) يعذِّبْه (يَوْمَ القِيَامَةِ) و «يشاقق» و «يشقُقِ» بلفظ المضارع وفكِّ (١) القاف فيهما (فَقَالُوا) له: (أَوْصِنَا، فَقَالَ) جندبٌ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وكسر الفوقيَّة، قال في «الصِّحاح»: نتنَ الشَّيءُ وأنتنَ بمعنًى، فهو مُنْتِنٌ ومِنتِن؛ بكسر الميم؛ إتباعًا لكسرة التَّاء، والنَّتْنُ: الرَّائحة الكريهة (مِنَ الإِنْسَانِ) بعد موته (بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا) أي: حلالًا (فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يُحَالَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ألَّا يحولَ» (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفِّهِ) كذا للكشميهنيِّ: «ملْءُ» بغير حرف الجرِّ، ورفع «ملء» على أنَّه فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه المتقدِّم، أي: يحول بينه وبين الجنَّة ملءُ كفِّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بِملْءِ كفٍّ» (مِنْ دَمٍ) بغير ضميرٍ، و «من» بيانيَّةٌ (أَهْرَاقَهُ) بفتح الهمزة وسكون الهاء (٢) صبَّه بغير حقِّه (فَلْيَفْعَلْ).

وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنَّه موقوفٌ؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي. نعم؛

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله