الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٦٧
الحديث رقم ٧٢٦٧ من كتاب «كتاب أخبار الآحاد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب خبر المرأة الواحدة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٩١⦘
ﷺ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَأَمْسَكُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُلُوا، أَوِ اطْعَمُوا، فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، شَكَّ فِيهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي.»
﷽
كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٧٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا، قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ، وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ، قَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ وَصَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وُفُودَ الْعَرَبِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ الْوَصَاةُ بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ وَالْوَاوُ مَفْتُوحَةٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوَصَايَا وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
قَوْلُهُ: (قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا أَوَّلَ هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَأَغْنَى عَنْ تَرَدُّدِ الْكِرْمَانِيِّ هَلْ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَوِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالنَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ وَأَبُو جَمْرَةَ بِالْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ تَرْجُمَانِ الْحَاكِمِ وَإِنَّهُ كَانَ يُتَرْجِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِمَا يَسْتَفْتُونَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ فَأُتَرْجِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِمْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ثُمَّ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ، فَلَوْلَا أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ بِتَبْلِيغِ الْوَاحِدِ مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ.
٦ - بَاب خَبَرِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ
٧٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمْ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ فَأَمْسَكُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُوا - أَوْ اطْعَمُوا - فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ خَبَرِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو بِهِ وَبِمَا فِي الْبَابَيْنِ قَبْلَهُ تَكْمُلُ الْأَحَادِيثُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.
قَوْلُهُ: عَنْ تَوْبَةَ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ يُسَمَّى أَبَا الْمُوَرِّعِ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْإِهْمَالِ وَالْعَنْبَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ (أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ، وَالرُّؤْيَا هُنَا بَصَرِيَّةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، كَانَ الشَّعْبِيُّ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُرْسِلُ الْأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ طَلَبُ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنْهُ وَإِلَّا لَكَانَ يَكْتَفِي بِمَا سَمِعَهُ مَوْصُولًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُرَادُ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْحَسَنَ مَعَ كَوْنِهِ تَابِعِيًّا كَانَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَابْنُ عُمَرَ مَعَ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا يَحْتَاطُ وَيُقِلُّ مِنْ ذَلِكَ مَهْمَا أَمْكَنَ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اتَّبَعَ رَأْيَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّهُ كَانَ يَحُضُّ عَلَى قِلَّةِ التَّحْدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: خَشْيَةَ الِاشْتِغَالِ عَنْ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ
وَتَفَهُّمِ مَعَانِيهِ.
وَالثَّانِي: خَشْيَةَ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ فَإِذَا طَالَ الْعَهْدُ لَمْ يُؤْمَنِ النِّسْيَانُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عُمَرٍ قَالَ: أَقِلُّوا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
وَقَوْلُهُ وَقَاعدت ابْنِ عُمَرَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ جَلَسَ مَعَهُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ.
وَقَوْلُهُ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً. فَيُجْمَعُ بِأَنَّ مُدَّةَ مُجَالَسَتِهِ كَانَتْ سَنَةً وَكَسْرًا فَأَلْغَى الْكَسْرُ تَارَةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَهُوَ كُوفِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِقَامَةٌ بِالْكُوفَةِ.
قَوْلُهُ: فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا) أَشَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَهُ وَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَهُ بِذِهْنِهِ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ (كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ) هَكَذَا أَوْرَدَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً، وَأَوْرَدَهَا فِي الذَّبَائِحِ مُبَيَّنَةً، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ هُنَاكَ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبٍّ.
قَوْلُهُ (فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ مَيْمُونَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ شَكَّ فِيهِ) هُوَ قَوْلُ شُعْبَةَ وَالَّذِي شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ: هُوَ تَوْبَةُ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ. بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُعْبَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَحْمِ الضَّبِّ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الضَّبِّ: لَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ قَوْلَهُ هُنَا: فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي أَيْ لَيْسَ مِنَ الْمَأْلُوفِ لَهُ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أَكْلَهُ لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا.
