الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢١٩
الحديث رقم ٧٢١٩ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستخلاف.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٢١٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا
٧٢١٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَشَهَّدَ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ قَالَ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ اصْعَدْ الْمِنْبَرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً
[الحديث ٧٢٢٠ - طرفه في: ٧٢٦٩]
٧٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ
٧٢٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِخْلَافِ) أَيْ: تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، أَوْ يُعَيِّنُ جَمَاعَةً لِيَتَخَيَّرُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا، ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّنَدِ فِي: كِتَابِ كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَتَقَدَّمَ الْكَثِيرُ مِنْ فَوَائِدِ الْمَتْنِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْهَدَ) أَيْ: أُعَيِّنَ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بَعْدِي، هَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ فَتَرْجَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَهْدُ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، وَقَالَ فِي آخَرَ: وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَزَّارِ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَخْتَلِفَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَهَذَا يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْخِلَافَةُ، وَأَفْرَطَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ قَالُوا: اسْتَخْلِفْ وَأَوْرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ:
أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا لَرَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ: وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ دِينَهُ.
قَوْلُهُ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ: إِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَظُنُّهُ ابْنَ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِعُمَرَ أَلَا تَعْهَدُ؟ قَالَ: أَيُّ ذَلِكَ آخُذُ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَيُزِيلُهُ أَنَّ دَلِيلَ التَّرْكِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَاضِحٌ، وَدَلِيلُ الْفِعْلِ يُؤْخَذُ مِنْ عَزْمِهِ الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَهُوَ لَا يَعْزِمُ إِلَّا عَلَى جَائِزٍ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ عَزَمَ ﷺ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَفَهِمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَزْمِهِ الْجَوَازَ فَاسْتَعْمَلَهُ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ رَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْكُ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ ﷺ بِخِلَافِ الْعَزْمِ وَهُوَ يُشْبِهُ عَزْمَهُ ﷺ عَلَى التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَفِعْلَهُ الْإِفْرَادَ فَرُجِّحَ الْإِفْرَادُ.
قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فقَالَ رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ إِمَّا رَاغِبٌ فِي حُسْنِ رَأْيِي فِيهِ وَتَقَرُّبِي لَهُ، وَإِمَّا رَاهِبٌ مِنْ إِظْهَارِ مَا يُضْمِرُهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ، أَوِ الْمَعْنَى رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدِي وَرَاهِبٌ مِنِّي، أَوِ الْمُرَادُ النَّاسُ رَاغِبٌ فِي الْخِلَافَةِ وَرَاهِبٌ مِنْهَا، فَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاغِبَ فِيهَا خَشِيتَ أَنْ لَا يُعَانَ عَلَيْهَا، وَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاهِبَ مِنْهَا خَشِيتُ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَوْجِيهًا آخَرَ: إِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِعُمَرَ أَيْ رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، رَاهِبٌ مِنْ عِقَابِهِ، فَلَا أُعَوِّلُ عَلَى ثَنَائِكُمْ وَذَلِكَ يَشْغَلُنِي عَنِ الْعِنَايَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ عَلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ: وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخِلَافَةِ (كَفَافًا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ مَكْفُوفًا عَنِّي شَرُّهَا وَخَيْرُهَا. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: لَا لِي وَلَا عَلَيَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي مَنَاقِبِهِ فِي مُرَاجَعَتِهِ لِأَبِي مُوسَى فِيمَا عَمِلُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: لَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ.
