الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٢٥
الحديث رقم ٧٢٢٥ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﷽
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَنِّي وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ
٧٢٢٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
آخِرِ الْبَابِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِرْمَاةٌ مَا بَيْنَ ظِلْفِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ مِثْلُ مِنْسَاةٍ وَمِيضَاةٍ الْمِيمُ مَخْفُوضَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمِرْمَاتَيْنِ هُنَاكَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا هُوَ الْفَرَبْرِيُّ رَاوِي الصَّحِيحِ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ (١) .. وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ رَاوِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ نَزَلَ الْفَرَبْرِيُّ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ دَرَجَتَيْنِ، فَإِنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْخِهِ الْبُخَارِيِّ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَثَبَتَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِثْلَ مِنْسَاةٍ وَمِيضَاةٍ أَمَّا مِنْسَاةٌ بِالْوَزْنِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو، وَنَافِعٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا دَبَبْتَ عَلَى الْمِنْسَاةِ مِنْ هَرَمٍ … فَقَدْ تَبَاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ وَالْغَزَلُ
أَنْشَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ثُمَّ قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَهْمِزُهَا فَيَقُولُ: مِنْسَأَتَهُ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ إِلَّا ابْنَ ذَكْوَانَ فَسَكَّنَ الْهَمْزَةَ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخَرُ فِي الشَّوَاذِّ، وَالْمِنْسَاةُ: الْعَصَا اسْمُ آلَةٍ مِنْ أَنْسَا الشَّيْءَ إِذَا أَخَّرَهُ، وَقَوْلُهُ الْمِيمُ مَخْفُوضَةٌ أَيْ فِي كُلٍّ من الْمِنْسَاةِ وَالْمِيضَاةِ، وَفِي الْمِيضَاةِ اللُّغَاتُ الْمَذْكُورَةُ.
٥٣ - بَاب هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُجْرِمِينَ وَأَهْلَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الْكَلَامِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِ
٧٢٢٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُجْرِمِينَ وَأَهْلَ الْمَعْصِيَةِ مِنَ الْكَلَامِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ: الْمَحْبُوسَ بَدَلَ الْمُجْرِمِينَ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ قَدْ لَا يَتَحَقَّقُ عِصْيَانُهُ وَالْأَوَّلُ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِحَدِيثِ الْبَابِ ظَاهِرًا وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ وَتَوْبَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، هو ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ) بفتح الموحَّدة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (حِينَ عَمِيَ) وفي رواية مَعْقلٍ عن ابن شهابٍ عند «مسلمٍ»: وكان قائدَ كعبٍ حين أُصِيب بصره، وكان أعلمَ قومه وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بغير صرفٍ للأكثر، زاد أحمد من رواية معمَرٍ: «وهي آخر غزوة غزاها» (فَذَكَرَ حَدِيثَهُ) بطوله السَّابق في آخر (١) «المغازي» [خ¦٤٤١٨] إلى أن قال: (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا) أيُّها الثَّلاثة المتخلِّفين؛ وهم كعبٌ وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَآذَنَ) بالمدِّ: أعلم (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا) أيُّها الثَّلاثة.
ومطابقة الحديث للجزء الأخير من التَّرجمة واضحٌ (٢)، وفيه جواز الهجر أكثر من ثلاثٍ، وأمَّا النَّهي عنه فوق ثلاثٍ؛ فمحمولٌ على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وسبق الحديث مُطوَّلًا ومختصرًا مرَّاتٍ، والله الموفِّق والمعين.
وهذا آخر «كتاب الأحكام»، فرغتُ منه مُستَهَلَّ سنة ستَّ عشرة وتسع مئةٍ، أحسن الله فيها وفيما بعدها عاقبتَنا، وكفانا جميع المُهِمَّات، وأفاض علينا من فواضِل فَضْله العميم، وهدانا
إلى الصِّراط المستقيم، وأعانني على إكمال هذا الشَّرح كتابةً وتحريرًا، ونفع به وَجَعَله خالصًا لوجهه الكريم، أستودِعُه تعالى ذلك وجميع ما أنعم به عليَّ، وأسأله أن يُطيل عُمري في طاعته، ويُلبِسني أثوابَ عافيته، ويجعل وفاتي في طَيْبةَ الطَّيِّبةَ مع الرِّضا والإسلام، والحمد لله، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا (١).