خَاتِمَةٌ:
اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَحْكَامِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّمَنِّي وَإِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي حُكْمِهِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ وَتِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا ; وَالْخَالِصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، شَارَكَهُ مُسْلِمٌ فِي تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي الْبِطَانَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَحَدِيثِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الثَّانِيَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ وَفْدِ بُزَاخَةَ. وَفِي التَّمَنِّي سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُكَرَّرَةٌ مِنْهَا سِتَّةُ طُرُقٍ مُعَلَّقَةٍ وَفِي خَبَرِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُكَرَّرَةٌ مِنْهَا طَرِيقٌ وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ) بن عبد الحميد البُسْريُّ القرشيُّ البصريُّ، من ولد بُسْر ابن أرطاة قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندرٌ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ تَوْبَةَ) بفتح الفوقيَّة والموحَّدة بينهما واوٌ ساكنةٌ ابن كيسان (العَنْبَرِيِّ) بالنُّون والموحَّدة والرَّاء، نسبةٌ إلى بني العنبر بطنٍ مشهورٍ من بني تميمٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل: (أَرَأَيْتَ) أي: أأبصرت (حَدِيثَ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟! وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄، أي: جالسته (قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «رَوَى» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا) قال في «الفتح»: والاستفهام في قوله: «أرأيت» للإنكار، وكان الشَّعبيُّ يُنكِر على من يُرسِل الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ إشارةً إلى أنَّ الحامل لفاعل (١) ذلك طلب الإكثار من التَّحديث عنه، وإلَّا لكان يكتفي بما (٢) سمعه موصولًا، وقال في «الكواكب»: غرضه أنَّ الحسن -مع أنَّه تابعيٌّ- يُكثر الحديث عن النَّبيِّ ﷺ؛ يعني: جريءٌ على الإقدام عليه، وابن عمر -مع أنَّه صحابيٌّ- مقلِّلٌ فيه، محتاطٌ محترزٌ مهما أمكن له، وكان عمر ﵁ يحضُّ على قلَّة التَّحديث عنِ النَّبيِّ ﷺ خشية أن يُحدَّث عنه بما لم يقل؛ لأنَّهم لم يكونوا يكتبون، فإذا طال العهد، لم يُؤمَن النِّسيان، وقول الحافظ ابن حجرٍ: «وقوله: وقاعدت ابن عمر» الجملة حاليَّةٌ، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس كذلك، بل هو ابتداء كلامٍ لبيان تقليل (٣) ابن عمر في الحديث، والإشارة في قوله: «غير هذا» إلى قوله: (قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ ﵁ (فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ) وعند الإسماعيليِّ من طريق معاذٍ عن شعبة «فأتوا بلحم ضبٍّ» وسبق في «الأطعمة» [خ¦٥٣٩١] عن ابن عبَّاسٍ عن خالد بن الوليد: «أنَّه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأُتِي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده» (فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ) وهي ميمونة
كما عند الطَّبرانيِّ (إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَأَمْسَكُوا) أي: الصَّحابة عن الأكل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُلُوا) منه (أَوِ (١) اطْعَمُوا) بهمزة وصلٍ (فَإِنَّهُ حَلَالٌ -أَوْ قَالَ) ﵊: (لَا بَأْسَ بِهِ) قال شعبة: (شَكَّ فِيهِ) توبة (٢) العنبريُّ- (وَلَكِنَّهُ) قال ﷺ: لكنَّ الضَّبَّ (لَيْسَ مِنْ طَعَامِي) المألوف فلذا أترك أكله، لا لكونه حرامًا، وفيه إظهار الكراهة لما يجده الإنسان في نفسه لقوله في الحديث الآخر: «فأجدني أعافه» [خ¦٥٣٩١].