قَوْلُهُ: (لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ فِيهِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَيْثُ مَثَّلَ لَهُ أَمْرَ النَّاسِ بِالْغَنَمِ مَعَ الرَّاعِي خَصَّ الْأَمْرَ بِالسِّتَّةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا خَصَّ السِّتَّةَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمْرَانِ كَوْنُهُ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالثَّانِي الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ عُمَرَ قَالَ: هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ فِي أَهْلِ أُحُدٍ. ثُمَّ فِي كَذَا، وَلَيْسَ فِيهَا لِطَلِيقٍ وَلَا لِمُسْلِمَةِ الْفَتْحِ شَيْءٌ. وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اعْتِبَارِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ فِي الْخِلَافَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ عُمَرَ سَلَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَسْلَكًا مُتَوَسِّطًا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ فَرَأَى أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ أَضْبَطُ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَعْقُودًا مَوْقُوفًا عَلَى السِّتَّةِ لِئَلَّا يَتْرُكَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَأَخَذَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ طَرَفًا وَهُوَ تَرْكُ التَّعْيِينِ، وَمِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ طَرَفًا، وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَحَدِ السِّتَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى. مُلَخَّصًا.
قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُتَوَلِّي لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِإِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا عَهِدَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِعُمَرَ، وَكَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَبُولِ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى السِّتَّةِ، قَالَ: وَهُوَ شَبِيهٌ بِإِيصَاءِ الرَّجُلِ عَلَى وَلَدِهِ لِكَوْنِ نَظَرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَتَمَّ مِنْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْإِمَامُ، انْتَهَى.
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَزَمَ كَالطَّبَرِيِّ، وَقَبْلَهُ بَكْرُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَبَعْدَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَوَجْهُهُ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، لَكِنْ تَمَسَّكَ مَنْ خَالَفَهُ بِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ رَأَيْتُ عُمَرَ يُجْلِسُ النَّاسَ وَيَقُولُ اسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: حَتَّى يَرَى اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الصِّيغَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَفْعُولٍ، وَمِنْ فَاعِلٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَيَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مِنْ فَاعِلٍ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى: خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي خَلَفَهُ فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ فَسُمِّيَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِذَلِكَ، وَأَنَّ عُمَرَ أَطْلَقَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَصْرِيحٌ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الرَّاوَنْدِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّوَافِضِ كُلِّهَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ.
وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِطْبَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى مُتَابَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عَلَى طَاعَتِهِ فِي مُبَايَعَةِ عُمَرَ، ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِعَهْدِ عُمَرَ فِي الشُّورَى، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَبَّاسُ، وَلَا عَلِيٌّ أَنَّهُ ﷺ عَهِدَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ، وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِخْلَافٌ غَيْرَهُ، وَعَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ عَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةً، وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ فَقَالُوا: يَجِبُ نَصْبُ الْخَلِيفَةِ. وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ، وَهُمَا بَاطِلَانِ. أَمَّا الْأَصَمُّ فَاحْتَجَّ بِبَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْبِقُوا عَلَى التَّرْكِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي نَصْبِ الْخَلِيفَةِ، آخِذِينَ فِي النَّظَرِ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ عَقْدَهَا لَهُ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَصَمِّ أَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَلَا التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِ الْمَذْكُورِ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ خَدْشٌ يَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَنَّهُمْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَقْدِ الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ إِلَّا دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
قَوْلُهُ: إِنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَنَسٌ أَنَّهُ شَاهَدَهُ وَسَمِعَهُ كَانَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كَمَا سَبَقَ بَسْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَنْهَوُا الْأَمْرَ هُنَاكَ، وَحَصَلَتِ الْمُبَايَعَةُ لِأَبِي بَكْرٍ جَاءُوا إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَتَشَاغَلُوا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ عُمَرُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعَةِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا وَقَعَ هُنَاكَ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ حِينَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسَ مَقَالَةً لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قُلْتُ لَكُمْ أَمْسَ مَقَالَةً وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ الَّذِي قُلْتُ
لَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي عَهْدٍ عَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ يَعِيشَ. إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) يَعْنِي عُمَرُ (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا) ضَبَطَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ يَكُونُ آخِرَنَا قَالَ الْخَلِيلُ: دَبَرْتُ الشَّيْءَ دَبْرًا أَتْبَعْتُهُ، وَدَبَرَنِي فُلَانٌ: جَاءَ خَلْفِي. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُدَبِّرَ أَمْرَنَا وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأُ الَّذِي فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يُدَبِّرَنَا: يُدَبِّرَ أَمْرَنَا لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ أَيْضًا حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرنَا وَهَذَا كُلُّهُ قَالَهُ عُمَرُ مُعْتَذِرًا عَمَّا سَبَقَ مِنْهُ حَيْثُ خَطَبَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ وَاضِحًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ بِمَا هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا) يَعْنِي الْقُرْآنَ وَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ: وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا كَمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَهَدَى اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا فَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا بِهِ وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَدَّمَ الصُّحْبَةَ لِشَرَفِهَا، وَلَمَّا كَانَ غَيْرُهُ قَدْ يُشَارِكُهُ فِيهَا عَطَفَ عَلَيْهَا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ كَوْنُهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ وَهِيَ أَعْظَمُ فَضَائِلِهِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَإِنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمُورِكُمْ.
