الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٣
الحديث رقم ٧١٥٣ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القضاء والفتيا في الطريق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٦٥⦘
مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.»
بَابُ مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ
٧١٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ جُنْدُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدُبٌ انْتَهَى.
وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَالسَّائِلُ لَهُ الْفَرَبْرِيُّ، وَقَدْ خَلَتْ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ سِيقَ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ جُنْدُبًا هُوَ الْقَائِلُ، وَلَيْسَ فِيمَنْ سُمِّيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ.
١٠ - بَاب الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ
وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ
٧١٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِن أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ) كَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَالْأَثَرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي التَّرْجَمَةِ صَرِيحَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْفُتْيَا فَيَلْحَقُ بِهِ الْحُكْمُ.
قَوْلُهُ (وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَرْوَ بِأَمْرِ الْحَجَّاجِ، فَوَلِيَ قَضَاءَ مَرْوَ لِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْوَرَعِ. قَالَ الْحَاكِمُ: قَضَى فِي أَكْثَرِ مُدُنِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى بَلَدٍ اسْتُخْلِفَ فِي الَّتِي انْتَقَلَ مِنْهَا. قَوْلُهُ (فِي الطَّرِيقِ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ عَلَى الْقَضَاءِ بِمَرْوَ، فَرُبَّمَا رَأَيْتُهُ يَقْضِي فِي السُّوقِ وَفِي الطَّرِيقِ، وَرُبَّمَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ فَيَقْضِي بَيْنَهُمَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ رَأَى يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ يَقْضِي فِي الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ) قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ: رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يَقْضِي عِنْدَ بَابِ الْفِيلِ بِالْكُوفَةِ. وَأَخْرَجَ الْكَرَابِيسِيُّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا قَضَى فِي السُّوقِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَتَظَلَّمُوا مَنْ كَرَى لَهُمْ، فَنَزَلَ فَقَضَى بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ.
ثم ذكر حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ فِي الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى السَّاعَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَالِمٍ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَلَقِينَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ السُّدَّةُ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ بَابُ الدَّارِ وَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: السُّدِّيُّ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْمَقَانِعَ عِنْدَ سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الطَّاقِ الْمَسْدُودِ، وَقِيلَ هِيَ الْمِظَلَّةُ عَلَى الْبَابِ لِوِقَايَةِ الْمَطَرِ وَالشَّمْسِ وَقِيلَ هِيَ الْبَابُ نَفْسُهُ وَقِيلَ عَتَبَتُهُ، وَقِيلَ السَّاحَةُ أَمَامَ الْبَابِ. وَقَوْلُهُ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ عَدَّدْتُ وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ مِثْلُ ﴿جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ﴾ أَيْ هَيَّأَهُ، وَقَوْلُهُ اسْتَكَانَ أَيْ خَضَعَ وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ السُّكُونِ الدَّالِّ عَلَى الْخُضُوعِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِ الرَّجُلِ عَنِ السَّاعَةِ إِشْفَاقًا مِمَّا يَكُونُ فِيهَا، وَلَوْ سَأَلَ اسْتِعْجَالًا لَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ وَقَوْلُهُ كَبِيرَ عَمَلٍ بِالْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ لِبَعْضِهِمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَالِمِ عَنْ جَوَابِ السَّائِلِ وَالْمُسْتَفْتِي إِذَا كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُعْرَفُ، أَوْ كَانَتْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقع مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ من طريق الأعمش عن أبي تميمة بلفظ: قال رسول الله ﷺ: «لا يحولَنَّ بين أحدكم وبين الجنَّة»، فذكر نحو رواية الجُرَيريِّ.
قال الفَِرَبْريِّ: (قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ: (مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ جُنْدُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ جُنْدُبٌ) وفي الفرع كأصله سقوط قوله: «قلت … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: وقد خَلَتْ رواية النَّسفيِّ من ذلك.
(١٠) (باب) جواز (القَضَاءِ وَالفُتْيَا) حال كونهما (فِي الطَّرِيقِ) وعن أشهبٍ: لا بأس بالقضاء إذا كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم، وقال السَّفاقسيُّ: لا يجوز فيما يكون غامضًا.
(وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التَّحتيَّة والميم بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، التَّابعيُّ المشهور قاضي مرو (فِي الطَّرِيقِ) كما وصله ابن سعدٍ في «طبقاته» (وَقَضَى الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحَّدة المكسورة، عامر بن شَرَاحيل (عَلَى بَابِ دَارِهِ) وصله أيضًا ابن سعدٍ.