وهذا آخر «كتاب الأحكام» وما بعده من «التَّمنِّي» و «إجازة خبر الواحد» وفرغت منه بعون الله وتوفيقه في يوم الأربعاء (٣) خامس عشر شهر الله المحرَّم (٤) الحرام سنة ستَّ عشرةَ وتسعِ مئة، واللهَ أسألُ الإعانةَ على التَّكميلِ، فهو حسبي ونِعْمَ الوكيل (٥).
((٩٦)) (كتابُ الاعْتِصَامِ) هو «افتعالٌ» من العصمة وهي المَنَعة، والعاصم: المانع، والاعتصام: الاستمساك (١) بالشَّيء، فالمعنى هنا الاستمساك (بالكِتابِ) أي: بالقرآن (والسُّنَّة) وهي ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] والحبل في الأصل: هو السَّبب، وكلُّ ما وصلك إلى شيءٍ فهو حبلٌ، وأصله في الأجرام، واستعماله في المعاني من باب المجاز، ويجوز أن يكون حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب التَّمثيل، ومن كلام الأنصار ﵃: إنّ بيننا وبين القوم حبالًا، ونحن قاطعوها يعنون العهود والحلف، قال الأعشى:
وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبيلةٍ … أَخَذَتْ من الأُخْرى إِلَيْك حِبالَها
يعني العهود، قال في «اللُّباب»: وهذا المعنى غير طائلٍ، بل سُمِّي العهد حبلًا للتَّوصُّل به إلى الغرض، قال:
ما زلتُ مُعْتصمًا بحبلٍ منكم (٢) ........................
والمراد بالحبل هنا القرآن لقوله ﵊ في الحديث الطَّويل: «هو حبل الله المتين».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ، وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ، قَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ.
قَوْلُهُ: بَابُ وَصَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وُفُودَ الْعَرَبِ أَنْ يُبَلِّغُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ الْوَصَاةُ بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ وَالْوَاوُ مَفْتُوحَةٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْوَصَايَا وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
قَوْلُهُ: (قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا أَوَّلَ هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَأَغْنَى عَنْ تَرَدُّدِ الْكِرْمَانِيِّ هَلْ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَوِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالنَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ وَأَبُو جَمْرَةَ بِالْجِيمِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ تَرْجُمَانِ الْحَاكِمِ وَإِنَّهُ كَانَ يُتَرْجِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِمَا يَسْتَفْتُونَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: يُجْلِسُنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ فَأُتَرْجِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِمْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ثُمَّ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: احْفَظُوهُنَّ وَأَبْلِغُوهُنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ، فَلَوْلَا أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ بِتَبْلِيغِ الْوَاحِدِ مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ.
٦ - بَاب خَبَرِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ
٧٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ فَنَادَتْهُمْ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ فَأَمْسَكُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُوا - أَوْ اطْعَمُوا - فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ خَبَرِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو بِهِ وَبِمَا فِي الْبَابَيْنِ قَبْلَهُ تَكْمُلُ الْأَحَادِيثُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا.
قَوْلُهُ: عَنْ تَوْبَةَ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ يُسَمَّى أَبَا الْمُوَرِّعِ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْإِهْمَالِ وَالْعَنْبَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بَطْنٌ شَهِيرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَوْلُهُ (أَرَأَيْتَ حَدِيثَ الْحَسَنِ) أَيِ الْبَصْرِيِّ، وَالرُّؤْيَا هُنَا بَصَرِيَّةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، كَانَ الشَّعْبِيُّ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُرْسِلُ الْأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِفَاعِلِ ذَلِكَ طَلَبُ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنْهُ وَإِلَّا لَكَانَ يَكْتَفِي بِمَا سَمِعَهُ مَوْصُولًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُرَادُ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْحَسَنَ مَعَ كَوْنِهِ تَابِعِيًّا كَانَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَابْنُ عُمَرَ مَعَ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا يَحْتَاطُ وَيُقِلُّ مِنْ ذَلِكَ مَهْمَا أَمْكَنَ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اتَّبَعَ رَأْيَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّهُ كَانَ يَحُضُّ عَلَى قِلَّةِ التَّحْدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: خَشْيَةَ الِاشْتِغَالِ عَنْ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ
وَتَفَهُّمِ مَعَانِيهِ.