((٩٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التَّمنيِّ) «تفعُّل» من «الأُمنيَّة» والجمع «أمانيُّ» والتَّمنِّي طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسرٌ، فالأوَّل: نحو قول الطَّاعن في السِّنِّ: ليت الشَّباب يعود يومًا! فإنَّ عود الشَّباب لا طمع فيه لاستحالته عادةً، والثَّاني: نحو قول مُنقطِع الرَّجاء من مالٍ يحجُّ به: ليت لي مالًا فأحجَّ منه، فإنَّ حصول المال ممكنٌ ولكنْ فيه عسرٌ، ويمتنع «ليت غدًا يجيء» فإنَّ غدًا واجبُ المجيء، والحاصل أنَّ التَّمنِّي يكون في الممتنع والممكن، ولا يكون في الواجب، وأمَّا التَّرجِّي فيكون في الشَّيء المحبوب نحو: لعلَّ الحبيب قادمٌ، والإشفاق في الشَّيء المكروه نحو ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] أي: قاتلٌ نفسك، والمعنى: أَشفِقْ على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك، قاله في «الكشَّاف» فتوقُّع المحبوب يسمَّى ترجِّيًا، وتوقُّع المكروه يسمَّى إشفاقًا، ولا يكون التَّوقُّع إلَّا في الممكن، وأمَّا قول فرعون: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فجهلٌ منه أو إفكٌ، قاله في «المغني» والإشفاق لغةً الخوف، يقال: أشفقت عليه، بمعنى: خِفتُ عليه، وأشفقتُ منه، بمعنى خفتُ منه وحَذِرتُه.
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَنِّي، وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ) بإثبات البسملة وما بعدها لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وكذا هو عند ابن بطَّال لكن بلا بسملة، وأثبتها السَّفاقسيُّ لكن بحذف لفظ «باب» وللنَّسفيِّ بعد البسملة «ما جاء في التَّمنِّي» وللقابسيِّ بحذف الواو والبسملة و «كتاب».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
آخِرِ الْبَابِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مِرْمَاةٌ مَا بَيْنَ ظِلْفِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ مِثْلُ مِنْسَاةٍ وَمِيضَاةٍ الْمِيمُ مَخْفُوضَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْمِرْمَاتَيْنِ هُنَاكَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا هُوَ الْفَرَبْرِيُّ رَاوِي الصَّحِيحِ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ (١) .. وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ رَاوِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ نَزَلَ الْفَرَبْرِيُّ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ دَرَجَتَيْنِ، فَإِنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْخِهِ الْبُخَارِيِّ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَثَبَتَ هَذَا التَّفْسِيرُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِثْلَ مِنْسَاةٍ وَمِيضَاةٍ أَمَّا مِنْسَاةٌ بِالْوَزْنِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو، وَنَافِعٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا دَبَبْتَ عَلَى الْمِنْسَاةِ مِنْ هَرَمٍ … فَقَدْ تَبَاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ وَالْغَزَلُ
أَنْشَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ثُمَّ قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَهْمِزُهَا فَيَقُولُ: مِنْسَأَتَهُ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ إِلَّا ابْنَ ذَكْوَانَ فَسَكَّنَ الْهَمْزَةَ، وَفِيهَا قِرَاءَاتٌ أُخَرُ فِي الشَّوَاذِّ، وَالْمِنْسَاةُ: الْعَصَا اسْمُ آلَةٍ مِنْ أَنْسَا الشَّيْءَ إِذَا أَخَّرَهُ، وَقَوْلُهُ الْمِيمُ مَخْفُوضَةٌ أَيْ فِي كُلٍّ من الْمِنْسَاةِ وَالْمِيضَاةِ، وَفِي الْمِيضَاةِ اللُّغَاتُ الْمَذْكُورَةُ.