٧١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) رافعٍ الأشجعيِّ مولاهم الكوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ المَسْجِدِ؛ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ) بكسر القاف وفتح التَّحتيَّة (عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجِدِ) بضمِّ السِّين وفتح الدَّال المشدَّدة المهملتين: المظلَّة على بابه لوقاية المطر والشَّمس، أو الباب، أو عتبته، أو
السَّاحة أمام بابه، والرَّجل: قال ابن حجر: لم أعرف اسمه، لكن في الدَّارقطنيِّ (١) أنَّه ذو الخويصِرة اليمانيُّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ) تقوم؟ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا) ما هيَّأت لها من عملٍ؟ (فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ) «افتعل» من السُّكون، فتكون ألفه خارجةً عن القياس، وقيل: إنَّه «استفعل» من الكون، أي: انتقل من كونٍ إلى كونٍ؛ كما قالوا: استحال؛ إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ، وقوَّة المعنى تؤيِّد الأوَّل؛ إذِ الاستكانة هي الخضوع والانقياد، وهو يناسب السُّكون، والخروج عن القياس يضعِّفه، والقياس يؤيِّد الثَّاني، وقوَّة المعنى تضعِّفه؛ إذ ليس بينهما -أعني: المشتقَّ والمشتقَّ منه- مناسبةٌ ظاهرةٌ؛ فيحتاج في (٢) إثباتها إلى تكلُّفٍ، وقيل: هو مشتقٌّ من «الكَيْن»؛ وهو لحم باطن الفَرْج؛ إذ هو في أذلِّ المواضع، أي: صار مثله في الذُّلِّ، وقيل: كان يكين؛ بمعنى: خضع وذلَّ، والوجه بناءً على هذا هو الثَّاني؛ إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة، ولو كانت هذه اللُّغة (٣) مشهورةً؛ لكان أحسن الوجوه، قاله في «المصابيح»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قد استكان» (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَعْدَدْتُ) بالهمزة كالسَّابقة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما عَدَّدْتُ» بغير همزةٍ، قال في «الفتح»: وهو بالتَّشديد مثل: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]. انتهى. وقال المفسِّرون: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أعدَّه لنوائب الدَّهر؛ مثل: كرم وأكرم، وقيل: أحصى عدده، قاله السُّدِّيُّ، وقرأ الحسن والكلبيُّ بتخفيف الدَّال، أي: جمع مالًا وعَدَدَ ذلك المال، والمعنى هنا: ما هيَّأت (لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ) بالباء الموحَّدة، ولبعضهم بالمثلَّثة (وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي) بكسر النُّون المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكنْ» بسكون النُّون مخفَّفةً (أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ) ﷺ له (٤): (أَنْتَ) في الجنَّة (مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) فألحقه بحسن نيَّته من غير زيادة عملٍ بأصحاب الأعمال الصَّالحة، وقال ابن بطَّالٍ: فيه جواز سكوت العالم عن جواب السَّائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تُعرَف، أو كانت ممَّا لا حاجة بالنَّاس إليها، أو كانت ممَّا يُخشى منها الفتنة، أو سوء التأويل، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ﷺ جُنْدُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدُبٌ انْتَهَى.
وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَالسَّائِلُ لَهُ الْفَرَبْرِيُّ، وَقَدْ خَلَتْ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ سِيقَ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ جُنْدُبًا هُوَ الْقَائِلُ، وَلَيْسَ فِيمَنْ سُمِّيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ.
١٠ - بَاب الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ
وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ
٧١٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِن أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ) كَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَالْأَثَرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي التَّرْجَمَةِ صَرِيحَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْفُتْيَا فَيَلْحَقُ بِهِ الْحُكْمُ.
قَوْلُهُ (وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَرْوَ بِأَمْرِ الْحَجَّاجِ، فَوَلِيَ قَضَاءَ مَرْوَ لِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْوَرَعِ. قَالَ الْحَاكِمُ: قَضَى فِي أَكْثَرِ مُدُنِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى بَلَدٍ اسْتُخْلِفَ فِي الَّتِي انْتَقَلَ مِنْهَا. قَوْلُهُ (فِي الطَّرِيقِ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ عَلَى الْقَضَاءِ بِمَرْوَ، فَرُبَّمَا رَأَيْتُهُ يَقْضِي فِي السُّوقِ وَفِي الطَّرِيقِ، وَرُبَّمَا جَاءَهُ الْخَصْمَانِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ فَيَقْضِي بَيْنَهُمَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ رَأَى يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ يَقْضِي فِي الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ) قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ: رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ يَقْضِي عِنْدَ بَابِ الْفِيلِ بِالْكُوفَةِ. وَأَخْرَجَ الْكَرَابِيسِيُّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا قَضَى فِي السُّوقِ. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَتَظَلَّمُوا مَنْ كَرَى لَهُمْ، فَنَزَلَ فَقَضَى بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ.