وَالثَّانِي: خَشْيَةَ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ فَإِذَا طَالَ الْعَهْدُ لَمْ يُؤْمَنِ النِّسْيَانُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عُمَرٍ قَالَ: أَقِلُّوا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
وَقَوْلُهُ وَقَاعدت ابْنِ عُمَرَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ جَلَسَ مَعَهُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ.
وَقَوْلُهُ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً. فَيُجْمَعُ بِأَنَّ مُدَّةَ مُجَالَسَتِهِ كَانَتْ سَنَةً وَكَسْرًا فَأَلْغَى الْكَسْرُ تَارَةً وَجَبَرَهُ أُخْرَى، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ جَاوَرَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَهُوَ كُوفِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِقَامَةٌ بِالْكُوفَةِ.
قَوْلُهُ: فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا) أَشَارَ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَهُ وَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَهُ بِذِهْنِهِ إِذْ ذَاكَ.
قَوْلُهُ (كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ) هَكَذَا أَوْرَدَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً، وَأَوْرَدَهَا فِي الذَّبَائِحِ مُبَيَّنَةً، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ هُنَاكَ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَأَتَوْا بِلَحْمِ ضَبٍّ.
قَوْلُهُ (فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ مَيْمُونَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ حَلَالٌ أَوْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ شَكَّ فِيهِ) هُوَ قَوْلُ شُعْبَةَ وَالَّذِي شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ: هُوَ تَوْبَةُ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ. بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُعْبَةَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَحْمِ الضَّبِّ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ مُسْتَوْفًى فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الضَّبِّ: لَا أُحِلُّهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَأَنَّهَا لَا تُخَالِفُ قَوْلَهُ هُنَا: فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي أَيْ لَيْسَ مِنَ الْمَأْلُوفِ لَهُ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أَكْلَهُ لَا لِكَوْنِهِ حَرَامًا.
خَاتِمَةٌ:
اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَحْكَامِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّمَنِّي وَإِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي حُكْمِهِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهُ فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ وَتِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا ; وَالْخَالِصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، شَارَكَهُ مُسْلِمٌ فِي تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي الْبِطَانَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَحَدِيثِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الثَّانِيَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فِي قِصَّةِ وَفْدِ بُزَاخَةَ. وَفِي التَّمَنِّي سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُكَرَّرَةٌ مِنْهَا سِتَّةُ طُرُقٍ مُعَلَّقَةٍ وَفِي خَبَرِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا كُلُّهَا مُكَرَّرَةٌ مِنْهَا طَرِيقٌ وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ) بن عبد الحميد البُسْريُّ القرشيُّ البصريُّ، من ولد بُسْر ابن أرطاة قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندرٌ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ تَوْبَةَ) بفتح الفوقيَّة والموحَّدة بينهما واوٌ ساكنةٌ ابن كيسان (العَنْبَرِيِّ) بالنُّون والموحَّدة والرَّاء، نسبةٌ إلى بني العنبر بطنٍ مشهورٍ من بني تميمٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل: (أَرَأَيْتَ) أي: أأبصرت (حَدِيثَ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟! وَقَاعَدْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄، أي: جالسته (قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «رَوَى» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا) قال في «الفتح»: والاستفهام في قوله: «أرأيت» للإنكار، وكان الشَّعبيُّ يُنكِر على من يُرسِل الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ إشارةً إلى أنَّ الحامل لفاعل (١) ذلك طلب الإكثار من التَّحديث عنه، وإلَّا لكان يكتفي بما (٢) سمعه موصولًا، وقال في «الكواكب»: غرضه أنَّ الحسن -مع أنَّه تابعيٌّ- يُكثر الحديث عن النَّبيِّ ﷺ؛ يعني: جريءٌ على الإقدام عليه، وابن عمر -مع أنَّه صحابيٌّ- مقلِّلٌ فيه، محتاطٌ محترزٌ مهما أمكن له، وكان عمر ﵁ يحضُّ على قلَّة التَّحديث عنِ النَّبيِّ ﷺ خشية أن يُحدَّث عنه بما لم يقل؛ لأنَّهم لم يكونوا يكتبون، فإذا طال العهد، لم يُؤمَن النِّسيان، وقول الحافظ ابن حجرٍ: «وقوله: وقاعدت ابن عمر» الجملة حاليَّةٌ، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس كذلك، بل هو ابتداء كلامٍ لبيان تقليل (٣) ابن عمر في الحديث، والإشارة في قوله: «غير هذا» إلى قوله: (قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ سَعْدٌ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ ﵁ (فَذَهَبُوا يَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمٍ) وعند الإسماعيليِّ من طريق معاذٍ عن شعبة «فأتوا بلحم ضبٍّ» وسبق في «الأطعمة» [خ¦٥٣٩١] عن ابن عبَّاسٍ عن خالد بن الوليد: «أنَّه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأُتِي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده» (فَنَادَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ) وهي ميمونة
كما عند الطَّبرانيِّ (إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَأَمْسَكُوا) أي: الصَّحابة عن الأكل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كُلُوا) منه (أَوِ (١) اطْعَمُوا) بهمزة وصلٍ (فَإِنَّهُ حَلَالٌ -أَوْ قَالَ) ﵊: (لَا بَأْسَ بِهِ) قال شعبة: (شَكَّ فِيهِ) توبة (٢) العنبريُّ- (وَلَكِنَّهُ) قال ﷺ: لكنَّ الضَّبَّ (لَيْسَ مِنْ طَعَامِي) المألوف فلذا أترك أكله، لا لكونه حرامًا، وفيه إظهار الكراهة لما يجده الإنسان في نفسه لقوله في الحديث الآخر: «فأجدني أعافه» [خ¦٥٣٩١].
وهذا آخر «كتاب الأحكام» وما بعده من «التَّمنِّي» و «إجازة خبر الواحد» وفرغت منه بعون الله وتوفيقه في يوم الأربعاء (٣) خامس عشر شهر الله المحرَّم (٤) الحرام سنة ستَّ عشرةَ وتسعِ مئة، واللهَ أسألُ الإعانةَ على التَّكميلِ، فهو حسبي ونِعْمَ الوكيل (٥).
((٩٦)) (كتابُ الاعْتِصَامِ) هو «افتعالٌ» من العصمة وهي المَنَعة، والعاصم: المانع، والاعتصام: الاستمساك (١) بالشَّيء، فالمعنى هنا الاستمساك (بالكِتابِ) أي: بالقرآن (والسُّنَّة) وهي ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] والحبل في الأصل: هو السَّبب، وكلُّ ما وصلك إلى شيءٍ فهو حبلٌ، وأصله في الأجرام، واستعماله في المعاني من باب المجاز، ويجوز أن يكون حينئذٍ من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب التَّمثيل، ومن كلام الأنصار ﵃: إنّ بيننا وبين القوم حبالًا، ونحن قاطعوها يعنون العهود والحلف، قال الأعشى:
وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبيلةٍ … أَخَذَتْ من الأُخْرى إِلَيْك حِبالَها
يعني العهود، قال في «اللُّباب»: وهذا المعنى غير طائلٍ، بل سُمِّي العهد حبلًا للتَّوصُّل به إلى الغرض، قال:
ما زلتُ مُعْتصمًا بحبلٍ منكم (٢) ........................
والمراد بالحبل هنا القرآن لقوله ﵊ في الحديث الطَّويل: «هو حبل الله المتين».