قَوْلُهُ: فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَ طَائِفَةٌ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ فِي هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ، وَإِنَّهُ لِأَجْلِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ صَبِيحَةُ الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
قَوْلُهُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ اصْعَدِ الْمِنْبَرَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يُزْعِجُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى الْمِنْبَرِ إِزْعَاجًا
قَوْلُهُ: (حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى أَصْعَدَهُ الْمِنْبَرَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: سَبَبُ إِلْحَاحِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ لِيُشَاهِدَ أَبَا بَكْرٍ مَنْ عَرَفَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، انْتَهَى. وَكَانَ تَوَقُّفُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَاضُعِهِ وَخَشْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً) أَيْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ أَعَمَّ وَأَشْهَرَ، وَأَكْثَرَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ أَصْلِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ الَّذِي فِيهِ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ أَيْ: أَنَّهُ قَالَ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ يَحْذِفُونَهَا كَثِيرًا مِنَ الْخَطِّ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَبُزَاخَةُ: بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ بَطَّالٍ، وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَأَسَدٌ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَهُمْ إِخْوَةُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَصْلُ قُرَيْشٍ.
وَغَطَفَانُ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ، ابْنُ سَعْدِ
بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ، وَطَيِّئٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلُ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاتَّبَعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ فَقَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعَثُوا وَفْدَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ الرِّدَّةِ، وَمَا وَقَعَ مِنْ مُقَاتَلَةِ الصَّحَابَةِ لَهُمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ الْأَمَاكِنِ أَنَّ بُزَاخَةَ مَاءٌ لِطَيِّئٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَلِبَنِي أَسَدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ رَمْلَةٌ مِنْ وَرَاءِ النِّبَاجِ، انْتَهَى. وَالنِّبَاجُ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَوْضِعٌ فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ مِنَ الْبَصْرَةِ.
قَوْلُهُ: تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ إِلَخْ كَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنَ الْخَبَرِ مُخْتَصَرَةً، وَلَيْسَ غَرَضُهُ مِنْهَا إِلَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ نَبِيِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَسَاقَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَفْظُهُ الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ وَالسِّلْمِ الْمُخْزِيَةِ، فَقَالُوا: هَذِهِ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْمُخْزِيَةُ، قَالَ: نَنْزِعُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا وَتَدُونَ لَنَا قَتْلَانَا، وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ، فَعَرَضَ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ، أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - فَذَكَرَ الْحُكْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ - قَالَ: فَنِعْمَ مَا ذَكَرْتَ، وَأَمَّا تَدُونَ قَتْلَانَا وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، فَإِنَّ قَتْلَانَا قَاتَلَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَأُجُورُهَا عَلَى اللَّهِ لَيْسَتْ لَهَا دِيَاتٌ قَالَ: فَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُمْ: يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ - إِلَى قَوْلِهِ - يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ وَأَخْرَجَهُ بِطُولِهِ الْبَرْقَانِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، انْتَهَى.
مُلَخَّصًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِيهِ: وَفْدُ بُزَاخَةَ وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَقَالَ فِيهِ: فَخَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَذَكَرَ مَا قَالُوا، وَقَالَ: وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَالْمُجْلِيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مِنَ الْجَلَاءِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مَعَ الْمَدِّ وَمَعْنَاهَا: الْخُرُوجُ عَنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَالْمُخْزِيَةُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ بِوَزْنِ الَّتِي قَبْلَهَا: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِزْيِ، وَمَعْنَاهَا: الْقَرَارُ عَلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْحَلْقَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ: السِّلَاحُ، وَالْكُرَاعُ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِتَخْفِيفِ الرَّاءِ: جَمِيعُ الْخَيْلِ.
وَفَائِدَةُ نَزْعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَبْقَى لَهُمْ شَوْكَةٌ لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ أَيْ يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ لَنَا غَنِيمَةً نَقْسِمُهَا عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا أَيْ مَا انْتَهَبْتُمُوهُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَقَوْلُهُ: تَدُونَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَضْمُومَةِ: أَيْ تَحْمِلُونَ إِلَيْنَا دِيَاتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ أَيْ لَا دِيَاتَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ، فَقُتِلُوا بِحَقٍّ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ وَتُتْرَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ أَيْ فِي رِعَايَتِهَا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ آلَةُ الْحَرْبِ رَجَعُوا أَعْرَابًا فِي الْبَوَادِي لَا عَيْشَ لَهُمْ إِلَّا مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَافِعِ إِبِلِهِمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانُوا ارْتَدُّوا ثُمَّ تَابُوا، فَأَوْفَدُوا رُسُلَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَأَحَبَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الصَّغير، أبو إسحاق الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ) نصب صفة «خطبة» (حِينَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ) وكانت كالاعتذار عن قوله في الخطبة الأولى الصَّادرة منه يوم مات النَّبيُّ ﷺ: إنَّ محمَّدًا لم يمت، وإنَّه سيرجع، وكانت خطبته الآخرة بعد عقد البيعة لأبي بكرٍ في سقيفة بني ساعدة (وَذَلِكَ الغَدَ) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: إتيانه بالخطبة في الغد (مِنْ يَوْمٍ) بالتَّنوين (تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ، فَتَشَهَّدَ) عمر (وَأَبُو بَكْرٍ) أي: والحال أنَّ أبا بكرٍ (صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، قَالَ) عمر: (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الموحَّدة بينهما دالٌ مهملةٌ ساكنةٌ (يُرِيدُ) عمر (بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ) النَّبيُّ ﷺ (آخِرَهُمْ) (١) موتًا، وفي رواية عُقيلٍ عن ابن شهابٍ عند الإسماعيليِّ: حتَّى يُدبِّر أمرنا، بتشديد الموحَّدة، ثمَّ قال عمر: (فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الله جَعَل» (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا) أي: قرآنًا (تَهْتَدُونَ بِهِ، هَدَى اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ) أي: به؛ كذا في غير ما فرعٍ من فروع «اليونينيَّة»، وفي بعض الأصول وعليه شرح العينيِّ كابن حجرٍ رحمهما الله تعالى: «تهتدون به بما هدى الله محمَّدًا ﷺ»، وفي «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٦٩] و «هذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا لما هدى الله به رسوله (٢) ﷺ» (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) قدَّم الصُّحبة لشرفها، ولمَّا شاركه فيها غيره؛ عطف عليها ما انفرد (٣) به؛ وهو كونه (﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وهي (٤) أعظم فضيلةٍ استحقَّ بها الخلافة؛ كما قاله السَّفاقسيُّ، قال: ومن ثَمَّ قال عمر: (فَإِنَّهُ) بالفاء في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّه» (أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا) أيُّها الحاضرون (فَبَايِعُوهُ) بكسر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا
٧٢١٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَشَهَّدَ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ قَالَ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ اصْعَدْ الْمِنْبَرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً
[الحديث ٧٢٢٠ - طرفه في: ٧٢٦٩]
٧٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ قَالَ إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ
٧٢٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاسْتِخْلَافِ) أَيْ: تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، أَوْ يُعَيِّنُ جَمَاعَةً لِيَتَخَيَّرُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا، ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّنَدِ فِي: كِتَابِ كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَتَقَدَّمَ الْكَثِيرُ مِنْ فَوَائِدِ الْمَتْنِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْهَدَ) أَيْ: أُعَيِّنَ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بَعْدِي، هَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ فَتَرْجَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَهْدُ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، وَقَالَ فِي آخَرَ: وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَزَّارِ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَخْتَلِفَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَهَذَا يُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْخِلَافَةُ، وَأَفْرَطَ الْمُهَلَّبُ فَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ قَالُوا: اسْتَخْلِفْ وَأَوْرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ:
أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا لَرَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ: وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ دِينَهُ.