ثم ذكر حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ فِي الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى السَّاعَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَالِمٍ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ هُنَا: فَلَقِينَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ السُّدَّةُ بِضَمِّ السِّينِ وَتَشدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ بَابُ الدَّارِ وَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: السُّدِّيُّ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْمَقَانِعَ عِنْدَ سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الطَّاقِ الْمَسْدُودِ، وَقِيلَ هِيَ الْمِظَلَّةُ عَلَى الْبَابِ لِوِقَايَةِ الْمَطَرِ وَالشَّمْسِ وَقِيلَ هِيَ الْبَابُ نَفْسُهُ وَقِيلَ عَتَبَتُهُ، وَقِيلَ السَّاحَةُ أَمَامَ الْبَابِ. وَقَوْلُهُ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ عَدَّدْتُ وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ مِثْلُ ﴿جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ﴾ أَيْ هَيَّأَهُ، وَقَوْلُهُ اسْتَكَانَ أَيْ خَضَعَ وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ السُّكُونِ الدَّالِّ عَلَى الْخُضُوعِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ سَبَبَ سُؤَالِ الرَّجُلِ عَنِ السَّاعَةِ إِشْفَاقًا مِمَّا يَكُونُ فِيهَا، وَلَوْ سَأَلَ اسْتِعْجَالًا لَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ وَقَوْلُهُ كَبِيرَ عَمَلٍ بِالْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ لِبَعْضِهِمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ جَوَازُ سُكُوتِ الْعَالِمِ عَنْ جَوَابِ السَّائِلِ وَالْمُسْتَفْتِي إِذَا كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُعْرَفُ، أَوْ كَانَتْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقع مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ من طريق الأعمش عن أبي تميمة بلفظ: قال رسول الله ﷺ: «لا يحولَنَّ بين أحدكم وبين الجنَّة»، فذكر نحو رواية الجُرَيريِّ.
قال الفَِرَبْريِّ: (قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ: (مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ جُنْدُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ جُنْدُبٌ) وفي الفرع كأصله سقوط قوله: «قلت … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: وقد خَلَتْ رواية النَّسفيِّ من ذلك.
(١٠) (باب) جواز (القَضَاءِ وَالفُتْيَا) حال كونهما (فِي الطَّرِيقِ) وعن أشهبٍ: لا بأس بالقضاء إذا كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم، وقال السَّفاقسيُّ: لا يجوز فيما يكون غامضًا.
(وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التَّحتيَّة والميم بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، التَّابعيُّ المشهور قاضي مرو (فِي الطَّرِيقِ) كما وصله ابن سعدٍ في «طبقاته» (وَقَضَى الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحَّدة المكسورة، عامر بن شَرَاحيل (عَلَى بَابِ دَارِهِ) وصله أيضًا ابن سعدٍ.
٧١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) رافعٍ الأشجعيِّ مولاهم الكوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ المَسْجِدِ؛ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ) بكسر القاف وفتح التَّحتيَّة (عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجِدِ) بضمِّ السِّين وفتح الدَّال المشدَّدة المهملتين: المظلَّة على بابه لوقاية المطر والشَّمس، أو الباب، أو عتبته، أو
السَّاحة أمام بابه، والرَّجل: قال ابن حجر: لم أعرف اسمه، لكن في الدَّارقطنيِّ (١) أنَّه ذو الخويصِرة اليمانيُّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ) تقوم؟ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا) ما هيَّأت لها من عملٍ؟ (فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ) «افتعل» من السُّكون، فتكون ألفه خارجةً عن القياس، وقيل: إنَّه «استفعل» من الكون، أي: انتقل من كونٍ إلى كونٍ؛ كما قالوا: استحال؛ إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ، وقوَّة المعنى تؤيِّد الأوَّل؛ إذِ الاستكانة هي الخضوع والانقياد، وهو يناسب السُّكون، والخروج عن القياس يضعِّفه، والقياس يؤيِّد الثَّاني، وقوَّة المعنى تضعِّفه؛ إذ ليس بينهما -أعني: المشتقَّ والمشتقَّ منه- مناسبةٌ ظاهرةٌ؛ فيحتاج في (٢) إثباتها إلى تكلُّفٍ، وقيل: هو مشتقٌّ من «الكَيْن»؛ وهو لحم باطن الفَرْج؛ إذ هو في أذلِّ المواضع، أي: صار مثله في الذُّلِّ، وقيل: كان يكين؛ بمعنى: خضع وذلَّ، والوجه بناءً على هذا هو الثَّاني؛ إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة، ولو كانت هذه اللُّغة (٣) مشهورةً؛ لكان أحسن الوجوه، قاله في «المصابيح»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قد استكان» (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَعْدَدْتُ) بالهمزة كالسَّابقة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما عَدَّدْتُ» بغير همزةٍ، قال في «الفتح»: وهو بالتَّشديد مثل: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]. انتهى. وقال المفسِّرون: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أعدَّه لنوائب الدَّهر؛ مثل: كرم وأكرم، وقيل: أحصى عدده، قاله السُّدِّيُّ، وقرأ الحسن والكلبيُّ بتخفيف الدَّال، أي: جمع مالًا وعَدَدَ ذلك المال، والمعنى هنا: ما هيَّأت (لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ) بالباء الموحَّدة، ولبعضهم بالمثلَّثة (وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي) بكسر النُّون المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكنْ» بسكون النُّون مخفَّفةً (أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ) ﷺ له (٤): (أَنْتَ) في الجنَّة (مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) فألحقه بحسن نيَّته من غير زيادة عملٍ بأصحاب الأعمال الصَّالحة، وقال ابن بطَّالٍ: فيه جواز سكوت العالم عن جواب السَّائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تُعرَف، أو كانت ممَّا لا حاجة بالنَّاس إليها، أو كانت ممَّا يُخشى منها الفتنة، أو سوء التأويل، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في