الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٦٨
الحديث رقم ٧٢٦٨ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٢٦٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٦ - كِتَاب الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ
٧٢٦٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. سَمِعَ سُفْيَانُ، مِسْعَرًا، وَمِسْعَرٌ، قَيْسًا، وَقَيْسٌ، طَارِقًا.
٧٢٦٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ وَاسْتَوَى عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشَهَّدَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا وَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ
٧٢٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِي إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ
٧٢٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ عَوْفًا أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ أَوْ نَعَشَكُمْ بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَعَ هَاهُنَا يُغْنِيكُمْ وَإِنَّمَا هُوَ نَعَشَكُمْ يُنْظَرُ فِي أَصْلِ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ
٧٢٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ وَأُقِرُّ لَكَ بِذَلِكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ
قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)، الِاعْتِصَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْعِصْمَةِ، وَالْمُرَادُ امْتِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْلِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا سَبَبًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ الْحَبْلَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنَ السَّقْيِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَبِالسُّنَّةِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَمَا هَمَّ بِفِعْلِهِ.
وَالسُّنَّةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ مَا تَقَدَّمَ. وَفِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: مَا يُرَادِفُ
الْمُسْتَحَبَّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا عِصْمَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ فِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَعْنًى فِي أَحَدِهِمَا، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى السُّنَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ بَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ) أَمَّا سُفْيَانُ فَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمِسْعَرٌ هُوَ ابْنُ كِدَامٍ بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَالْغَيْرُ الَّذِي أُبْهِمَ مَعَهُ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْجَدَلِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ كُوفِيٌّ يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، كَانَ عَابِدًا ثِقَةً ثَبَتًا، وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الْإِرْجَاءِ، وَفِي الرُّوَاةِ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ آخَرُ لَكِنَّهُ شَامِيٌّ غَيْرُ مَشْهُورٍ، رَوَى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ لِلْبُخَارِيِّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ هُوَ الْأَحْمَسِيُّ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ كَبِيرٌ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ.
قَوْلُهُ (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَعَ شَرْحِ سَائِرِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُ جَوَابِ عُمَرَ أَنَّا اتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرْتُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ سُفْيَانُ، مِسْعَرًا، وَمِسْعَرٌ قَيْسًا، وَقَيْسٌ، طَارِقًا) هُوَ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ؛ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَنْعَنَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا السَّنَدِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَهُ عَلَى السَّمَاعِ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَمَاعِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ شَيْخِهِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ شَيْءٌ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِكْمَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْأَرْكَانِ لَا مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَمَسَّكٌ لِمُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ حُجَّتِهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقِيَاسِ فِي الْحَوَادِثِ مُتَلَقًّى مِنْ أَمْرِ الْكِتَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وَقَدْ وَرَدَ أَمْرُهُ بِالْقِيَاسِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ، فَانْدَرَجَ فِي عُمُومِ مَا وُصِفَ بِالْكَمَالِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ قَالَ: أَنْزَلَ ﷾ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ مُجْمَلًا، فَفَسَّرَ نَبِيُّهُ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ، وَكَلَ تَفْسِيرَهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ يَتَعَلَّقُ بِسَمِعَ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْغَدِ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ أَيِ الَّذِي عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ النَّصَبِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَبَيَانُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ، وَيَأْتِي مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي بَابِ إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَقَوْلُهُ هُنَا: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ بِالْإِسْلَامِ. كَذَا وَقَعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ. وَنَبَّهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ بِنُونٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ. قَوْلُهُ (يُنْظَرُ فِي أَصْلِ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَ الِاعْتِصَامِ مُفْرَدًا وَكَتَبَ مِنْهُ هُنَا مَا يَلِيقُ بِشَرْطِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَمَا صَنَعَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُغَايِرَةً لِمَا عِنْدَهُ أَنَّهُ الصَّوَابُ أَحَالَ عَلَى مُرَاجَعَةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَائِبًا عَنْهُ، فَأَمَرَ بِمُرَاجَعَتِهِ وَأَنْ يُصْلَحَ مِنْهُ وَقَدْ وَقَعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٦٨ - وبه قال: (حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «حدَّثنا عبد الله بن الزبير الحميدي» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ مِسْعَرٍ) بكسر الميم وسكون المهملة ابن كِدَامٍ بكسر الكاف وفتح المهملة المخفَّفة (وَغَيْرِهِ) يحتمل -كما قال في «الفتح» - أن يكون سفيان الثَّوريَّ؛ فإنَّ الإمام أحمد أخرجه من روايته (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجَدْليِّ -بالجيم المفتوحة والدَّال المهملة- الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ -رأى النَّبيَّ ﷺ، لكنَّه لم يثبت له منه سماعٌ- أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا) معشرَ اليهود (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) يعني: الفرائض والسُّنن، والحدود والجهاد، والحرام والحلال، فلم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ ولا شيءٌ من الفرائض، وهذا ظاهر السِّياق، وفيه نظرٌ، وقد ذهب جماعةٌ إلى أنَّ المراد بالإكمال ما يتعلَّق بأصول الأركان، لا ما (١) يتفرَّع عنها (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بفتح مكَّة، ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهليَّة ومناسكهم، وإقامة مناسكهم (٢) (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾) اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان، ورضي يتعدَّى لواحدٍ وهو ﴿الإِسْلَامَ﴾، و ﴿دِينًا﴾ على هذا حالٌ، أو هو يتضمَّن معنى «جعل وصيَّر» فيتعدَّى لاثنين: ﴿الإِسْلَامَ﴾، و ﴿دِينًا﴾، و «على» في قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾ ولا يجوز تعلُّقه بـ ﴿نِعْمَتِي﴾ وإن كان فعلها يتعدَّى بـ «على»؛ نحو: ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معمولُه إلَّا أن ينوب مَنابَه (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ؛ لعظم ما وقع فيه من كمال الدِّين (فَقَالَ عُمَرُ) لكعبٍ: (إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) فيه (نَزَلَتْ (٣) يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ) قال ابن عبَّاسٍ: كان ذلك اليوم خمسة أعيادٍ: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، وعيد النَّصارى، والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل المِلَل في يومٍ قبله ولا بعده.
قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (سَمِعَ سُفْيَانُ) بن عيينة حديث طارقٍ هذا (مِنْ مِسْعَرٍ) ولأبي ذرٍّ: «سمع سفيان مِسْعرًا» (وَمِسْعَرٌ) سمع (قَيْسًا، وَقَيْسٌ) سمع (طَارِقًا) فصرَّح بالسَّماع فيما عنعنه أوَّلًا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٩٦ - كِتَاب الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ
٧٢٦٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. سَمِعَ سُفْيَانُ، مِسْعَرًا، وَمِسْعَرٌ، قَيْسًا، وَقَيْسٌ، طَارِقًا.
٧٢٦٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ وَاسْتَوَى عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشَهَّدَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا وَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ
٧٢٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ضَمَّنِي إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ
٧٢٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ عَوْفًا أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ أَوْ نَعَشَكُمْ بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَعَ هَاهُنَا يُغْنِيكُمْ وَإِنَّمَا هُوَ نَعَشَكُمْ يُنْظَرُ فِي أَصْلِ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ
٧٢٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ وَأُقِرُّ لَكَ بِذَلِكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ
قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)، الِاعْتِصَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْعِصْمَةِ، وَالْمُرَادُ امْتِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الْآيَةَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْلِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا سَبَبًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ الْحَبْلَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنَ السَّقْيِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَبِالسُّنَّةِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَمَا هَمَّ بِفِعْلِهِ.
وَالسُّنَّةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ مَا تَقَدَّمَ. وَفِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: مَا يُرَادِفُ
الْمُسْتَحَبَّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا عِصْمَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ فِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَعْنًى فِي أَحَدِهِمَا، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى السُّنَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ بَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ) أَمَّا سُفْيَانُ فَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمِسْعَرٌ هُوَ ابْنُ كِدَامٍ بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَالْغَيْرُ الَّذِي أُبْهِمَ مَعَهُ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْجَدَلِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ كُوفِيٌّ يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، كَانَ عَابِدًا ثِقَةً ثَبَتًا، وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الْإِرْجَاءِ، وَفِي الرُّوَاةِ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ آخَرُ لَكِنَّهُ شَامِيٌّ غَيْرُ مَشْهُورٍ، رَوَى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ لِلْبُخَارِيِّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ هُوَ الْأَحْمَسِيُّ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ كَبِيرٌ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ.