قَوْلُهُ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ: إِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَظُنُّهُ ابْنَ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِعُمَرَ أَلَا تَعْهَدُ؟ قَالَ: أَيُّ ذَلِكَ آخُذُ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَيُزِيلُهُ أَنَّ دَلِيلَ التَّرْكِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَاضِحٌ، وَدَلِيلُ الْفِعْلِ يُؤْخَذُ مِنْ عَزْمِهِ الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَهُوَ لَا يَعْزِمُ إِلَّا عَلَى جَائِزٍ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ عَزَمَ ﷺ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَفَهِمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَزْمِهِ الْجَوَازَ فَاسْتَعْمَلَهُ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ.
قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ رَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْكُ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ ﷺ بِخِلَافِ الْعَزْمِ وَهُوَ يُشْبِهُ عَزْمَهُ ﷺ عَلَى التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَفِعْلَهُ الْإِفْرَادَ فَرُجِّحَ الْإِفْرَادُ.
قَوْلُهُ: (فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فقَالَ رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ إِمَّا رَاغِبٌ فِي حُسْنِ رَأْيِي فِيهِ وَتَقَرُّبِي لَهُ، وَإِمَّا رَاهِبٌ مِنْ إِظْهَارِ مَا يُضْمِرُهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ، أَوِ الْمَعْنَى رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدِي وَرَاهِبٌ مِنِّي، أَوِ الْمُرَادُ النَّاسُ رَاغِبٌ فِي الْخِلَافَةِ وَرَاهِبٌ مِنْهَا، فَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاغِبَ فِيهَا خَشِيتَ أَنْ لَا يُعَانَ عَلَيْهَا، وَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاهِبَ مِنْهَا خَشِيتُ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَوْجِيهًا آخَرَ: إِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِعُمَرَ أَيْ رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، رَاهِبٌ مِنْ عِقَابِهِ، فَلَا أُعَوِّلُ عَلَى ثَنَائِكُمْ وَذَلِكَ يَشْغَلُنِي عَنِ الْعِنَايَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ عَلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ: وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخِلَافَةِ (كَفَافًا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ مَكْفُوفًا عَنِّي شَرُّهَا وَخَيْرُهَا. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: لَا لِي وَلَا عَلَيَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي مَنَاقِبِهِ فِي مُرَاجَعَتِهِ لِأَبِي مُوسَى فِيمَا عَمِلُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: لَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ.
قَوْلُهُ: (لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ فِيهِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَيْثُ مَثَّلَ لَهُ أَمْرَ النَّاسِ بِالْغَنَمِ مَعَ الرَّاعِي خَصَّ الْأَمْرَ بِالسِّتَّةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا خَصَّ السِّتَّةَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمْرَانِ كَوْنُهُ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالثَّانِي الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ عُمَرَ قَالَ: هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ فِي أَهْلِ أُحُدٍ. ثُمَّ فِي كَذَا، وَلَيْسَ فِيهَا لِطَلِيقٍ وَلَا لِمُسْلِمَةِ الْفَتْحِ شَيْءٌ. وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اعْتِبَارِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ فِي الْخِلَافَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ عُمَرَ سَلَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَسْلَكًا مُتَوَسِّطًا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ فَرَأَى أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ أَضْبَطُ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَعْقُودًا مَوْقُوفًا عَلَى السِّتَّةِ لِئَلَّا يَتْرُكَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَأَخَذَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ طَرَفًا وَهُوَ تَرْكُ التَّعْيِينِ، وَمِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ طَرَفًا، وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَحَدِ السِّتَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى. مُلَخَّصًا.
قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُتَوَلِّي لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِإِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا عَهِدَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِعُمَرَ، وَكَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَبُولِ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى السِّتَّةِ، قَالَ: وَهُوَ شَبِيهٌ بِإِيصَاءِ الرَّجُلِ عَلَى وَلَدِهِ لِكَوْنِ نَظَرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَتَمَّ مِنْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْإِمَامُ، انْتَهَى.
وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَزَمَ كَالطَّبَرِيِّ، وَقَبْلَهُ بَكْرُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَبَعْدَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَوَجْهُهُ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، لَكِنْ تَمَسَّكَ مَنْ خَالَفَهُ بِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ رَأَيْتُ عُمَرَ يُجْلِسُ النَّاسَ وَيَقُولُ اسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: حَتَّى يَرَى اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الصِّيغَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَفْعُولٍ، وَمِنْ فَاعِلٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَيَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مِنْ فَاعِلٍ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى: خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي خَلَفَهُ فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ فَسُمِّيَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِذَلِكَ، وَأَنَّ عُمَرَ أَطْلَقَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَصْرِيحٌ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الرَّاوَنْدِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّوَافِضِ كُلِّهَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ.
وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِطْبَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى مُتَابَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عَلَى طَاعَتِهِ فِي مُبَايَعَةِ عُمَرَ، ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِعَهْدِ عُمَرَ فِي الشُّورَى، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَبَّاسُ، وَلَا عَلِيٌّ أَنَّهُ ﷺ عَهِدَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ، وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِخْلَافٌ غَيْرَهُ، وَعَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ عَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةً، وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ فَقَالُوا: يَجِبُ نَصْبُ الْخَلِيفَةِ. وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ، وَهُمَا بَاطِلَانِ. أَمَّا الْأَصَمُّ فَاحْتَجَّ بِبَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْبِقُوا عَلَى التَّرْكِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي نَصْبِ الْخَلِيفَةِ، آخِذِينَ فِي النَّظَرِ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ عَقْدَهَا لَهُ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَصَمِّ أَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَلَا التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِ الْمَذْكُورِ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ خَدْشٌ يَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَأَنَّهُمْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَقْدِ الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ إِلَّا دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ: هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
قَوْلُهُ: إِنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَنَسٌ أَنَّهُ شَاهَدَهُ وَسَمِعَهُ كَانَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كَمَا سَبَقَ بَسْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا أَنْهَوُا الْأَمْرَ هُنَاكَ، وَحَصَلَتِ الْمُبَايَعَةُ لِأَبِي بَكْرٍ جَاءُوا إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَتَشَاغَلُوا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ عُمَرُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعَةِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا وَقَعَ هُنَاكَ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ حِينَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسَ مَقَالَةً لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قُلْتُ لَكُمْ أَمْسَ مَقَالَةً وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ الَّذِي قُلْتُ
لَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي عَهْدٍ عَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ يَعِيشَ. إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) يَعْنِي عُمَرُ (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا) ضَبَطَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ يَكُونُ آخِرَنَا قَالَ الْخَلِيلُ: دَبَرْتُ الشَّيْءَ دَبْرًا أَتْبَعْتُهُ، وَدَبَرَنِي فُلَانٌ: جَاءَ خَلْفِي. وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُدَبِّرَ أَمْرَنَا وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأُ الَّذِي فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يُدَبِّرَنَا: يُدَبِّرَ أَمْرَنَا لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ أَيْضًا حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرنَا وَهَذَا كُلُّهُ قَالَهُ عُمَرُ مُعْتَذِرًا عَمَّا سَبَقَ مِنْهُ حَيْثُ خَطَبَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ وَاضِحًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ بِمَا هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا) يَعْنِي الْقُرْآنَ وَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِصَامِ بِلَفْظِ: وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا كَمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَهَدَى اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا فَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا بِهِ وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَدَّمَ الصُّحْبَةَ لِشَرَفِهَا، وَلَمَّا كَانَ غَيْرُهُ قَدْ يُشَارِكُهُ فِيهَا عَطَفَ عَلَيْهَا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ كَوْنُهُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ وَهِيَ أَعْظَمُ فَضَائِلِهِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَإِنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمُورِكُمْ.