٥٣ - بَاب هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُجْرِمِينَ وَأَهْلَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الْكَلَامِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِ
٧٢٢٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُجْرِمِينَ وَأَهْلَ الْمَعْصِيَةِ مِنَ الْكَلَامِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ: الْمَحْبُوسَ بَدَلَ الْمُجْرِمِينَ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ قَدْ لَا يَتَحَقَّقُ عِصْيَانُهُ وَالْأَوَّلُ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِحَدِيثِ الْبَابِ ظَاهِرًا وَذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ وَتَوْبَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، هو ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ) بفتح الموحَّدة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (حِينَ عَمِيَ) وفي رواية مَعْقلٍ عن ابن شهابٍ عند «مسلمٍ»: وكان قائدَ كعبٍ حين أُصِيب بصره، وكان أعلمَ قومه وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بغير صرفٍ للأكثر، زاد أحمد من رواية معمَرٍ: «وهي آخر غزوة غزاها» (فَذَكَرَ حَدِيثَهُ) بطوله السَّابق في آخر (١) «المغازي» [خ¦٤٤١٨] إلى أن قال: (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا) أيُّها الثَّلاثة المتخلِّفين؛ وهم كعبٌ وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَآذَنَ) بالمدِّ: أعلم (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا) أيُّها الثَّلاثة.
ومطابقة الحديث للجزء الأخير من التَّرجمة واضحٌ (٢)، وفيه جواز الهجر أكثر من ثلاثٍ، وأمَّا النَّهي عنه فوق ثلاثٍ؛ فمحمولٌ على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وسبق الحديث مُطوَّلًا ومختصرًا مرَّاتٍ، والله الموفِّق والمعين.
وهذا آخر «كتاب الأحكام»، فرغتُ منه مُستَهَلَّ سنة ستَّ عشرة وتسع مئةٍ، أحسن الله فيها وفيما بعدها عاقبتَنا، وكفانا جميع المُهِمَّات، وأفاض علينا من فواضِل فَضْله العميم، وهدانا
إلى الصِّراط المستقيم، وأعانني على إكمال هذا الشَّرح كتابةً وتحريرًا، ونفع به وَجَعَله خالصًا لوجهه الكريم، أستودِعُه تعالى ذلك وجميع ما أنعم به عليَّ، وأسأله أن يُطيل عُمري في طاعته، ويُلبِسني أثوابَ عافيته، ويجعل وفاتي في طَيْبةَ الطَّيِّبةَ مع الرِّضا والإسلام، والحمد لله، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا (١).
((٩٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التَّمنيِّ) «تفعُّل» من «الأُمنيَّة» والجمع «أمانيُّ» والتَّمنِّي طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسرٌ، فالأوَّل: نحو قول الطَّاعن في السِّنِّ: ليت الشَّباب يعود يومًا! فإنَّ عود الشَّباب لا طمع فيه لاستحالته عادةً، والثَّاني: نحو قول مُنقطِع الرَّجاء من مالٍ يحجُّ به: ليت لي مالًا فأحجَّ منه، فإنَّ حصول المال ممكنٌ ولكنْ فيه عسرٌ، ويمتنع «ليت غدًا يجيء» فإنَّ غدًا واجبُ المجيء، والحاصل أنَّ التَّمنِّي يكون في الممتنع والممكن، ولا يكون في الواجب، وأمَّا التَّرجِّي فيكون في الشَّيء المحبوب نحو: لعلَّ الحبيب قادمٌ، والإشفاق في الشَّيء المكروه نحو ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] أي: قاتلٌ نفسك، والمعنى: أَشفِقْ على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك، قاله في «الكشَّاف» فتوقُّع المحبوب يسمَّى ترجِّيًا، وتوقُّع المكروه يسمَّى إشفاقًا، ولا يكون التَّوقُّع إلَّا في الممكن، وأمَّا قول فرعون: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فجهلٌ منه أو إفكٌ، قاله في «المغني» والإشفاق لغةً الخوف، يقال: أشفقت عليه، بمعنى: خِفتُ عليه، وأشفقتُ منه، بمعنى خفتُ منه وحَذِرتُه.
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَنِّي، وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ) بإثبات البسملة وما بعدها لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وكذا هو عند ابن بطَّال لكن بلا بسملة، وأثبتها السَّفاقسيُّ لكن بحذف لفظ «باب» وللنَّسفيِّ بعد البسملة «ما جاء في التَّمنِّي» وللقابسيِّ بحذف الواو والبسملة و «كتاب».