قَوْلُهُ (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَعَ شَرْحِ سَائِرِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُ جَوَابِ عُمَرَ أَنَّا اتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرْتُ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ سُفْيَانُ، مِسْعَرًا، وَمِسْعَرٌ قَيْسًا، وَقَيْسٌ، طَارِقًا) هُوَ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ؛ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَنْعَنَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا السَّنَدِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَهُ عَلَى السَّمَاعِ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَمَاعِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ شَيْخِهِ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ شَيْءٌ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِكْمَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْأَرْكَانِ لَا مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَمَسَّكٌ لِمُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ حُجَّتِهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقِيَاسِ فِي الْحَوَادِثِ مُتَلَقًّى مِنْ أَمْرِ الْكِتَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وَقَدْ وَرَدَ أَمْرُهُ بِالْقِيَاسِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ، فَانْدَرَجَ فِي عُمُومِ مَا وُصِفَ بِالْكَمَالِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ قَالَ: أَنْزَلَ ﷾ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ مُجْمَلًا، فَفَسَّرَ نَبِيُّهُ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ، وَكَلَ تَفْسِيرَهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ يَتَعَلَّقُ بِسَمِعَ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْغَدِ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الَّذِي عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ أَيِ الَّذِي عِنْدَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ النَّصَبِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَبَيَانُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ، وَيَأْتِي مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي بَابِ إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَقَوْلُهُ هُنَا: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ بِالْإِسْلَامِ. كَذَا وَقَعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ. وَنَبَّهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ بِنُونٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ. قَوْلُهُ (يُنْظَرُ فِي أَصْلِ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ صَنَّفَ كِتَابَ الِاعْتِصَامِ مُفْرَدًا وَكَتَبَ مِنْهُ هُنَا مَا يَلِيقُ بِشَرْطِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ كَمَا صَنَعَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ مُغَايِرَةً لِمَا عِنْدَهُ أَنَّهُ الصَّوَابُ أَحَالَ عَلَى مُرَاجَعَةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَائِبًا عَنْهُ، فَأَمَرَ بِمُرَاجَعَتِهِ وَأَنْ يُصْلَحَ مِنْهُ وَقَدْ وَقَعَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٢٦٨ - وبه قال: (حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «حدَّثنا عبد الله بن الزبير الحميدي» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ مِسْعَرٍ) بكسر الميم وسكون المهملة ابن كِدَامٍ بكسر الكاف وفتح المهملة المخفَّفة (وَغَيْرِهِ) يحتمل -كما قال في «الفتح» - أن يكون سفيان الثَّوريَّ؛ فإنَّ الإمام أحمد أخرجه من روايته (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الجَدْليِّ -بالجيم المفتوحة والدَّال المهملة- الكوفيِّ (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) الأحمسيِّ -رأى النَّبيَّ ﷺ، لكنَّه لم يثبت له منه سماعٌ- أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) هو كعب الأحبار قبل أن يُسلم كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا) معشرَ اليهود (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) يعني: الفرائض والسُّنن، والحدود والجهاد، والحرام والحلال، فلم ينزل بعدها حلالٌ ولا حرامٌ ولا شيءٌ من الفرائض، وهذا ظاهر السِّياق، وفيه نظرٌ، وقد ذهب جماعةٌ إلى أنَّ المراد بالإكمال ما يتعلَّق بأصول الأركان، لا ما (١) يتفرَّع عنها (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾) بفتح مكَّة، ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهليَّة ومناسكهم، وإقامة مناسكهم (٢) (﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ﴾) اخترته لكم (﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣]) من بين الأديان، ورضي يتعدَّى لواحدٍ وهو ﴿الإِسْلَامَ﴾، و ﴿دِينًا﴾ على هذا حالٌ، أو هو يتضمَّن معنى «جعل وصيَّر» فيتعدَّى لاثنين: ﴿الإِسْلَامَ﴾، و ﴿دِينًا﴾، و «على» في قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾ ولا يجوز تعلُّقه بـ ﴿نِعْمَتِي﴾ وإن كان فعلها يتعدَّى بـ «على»؛ نحو: ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] لأنَّ المصدر لا يتقدَّم عليه معمولُه إلَّا أن ينوب مَنابَه (لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا) نعظِّمه في كلِّ سنةٍ؛ لعظم ما وقع فيه من كمال الدِّين (فَقَالَ عُمَرُ) لكعبٍ: (إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) فيه (نَزَلَتْ (٣) يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ) قال ابن عبَّاسٍ: كان ذلك اليوم خمسة أعيادٍ: جمعة، وعرفة، وعيد اليهود، وعيد النَّصارى، والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل المِلَل في يومٍ قبله ولا بعده.
قال البخاريُّ رحمه الله تعالى: (سَمِعَ سُفْيَانُ) بن عيينة حديث طارقٍ هذا (مِنْ مِسْعَرٍ) ولأبي ذرٍّ: «سمع سفيان مِسْعرًا» (وَمِسْعَرٌ) سمع (قَيْسًا، وَقَيْسٌ) سمع (طَارِقًا) فصرَّح بالسَّماع فيما عنعنه أوَّلًا