قَوْلُهُ: فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَ طَائِفَةٌ إِلَخْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ فِي هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ، وَإِنَّهُ لِأَجْلِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ صَبِيحَةُ الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
قَوْلُهُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ.
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ اصْعَدِ الْمِنْبَرَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يُزْعِجُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى الْمِنْبَرِ إِزْعَاجًا
قَوْلُهُ: (حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى أَصْعَدَهُ الْمِنْبَرَ قَالَ ابْنُ التِّينِ: سَبَبُ إِلْحَاحِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ لِيُشَاهِدَ أَبَا بَكْرٍ مَنْ عَرَفَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، انْتَهَى. وَكَانَ تَوَقُّفُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَاضُعِهِ وَخَشْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً) أَيْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ أَعَمَّ وَأَشْهَرَ، وَأَكْثَرَ مِنَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ أَصْلِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ الَّذِي فِيهِ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ أَيْ: أَنَّهُ قَالَ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ يَحْذِفُونَهَا كَثِيرًا مِنَ الْخَطِّ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَبُزَاخَةُ: بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ بَطَّالٍ، وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَأَسَدٌ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَهُمْ إِخْوَةُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَصْلُ قُرَيْشٍ.
وَغَطَفَانُ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ، ابْنُ سَعْدِ
بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ، وَطَيِّئٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلُ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاتَّبَعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ فَقَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعَثُوا وَفْدَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ، وَغَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ الرِّدَّةِ، وَمَا وَقَعَ مِنْ مُقَاتَلَةِ الصَّحَابَةِ لَهُمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ الْأَمَاكِنِ أَنَّ بُزَاخَةَ مَاءٌ لِطَيِّئٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَلِبَنِي أَسَدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ رَمْلَةٌ مِنْ وَرَاءِ النِّبَاجِ، انْتَهَى. وَالنِّبَاجُ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَوْضِعٌ فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ مِنَ الْبَصْرَةِ.
قَوْلُهُ: تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ إِلَخْ كَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنَ الْخَبَرِ مُخْتَصَرَةً، وَلَيْسَ غَرَضُهُ مِنْهَا إِلَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ نَبِيِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَسَاقَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَفْظُهُ الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ وَالسِّلْمِ الْمُخْزِيَةِ، فَقَالُوا: هَذِهِ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْمُخْزِيَةُ، قَالَ: نَنْزِعُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا وَتَدُونَ لَنَا قَتْلَانَا، وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ، فَعَرَضَ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ عَلَى الْقَوْمِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ، أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - فَذَكَرَ الْحُكْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ - قَالَ: فَنِعْمَ مَا ذَكَرْتَ، وَأَمَّا تَدُونَ قَتْلَانَا وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، فَإِنَّ قَتْلَانَا قَاتَلَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَأُجُورُهَا عَلَى اللَّهِ لَيْسَتْ لَهَا دِيَاتٌ قَالَ: فَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُمْ: يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ - إِلَى قَوْلِهِ - يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ وَأَخْرَجَهُ بِطُولِهِ الْبَرْقَانِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ، انْتَهَى.
مُلَخَّصًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِيهِ: وَفْدُ بُزَاخَةَ وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَقَالَ فِيهِ: فَخَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَذَكَرَ مَا قَالُوا، وَقَالَ: وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَالْمُجْلِيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مِنَ الْجَلَاءِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مَعَ الْمَدِّ وَمَعْنَاهَا: الْخُرُوجُ عَنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَالْمُخْزِيَةُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ بِوَزْنِ الَّتِي قَبْلَهَا: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِزْيِ، وَمَعْنَاهَا: الْقَرَارُ عَلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْحَلْقَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ: السِّلَاحُ، وَالْكُرَاعُ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِتَخْفِيفِ الرَّاءِ: جَمِيعُ الْخَيْلِ.
وَفَائِدَةُ نَزْعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَبْقَى لَهُمْ شَوْكَةٌ لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ أَيْ يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ لَنَا غَنِيمَةً نَقْسِمُهَا عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا أَيْ مَا انْتَهَبْتُمُوهُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَقَوْلُهُ: تَدُونَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَضْمُومَةِ: أَيْ تَحْمِلُونَ إِلَيْنَا دِيَاتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ أَيْ لَا دِيَاتَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ، فَقُتِلُوا بِحَقٍّ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ وَتُتْرَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَيَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ أَيْ فِي رِعَايَتِهَا؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ آلَةُ الْحَرْبِ رَجَعُوا أَعْرَابًا فِي الْبَوَادِي لَا عَيْشَ لَهُمْ إِلَّا مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَافِعِ إِبِلِهِمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانُوا ارْتَدُّوا ثُمَّ تَابُوا، فَأَوْفَدُوا رُسُلَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَأَحَبَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الصَّغير، أبو إسحاق الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ) نصب صفة «خطبة» (حِينَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ) وكانت كالاعتذار عن قوله في الخطبة الأولى الصَّادرة منه يوم مات النَّبيُّ ﷺ: إنَّ محمَّدًا لم يمت، وإنَّه سيرجع، وكانت خطبته الآخرة بعد عقد البيعة لأبي بكرٍ في سقيفة بني ساعدة (وَذَلِكَ الغَدَ) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: إتيانه بالخطبة في الغد (مِنْ يَوْمٍ) بالتَّنوين (تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ، فَتَشَهَّدَ) عمر (وَأَبُو بَكْرٍ) أي: والحال أنَّ أبا بكرٍ (صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، قَالَ) عمر: (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الموحَّدة بينهما دالٌ مهملةٌ ساكنةٌ (يُرِيدُ) عمر (بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ) النَّبيُّ ﷺ (آخِرَهُمْ) (١) موتًا، وفي رواية عُقيلٍ عن ابن شهابٍ عند الإسماعيليِّ: حتَّى يُدبِّر أمرنا، بتشديد الموحَّدة، ثمَّ قال عمر: (فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الله جَعَل» (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا) أي: قرآنًا (تَهْتَدُونَ بِهِ، هَدَى اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ) أي: به؛ كذا في غير ما فرعٍ من فروع «اليونينيَّة»، وفي بعض الأصول وعليه شرح العينيِّ كابن حجرٍ رحمهما الله تعالى: «تهتدون به بما هدى الله محمَّدًا ﷺ»، وفي «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٦٩] و «هذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا لما هدى الله به رسوله (٢) ﷺ» (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) قدَّم الصُّحبة لشرفها، ولمَّا شاركه فيها غيره؛ عطف عليها ما انفرد (٣) به؛ وهو كونه (﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وهي (٤) أعظم فضيلةٍ استحقَّ بها الخلافة؛ كما قاله السَّفاقسيُّ، قال: ومن ثَمَّ قال عمر: (فَإِنَّهُ) بالفاء في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّه» (أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا) أيُّها الحاضرون (فَبَايِعُوهُ) بكسر